قصة : رحلة وعي ! ( إكس / إكس )


قصة : رحلة وعي ! ( إكس / إكس )
– بضعة تنويهات :
 
تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .
تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقاتٍ ذات طابع جنسيّ بين ذكرين, وذكر وأنثى , وأنثيين , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .
تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ
فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
  
تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .
فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
– القصة : 
(1)
علا صوتُ صفقةٍ ما ثم أتبعها عويلٌ وبكاءٌ شديد , ثم لم أعد أسمع شيئاً …
كان الأمر سريعاً ؛ فجأة كان هناك شيءٌ ثم لم يعدْ هناك شيءٌ …
وعندما رجعْتُ لفتح عيني لم يكنْ ما رأيْته ذا معنى على الإطلاق … متى صار الناس بهذه الضخامة ؟ ..
وأجابني صوتٌ في داخلي .. _وكأنه رسالة مسجلة أُوْدِعَتْ فيَّ وظلَّتْ تدور لأبدٍ طويل قبل أن أفيق للمرة الأولى فأسمعها للمرة الأولى_  .. قال الصوت : .. لم تعد إنساناً .. ولسْتَ بالعدم … وستطالِع ما يتمناه غيرُك … ولكنك لن تذوقه … ستعيش للأبد فيما لا حياة فيه …
ولما وصل الصوتُ أذنيّ اختفى …وكأنه ناظر محطة كان يرقبُ قطاراً _عمرَه كلَّه_,  فلما بلغه القطار _بعد دهور_ أغمض عينيه ومات…
ثم أكرر النظر فيما حولي .. فأجد المشهد قد زاد غرابةً .. لا زال الناس شديدو الضخامة يسيرون حولي _ وأنا لا أشعر بشيءٍ ولكني أرى وأسمع _ ولكن فتاةً منهم تدنو مني وكأنها لا تصدق أنها تراني , ثم تمد إصبعين _ في ضخامة رِجْلَين_ نحوي , ويبدو أنها التقطتْنِي لأن المشهد يزداد ارتفاعاً واتساعاً, ثم تقرِّبُني من عينِها كأنها تتأمل فيّ شيئاً ما , وفجأة يأتي صوت هادرٌ من ورائها :
– ” لصة ! أمسكوا اللصة ! ”
فتركض الفتاة .. وأنا لا زلْتُ بين إصبعيها وأنظر لأجد مطارِدِيها يقتربون منها , ويبدو من صوت تنفسها أنها تجاهد في الركض لتبتعد عنهم  , ولكنهم يضيِّقون المسافة شيئاً فشيئاً .. حتى تعلو كفُّ أحدِهم لتمر فوقي وتنتهي إلى كتف الفتاة .. فتتوقف عن الركض وقد جذبتها الكفُّ .. ولأن الفيزياء لا تتوقف قواعدها عن العمل لرغبة شريفٍ ولا وضيع .. فقد طرْتُ من بين إصبعي الفتاة لأهوي على الأرض .. فيصيح الصوت الهادر :
– ” الخاتم! … خاتم السيدة! … انتبهوا للخاتم! ”
ولأن قواعد الفيزياء لا تتوقف فجأة عن العمل فإنني .. خاتمَ السيدةِ … قد استمرَرْتُ في التدحرج بسرعة متوجهاً نحوَ ما صُمِّمَ الطريقُ لأتوجه نحوه : مصرف المياه !
وبدا أنه لا شيء سيحول بيني وبين بلوغ هدفي لولا أن إطاراً ضخماً قد حال بيني وبين الاستمرار في الحركة , وأمعنُ النظر في الإطار الضخم فإذا هو باطن حذاء رياضي قد نزل به صاحبه عليّ قبل أن أصل للمصرف .
ويرتفع الحذاء عني فأجد يداً أخرى تلتقطني , ويقول صاحبها في أسى بعد أن تمعَّن فيَّ:
– ” ليس خاتمَ السيدة ! بل تقليد رديء .. وفوقَ ذلك فهو من نحاسٍ ”
ثم يهمّ أن يرميني فترتفع صرخة احتجاجٍ من شفتي ” اللصة ” , فينظرُ إليها في استغراب , ويقول :
– ” ألم تفهمي ؟ إن غنيمتَك ليست غنيمة ! إنه لا يساوي شيئاً !”
ولا زالت عيناها معلقة بي ؛ ويبدو أن من حولي فَطِنوا لتوِّهِم لما فطِنْتُ أنا له قبل قليل , فقال أحدهم :
– ” هل هذا لكِ ؟ “
فتنظرُ إليه في توجس , وكأنها تختبرُ إن كان يريد فعلاً معرفة الحقيقة أم أنه يهزأ بها , ثم تتغلبُ على خوفها , وتقول :
– ” اشتراه لي زوجي في عيد ميلادي ! فسقط مني البارحةَ فجئتُ لأبحثَ عنه ”
بدا شيءٌ من الأسى على بعض العيونِ ثم سرعان ما امّحى كأن لم يكن , وسلّمُوها خاتمَها , فلما استقرَرْتُ في يدها جعلتني في إصبعها وسارتْ بي إلى بيتها ؛ أو للدقة : إلى حجرتِها التي تكاد تخلو من كل أسباب الحياة , ولم تكد تفتح باب الحجرة , حتى رفعتْ إصبعَها في الهواء فارتفعْتُ أنا معه , وقالتْ _ لمن أعتقد أنه زوجها _ :
– ” وجدْتُه ! ”
نَظَرَ إليها زوجُها , فنظرْتُ أنا إليه , ورأيْتُ ما توقعْتُ رؤيتَه ؛ هذا الحزنَ النبيل … لقد تمنى أن يشتري لزوجته أنفس ما يُشْترى فلما عجز عن ذلك أهداها ما تيسَّر , فلما ضاع منها ما تيسَّر لم يملك حتى ما يشتري به مثلَه مرةً أخرى .. ولكنها الآن قد وجدَتْه .. فلا داعيَ لتذكر ما يسوء … وارتمتْ زوجتُه في حضنه فلما آواها بين ذراعيه .. كأنها قَاسَتْ حنانَه إلى قسوة الناس , فلم تملكْ أن قالتْ :
– ” متى صار الناس بهذا السوء ؟! ”
ورأيْتُ في عيني الزوج شبحَ سؤال ثم دفنه .. ولقد حمدْتُ فعلَه .. إذ لو سألها … فلعلها تجيبه فتتذكر تلك الحادثة المحزنة … أو لعلها تعرِّض بمعنى عامٍّ فتتذكرَ أيضاً تلك الحادثة المحزنة .. فلما اكتفى بالحنوِّ عليها وتقبيل جبينِها رفعتْ عينيها إليه , وقالتْ :
– ” إني يسوءني أن تُحْسِن لي كلَّ هذا الإحسانِ ثم أسيء بك الظن … ولقد همَمْتُ أن أطلعكَ على شيءٍ _أهواه من قديمٍ_ ثم خفْتُ أن تهزأ بي فسكتُّ ”
– ” أنا لا أهزأ بكِ أبداً .. ولو قلْتِ : أريد كذا , فقالتْ لي نفسي : ومن يريد هذا الكذا ؟! لسَفَّهْتُ رأي نفسي وأخذْتُ برأيكِ أنتِ .. ”
جرّأها ما قاله زوجها,  فقالتْ له :
– ” عندما كنْتُ أنشد خاتمي اليومَ .. وسوسَتْ ليَ نفسي : أن لعلكِ لا تعثرين عليه , فترجعي خاوية اليدين , فيغضب زوجكِ لاستهتارك بهديته .. فلا تنامي ليلتَكِ تلكِ إلا وقد رأيتِ منه ما يرى الطفلُ من أمِّه _ وقد غضِبَتْ عليه _ تضربه ثم تترضّاه  . فلمَّا وسوستْ لي نفسي ذلك وصوَّرَتْ لي مكاني منكَ وقد خضعْتُ لكَ لتفعل بي ما بدا لك .. وأنتَ تَزِنُ لي العقوبة ميزانَ الذهبِ ؛ فلا أنت تقسو كل القسوة _ حباً لك مني _ ولا أنت تلين كل اللين _ طلباً منكَ لرشدي _ فكدْتُ _والله_ أن أدعَ طلبي الخاتمَ رجاءَ أن يكونَ الذي وسوسَتْ لي به نفسي …فقد طالما أطلبه ولا أناله   
انتبه الزوج إلى ” أسلوبِ ” زوجتِه , فابتسم وجاراها :
– ” إني ليس أشدَّ عليَّ من أن أسوأكِ .. ولكنّ المحنةَ في إجابتِكِ إلى ما طلبتِه شديدة ؛ وقد ذكرْتِ ميزانَ الذهب ؛ وإني لا أدري لعلي أفرُطُ أو أفرِّطٌ ؛ وإنه لا تستحيي المرأةُ من زوجها , فلو فصَّلْتِ مكان الإجمال , وأفصحتِ مكان التورية , لكان أقربَ إلى جواب طلبكِ وأدنى إلى فعلِ ما تقرُّ به عينُكِ .
 فإذا جاءكِ كتابي هذا فأرسلي إليَّ ما قِبَلَكِ من وساوس نفسكِ وأمانيِّها حتى نستعين بها على قضاء حاجتكِ , والسلام ! ”
نظرَتْ إليه زوجتُه في دلالٍ , وقالتْ :
– ” قد بلغنا كتابُ أمير المؤمنين _ أطال الله بقاءَه _, والذي ذكرَ فيه أن نوافيه … بوساوس نفسنا وما تشتهيه …
 وإن حصرَ هذه على البداهة عسير , وما كلُّ ما فيها يصلح لمجلس الأمير .. ولكننا تخيرْنا من ذلكَ ما نرجو أن يكون فيه الغناء والكفاية , ونسأله العذرَ إن قصَّر الجهدُ عن بلوغِ الغاية ..
فأما أولى تلك الوساوس المرغوبة ..والأمانيّ المحبوبة .. فتُسْتَفْتحُ بأمير المؤمنين في مقصوراتِه وقد حل سراويلات مولاته .. ”
فقاطعها زوجها :
– ” ما الذي يقابل ” سراويلات ” في ملابس عصرنا هذا ؟ “
– ” لقد كنت أطلب السجع لا أكثر! ”
– ” ربما علينا أن نخرج من تلك ” الحالة ” حتى لا يؤدي طلب السجع إلى ضياع المعنى ! ”
– ” حسناً ! إنني أتمنى أن أقف أمام زوجي _ وقد جلس وجعلني واقفةً بين رجليه_  وقد بدا الجدّ على وجهه وأنا أحاول أن أزيلَ شيئاً من جَدِّية تلك الملامح بأن أجعلَ تعبيرات وجهي كتعبيرات وجه طفلة وأصواتي كأصواتِ طفلة و”خوفي” من أن تُنْزَعَ عني ملابسي كخوفِ طفلة , لعله إذا رأى مني ذلك رقَّ قلبُه فصفح عني , وهو مع ذلك يمضي غير عابئٍ , فتمتد يداه إلى ما أرتديه من بنطال أو تنورة فينزل بهذا أو يصعد بتلك  , حتى إذا ما بدا أنه لم يبقَ دونَ أن يشرع في عقابي إلا إنزاله ما أرتديه تحتهما , ازدادَتْ  توسلاتي ووعودي أن أنتهي عما ينهى عنه العقابُ بدون عقابٍ  فلا تعود حاجةٌ إليه , فينظر إليّ زوجي _ ولم تفقد ملامحُه شيئاً من صرامتِها _ وينقض دعواي تلك , فيسألني : (وإذا كنْتِ قادرةً على عدم الوقوع في الخطأ من البداية , فلماذا وقعْتِ فيه ؟) فأقول في سرعة :  ( كان ذلك في الماضي , أما في الحاضر والمستقبل فلن أعود لذلك الخطأ أبداً ). ويجيب زوجي في هدوء : (وما الفارق بين مرة الماضي ومرات الحاضر والمستقبل ؟ ) فأنتبه إلى الفخ الذي ساقني إليه , وأحاول أن أجد مخرجاً فأقول : (الفارق أن زوجي _ حبيبي _ … ) وأنظر إلى ملامح وجهه عندما قلْتُ ( حبيبي ) فلا أجدها لانتْ ولو يسيراً , فأكمل ( قد هَمَّ أن يعاقبني على مرة الماضي , ولما كنْتُ فتاةً مطيعةً فقد أغنتْني استفتاحياتُ العقابِ عن العقاب نفسه ! فلن أعود في مرات الحاضر والمستقبل لذلك الفعلِ أبداً !  ) وأنظر إلى ملامح وجهه فأجدها كادتْ تنفرج شيئاً يسيراً عن شبح ابتسامة , ولكنَّها عادتْ _ في أقل من ثانية _ إلى تجهمها , ويقول لي زوجي : ( ولكنْ هل تقوم الفتيات المطيعاتُ بـكذا وكذا وكذا ؟ ) ويبدأ في تعديد ما قمْتُ به في الماضي , فأجد دعواي تزداد ضعفاً , وأملي في النجاة يبتعد بعيداً , ويبدو اليأس عليّ , فأجد ملامحه تدافع دفاعاً شديداً كي لا تتخلى عن التجهم وتهوِّنَ عليّ , فيرجعُ إليّ الأمل , وأقول بصوتٍ _ تخلى عن الطفولة وارتدى مسوح الأنوثة كاملة _ : ( ولقد كنْتُ أطمع أن تنتهي ليلتُنا إلى شيءٍ آخر ) وأحاول أن أميل عليه لأزيد افتتانَه , فيتلقى ميلتي تلك بيديه ويذهب بها إلى غايتها فلا تنتهي إلا وقد استقرتْ بطني على إحدى فخذيه ورجليّ محصورتان بين رجليه وقد أراح يده على مؤخرتي , ويقول : ( ومن قال إن ليلتَنا ستحزم حقائبها وترحل بعد أن أفرغ من عقابكِ ؟ بل نبدأ بالعقاب وننتهي بالذي كنتِ طامعةً فيه ) فلا أتمالك نفسي وأقول : (إن كان هذا هكذا فأنا موافقة ) فيقول زوجي وقد عاد لصوتِه صرامتُه : ( وهل أحتاج لموافقتك ؟!! ) وأنتبه إلى أن ملابسي الداخلية قد نزلتْ وحل محلها راحةُ زوجي , وهو يقول : ( هذه أول مرة أعاقبكِ فيها _وقد عثرْتِ على ذلك الخاتم على أية حال _فسأكتفي بنزول يدي على هذين ) ويقبض بيده على كل ردفٍ من ردفيّ ( ولو لم تكوني رجعْتِ به لكنْتُ قد زدْتُكِ نزول فرشاة شعركِ عليهما ) “
كان زوجُها قد بدأتْ حدقتاه في الاتساع , وتنفسه في البطء , وبدا له أنه ليس بحاجة إلى أن يكون زوجاً مثالياً لـ ” يحمل ” نفسه على تحقيق رغبات زوجته . ثم قال لها :
– ” هذه الوساوس بحاجة إلى أن تدوَّن وتطبق بحذافيرها في فتراتٍ ثابتة , ولكنني سأدخل تعديلاتٍ أيضاً , على سبيل المثال : السيناريو الذي ذكرتِه قبل قليل سنطبقه اليوم ولكنني أريد أن أبدأ عقابك وأنت كاملة العري ليس عليك شيءٌ واحد ”
رفعَتْني الفتاة لأقابل زوجها , وقالت:
– ” ولا حتى سبب العقاب ؟ ”
فابتسم , وقال :
– ” ولا حتى السبب ! ”
وعندما تعرَّتْ من كل شيءٍ حتى ” السبب “_ كما سألها زوجها _ انتهى بي الحالُ وقد وضعْتُ في علبة .. لا أعتقد أن تسميتها بعلبة مجوهرات مناسبة .. فليس فيها غيري .. ولم أكن ” مجوهرات ” بالضبط .. ولذلك لم أرَ شيئاً .. ولكن الأصوات التي بلغَتْني كانتْ كافية لأستيقن أن السيناريو طُبِّق بحذافيره , ثم زيد عليه .. وبينما أنا في الإنصات لما يجري خارج العلبة …
بدأتِ الأصواتُ تتلاشى … وبدأتْ دوامة في العصفِ بي فاستسْلمْتُ لها .. وانتهى كل شيءٍ
*******
(2)
أحاول أن أرى ما حولي فأجدني معلقاً في سقفٍ ما ؛ في منتصف السقف … لينكشفَ لي كل ما تحتي وكأنني وضعْتُ عمداً بحيث أرى كلَّ المحيطِ الذي حولي ؛ كأنني كاميرا مراقبة .. ثم أنتبهُ إلى صوتِ الضحكات الصادرِ من تحتي فأنظر إلى مصدره فأجد ما يبدو وكأنه رواقٌ مشرفٌ على درجٍ ..وتحت ناظريّ خمسُ فتياتٍ كأنهن الأقمار , وعليهن ثياب موحدة , وهن تجرين وتتضاحكْن كأنهن تلعبْن لعبة ما .. فأعيد تقديرَ الأمر .. هذه على الأغلب مدرسة .. فما الذي يجعل المدرسة تضع كاميرا مراقبة في منتصف سقف بهوٍ ما ؟ .. ثم أفطن إلى أن المكان الذي أشغله هو على الأغلب مصدر إضاءة لا كاميرا مراقبة ؛ أنا مصباحٌ إذاً .. هذه فكرة لطيفة .. ويعيدُني إلى المشهد الدائر تحتي ارتفاعُ صوت إحداهنّ باقتراحٍ ؛ أن تلعبن لعبة ما , ثم تصِفُها .. فتتساءل واحدةٌ في دلال عما يجعل اللعبة المقترحة جديدة , فهي نفس الألعاب التي تعلبْنها كل يوم .. فتقول المُقْتَرِحة في جرأة : ولكن هذه المرة لن نكتفي بالركض وإمساك بعضنا البعض بل ستقع أيدينا بصفعاتٍ على جسد المُمْسَكة ! .. وتسألها إحداهن في خفر : على أي جزء من الجسد ؟ .. فتعودُ المقترحةُ إلى جرأتِها وتقول : لا نريد أن يؤذي بعضنا البعض , لنخترْ من الجسد أطرى ما فيه لئلا تتألم المصفوعة ! وتفطن واحدةٌ ثالثةٌ لكلام المقترِحة فتهوي على ردفيها بصفعة وتسأل في عبث : هكذا ؟ فتنظر إليها المقترِحة وتقول : يفترض أن نركض أولاً ليكون في اللعبة حماسٌ ! فتهوي هذه _مرةً ثانيةً_ بيدِها على ردفَيْ المقترِحة وتقولُ في مجون : ولكنكِ واقفةٌ مكانَكِ فماذا أصنع لكِ  ؟ …  فتبدأ المقترِحةُ في مطاردتِها وتبدأ هي في الركض .. وتنغمس الباقيات في جوِّ اللعبة كلٌّ مع من بجوارها .. كلُّهنّ إلا واحدة ؛ التي سألتْ _في حياءٍ_ عن مكان وقوع الصفعاتِ … فلما رَأَتِ الحَيِيَّةُ اقترابَ إحدى زميلاتها منها هَرَعَتْ إلى زاوية البهو فجعلت ظهرَها إليها , وابتسَمَتْ كالمُعْجبَةِ بذكائها ؛ إذ فوَّتَتِ الفرصةَ على صاحباتِها أن تفعلْنَ بها ما كنَّ تفعلْنَه مع بعضهن البعض , وتنتبه إلى صنيعها بقية زميلاتِها فتقول المقتَرِحة في استياء لا يخلو من ممازحة : هذا إخلالٌ بقواعد اللعبة ! فتقول الحيِيَّة : ولكنكِ لم تُسَمِّي قواعدَ ! فترتسم ابتسامةٌ خبيثةٌ على شفتَي المقترِحةِ وتقول _وكأنها محامية_ : فهاكِ الصيغةَ الكاملةَ : أولاً , القواعد … هي قاعدةٌ واحدةٌ : لا يجوز أن تتجنب أيٌّ من اللاعبات تعرّضَ جسدِها للصفعات مستخدمةً في ذلك التجنُّبِ يديها أو جداراً أو ما يشبه الجدار … وتسري هذه القاعدة في جميع الظروف ويعتبر الإخلال بها مما يوقِع المُخِلِّة في المساءلة واستحقاق العقوبة المبيَّنة فيما يلي … ثانياً : العقوبات : في حال الإخلال بالقاعدة المذكورة أعلاه تقوم إحدى اللاعبات _ ويُفَضَّل أن تكون من اقترحَتِ اللعبة على صديقاتها _ تقوم بتوثيق المُخِلّة مستخدمةً يديها وجسدَها على النحو التالي : تقوم المقترِحة بمعانقة المخلة بحيث يلتصق جسديهما ويكون ظهر المخلَّة مقابلاً لبقية اللاعبات , وتمسك المقترِحة برسغي المخلّة ثم تعقدهما خلف ظهر المخلة _ لئلا ينتج عن العقوبة محاولة توقي المخلة للصفعات مرة أخرى مستخدمةً يديها , فتؤدي العقوبة إلى الإخلال بالقاعدة ويؤدي الإخلال بالقاعدة إلى العقوبة وهلم جراً ولا ننتهي إلى شيءٍ _ بعد ذلك تقوم بقيةُ اللاعبات بتعويض المخلّة عن الفترة التي توقفَتْ فيها الصفعات عن السقوط على جسدها بسبب إخلالها بالقاعدة واستعمالها الجدار أو ما يشبه الجدار أو يديها في الإخلال بمبدأ المساواة ووضعها نفسَها موضعاً تميزيًّا استثنائياً لم تحصلْ عليه بقيةُ اللاعبات .. ويعتبر تقديرُ اللاعبات لما يستحقه جسدُ المخلَّة من الصفعات تقديراً نهائياً باتاً غير قابل للطعنِ ولا النقض .
طيلةَ الفترة التي كانت المقترحةُ تتلو فيها “بيانَها القانوني” كان خدَّا الحيِيَّة يزدادان حمرة , فلما فرغتْ المقترِحةُ من تلاوة بيانها , التمعتْ أعينُ زميلاتِها وأمسكْن يديها …وهي تدافعهن ويظهر من مدافعتِها عدمُ جديّتها في رفض ما هو قادمٌ … فلما استقرَتْ في حُضْنِ المقترِحة _ ويداها مقبوضٌ عليهما خلفَ ظهرها _ بدأَتِ الحيَّية تتلقى صفعاتِ زميلاتِها على مؤخرتها , وهي تتأوه .. أو على الأقل تحاول أن تجعل الأصواتَ الصادرةَ عنها تبدو وكأنها تأوه.. وإن لم يبدُ أن صديقاتِها يغفلْن عن حقيقة تلك الأصوات .. فلما ازداد تأوُّهها زَيْفًا واقْتَرَبَ من كَوْنِهِ اعترافاً صريحاً بما تجده من اللذة ..لم تتمالك المقترِحةُ أن ترجِعَ برأسها قليلاً وتخطف قبلة من ثغر الحيِيَّة … ولقد حاولتْ زميلاتُها أن تُظْهِرْن غفْلَتَهنّ عما حدث .. ولقد فشِلْن في ذلك فشلاً ذريعاً .. فلما بدا أن الأمور تسير مسرعةً إلى اتجاه آخر بدأ صوت وقع قدمين ما يتصاعد على الدرج فنظرتْ إحدى اللاعبات إلى صاحبتها _وثالثتهما لا تزال غافلة عن صوت قرع الحذاء للدرج , فَيَدُها لا تزال تهوي على ردفي الحيِيَّة , أما المقترِحةُ والحيِيَّة فكانتا في ذهول تام عن سماع صوت الخطوات أو صوتِ غيرها _ ثم قالَتْ لصاحبتِها :
– ” هل هذا وقع حذاء ذي كعبٍ عالٍ ؟! “
كنْتُ أفهم ما وراء ذلك , في الأغلب تمنع المدارسُ الطالباتِ من ارتداءِ مثلِ هذه الأحذية , فيقتصرُ ارتداؤها على المدرسات , فإذا سمعَتِ الطالباتُ وقع حذاءٍ ذي كعبٍ عالٍ علمْن أن القادمة مدرِّسة .
وشدَّتْ السائلةُ يد زميلتها الثالثة التي كانت لا تزال تهوي على مؤخرة الحيِيَّة وقالتْ لها همساً : ” مدرِّسة ! ” فهرعَتِ الفتياتُ الثلاثُ هارباتٍ وأرادتْ إحداهنّ أن تنبه زميلتيها المتعانقتين _ المغلقتينِ عينيهما وأذنيهما عما سواهما _ولكن الوقت كان قد تأخر وبدأ وقع الخطوات يعلو وكأنه يوشك على بلوغ صاحبتِه نهايةَ الدرج , فعدَلَتْ عن تنبيه المتعانقتين وفرَّتْ بنفسها … وبعد ثوانٍ فتحت المتعانقتان عينيهما على نحنحة المعلمة .. وكانتْ عيناها معلقتان بوجهِ المقترِحة _إذ هو ما يقابلها أما الحيِيَّة فلا ترى منها إلا باطن رأسها _ …. فطِنَتِ المقترحة في أقل من ثانية لما جرى , وسرْعانَ ما بدأتْ في تلفيق عذر , فقالتْ همساً _ وكأنها تحاول ألا تثير مواجع صاحبتِها _ :
– ” لقد عنفتْها ” وأشارت بإصبعها لصاحبتِها التي تعانقها ” إحدى المعلمات اليوم وقالتْ إنه لا أملَ لمن كانتْ في مثل هذه البلادةَ أن تحقق شيئاً في مستقبلِها , ولا تزال صاحبتي تبكي من أثر تلك الكلمات القاسية ”
وفطِنَتْ الحيِيَّة إلى صنع صاحبتها فبدأتْ تجهش بالبكاء , فكادتْ أن تفضح القصةَ كلها _إذ كان تظاهرها بالبكاء في مثل سوء تظاهرها بالتألم قبل قليل _… وَلَكِنْ بدا على المعلمة أنها مصدقةٌ لما تسمعه, ولكنها قالتْ في هدوء :
– ”  حسناً ! أنا آسفة لما وقع لصاحبتِكِ , ولكن البعض قد يرى أن هذا .. الـ .. الـ…القُرْبُ … ويظن أن وراءَه شيءٌ آخرُ …  
تظاهرَتِ المقترِحة بالذهول مما سمعتْه _ وكانتْ على الذي يظهر ممثلةً بارعة بالإضافة لكونها حقوقية متمكنة _  وكأنها لا تصدق أن مدرسةً محترمةً يمكن أن يصدرَ عنها مثلُ هذا القولِ الفاحشِ , حتى لو كان على سبيل الحيطة .. ونقلَتْ نظرتُها تلك في جلاءٍ هذا الذهول .. فأضافَتِ المعلمةُ _وقد ساءها أن تجعل نفسَها في هذا الموضع_ :
– ” انسَي ما قلْتُه .. أنا آسفة ! ”
فلما سارتْ المعلمةُ بضعة خطواتٍ مبتعدة عن المتعانقتين , أزاحتْ المقترِحة صاحبتَها قليلاً ونظرَتْ إليها في نفس الجدية _ فليعطِها أحدهم جائزةَ أوسكار_ وقالتْ وصوتُها صوتُ شاهدٍ على معجزة :
– ” لا يمكن أن أصدق ما جرؤتْ هذه المعلمةُ على التلميح إليه ! يا للدناءة ! أيُعْقَل أن يكونَ شيءٌ كهذا بين فتاتين ! … إييخ ! ”
ولم تتمالك الحيِيَّة نفسَها _ على حيائها _ فأهوتْ بفمها على فم صاحبتِها , ولم تكن هذه القبلةُ كالتي خطفتْها صاحبتُها منها أمام زميلاتِها , كانت هذه القبلة مما يرنُّ له صدى , وبدا لي جلياً _ من مكاني في السقف _ أن المعلمة قد توقفتْ عن سيرها وبدأتْ في الاستدارة تجاه الفتاتين ..
عندها بدأت الألوان تتداخل … والأصوات تتلاشى … وبدأتْ دوامة في العصفِ بي فاستسْلمْتُ لها .. وانتهى كل شيءٍ
********
(3)
الأرض معشوشبة ولكني لا أشعر بطراوة العشب الأخضر الندي على جسدي .. لا أحاسيس أكثر من السمع والبصر , وحتى هذين ليسا إحساساً بالضبط ؛ إنهما ومضة عقلية .. لو كان لي أن أسأل نفسي : ما الذي كانه هذا الصوت ؟ أمرتفع أم منخفض ؟ رقيق أم أجش ؟ .. فما أجيبُ به على نفسي ليس ذكرى الصوتِ وإنما ذكرى وصفِه … وكأنه وُجِد ابتداءً فيّ أنا وليس في خارجي … فأنا أدركه في داخلي ولا أدركه بحواسّ خارجية … وكذلك الحال مع المرئيَّات .. أما الإحساس بمرور الهواء عليّ .. بملمس الأشياء حولي ..بأثر الجاذبية فيّ .. كل هذا لا أشعر به .
ولهذا عندما طرْتُ فجأة في الهواء مبتعداً عن العشب , لم أكن أعلم أنني طرْتُ إلا من ابتعاد العشب الأخضر عن ناظري ثم اقترابي منه مرة أخرى بسرعة , وما إن هويْتُ إلى الأرض حتى بدأتُ أرى صورةَ تَسَارُعِ العشب أمامي وكأنني أركب مجسَّم  سيارة مصغر , وأسير به بين العشبِ … ثم أمعنْتُ النظرَ أمامي فوجدْتُ رِجْلاً فيها حذاءٌ ذو بروزاتٍ في باطنه , وصاحب الرِّجل يسرِع نحوي وغيره يسابقه ليصلَ إليّ …. آه ؛ أنا كرة قدم إذاً .. أو كرة شيءٍ آخر ؛ لِنَنْتظرَ حتى نرى إن كان هذا اللاعبُ سيمسكني أم يركلني… ولمّا كان آخرُ ما رأيتُه منه هو حذاءَه ثم بدأتْ صورة العشبِ المتسارع مرة أخرى .. فقد علمْتُ في يقين أنني كرة قدم .. فكَّرْتُ في نفسي : هذه زاوية لا يتيحها لك مخرجو المباريات .. ثم لما صار بعض الوقتِ … رجعْتُ لنفسي قائلاً : هناك سبب لماذا لا يهتم أحدٌ بهذه الزاوية ؛ كان من المستحيل تقريباً أن أعرف أحداث المبارة بهذا الشكل .. ثم كانتْ المفاجأة عندما خرجت من الملعب فأمسكتْ بي يدا طفلٍ وألقى بي في جهة ما , ولم أغادرْ مكانِي حتى زمنٍ طويلٍ ؛ حتى جاءَ طفلٌ آخرُ وحملني وانتهى بي إلى غرفة تدريبٍ وجعلني في سلةٍ فيها كراتٌ أخرى , وسرَّني أنني على قمةِ هرم الكراتِ التي في السلة مما يمنحني منظوراً مرتفعاً أرى من خلاله أكثر الغرفة , ثم لما مضى وقتٌ طويلٌ ولم أر شيئاً أو أسمع شيئاً … فطِنْتُ إلى أن سببَ كوني في قمة الهرم : أنني نُسِيتُ في الملعبِ حتى فرغ الجميعُ من المباراة وانصرفوا ولم يبق في الاستاد غيري .. ولكن صوتاً قطع عليّ حبلَ أفكاري فنظرْتُ فوجدْتُ لاعباً صغير السنِّ قد دخل للتوِّ إلى غرفة التدريب ودخل وراءه مدربه وأغلق الباب . وأمعنْتُ النظر في اللاعب فوجدته لا يتجاوز العشرين … ومدربُه واقفٌ أمامه وعلى وجهه علامات انقباض , واللاعب يقول :
– ” لقد حاولْتُ جاهداً ! “
والمدرب يردُّ في صرامة :
– ” عندما يقول أفضل مهاجم رأتْه عيناي _وقد خسر فريقُه للتو بفارق هدف واحد _ أنه حاول جاهداً … ثم أعود لإحصائياته .. فأجده قد ضيع عشر هجمات منها أربع محققات , فلا أعتقد أنه صادق فيما يقول ! ”
كان اللاعب على وشك أن يقول شيئاً , فأكمل مدرِّبُه _ وكأنه قد تذكر _ :
– ” بالإضافة للبطاقة الصفراء , من سَمِع بفريقٍ لا يحصل فيه أحدٌ على بطاقات إلا رأسُ حربتِه ؟ “
– ” لقد كان ذلك المدافع الوغدُ مستفزاً , فلم أتمالكْ نفسي ! ”
بدا وكأن اللاعب قد ندم على هذه الكلمات بمجرد أن خرجَتْ من شفتيه , ورأيْتُ الغضبَ يلمع في عيني المدرب , وهو يقول :
– ” هذه هي القشة التي قصمتْ ظهر البعير ! أو للدقة : هي القشة التي ستتسبب في قصْم ظهر البعير ؛ ليس كاملَ الظهر ؛ بل جزءٌ من الظهر ! ”
بدا أن اللاعب قد فطِن إلى مغزى مدرِّبِه , فبدأ يتوسل , ولمّا لم يبدُ أن توسُّلَه سيأتي بنتيجة … تذكر شيئاً :
– ” ولكنني سجَّلْتُ هدفين ! ”
– ” ولكن دَخَل فينا ثلاثة , فلا زلنا مهزومين ! ”
– ” ولكنني سجَّلْتُ هدفين ! “
بدا وكأن المدرِّب قد أدرك ما يريده , فقال :
– ” حسناً هذا لا يعارض ذلك , ولكنَّكَ ستعاقبُ أولاً ؛ جئني بحزامكَ ثم كنْ في حيثُ أريدُكَ ”
فتح اللاعب دولاب الملابس وأخرج منه حزاماً جلدياً , وبدا كأنه يخاطب الحزام بعينينه ويترجّاه أن يتحول إلى قطنٍ او قماش , والحزام ينظر إليه ويقول : من سَمِع بجِلْدٍ تحول لقماش ؟! ولَكِنْ سَمِعَ كثيرون بلاعبٍ ضَبَطَ نفسه فلم يُضِعْ فُرَصَه ولم يستجبْ لاستفزازات خصمِه … ولما انتهى الحزامُ من خطبتِه العصماء , لم يتمالك اللاعب أن غرس أظفاره في جانب الحزام .. فأقسم الحزام أن ينتقم … فأبلغَه المدرب رغبتَه , ولم يفرغْ من سقوطِه على مؤخرة اللاعب _ وقد تعرى مما عليه وانحنى ليولِي المدرِّبَ ردفيه _ حتى كان قد صيَّر غرورَه تذللاً … وسبابَه اعتذاراتٍ  …. واستهتاره وعودَ صدقٍ بالجد والاجتهاد ….  ومؤخرتَه حمراءَ !
فلما طلبَ منه المدرب أن يرجعَ بالحزام مكانَه نسيَ اللاعبُ تمامَ عقابِه .. فذكَّره به مدرِّبُه .. فرفع اللاعب الحزامَ إلى شفتيه وقبَّله .. فنال الحزامُ انتقامَه كاملاً ..
 ولمّا رجعَ اللاعبُ لدولاب الملابس ليعيد الحزامَ مكانَه .. ثم عاد … كان مدرِّبُه قد جلس على كرسيٍّ وأشار إليه بإصبعه ليدنو منه , وقال :
– ” بالنسبة للهدفين اللذين سجلْتَهما … ذكِّرْني : ما الذي كنْتُ وعدْتُكَ به إن سجلْتَ هدفين أو أكثر في مباراة واحدة ؟ ”
بدا أن وجه اللاعب قد اقتبس شيئاً من حمرة مؤخرته , وتمتم بما لا يُسْمع , فأضاف مدرِّبه :
– ” لأنك إن لم تذكرْني فلعلي لا أتذكِّر .. فلا يصل إليك ما وعدْتُكَ به , إذ كيف أمنحُكَ شيئاً نسيتُ ما هو ؟! ”
– ” إن به شَبَهاً مما كنا فيه آنفاً ”
– ” أتريديني أن آتي بالحزام فيكملَ حوارَه مع مؤخرتِكَ ؟ “
– ” لا , ليس الحزام ! ”
يرفعُ المدرب عينيه في نظرة متسائلة مصطنعة ..
كان ردفا اللاعب قد أتمّا نسخَ ولصْقَ محتوياتِهما إلى خديه فعاد محمرّ الأعلى والأسفل , وقال بصوت خافت :
– ” بل باليد ! ”
– ” يدُ من ؟ ”
ولمّا لم يقلْ لسانُ اللاعب شيئاً , نزل المدربُ بناظره إلى بقية جسم لاعبِه _لعل فيه ما قرَّر أن يجيب نيابةً عن اللسان _ فأشار شيءٌ في جسد اللاعب إلى يد المدرب إشارةً شديدةً وكأنه يريد أن يفارق جسد اللاعب ليوصلَ فكرتَه , فقبِل المدرب بذلك جواباً , وقال _ وقد قرَّر أن يرأف بلاعبِه _  :
– ” تعالَ هنا ! ”
واقترب منه اللاعبُ , فأمسك المدرب منه ما كان أجاب على سؤالِه قبل قليلٍ , ورفع عينيه للاعبه , وقال :
– ” منذ وعدْتُك هذا الوعد , وأنت _ سواءً هزِمْنا أو انتصرْنا _ لا تسجِّل أقلَّ من هدفين , فيبدو لي أن الوعد أجدى في تقويمِكَ من الوعيد ”
فعضّ اللاعب على شفته السفلى , ويقول _ وقد بلغ منه الخجل مبلغاً _ :  
– ” أما ما ينتج عن تسجيل الهدفين فإنني أرغب فيه بعد كل مباراة فلذلك أسجل هدفين في كل مباراة … وأما ما ينتج عن الهزيمة المستهترة فلا أرغب فيه إلا نادراً , ولذلك نُهْزمُ نادراً , فليس فيما تفعله بي وعيدٌ , وإنه كله وعد ”
ويرفع المدرِّب إليه عينيه في ذهول , ثم يفْطِن إلى مغزى ما قاله : هناك فارق بين الاستهتار وبين تعمد الهزيمة ؛ لقد كان بوسْع لاعبِه أن يحقق لهم النصر لولا أنه رغب _ عمداً _  في أن يُعاقب .
ثم يقول المدرِّب في غضبٍ بالغٍ :
– ” ارجع إلى الحزام فائتني به ! ”
فيرد عليه الذي لا يزال في يده رداً بليغاً : (ذاك أحبُّ عندي) !
ويُسْقطُ في يدِ المدرب , إذ كيف يعاقِبُ شخصاً كهذا ؟! ثم يهتدي إلى حل , فيقول  :
– ” هدفان أو ثلاثة : يدي … أربعة أهداف : الحزام .. هزيمة متعمدة منك : محرومٌ من يدي ومن الحزام حتى نهاية الموسم ”
ولم يحتجِ المدرِّبُ إلى ردٍّ , فقد خفق (صادقُ الجواب ) في يده مرتين عند ذِكْرِ يده والحزام , وعندما ذَكَرَ الحِرْمان منهما انتكس كالباكي , فعلِم المدرِّبُ مفتاحَ لاعبِه ..
عندها بدأت الألوان تتداخل … والأصوات تتلاشى … وبدأتْ دوامةٌ في العصفِ بي فاستسْلمْتُ لها .. وانتهى كل شيءٍ …
*********
(4)
مرة أخرى لا أعرف أين انتهى بي المطافُ , ويأتيني صوتٌ بعيدٌ فيشغلني عن التفكير في معنى ما أنا فيه .. يزداد الصوتُ إفصاحاً عن سببِه , ولكنه آتٍ من بعيد فكأنني أبْعُدُ عن مصدره أميالاً  .. ثم أنتبه إلى ما أمامي …. مكتبٌ فيه حاسبٌ آلي وشاشة حاسبٍ وفأرة ولوحة مفاتيح .. فأنا _إذن_ الكرسيُّ الذي أمام المكتب .. وتعود الأصواتُ البعيدةُ إلى وقعِها الرتيب .. لو كان لي _ بخبْرَتي _ أن أخمن ماهية هذه الأصوات , لقلْتُ إنها أصواتُ فرشاةِ شعرٍ تهوي على مؤخرة أحدهم أو إحداهنّ .. لا أدري … إذ لا أستطيع سماعَ صوتِ التألم ولا صَوْتَ التوبيخ من مُجْرِي العقابِ والمُجْرَى عليه …  ثم فطنْتُ لعلة كون الأصوات بعيدةَ .. هذه غرفة المكتب أو غرفة الحاسب أو أياً تكنْ .. ولعل هذه الأصوات صادرةٌ عن غرفة النوم مُغْلَقَةِ الباب , ولنفترض أن بابَ هذه الغرفة _ الذي لا أراه _ مغلقٌ أيضاً .. حينها سيبدو الصوتُ بهذا البُعْدِ ..
ثم أحاول أن أستنتج _ مما أدركْتُهُ _ ما يجري : هذه شقةٌ ما .. لا يبالي من يقومُ أو تقومُ بالمعاقبة فيها أن يَسْمَعَ صَوْتَ عقابِه بقيةُ من في الشقة .. إذن _ فعلى الأغلب _ ليس في الشقة غيرهما ..
 أو لعل في الشقة غيرهما ولكن هؤلاء الآخرين عرضةٌ لنفس العقاب أو أنهم موقِعُون مثلَه على المعاقب .. وذلك بأن يكون المعاقِبُ أباً مثلاً والمعاقَبُ ابنته ويسمع عقابَهَا زوجتُه _ التي تعاقِب هي الأخرى ابنتَها في غير هذه المناسبة _  وابنُه _الذي هو عرضةٌ لنفس العقاب من أبيه في ظروف أخرى _ …. وحينَها لن يهتم الطرفان بأن يسمعهما الآخران _ وإن كان ذلك مما يزيد من خجل المعاقبة بلا شك _ ..أو لعل في الشقة غيرُهما ولكنَّ هؤلاءِ الآخرين ليسوا موجودين في هذه اللحظة ؛ لأنهم في سفرٍ أو خرجوا من الشقة لأي سبب آخر …
وكانتْ الأصوات قد توقفَتْ .. فحاولْت أن أصغي السمع لما يدور في غرفة النوم _ إن كانتْ غرفةَ نومٍ _ فلم أصل إلى شيءٍ .. ثم فجأة فُتِحَ بابٌ ما … ثم فُتِح باب الغرفة التي أنا فيها , وسمعْتُ وقع خطواتٍ يقترب عن يميني ثم دخل في مجال نظري شاب عارٍ تعركُ أذنَه يدُ شابة _لا أرى منها غير يدها_ حتى خرج بعيداً عن مدى رؤيتي _ إلى ما أعتقد أنه زاوية الحجرة _ ثم بدأتُ الشابة تتكلم _ وأنا لا أرى أيًّا منهما _ فقالتْ :
– ” قصَّ عليَّ مرة أخرى ما حدث ! ”
بدا لي أن الفتى يزن خيارته , ثم قرَّر أن الأسلم أن يفعل كما طُلِب منه , فقال :
– ” لقد كان من المفترض أن أقابلَ صديقي ( سامي )  في منزله , ولكن عندما ذهبْتُ لمنزلِه وطرقْتُ البابَ لم يردَّ أحدٌ طرقي الباب , فاتصلْتُ به على هاتفه المحمول, فلم يردَّ , فاتصلْتُ بهاتف البيتِ فلم يرد أحدٌ  فخفْتُ أن يكون أصابه مكروه … ”
وسكتَ الشاب عن إتمام كلامه لينشغل بالصراخ ألماً بعد أن سَمِعْتُ وقع خطوتين _ كانتا ما يفصل الشابةَ عن جسده المودعِ زاوية الحجرة على الأغلب _ ثم هوت راحتها على مؤخرتِه فعوى ألماً _ لا شك أن ما فعلتْه فرشاة الشعر بمؤخرته قبل قليل قد رفع من شعوره بذاك الألم  _ ثم قالتْ :
– ” أنا لا أريد أن أسمع منكَ تبريراتٍ تخفِّف من عقابِكَ ؛ لقد عاقبْتكَ في غرفتي وانتهى الأمر , ولسْتُ أنوي أن أكرِّرَ عقابكَ في غرفتِك أنت أيضاً …  فقط أريدك أن تكرر ما حدث ليستقر في ذهنك مدى سخفِ ما قمْتَ به”
بدا وكأن الشابَ قد فقد الأملَ في أن يقدر على مخادعة الفتاة فأجاب بصدق :
– ” حسناً ! إن جانباً مني كان يتوقع أن تكونَ علةُ عدم رد أحدٍ على طَرْقِ الباب ولا على هاتف المنزل أو الهاتف المحمول أن والدَيْ (سامي )  كانا في سفر وأنه أحياناً يتأخر في النوم إلى ما بعد التاسعة .. ولما كنْتُ قد ذهبْتُ إليه في الثامنة _ وإن كان هو من وعدني أن ألقاه في ذلك الوقتِ _ فقد كان هناك احتمال أن يكون نائماً .. ”
بدا أن الشاب لا زال محجماً عن الاعتراف بما فعل , ثم إنه خاف أن ينال صفعةً أخرى , فأكمل في سرعة :
– ” فقلْتُ إذا كان والداه ليسا في البيتِ فماذا يضير لو تسللْتُ من الباب الخلفي وفاجأته في نومه ! ”
هنا هوَتِ الصفعةُ التي كان يخشاها على ردفيه مرتين , وقالتْ الفتاة :
– ” وهل أسرة صديقكَ مكونة من أب وأم وابن واحد ؟ “
– ” بل من أب وأم وابن وابنة ! ”
– ” فماذا عن الابنة ؟ ”
خشي الشاب أن يستمر عقابُه _ الذي يفترض أنه انتهى _ فقال في صدق :
– ” إن جانباً مني كان مستوعباً أن هناك احتمالية ما لوجود الابنة _ أخت ( سامي ) _ في البيت في تلك اللحظة .. “
– ” ثم ؟ ”
– ” ثم إنني قررْتُ أن أتسلل على أية حال , ولكنني _ وأقسم _ لم أكن أنوي إلا أن أفاجئ ( سامي ) وأن أخيفه في نومه ! ”
– ” ثم ما الذي حدث ؟ ”
– ” عندما تسللْتُ إلى البيتِ , اندهشْتُ لوجود أصواتٍ غريبة قادمة من غرفة أختِ ( سامي )  , وعلى الرغم من أن خطتي المبدئية كانَتِ التوجه لغرفة ( سامي )  إلا أنني لم أدر ما الذي حدث ..ولكنني .. “
مرة أخرى .. رجعَتِ الصفعاتُ تنهال على مؤخرتِه ورجع للتأوه . ثم أضافَتِ الفتاة :
– ” لم تدر ما الذي حدث ؟!! ”
– ” حسناً ! لقد كانتْ الأصواتُ قد بدأتْ في الارتفاع وصراخ أخت ( سامي)  قد بدأ هو الآخر في الارتفاع , فقرَّرْتُ أن أعدل عن الذهاب إلى غرفة ( سامي )  وأنظر من ثقب باب غرفة أخته لأرى ماذا يحدث ! “
– ” ثم ؟ ”
– ” وجدْتُها عارية مستلقية على سريرها وقد رفعتْ إحدى يديها بفرشاة شعرها وهوتْ بها على مؤخرتها وهي تصرخ وتتألم ومع ذلك فهي مستمرة فيما تصنعه”
– ” ثم ؟ ”
– ” ثم لا أدري إن كان الوقتُ قد طار سريعاً وأنا لا أشعر به أمْ أن ( سامي )  قد استيقظ فجأة من نومه , أو لعله استيقظ بسبب الأصوات تلك , إلا أنني وجدْتُه واقفاً على رأسي وأنا أنظر من ثقب باب غرفة أخته , والأصواتُ لا تزال مسموعةً من داخل الغرفة ! ”
– ” ثم ؟ ”
– ” كان الغضبُ شديداً في عينيه , ولكنه بدا مستغرباً هو الآخر من تلك الأصوات , فلم أشعر به إلا وقد أزاحني من أمام الثقب , وبدأ ينظر هو فيه , ولكن خلافاً لما صنعْتُهُ أنا فلم يكدْ يرى ما يحدث حتى فتح الباب على مصراعيه , وذعرتْ أختُه وقالتْ شيئاً عن أنها ظنَّتْ أنه لا يزال نائماً , وتجاهل كلامها , وقال (إنْ كان هذا ما تقضين وقتكِ في صنعه  فأنا أتكفل لكِ به ) , ثم سار نحوَها _ وهي لا تزال عارية _ ووضع يده على ظهرها فحال بينها وبين أن تنهض من استلقائها على سريرها , ثم أخذ منها فرشاةَ شعرِها وأهوى بها على ردفيها .. “
– ” كل هذا والباب لا يزال مفتوحاً وأنت واقف ؟ ”
– ” نعم , لقد ذهِلْتُ عن نفسي وبقيْتُ واقفاً في مكاني .. ”
كذَّبَتْه ستٌّ صفعاتٍ عاجلَتْ بهن الفتاةُ مؤخرتَه فكاد يبكي , وقال :
– ” حسناً لقد كان بوسعي أن أغادر , ولكنني ظللْتُ واقفاً لأشاهد ما يصنعه صاحبي بأخته “
– ” ثم ؟ ”
– ” ظل يهوي بفرشاة شعرها على مؤخرتها حتى ابتدأتْ في البكاء فرقَّ لها , وذهبَ من نفسه الغضبُ عليها … فعاوده الغضبُ عليّ , ونَظَرَ إلى الباب فوجدني لا زلْتُ واقفاً مكاني , فأشار إليّ بالفرشاة , فعلمْتُ ما ينوي فعله فهربْتُ من بيتِه …ثم لما جئْتُ هنا وسألتِني عما جاء بيَ مبكراً وكيف كان لقائي بصاحبي بدأْتُ أكذب فلم يخفَ عليكِ كذبي , ولا زلْتِ بي حتى أخبرتكِ بالخبر كله ! ”
– ” حسناً ! أكان من الصعب أن تعترف هذا الاعتراف بدون اللف والدوران ؟! لقد كنْتُ فعلاً أنوي أن يقتصر عقابُكَ على ما فعلتُهُ بكَ قبل قليلٍ في غرفتي , أما وقد بدا من لفك ودورانكَ أنك لم تتعلمْ درسَكَ بعد , فربما يكون من المناسب أن يشهد عقابَكَ من شهدْتَ عقابه ! أين هاتفكَ المحمول ؟! ”
فَطِنَ الشابُّ لما تنوي أن تفعله , فقال :
– ” أرجوكِ ! لقد تعلمْتُ درسي ! ”
مرة أخرى عاد صوت الصفعاتُ وعاد صوتُ صراخِه , فلما أخبرها مكان هاتفه المحمول , خرجَتْ من الغرفة , وبقيتُ أنا أستمع لنحيبِ الشاب , ثم رجعتْ إلى الغرفة , وهي تسأله عن الاسم الذي سجّل تحته رقم صاحبه , فلما أخبرها ضغطتْ أزراراً , ولا بد أنها جعلتِ المكالمة  علنيَّةً .. لأنني سمعتُ صوت الاتصال ثم انفتح الخط , وسمعْتُ صوتَ شابٍ يصرخ عاوياً :
– ” أيها الوغد لا تحسبْ أن الأمر انتهى ! “ 
قاطعتِ الفتاةُ الشابَ قائلاً :
– ” ( سامي ) ! هذه ( سناء ) ! … وأريد أن أقول أن معكَ كل حق في غضبكَ مما فعله أخي هذا الصباح ! ”
رد ( سامي ) :
– ” هل أخبركِ ؟ ”
– ” نعم , ولقد عاقبْتُه على ما صنع ! ”
– ” كيف ؟ ”
– ” بنفس ما عاقبْتَ أنتَ به أختَكَ , ولكنني أرى أنه لم يتعلم درسَه بعد , وأنه بحاجة إلى جمهور يرى صراخه وبكاءه وتوسلاته , حتى يستقر الدرس في ذهنه .. تماماً كما رأى هو أختكَ وهي تنال نفسَ العقابِ ! ”
– ” ما الذي تقترحينه ! ”
– ” إن والدي في العمل الآن وأمي في زيارة لأمها , ولكن سرعان ما ستعود  … وقد قال لي ( عادل ) إن والديكَ في إجازة , وليس في بيتكم غيركَ وغيرُ ( نهى ) , أليس كذلك ؟ ”
بدا في صوتِ ( سامي ) كثيرٌ من الرضا , وأسرع إلى هدفه , فقال :
– ” هل ستكونين أنتِ من يعاقبه أمامنا أم سأكون أنا من يعاقبه ”
ابتلع ( عادل ) ريقه بصوتٍ مسموع , فقالت أخته :
– ” أعتقد أنني سأكون من يتولى عقابَه , ويقتصر دوركما على أن تكونا جمهوراً , ولكن ” وهوتْ بصفعةٍ على مؤخرة أخيها فبلغ صوت تأوهه _ عبر الأثير _ لبيتِ صاحبه ” إذا شعرْتُ أنه لم يتعلم درسَه بعد ذلك , فلك كامل الحرية في أن تكْملَ عقابَه بنفسِك ! ”
ويتصاعد من أخيها صوت كمواء الهرة !
فتأمره بارتداء ملابسه والاستعداد ليذهبا لبيت ( سامي ) فيفعل … ثم يغادران الشقة بعد فترة .. وأبقى أنا أمام مكتب الحاسب لفترة بدتْ طويلةً ..  وأتمنى لو أستطيع أن أنتقل لبيت ( سامي ) لأرى تمام عقابِ ( عادل)  ,… وأجد الفكرة تلح عليّ.. فأحاول جاهداً أن أنتقل بلا جدوى .. فأحاول أن أهرب … فلا أجد مهرباً … ويتملكني الذعْرُ … وأتذكر الرسالة .. ” ستعيش للأبد فيما لا حياة فيه ” .. ماذا لو كنْتُ سأقضي الأبدَ كرسيًّا أمام مكتب ؟ ماذا إذا انتهَتِ الحاجة بالكرسي وألقي في خرابةٍ ما ؟ هل سأقضي الأبد في خرابة ؟ .. أنا لا أعرف كيف ” أتحكَّم ” في كلِّ هذا !  
وما إن خطرَتْ لي خاطرةُ التحكم هذه حتى وجدْتُني فجأة أنتقل انتقالاً تدريجياً لم يكنْ كسابق الانتقالات المفاجئة ؛ كنْتُ على وعْيٍ أنني أغادر مكاني .. وأسمو وأرتفع ..في لحظات بدأتْ الأرض تبتعد شيئاً فشيئاً … ووجدتني أحلقُ بعيداً عن الكرة الأرضية .. بعيداً عن المجموعة الشمسية … هذه سرعة تزيد على سرعة الضوء إذن ! ثم ازدادَتِ السرعة واختلطتْ الأصوات والأضواء .. بدأتْ حالة من الوعي تسيطر عليّ .. أذوب في لا محدودية تحيط بالمحدودية … ثم تحيط باللا محدودية غيرُها فتفْقِدُ صفتَها … وأذوب في اللا محدودية الجديدة .. ولكنها سرعان ما تحيط بها أخرى … حتى إذا شعرْتُ بالتخمة … تمنيْتُ العودة .. لقد ارتويْتُ … ووجدْتني هذه المرة قادراً على ذلك .. إنني أعود  طوعاً  
تقترب مني الشمس وقد درات حولها بناتُها …وثالثتُهن تتوهج زرقةً فتَّانةً .. فأتيممها … وأدنو منها … وأجدُني هذه المرة قادراً على التوجُّهِ في حيث شئتُ ؛ لا حدود تحدُّني .. أفكِّر فيما رأيْتُه قبلُ .. وأجدني أتوجه إلى حي فقير وأقصد فيه بيتاً أو للدقة : حجرة , فأتخلل في خصاص الحجرة وكل ما فيها فلا تفوتني فيها شاردة أو ورادة , وأبتسم عندما تقول صاحبة  الحجرة لزوجها : وهذا سيناريو عاشر ! ثم تسلمُه الورقة فيقول كالملهوف : حسناً ! هذا سنؤديه اليوم ! فتجيبه زوجته : ولكنكَ قلْتَ هذا عن الثلاثة الأخر .. فيجوِّل نظرَه بينهن كالشارد ثم يرفع نظره إلى زوجته في مكر ويقول : من قال إن هناك حداً أعلى لعدد السيناريوهات المطبقة في اليوم الواحد ؟ لأنه _وفقاً لما أعلمه_ فأنا من يضع القواعد هنا ! وتنظر إليه زوجته في خبث وتقول : أعلمه الرمايةَ كل يومٍ فلما اشتدَّ ساعده رماني  !
ثم أتركُ الحجرة وصاحبيها لأشواقهما , وأنتقل في طرفة عينٍ إلى مدرسة ما , وأذوب فيها فيصير كل ما فيها عيناً لي وأذناً , ويشدُّ إحدى عيوني منظرٌ فأوليه اهتمامي .. فتاتان تتبادلان القبلات في غرفة خالية  غافلتين كل الغفلة عن معلمة تطّلع عليهما من خصاص النافذة وقد جعلتْ يديها بين رجليها وهي تلتهم الفتاتين بعينيها التهاماً , ثم تقول إحدى الفتاتين لصاحبتها ( هل تعتقدين أنها لو رأتنا الآن لفعلتْ مثلما فعلَتْ عندما قبَّلْتِني أمامها ذلك اليوم ؟ ) فتحمرّ وجنتا زميلتها , وتقول ( لم يكن هذا “أمامَها ” بالضبط ! ) فتجيبها زميلتها ( لقد سمعوا هذه القبلة في المريخ ! ولم تكنْ تبعدْ عنّا سوى خطواتٍ ) ثم تضيف ( ومع ذلك طيلة عقابها لنا ظلَّت تقول : أنا لا أعرف ما الذي فعلتماه بالضبط , ولكني واثقة من أن شيئاً لا يليق قد حدث ! ) احمرَّتْ وجنتا الحيِيَّة وهي تقول ( تصوَّري لو كانتْ ترانا الآن لأصيبتْ بنوبة قلبية ) ردتْ زميلتُها ( من يدريكِ لعلها ترانا الآن ويداها بين رجليها ! ) وذُهِلَتِ المعلمةُ عندما سمعتْ ذلك , وبدا أنها تتساءل ما إذا كانت طالبتها تعلم ..
وتركْتُها لحيرتِها .. وانتقلْت إلى استادٍ ضخمٍ لكرة القدم .. وفي نفس لحظة انتقالي وجدت الكرة تهزّ الشباك واللاعب الذي سجَّل الهدف يقترب محتفلاً من مدربِه الذي يقول له : ( هذا هو الهدف الثالث لك ! ربما من المناسبِ أن تتخلى عن أنانيتك بعض الشيء وتمرر الكرات أكثر لزملائك حتى تنجو من ” تسجيل الهدف الرابع ” ) وبعدها بدقائق ظل المعلق يصرخ مغضباً من أنانية نفس اللاعب الذي يأبى إلا أن يسجل هدفه الرابع في المبارة بالرغم من وجود أكثر من لاعب كان في موضع تسجيل فأبى أن يمرر لهم الكرة . وألتفتُ إلى المدرب فأجده يهز رأسه وهو يبتسم !
وأتركه لما ينوي أن يصنعه في غرفة التدريب… وأنتقل إلى منزل فخمٍ لأسمع مباشرة صوت صراخ رجل بالغ وهو يلوم ويقرِّع .. وأنتقل إلى حجرة المعيشة التي يتصاعد منها صراخه فأراه واقفاً وقد قبض على حزامه بيده وبنطاله الخالي من الحزام لا يفتأ يهم بالنزول فيرفعه بيده , وأجد أمامه شابَّيْن وشابَّتَيْنِ وقد جعلوا وجوههم للحائط وظهرهم له وقد تعروا من كل شيءٍ , وقد وشَتْ ألوانُ مؤخراتِهم بسر الحزام الذي في قبضة الرجل  .. ويستمر الرجل في الصراخ :
– ” أقرر أن ننهي إجازتنا مبكراً وأن نجعلها مفاجأة لكما , فنعود إلى البيت لنرى أربعتَكُم قد حوَّلوا البيتَ إلى حظيرة بهائم ! ”
قالتْ _ من أعتقد أنها ( سناء ) ؛لأن زيادتَها في البكاء على الثلاثة الآخرين توضِّح أن آخرَ عهدِها بالحزام بعيدة _ :
-” لقد حاولْتُ أن أنهاهم يا عمي ! ولكن لم يسمعوا لي “
 فيهوي الرجل بحزامه على مؤخرتها فتزداد بكاءً :
– ” وأنتِ بالذات تستحقين عقاباً أكبر ؛ لأنكِ أكبرهم سناً , ومع ذلك فعندما فتحتُ البابَ كانت زجاجة المياه الغازية الفارغة  التي اصطدمتْ برأسي مصدرُها يدكِ أنتِ ! “
– ” لقد كنْتُ أطوِّح بها وراء ظهري .. لم أكنْ أقصد أن تصيبكَ ! “
هوى الحزام على مؤخرتها مرة أخرى فأحدث نفس الأثر , وأضاف :
– ” سأمهلكم ساعة وإن لم يعد البيتُ للهيئة التي تركتُه عليها , فسأعيد عقابكم من بدايته ! ”
بدأ الأربعة في التوجِّه لملابسهم , فأضاف :
– ” لا حاجة لارتدائها ثم قد تعيدون نزعَها مرة أخرى  , ابقوا على حالكم وإن نجوْتُم من العقاب ارتديتموها آنذاك ! ”
ولقدْ ظلَلْتُ لساعة كاملة أتلهى بالمنظر , فلما انتهتِ الساعة بدا جليًّا أن الرجل كان محقاً في عدم الحاجة إلى ارتداء الملابس ثم إعادة نزعها مرة أخرى . فظلَلْتُ ساعةً أخرى أتابع عقاب أربعتِهم .
ثم فكرْتُ في نفسي : هذا يوم واحد وكان فيه كل هذا .. فكيف بالأبد ؟!

قصة : ألفٌ ومئتا سنة ! ( إكس – ف )


قصة : ألفٌ ومئتا سنة ! ( إكس – ف )
– بضعة تنويهات :
 

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

 

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسيّ بين أنثيين  , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : تحوي هذه القصة بعض المشاهد العنيفة التي تتضمن : اغتصاباً , وجلدًا تاريخياً , وتلميحاً إلى عملية نحر . وليست مقصودة لذاتها ولكن الرغبة في تصوير أدق _ ولو قليلاً _ لواقع معين قد دفعَتْ إليها .

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .    

تنويه 5 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

– القصة :
( … وكان يَزْعُمُ أنّ الرّجلَ إذا ضُرِبَتْ عُنقُه سقط عَلَى وجهه، فإذا انتفخَ انتفخَ غُرمُولُه وقامَ وعَظُم، فَقَلبَه عند ذلك على القفَا، فإذا جاءت الضّبُعُ لتأكلَه فَرَأتْه على تلك الحال، ورأتْ غُرمُولَه على تلك الهيئة، استَدْخَلَتْه , وقضتْ وطرَها من تلك الجهة، ثم أكلَت الرّجلَ، بَعْدَ أن يقوم ذلك عندها أكثر من سِفاد الذِّيخ.
والذِّيخ: ذَكر الضِّباع العَرقاء.
وذَكَرَ بعضُ الأعراب أنه عاينَها عند ذلك وعند سِفادِ الضَّبُعِ لها، فوجَدَ لها عند تَلْكَ الحالِ حركةً وصياحاً لم يَجِدْهُ عندها في وقت سِفاد الذِّيخ لها.
ولذلك قال أبو إسحاق لإسماعيل بن غَزْوان: أشهد باللّه إنك لَضَبُعٌ، لأن إسماعيل شدّ جاريةً له على سُلّم وَحلَف ليضرَبنَّها مائةَ سَوْطٍ دونَ الإزار – ليلتزِقَ جلدُ السّوط بجلدها، فيكون أوْجَعَ لها – فلما كشفَ عنها _رَطْبةً بَضَّةً خَدْلَةً_ وقَع عليها، فلما قضى حاجَتَه منها وفَرَغَ، ضرَبها مائة سوط، فعند ذلك قال أبو إسحاقَ ما قال. )
من كتاب (( الحيوان ))
للجاحظ (  780 – 869 م )
( 1 )
الزمان : سنة 804 ميلادياً .
المكان : بيت إسماعيل بن غزوان – البصرة .
( فضة )
كان قد مرّ على شرائي بضعةُ أيامٍ  .. ولم أعتدْ _ بعدُ _ أن أكون في بيتٍ كبيرٍ فيه مثلُ هذا العدد من الجواري .. فقد كان سيدي الأول  _ قبل أن يشتريَني (أبو العلاءِ إسماعيلُ بن غزوان) _ شيخاً كبيراً ليس عنده مَنْ يقوم على شأنه من زوجة ولا ولدٍ , ولم يكنْ في بيتِه غيرُه وغيري فكنْتُ أتولى تدبيرَ شئونه .. حتى ماتَ وأنا مملوكةٌ له , فورثني أخٌ له , ولم يكن به حاجةٌ فيّ فباعني ..  فاشتراني (أبو العلاء ) .. فلما ذهبْتُ إلى بيتِه كان ذلك أولَ عهدي بالعيش في بيتٍ فيه سيِّدٌ وسيدَةٌ وجوارٍ أُخَرَ غيري .
*******
( عنان )
منذُ حلَّتْ ببيتِنا هذه الجاريةُ وقد فتنتْني محاسنُها , وهي محاسنُ فائقةٌ بالنظر إلى أني لسْتُ خاليةَ القلبِ لأتملى في محاسن الرائح والجائي ؛ لقد كان فؤادي مِنْ سيِّدةِ هذا البيت _ ( ريطة ) _  في شغلٍ عن غيرِها , ولكن الآن بدأ وجه ( فضة ) الملائكي وجسدها النوراني يومض بعض الإيماض في قلبي حتى كادتْ تزاحم ( ريطة ) مكانَها الذي أخليتُ لها من سنين , وكأن سيدتي قد أحسَّتْ بما يدور في نفسي , فقد فاجأتْني يوماً _وأنا أعدّ الماءَ لاغتسال سيدي _ وقالت لي معابثةً :
– ” (فضة) ؟ ”
انتبهْتُ..  فرفعْتُ عينيّ إليها متسائلة , فأضافَتْ:
– ” هل هي من شغلَتْ عليكِ قلبكِ حتى تَرَكْتِ النارَ متوقدة والقِدْر على الأرض ؟ “
نظرْتُ إلى القدر فوجدته بعيداً عن النار , ولا يزال ماؤه بارداً , فأكملتْ سيدتي :
– ” لو جاء سيدُكِ لميعاد غُسْلِهِ فوجَدَ الماء بارداً فأي شيء يصنعه بك ؟ ”
قلْتُ في دلالٍ :
– ” لو كان لأحدٍ أن يشغلَ عليّ فؤادي حتى أتعرض لعقاب سيدي , فليس ذلك لـ ( فضة ) وإنما لسيدةِ ( فضة ) ! “
قالت ( ريطة ) :
– ” لو صَحَّ قولكِ لكنتِ تذكرْتِ الموعدَ الذي واعدْتُكِ به البارحة _ و( أبو العلاء ) في مجلس أصحابه _ أن تأتيني على الهيئة التي سميْتُها لكِ , فانتظرْتُ مجيئكِ ردحاً من الليل فلم تأتي حتى كان رجوعُ ( أبي العلاء ) “
كنْتُ قد نسيتُ ذلك الميعاد , فحاولْت أن أخلق عذراً :
– ” إنما كان ذلك دلالاً عليكِ لا انشغالاً بها ”
– ” ولو صحَّ قولُكِ _أن هذا إنما كان دلالاً_ , لَمَا وجدْتُكِ _ عندما طال عليّ الانتظار  فبحثْتُ عنكِ _ مستلقيةً على سريركِ ليس عليكِ ما يستركِ وقد أمسكتِ بقميص ( فضة ) الذي يلِي جلدَها فجعلْتِه بين رجليكِ ورُحْتِ به وجئْتِ , فلا أشكّ أنك قد تمنيْتِ لو أنّ صاحبة القميص كانَتْ فيه ! ”
عندها أُسْقِطَ في يدي , فلم أدرِ ماذا أقول , إلا أنني فطِنْتُ لشيءٍ , فقلت في مجون :
– ” ومن أين تعلمُ سيدتي أن ذلك القميص كان قميصَ ( فضة) الذي يلي جلدَها ؟ ”
هنا بدأتْ حمرةُ الخجل يسري بعضها من خديّ إلى خد مولاتي , فأكملْتُ :
– ” وكأني أرى مولاتي وقد كمُنَتْ في حيثُ لا تراها جاريتُها ، وانتظرَتْ حتى تعرَّتِ الجاريةُ _ فعلمتْ مولاتي ظاهرَ ما تلبسه وباطنَه _ فلما سكبَتِ الجاريةُ الماء على جسمها البض وغسلتْ ما تريد غسلَه وعمدتْ إلى ملابسها لترتديها , تمنَّتْ مولاتي لو تكون مكان القميص الذي يلي جلدها لتكون أقربَ شيءٍ منها “
– ” أكنْتِ حاضرتَنا ؟! ”
سرَّني أني أدركْتُ بعين فطنتي ما لو رأيْتُه بعين بصري لما زاد ولا نقص . فقلْتُ :
– ” لا , ولكنْ إذا هوى القلبُ أبصرتْ عينُه ما غاب عن عينِ الجسد “
– ” إذا هوى القلبُ ( فضة ) ؟ أم إذا هوى القلْبُ مولاتَكِ ؟ ”
نظرْتُ لها في عربدةٍ وكتمْتُ في نفسي الجواب , وقلْت في مجونٍ  _ وكأني أسألها الرضا عن إجابتي _ :
– ” إذا هوى القلبُ كليهما .. ؟ ”
هزَّتْ سيدتي رأسَها وكأنها لا تصدق أن يبلغ مجوني وعربدتي هذا الحد , فلما همَّتْ أن تتكلم , دخل زوجها فجأة , وقال لي :
– ” أَغَلِيَ هذا الماءُ فأنْزَلْتِ القدرَ عن النار أم لَمَّا تضعيه على النار ؟ “ 
ولمَّا لمْ أُجِبْ أَدْخَلَ إصبعَه فيه , ففاجأه الماءُ الباردُ ,  فاستطار الشررُ من عينيه , وزوجته ترى من غضبه ما أرى , فبادرَتْه :
– ” ليس للجارية ذنبٌ في هذا لأني أنا شغلْتها بسؤالي عن غليِها الماءَ  
فقلْتُ _وقد رأيْتُ غضبَه تسوقه عيناه بعيداً عني فترمي سيدتي به_ : 
– ” ليس الأمرُ على ما قالتْه مولاتي , وإنما الذنب ذنبي أنا , ولكنها تريدُ أن تدفعَ العقوبةَ عني “
كان الغضبُ لا يزال يلمعُ في عينَي ( أبي العلاء ) , فلما قالتْ له زوجتُه ما قالتْ ثم قلْتُ أنا ما قلْتُ زمجر قائلاً :
– ” فعليكِ وعليها ! أتحسبانِ أني أبالي أَوَقَع سوطي على حرةٍ أم على أَمَةٍ ؟! … لا كنْتُ إن لم أدِرْه على استِكُما حتى يَسْمعَ وقْعَه أميرُ المؤمنين في بغداد فيَشْفَعَ فيكما فلا يُشَفَّع ! “
ثم رفع صوته بالصراخ :
– ” يا ( فضة )  ! يا ( فضة ) ! “
ونظرْتُ في عينَي سيدتي فرأيْتُ فيهما من الذعر مثلَ الذي أَجِدُ ..
********
( فضة )
جاءني صوتُ سيدي ( أبي العلاء ) غاضباً كأنْ قد أغلقَ عقلَه الغضبُ , فهرعْتُ إليه .. فوجدْتُه أمام نار موقدة وقريباً منها قدرٌ فيه ماء , ومولاتي وجاريةٌ أخرى تقفان عنده , فلما رآني قال :
– ” ائتيني بوثاق , وجيئيني بسوطي ! “
نظرْتُ فإذا الذعرُ باديةٌ أماراته على وجه الجارية وعلى وجه مولاتي , فعجبْتُ لأمر مولاتي ؛ ما يفزعها من عقاب جاريتِها كل هذا الفزع ؟ ثم إنني رحْتُ مسرعةً وجئْتُ بوثاقٍ وسوط من جلد _كان كلُّ من بالبيت من رقيقٍ يخشاه إذ يعرِفُ وقْعَه على جسده_ .. كلهم إلا أنا . فلما رجعْتُ إلى حيث تركْتُهُم لم أجد لهم أثراً , ثم جاءني صوت ( أبي العلاء ) من جانب آخر من جنبات البيت صائحاً :
– ” يا ( فضة ) ! “
فذهبْتُ مسرعة إليه فوجدْتُه واقفاً إلى جوار السلم , وصرخ فيّ :
– ” ما أخَّرَكِ ؟ “
فقلْتُ له إنني عدْتُ إلى المكان الذي كانوا فيه فلم أجدْهم , فقال _ وقد تنبَّه إلى أنني لم أُضْرَبْ بسوطه من قبل ولم أرَ أحداً يُضْرَب به فلم أدرٍ أن مكاناً بعينه هو محل العقوبة _ :
– ” إذا وقعت زلةٌ ” _ ثم نظر باتجاه زوجته , وأضاف  _ ” من عبدٍ أو حرٍّ في هذا البيت , فإنني آتي به إلى هذا السلم وأوثقه فيه .. فلا أحل وثاقه حتى يبح صوتُه من الصراخ . وأنتِ لا سابقة عهدٍ لك بعقابي فابْقَي بحيث ترين وتسمعين … لتعلمي ما أفعله بكِ إن زللْتِ مثل زلَلِهما ”
ثم أمر زوجته وأمَتَه أن تنزعا عنهما ملابسهما _ في هذا القرّ _ , فما أسرع ما أطاعتاه _ على شدة البرد _ , فلما فرغا من ذلك أمسك برسغي الأمة فأوثقهما وربطهما في السلم _ وأنا ومولاتي ننظر إليهما  _ فلما استقر بها مكانُها أدخل يده بين رجليها  ثم لم يرُعْني إلا وقد حل سراويله , وَجَامَعَها وهِي لا تزالُ مربوطةً في السلم _ وأنا ومولاتي ننظر إليهما _ فلما قضى منها وطراً , أمْسَكَ بالسوط ورفعه وأهوى به على عجزها _ وكأن التي جامعها لتوه كانَتِ امرأةً أخرى _ ثم رفع السوط ثانية وأنزله , ولا زال يفعل ذلك حتى أحصيْتُ له مئة سوطٍ , أما الجارية فقد كانتْ في أول الأمر تصرخ حتى ينتهي بها صوتُها إلى مداه , ثم لما زاد وقعُ السياط سرعةً وشدةً جعل صوتها يحاكي صوت ثكلى قد بكتْ أياماً على فقيدِها فهي تئنّ أنيناً ثابتاً وقد ذُهِلَتْ عما حولَها , فلما فرغ من المئة وحل وثاقها انطرحَتْ أرضاً كأن لم يكن ينهضُ بها إلا الوثاق , فلم يلتفتْ إليها بل أمسكَ برسغ زوجته وجرَّها إليه , وأوثق يديها وربطهما كما فعل بجاريته , ثم أمسك السوط وقال لزوجته :
– ” متى كان آخر عهدكِ بهذا السوط ؟ ”
فقالتْ وهي تدافع دموعَها :
– ” لا عهْدَ لي به قبل اليوم ! ”
– ” فأي شيءٍ جدّ حتى انتهى بكِ الحال إلى مكان الإماء والعبيد ؟ “
ولمَّا لمْ تجبْ , قال هو :
– ” جَدَّ أنكِ رأيتِني أهمّ بعقاب أمَتِي , فسوَّلتْ لكِ نفسُكِ أن تدفعي عنها , فالآن يصيبُكِ ما أصابها ”
ورفع سوطَه في الهواء , فبكتْ زوجتُه لمَّا شق السوط الهواء _ ولمَّا يقع عليها _ ثم أهوى به قريباً من جسدها بحيث تظنَّ أنه نازلٌ بها … فلمَّا لمْ تستشعِرْ ألماً _ بعد أن ارتفع صراخها حتى كاد يسْمَعُه الأصمّ _ علمَتْ أن السوط لم يقع عليها  , فالتفتَتْ برأسها إليه , فقال :
– ” هذه ذكرى ! وإن عدْتِ لمثلِ فعلِكِ _فلا والله _لا تنقصُ عقوبتُكِ عن عقوبةِ أمَتِكِ شيئاً .. إن الحرة لا يحْسُنُ بها أن تدافع عن أَمَة ! ”
ثم حلَّ وثاقَها , فما فارقَتْ يداها الوثاقَ حتى  أهْوَتْ إلى جاريتِها تقبِّلها وتبكي وتفدِّيها بنفسِها _ وأنا ومولاي ننظر إليهما _ , فلما عاوَدَ سيدي الغضبُ وكاد أن يهوي بسوطِه عليهما جميعاً وهما متعانقتان , سمعْتُ من سيدتي صوتاً لا عهدَ لي به من قبلُ ؛ صوتاً جمَّد الدم في عروقي ونهى ( أبا العلاء ) عن إتمام فعله ؛ قالَتْ :
– ” إني كنْتُ أداهنُ وأصبرُ فالآن لا مداهنةَ ولا صبرَ ؛ وإني مطلقةٌ نفسي منكَ ومشتريةٌ منك ( عناناً ) ومعتقتُها , فإن فعلْتَ ذلك طوعاً فذاك , وإن أبيْتَ وكلْتُ بك عبداً من عبيد أبي , شيطاناً , فلا يمهلُك حتى يقضي عليكَ .. فأنت مفارقٌ لي ولـ ( عنان ) في الحالَيْن .. أما روحُكَ فأنت بالخيار إن شئْتَ أبقيتَ عليها وإن شئْتَ أهدَرْتَها “
ونظرْتُ في وجه ( أبي العلاء ) وأنا أرتقبُ عاصفةً من غضبٍ ففاجأني أن وجهه بدا وكأن ملامحه لا تعرف أين تستقر ؛ كانت تعابيرُ وجهِه أشبهَ شيءٍ بأسدٍ هَمَّ أن يفترسَ فريسة فرأى إنساناً ممسكاً برمحه يتوعَّدُهُ إن اقترب منها …  فلا الأسد رأى في حياته _ قبل ذلك الموقف _ ما يهدِّدُه , ولا هو واثقٌ _ في هذه الموقف _ أنه لو أقدم أنه سيسلم . ونقَّلْتُ بصري بين ( أبي العلاء ) و ( ريطة ) فبدا لي أن الإنسان على وشك أن ينتصر على الأسد ؛ وأن البشريّ لا يتزحزح خطوة عن مكانه بينما الحيوان يرقُبُه وهو يتراجع ؛ ليس تراجعاً مذعوراً _ فهو لا يعرف كيف يُذْعرُ _ ؛ ولكنه لا يزال معدوداً في التراجع ..
سيقول الجيران فيما بعد أن( إسماعيل بن غزوان) كان من سموّ النفس وحسن العشرة وكرم الأخلاق بحيث وافق على طلاق ( ريطة ) و”مَنْحِها” جاريةً لها كمتعةِ مطلقة … ولكن الذي رأى ما جرى في تلك الليلة سيشهد أن توصيف ما حدث بهذا الوصف هو أبعدُ شيءٍ عن الواقع .
*********
( 2 )
المكان : نفس المكان .
الزمان : بعد ألف ومئتي سنة .
( ليلى )
كانتْ أصوات المروحيَّاتِ تصم الأذنين .. مقترنةً بما يبدو وكأنه أصوات مركبات مدرعة تصاحبها أصوات مشاةٍ منتظمة , لم أكنْ قد اعتدْتُ على هذه الأصوات تماماً ؛ لم يكن الجنوبُ في نفس هدوء الشَّمال ولكنه _ قطعاً _ كان أكثر هدوءاً من الغرب , لذلك عندما دَوَتِ الطرقاتُ العنيفة على باب المنزل احتجْتُ لبضعة لحظات حتى أدرك أن هذه على الأغلب عملية تفتيش .. فأسْرَعْتُ إلى غرفتي .. وعندما نزلْتُ كان هناك ضابطٌ يخبِر والدي بالإنجليزية _ والمترجم يترجم الكلام للعربية _ أن هذه عملية تفتيش , التفت أبي للمترجم , ونقلَتْ نظرتُه ما يفكرُ فيه .. النساء !
كان أبي صورةً حيةً لما يتبادر للذهن عند ذكر الرجل العراقي ؛ الشارب الكث .. الصوت الضخم ..الملامح الجادة … ابنة واحدة وثلاثة أبناء : مات اثنان منهما في الحرب_ ولمَّا عَلِمَ النظامُ السابقُ بالجهة التي مات الابنان وهما يحاربان لأجلها قتلوا الابنَ الثالث تعذيباً في المعتقلات _ .
 ولذلك لم يكنْ في البيتِ غيري وغير أمي وأبي ؛ بالنسبة لأبي فالتفتيش أو حتى الإهانة أو حتى الموت هو أمر يستطيع أن يتعامل معه , ولكن … النساء ! نقلَتْ نظرتُه ما يريد قولَه فبادر المترجم لنقل الفكرة إلى الضابط الذي هز رأسه في تفهم , وقال إن هناك مجندة ستقوم بتفتيش ” النساء ” ثم عليهن أن يغادرْن المنزل ليكمل الجنود تفتيش البيت و”الذكور” .. نقل المترجمُ ما قاله الضابط لأبي فسُرِّي عنه , وتزحزح عن الباب ليُفْسِح المجالَ لمجندة صغيرة السن لتدخل إلى المنزل _ في حين انتظر بقية الجنود في الخارج _ وكان هذا هو دوري لأُذْعَر , كنْتُ قد أسرعْتُ لغرفتي لأخفي المسدس في ملابسي , والآن يبدو أنني سأفَتَّش .. قد يتساءل متسائل : لماذا اشتريتُ مسدساً بالأساس ؟ والواقع أنني لم أشتَرِه بالضبط .. لقد أراد بعضُ الأصدقاء أن يتخلص مما عنده من أسلحة نارية _ وكان اقتناؤها شائعاً قبل الغزو _ ففكرْتُ في أن أحصل على إحدى هذه المسدسات بدلاً من أن تُسَلَّم لقوات التحالف .. بالنسبة لي بدا أن ذلك إجراءٌ احترازيٌّ لا خطرَ منه ؛ ولكنني الآن أقف مشدوهة والمجندة تقترب منا لتفتشنا ..وقفَتِ المجندةُ أمام أمي ثم رفعَتْ يديها إلى جانب جسمها وكأنها تخبر أمي بما عليها صنعه , فقلَّدتْ أمي حركتَها , وبدأَتِ المجندة بالتفتيش.. وظهر من الطريقة التي أجرتْ بها التفتيش أن هذا ليس إجراء روتينيًا وأن حدثاً ما قد حدث , وجدْتُني أسأل نفسي :  هل هناك تفجيرات قد حدثتْ في المنطقة مؤخراً ولم أعلم بها ؟  … فلما انتهى تفتيشُ أمي التفتَتْ المجنَّدة إليّ ورفعتْ يديها بجوار جسمها مرة أخرى , فقلْتُ بالإنجليزية :
– ” إنني أتحدث الإنجليزية ! ”
فقالت :
– ” حسناً ! ضعي يديك بجوار جسمك حتى أفتشك ”
قلْتُ  بالإنجليزية _ وأنا أحاول أن أرجئ ما هو محتُّمُ الوقوع _ :
– ” إنني بحاجة إلى أن أرى إذنَ تفتيش .. كما إنني أريد أن أعرف ميولك الجنسية .. إذا كان الهدفُ من وراء أن تفتشني امرأة وليس رجلاً هو أن تخلو عملية التفتيش من شبهة التعدي الجنسي , فإن كونكِ مثلية الجنس يخلّ بهذه الفكرة , أليس كذلك ؟ ”
نظرتْ إليّ مشدوهةً ثم قالتْ في هدوء :
– ” وعلى هذا الأساس فإن تفتيشك من قِبَل ذكر مثليّ الجنس , لا بأس به ؟ ”
قلْتُ _ وأنا أطيل الحوار لأحاول أن أجد مخرجاً من انكشاف أمر المسدس المربوط في فخذي تحت العباءة _ :
– ” نعم ! إن كان في زملائك من تنطبق عليه هذه الصفة _ وكنْتِ أنتِ بالفعل مثلية الجنس _ فقيامه هو بتفتيشي أولى ”
– ” وهل سيوافق والدكِ على ذلك ؟ ”
لم أكنْ أعرف أين يذهب هذا الحوار , ولكنني كنت أخشى ما بعده , فاستمررْتُ :
– ” أعتقد أن بإمكاني أن أُقْنِعَه ! ”
بَدَتِ المجندةُ هي الأخرى مستغربةً من مسار الحوار , ثم فطِنَتْ فجأة لما وراءه , فقالت :
– ” هل تُخْفين شيئاً تخشين من انكشافه ؟ ”
كان الحوارُ قد استغرق وقتاً , فجاءنا صوتُ الضابطِ من الخارج :
– ” هل كل الأمور على ما يرام , هناك ؟ ”
أجابَتِ المجندة بصوتٍ عالٍ  :
– ” نعمْ يا سيدي , إننا على وشك الانتهاء , سيدي ! ”
ثم نظرَتْ لي وكأنها تقول : أنا مضطرة لصنع هذا  . فرفعْتُ يديّ جانباً وانتظرْتُ الأسوأ .. بدأَتِ المجندة من جذعي حتى وصلت إلى أسفل قدمي ثم أحاطتْ قدمي اليمنى بكفيها وصعدت بهما إلى أعلى فخذي , ثمّ عندما كرَّرَتْ نفس الفعل مع قدمي اليسرى انتهتْ إلى المسدس , فتحسَّسَتْه بيدها , ثم رفعتْ عينيها لتلاقي عيني , وتجمد الهواء بيننا للحظة ..ثم انتصبتْ واقفة , وهي تقول للضابط بصوتٍ عالٍ :
– ” لا شيء هنا , يا سيدي ! ”
فَطَلَبَ الضابطُ منها أن تَخْرُجَ بنا ليتم تفتيش البيت , وعندما خرجْتُ أنا وأمي والمجندةُ .. دَخَل الجنود ليفتشوا أبي والبيتَ , وظلَّتْ المجندةُ واقفةً بجواري فنظرْتُ إليها نظرة امتنانٍ , فابتسمتْ لي , وحاولَتْ أن تفتح موضوعاً , فقالت :
– ” إن بيتَكم يبدو لطيفاً , هل هو أثريّ ؟ ”
لم أعرفْ كيف أجيبُ على هذا , فقلْتُ :
– ” إن هذا الحي يشكل جزءاً من المدينة القديمة , ولكني لا أعتقد أن الأبنية تظلُّ على حالتِها لفترة طويلة , ربما كان المكانُ نفسُه أثريًّا وليس البناء ”
 – ” فربما نحن واقفتان على ما كان _في يومٍ ما _ قصرَ الخليفة ؟ ”
لم أدرِ إن كانتْ تمزح أم لا , ولكنني قلْتُ :
– ” معظم الخلفاء كانوا في بغداد , وهناك خلفاء كانوا في سامراء والأنبار والكوفة , ولكن على حد علمي لم يوجد قصر لخليفة في البصرة , ولكن ربما نقف الآن على ما كان بيت الجاحظ مثلاً 
بدا على وجهها شيءٌ من الخجل ؛ فسألتُها :
– ” من أين أنتِ ؟ ”
– ” ( نورفك ) , إنها في ..”
قاطعْتُها قائلةً :
– ” (إيست أنجليا) , أنا أعرف أين تقع ( نورفك ) “
نظرَتْ لي في استياء وقد بدا لها وكأنني سلبْتُها حقاً مشروعاً في رد التعالم بمثله ؛ أنتِ لا تعرفين مكان قصر الخلفاء في العراق , وأنا أعرف المقاطعة التي تقع فيها مدينتكِ .. فكم بيننا ؟ ولكنها _ بذكاء _ وقعَتْ على شيءٍ لا تتكلمُ من نشأتْ في البصرة عنه بهذه السهولة , فقالت _ وإن عادتْ حمرة الخجل لوجنيتها _  :
– ” أريد أن أخبركِ أنكِ كنت صادقة الحدس عندما سألتِني ذلك السؤال ”
توقف عقلي عن العمل عمداً , ووجدْتُني أسألها :
– ” عماذا تتحدثين  ؟ ”
نظرَتْ لي بمكرٍ , ثم عضَّتْ على شفتها وقالتْ : 
– ” في ظروف أخرى كنْتُ لأعتبرَ تفتيشَكِ _ بغير موافقتِكِ _  تجاوزاً “
ظل عقلي متوقفاً عمداً عن العمل , وسألتُها ثانيةً :
– ” ولماذا كنْتِ لتعتبريه كذلك ؟ ”
كانتْ أمي تسمع حوارنا _ وإن لم تكن تفهمه _ لهذا فقد ذُهِلْتُ عندما بدا وكأن المجندة تريد أن ترى لأي حدٍّ تستطيع أن تُخْجِلَ نفسَها  :
– ” لأن ما أرغبُ فيه فعلاً هو أن “أفتشكِ” عاريةً ثم لا أستخدم في “التفتيش” غير فمي ! “
وغضَّتْ من بصرها , فتمنيْتُ ألا تدركَ أمي من لغة جسدها ما يدور بيننا , ولم تستمر اللحظة طويلاً إذ خرج الضابط ومجندوه , فعادت المجندةُ لوقفتها العسكرية , وبدا أن الجمعَ موشكٌ على الانصراف , فهمستْ لي _ إذ أن من حولها الآن يعون ما تقوله _ :
– ” سأهاتفكِ ”
وانصرفَتْ
*******
( لورن )
لم تكن أجواءُ الحربِ هذه هي ما أرجو أن أجد نفسي فيه ؛ ولكن نشأتي في أسرة محافظة لم تتركْ لي من خيارٍ آخر : كان والدا والدي ووالدا والدتي كلُّهم ممن شارك في الحرب العالمية الثانية : الذكور كجنود والإناث كممرضات , وربَّوا أبناءهم على ذلك , فانتهى الحال بستة من أبنائهم الثمانية عسكريين وضباطاً ؛ ومن بين هؤلاء الستة أمي وأبي .. عندما قامتِ الحربُ كان التهديد من والديّ بقطيعة كاملةٍ إن لم أشارك فيها _ مثلما شارك أخي _  .. وعندما قلْتُ لهم إن هذه حرباً ليست لنا فيها ناقة ولا جمل كنْتُ كأنني سببْت الدينَ لراهبٍ متبتل ؛ في عينيهما كانتْ الحربُ حرباً مجيدةً للدفاع عن ( لندن ) نفسِها …وكانت القطيعةُ ولم أسمع منهما شيئاً إلا عندما قرَّرْتُ _في لحظة ضعفٍ_ أن أستجيب لطلبهما وألتحق بالتجنيد. وسرَّني  _ فيما بعد _ أنني لا أقوم بكثيرٍ من ( الأعمال القتالية ) كما يقال , في المعتاد معظم ما يُطْلبُ مني يكون خلفَ خطوط القتال ؛ فلا أطلق النار على أحد ولا يطلق أحدٌ النارَ عليّ .
وسارَتِ الأمورُ على نفس الوتيرة , حتى جاء يومٌ وقعَتْ فيه تفجيراتٌ عنيفة , وطُلِب منا أن نُجْري تفتيشاً لعدد من البيوت بحثاً عن المفجرين أو المرتبطين بهم  ؛ لم تَكُنِ المناسبة سارةً كما يبدو , ولكن في أحد البيوتِ المطلوب تفتيشها _ ولأسبابٍ لا علاقة لها بالمنطق _ طلبَتْ فتاةٌ عراقية مني أن ترى إذن التفتيش وأن تعرف “ميولي الجنسية” والغريب أنني أجبْتُ طلبَها _ الخاص بميولي الجنسية وليس الخاص بإذن التفتيش _  .. أنا لم أصارح والديّ ولا أسرتي ولا أقرب أصدقائي في إنجلترا بـ ” ميولي الجنسية ” تلك ,  ثم أطْلِع فتاة غريبة من بلد غريب على هذا السرّ … وأمامَ أمِّها أيضاً,  والتي أرجو أن تكون حقاً لا تحسن الإنجليزية , وإلا فإنني وابنتها سنكون في ورطة  .
********
( ليلى )
عندما خلدْتُ للنوم في تلك الليلة كان لديّ فكرةٌ مبدئيةٌ عما ينوي عقلي أن يَصْنَعَه أثناء نومي ؛ فقد ظللْتُ _ طيلةَ يقظتي _ أنهاه عن أن يذهبَ إلى الاتجاه الذي بدا لي واضحاً أنه يريد أن يذهب إليه , فلما نمْتُ _ ولم يعدْ لديَّ سلطانٌ عليه _ بدا وكأنه ينتقم من الكبْتِ الذي عاناه فانطلق وحَلَّقَ وغنَّى وأطْرَبَ … والمصيبة … المصيبة أنني كنت أكثر الناس سروراً بذلك .
عندما حوتْ أحلامي صورةً للمجندة التي لا أعرفُ اسمَها وقد قبضت على فخذيّ بيديها , ولسانُها يدورُ فِي الذي لا أسميه ولكني أكنيه _ كما يقول الشاعر _ كانت تلك أسعد لحظات حياتي , على الرغم من أنها حلم , وشعرْتُ أن عقلي ينظر إليّ بمؤخر عينه ويقول : ألم أقل لكِ ؟ هذا هو ما تريدينه أكثر من سواه , فلماذا تمنعينني من الخوض فيه ؟ فأقول له بصوت يقطر ألماً : حتى لا تصير الأمانيُّ واقعاً فنفتضح ! فيقول: لو افتضحتْ _ منذ بدء الإنسانية _ كلُّ من صارتْ أمانيُّها تلك واقعاً , لكان ذلك الفعل _ الذي تخافين أن تَفْتَضِحِي به _  قد صار مقبولاً وأقرَّتْه الأعراف والتقاليدُ والعاداتُ في كل بقاع العالم ! فأقول له : أنا لا تعنيني أن تَنْجُوَ كلُّ من تمنَّتْ مثل ما أتمنى إذا افتضحْتُ أنا , ولا أبالي أن يَفْتَضِحْنَ كلُّهنّ إذا سَلِمْتُ أنا . فيقول لي مُحْنقًا : يا بلهاء ! هذا ما عنَيْتُهُ ؛ أقول لكِ : لو فكَّرَتْ أخواتُك _ وإخوانُكِ _ في أحدٍ سوى أنفسِهم لما كنْتِ الآن تعانين كل هذه المعاناة .. فتردَّين وتقولين : أنا لا يعنيني سوى نفسي ؟!
 وأبكي ؛ لأنني صرتُ محلَّ تعنيفٍ حتى من عقلي ! فيرقُّ عقلي لي ويقول : حسناً لا داعي للدموع . فلا تخفّ حدة بكائي . فيقول : سأريكِ شيئاً تحبينه , فلا داعي للبكاء ! فأضحك رغماً عني , وأنظر أمامي فأجد عقلي قد أعدَّ مسرحاً جديداً لحلم جديد , فأمسح دموعي وأخطو لخشبة المسرح لأجدني ممسكةً بملفٍّ مزخرفِ , وأنا على مكتبٍ أنيقٍ , وتجلس أمامي المجندة _ولكنها مرتديةً ملابس طالبةٍ _وهي تنظر لي وكأنها تعتذر من شيءٍ ما , وأفتح الملف لعلي أجد فيه  تفسيراً لهذا الموقف , فأجِدُ الذي فيه ورقةً بيضاءَ فارغةً ليس مكتوباً عليها شيءٌ , وأرفع عينيّ إلى المجندة _ التي قد صارتْ طالبةً _ فأجدها تقول بعربية فصيحة :
– ” لقد حاولْتُ أن أقوم بالبحثِ الذي كلفْتِنِي به , ولكنني لم أعثرْ على فكرة واحدة أكتبها , فخفْتُ أن تعتقدي أنني تكاسلْتُ عن القيام به , فأتيتُك بالورقةِ التي كنت أعدها لأبدأ كتابةَ البحثِ عليها , وعليها بقيةٌ من أثر الدموع التي ذرفْتُها حزنا أن أخيبَ ظنكِ ”
أعدْتُ النظر إلى الأوراق فإذا فيها أثر نقاطٍ من ماء , فيرقُّ قلبي لها وأهمُّ أن أواسيها وأخبرها أنني لا أبالي إذا تأخرَتْ في تسليم بحْثِها أو لم تسلِّمْه على الإطلاق , وما إن ترى ملامحي قد رقَّتْ ولانتْ حتى تنفجر ضاحكةً , وتقول :
– ” خدعْتُكِ ! إن هذه قطراتٌ من ماء الصنبور… ولكنكِ ظننتِ فعلاً أنني أبكي بسببٍ تافهٍ كذلك ؟ ”
فيكون هذا دوري لأبتسم وأقول :
– ” لعلكِ فتاةٌ كبيرةٌ لا تبكي لأسباب تافهة كتلك , ولكني أعرف ما يَجْعَلُ الفتياتِ الكبيراتِ يبكين ! ”
وأنظرُ أمامي فأجد مسطرةً فأرفعها بإحدى يديّ وأهوي بها على راحة يدي الأخرى كالمهدِّدة . فتنظر الطالبة/المجندة نحوي في تذلل , وتقول _وقد عادتْ لتخضع في القول_ :
– ” ولكنني لسْتُ فتاةً كبيرةً على الإطلاق ! وإن والدي أحياناً يريد معاقبتي _ بلا سبب واحد يوجب ذلك _ فيجعلني أقف أمام مصباحٍ ليقع ظلي على الجدار , ثم يقترب من الجدار الذي عليه ظلِّي , فيضرب ظلي فأبكي أنا من فرط رقَّتي وطفولتي ”
فأجاهد لأمنعَ نفسي من الانخداع مرةً أخرى بعذوبة كلامها , وأقول :
– ” إخاله لو تجرأ في إحدى المرات , وعاقَبَ صاحبةَ الظلِّ الشقيةَ بدلاً من الظل البريء , لما كانت تَجْلِسُ أمام معلمتها _وهي تهزأ بإشفاقها عليها _ لتقول : خدعْتُكِ “
ارتسمتْ على شفتها ابتسامة ماكرة _ يبدو أن المقلب لا زال وقعُهُ لذيذاً في نفسها _ وسرعان ما قالت :
– ” ولكنها خدعة بارعة ! … في الواقع إنها خدعة ساذجة , ولم تكنْ لتنطليَ على طفلٍ , ولكن أدائي التمثيلي الرفيع  _ بلا شكَّ _  هو ما تسبَّبَ في انخداعكِ بها “
– ” حسناً ! فليكنْ ! لنرَ أدائكِ التمثيلي الرفيع ؛ تصوري أنك طالبة شقية وأن معلمتكِ قد قرَّرَتْ معاقبتكِ برفع تنورتكِ هذه حتى يبدو ما تحتها من الملابس ”
– ” ليس تحتها ملابس لِتَبْدو ! ”
أحاول ألا أشهق بصوت مسموع , وأضيف بصوت أحاول أن يكون مسموعاً :
– ” .. ليبدوَ ما تحتها من جلدٍ , ثم استعملتْ هذه المسطرة على الجلْد المكشوف حديثاً ..”
قاطعتْني قائلةً :
– ” هل بإمكاني أن أتمعنً النظرَ في هذه المسطرة رجاءً, لأتمكن من استيعاب المشهد ؟ ”
فأناولُها المسطرةَ فتمسكُ بها في يدها , ثم تقوم مِنْ كرسيِّها , وتستديرَ لتكونَ مؤخرتُها في مقابل نظري , ثم ترفعُ تنورتَها لتؤكد صحةَ ما قالته عن عدم وجود ملابس تحتها , وأجدني أتمعَّنُ النظرَ في كل ما أمامي بلا خجل , ثم تَرْفَعُ المسطرة بإحدى يديها وتنزلُ بها على مؤخرتِها المكشوفةِ وتتألمُ بصوت مسموع , ثم تُتْبِعُ صوتَ التألم بصوتٍ لا يَصِحُّ أن تسمعَه معلمةٌ من طالبةٍ , فأقول :
– ” لا أعتقد أن الطالبة _في المشهد الذي أريدكِ أن تتصوريه _ بهذا الاستمتاع بعقوبة معلمتها “
– ” كل طالبة في هذه الدنيا كانتْ لِتَسْتَمْتِعَ بعقوبة معلمتها لو كانَتِ المعلمةُ في مثلِ جمالَكِ وكانَتْ مؤخرةُ الطالبة في مثل انكشاف مؤخرتي .. أنا أحترم حقَّكِ كمؤلفةٍ في رسم السيناريو كما ترغبين , ولكن _رجاءً _ كوني واقعية ! ”
– ” هلّا كرَّرْتِ الجزءَ الخاصَّ بجمالِ المعلمة ..فإني أحب أن أسمعكِ تذكرينه ! “
التفتَتْ فتاتي الشقيَّةُ لتواجهَني وبقدر ما سرَّني رؤيةُ وجهِهِا بقدر ما ساءني ابتعادُ ردفيها عن ناظري , ثم قالَتْ :
– ” أتؤمنين يا معلمتي بالغيبياتِ ”
استغربْتُ من السؤالِ وقلْتُ لها :
– ” لماذا تسألينني هذا السؤال ”
– ” لأنه في هذه اللحظة بالذات سيرنُّ هاتفُ منزلكم فترفعين السماعة مسرعةً _ إذ والداك نائمان في هذا الوقت المتأخر من الليل _ فنكملَ حوارَنا ”
نظرْتُ إليها في دهشة ليغيبَ وجهُها فجأة عن ناظري ثم أستيقظ على رنين الهاتف ..في الثالثة فجراً ! . وأهرع مهرولةً للهاتف وأرفع السماعة فيفاجئني صوتُ المجندة :
– ” المعذرة على الاتصال في وقت متأخر , ولكنني لم أستطِع النومَ وأنا أفكر في شيءٍ قلتِه لي .. ”
كان النومُ لا يزال مخيِّمًا على أجزاء من دماغي , فقلْتُ :
– ” من أين عثرتِ على رقم هاتفي ؟ ”
– ” إنني أعرف أين تسكنين .. الأمر ليس بهذه الصعوبة ! ”
– ” إمم .. لأنكِ كنتِ قبل قليل تخبرينني _في الحلم_ أنك ستتصلين , وكنت أتساءل ما إذا كان هذا نوعاً من أحلام المنبه أم أنكِ بالفعل كنتِ في منامي ”
هنا قرَّر النومُ أن بقاءَه في ساحة الجريمة التي تسبَّبَ بها للتوِّ مما لا يحمد عقباه , فولى هارباً , وتركني _ كاملةَ الاستيقاظِ_ أفكِّرُ فيما قلْتُه للتوّ , وجاءني صوتُ المجندة :
– ” هل كنْتِ تَحْلُمِينَ بي ؟ ”
حاولْتُ أن أجيب , ولمَّا لم أستطِعْ , وجدتُني أسألها :
– ” بعيداً عن هذا .. ما الذي قلْتُهُ ومنعكِ من النومِ حتى تتصلي بي في مثل هذه الساعة ؟ ”
– ” لا شيءَ في الواقع , لقد كان عذراً أخرقَ ؛ مبرِّراً حتى أسمع صوتكِ لأنني لا زلْتُ أفكرُ فيكِ منذ التقينا , أمَّا الآن فلم تَعُدْ بي إليه حاجةٌ بعد اعترافكِ بأنني فتاةُ أحلامكِ _حرفياً_ “
شعرْتُ أنني أدينُ للنوم الذي خدَّر عقلي فحملني على هذا الاعتراف , ولكنني وجدْتُني لا أزال خَجْلَى من التسليم بما حدث , فسألتُها :
– ” ولكن ما الذي كانَهُ العذرُ الأخرق ؟ “ 
– ” سأخبركِ به إن أخبرتِني بما كانَهُ الحلمُ الذي كنتُ فيه ! ”
وجدْتُ أن هذا بيعُ غُبْنٍ , ولكنَّ الفضولَ غلبني لأعرف ما المبرر الذي فكَّرَتْ فيه فتاتي لتتصل بي , فقلْتُ :
– ” موافقة ! “
– ” حسناً !  لقد قلتِ لي أن قصور الخلفاء لا تكون في البصرة , ولكن من الممكن أن نكون واقفين في المكان الذي  كان منزل (إلجاهث) , فلما أعدْتُ تَذَكُّرَ حوارِنا في ذهني _ للمرة الألف _ قرَّرْتُ أن أبحث في الإنترنت عن (إلجاهث) هذا فلم أجد عنه شيئاً , فقرَّرْت أن أجعل السؤالَ عنه هو المبرِّر لاتصالي  ؟ “
– ” كيف تهجَّأْتِ اسمَه ؟ “
– ”  إ ل ج ا ه ث ! “
– ” أعتقد أن الصورة الإنجليزية لاسمه أقرب إلى (ألجاهز ) , فلا عجبَ أنكِ لم تجدي عنه شيئاً ! ”
– ” من هو على أية حالٍ ؟ ”
– ” إنه أديبٌ صاحب يدٍ بيضاء عليّ إذ كان السبب في اتصالكِ بي “
صحَّحَتْ المجندةُ لي قولي :
– ” كان السببَ الظاهريَّ المُدَّعَى أما السببُ الحقيقيُّ فأنْتِ أعلم به ”
ثم تذكَّرَتْ فأضافتْ :
– ” دوركِ ! ”
ترددْتُ قليلاً ثم قرَّرْتُ أن أقصَّ عليها الخبرَ بتمامِه , فلما فرغْتُ منه , قالتْ :
– ” من لقاءٍ واحد ! ”
– ” من لقاء واحدٍ ماذا ؟ ”
– ” من لقاءٍ واحدٍ علمْتِ بكل خفايا عقلي ورغباتي ! “
– ” لقد كان الحلم عن رغباتي أنا , ولكن إن كانتْ هي ورغباتُكِ سواءً فلَعَلَّ هذا يعِينُ على انتقالِ أحداثِ الحلمِ إلى الواقع ! ”
– ” لقد تأخَّرَ انتقالُ هذه الأحلام إلى الواقع زمناً طويلاً , فلعلنا نبدأ في نقلها إلى الواقع في هذه اللحظة ! “
– ” في الثالثة فجراً في البصرة ؟! ”
– ” في الثالثة فجراً في البصرة في منزل الجاحظ ”
– ” ولكن واحدةً منا فقط هي التي في ” منزل الجاحظ ” الآن , فكيف تنتقل الأحلام إلى الواقع ”
– ” انظري من النافذة ! ”
لم أصدِّق أذنيّ ؛ إن وجودها في مثل هذا المكان منفردة في مثل هذا الوقت أمر بالغ الخطورة , ولكني تركْتُ سماعة الهاتف وصعدْتُ لغرفتي وفتحْتُ النافذة فلم أرَ أحداً ورجعْتُ لأمسك سماعة الهاتف وما إن بدأتُ أتكلم حتى فاجأتني ضحكتها وقالتْ :
– ” خدعْتُكِ ! ”
– ” لا أصدق أن خدعةً كهذه انطلتْ عليّ ”
قالتْ _وقد بدأتْ تلتقط أطراف الخيط _ :
– ” إنها خدعة تافهة لا تنطلي على طفلٍ , ولكن أدائي التمثيلي الراقي وتلويني لدرجات صوتي بتمكُّنٍ هو _ بدون شك _ ما كان وراء تصديقكِ لها “
أحاول أن أتماسك , وأقول :
– ” حسناً ! لنرَ أداءكِ التمثيلي ؛ تصوري مشهداً تريد فيه حبيبتُكِ .. “
قاطعني صوتُها في الهاتف :
– ” أوووه … (حبيبة) مرة واحدة ! ”
– ” لا تزيدي في الشقاوة , حتى لا تزيد في عقابكِ “
جاءني الصوتُ العذبُ في الهاتف :
– ” آسفة ”
– ” حسناً إنها تريد عقابَكِ ولكنها لا تستطيع أن تنتظر حتى تقابلكِ ولا … ”
تقاطعني مرة أخرى :
– ” ولكن لعلها تستطيع أن تقابلني بالفعل ! ”
– ” وكيف ذلك ؟! ”
– ” انظري من النافذة ! ”
– ” لقد خدعتِني مرةً _ مرتين , لو حَسَبْنَا مرَّةَ الحلم _ ولا أعتقد أني أنْخَدِعُ للمرة الثالثة ”
– ” أرجوكِ ! ”
فأقرر منْحَهَا فرصةً أخيرةً , ولكنني أٌقول لنفسي :  ( لو كان هذا أيضاً مقلباً … فسأسير رأساً للقاعدة العسكرية التي هي فيها _ وليكن ما يكون _ وسأعاقبها على الملأ _ لا أدري كيف _ , فلا أنهي عقابَها حتى أستيقن أنها تعلمتْ درسَها ! ) وأفتح النافذة … فأراها .. وتلوح بيدها لي محيِّيةً وتشير إلى بابِ بيتنا وكأنها تطلب مني أن أفتَحَه لها .. وعندما أتبيِّن خطورةَ ما صنعَتْه يسقطُ قلبي في قدميّ ؛ إنها مجندة تقف وحيدةً بلا عون خارجي في قلبِ الليل في مكانٍ غير آمن … ماذا لو خطفها أحدٌ ؟.. وأكاد أراها بعين الخيال وقد صارتْ بطلةَ  إحدى هذه الفيديوهات الشنيعة وأحدهم يتلو ” تهمتَها ” ثم ينفذ ” العقوبة ” بلا ذرة من إنسانية ! ويسقط قلبي إلى هوة أعمق ! وأجدني أهرول مذعورة نحو الباب فأفتحه وأُدْخِلَها وقبل أن تنبس ببنت شفة أحتدُّ قائلةً :
– ” لا شيء .. لا شيء على ظهر هذه الأرض .. سيدفعكِ لتكرارِ مثل هذا الفعلِ أبداً .. سلامتكِ مقدمة على كل ما عداها .. لن أستطيع التنفسَ لو انتهى بكِ الحالُ…. ” وتعودُ صورة الرهينةِ معصوبةَ العينين _والسكينُ تقترب من عنقها_ لتطارد ذهني فيغتص حلقي وتغرورق عيناي , فَتَضَعُ الفتاةُ التي لا زلْتُ لم أعْرِفِ اسمَها بعْدُ ولكني مستعدة أن أفْدَيَهَا بنفسي .. تضع وجهي بين كفَّيها وتقابل عينيّ بعينيها , وتقول :
– ” لا شيء في هذا الكون سيستطيع أن يفرق بيننا .. لا شيء من عالمي … ولا شيء من عالمكِ … هل تؤمنين بالغيبيات ؟ ”
خفق قلبي … هذا الجزءُ لم أقصَّه عليها من الحلم … وأرمقها بنظرة متسائلة , فتضيف :
– ” لقد شعرْتُ شعوراً غريباً ؛ شيئاً لا أقدر على وصفِه عندما دنوتُ من منزلكم للمرة الأولى في ذلك اليوم … كأن هذا المكان ” وابتسمَتْ مضيفةً ” (بيتَ الجاحظ ) .. كأنه يخبرني أنَّه سيعينني على التغلب على كل ما ربطْتُ نفسي به من قيود … كل ما حال بيني وبين ما أرِيدُ الوصولَ إليه ؛ .. مَنْأرِيدُ الوصولَ إليه … فلما تمكنَ ذلك الشعورُ من نفسي قابلْتُكِ فلمْ أشكَّ للحظةٍ أن مصيرينا قد ارتبطا للأبد ”
– ” هذا النوع بالذاتِ من الغيبيات لا مانعَ لديّ أن أؤمنَ به ! ”
ابتسمتْ ” المجندةُ ” وسألتْني :
– ” ولماذا هذا النوع بالذات ؟ ”
– ” لأنني أعلم أنني على استعدادٍ كاملٍ لنَذْرِ نفسي لتحقيقِه , وعلى استعدادٍ كاملٍ لغض الطرف عن أي ” حقيقةٍ ” تقدحُ فيه وتشكِّك في أولويته ! ”
ازدادَتْ ابتسامتُها اتساعاً , ودنتْ من أذني وهمستْ :
– ” مشروع إرهابيّ ! ”
– ” إرهابيّ في الحبِّ ! هذه عملة نادرة هذه الأيام ! ”
وأميل على شفتيها لأقبلَهما ؛ لأغرق بكليَّتي فيهما , فتردّ قبلاتي بمثلها , ويخيَّل إليَّ أنني أسمع صوتَ أبي أو أمي ينزلان الدرجَ …
ولكنّني أستمر في لثم شفتَيْ حبيبتي _ التي لا زلْتُ لا أعرف اسمها _  ..
 ولا أبالي بمن سواها  !!
***********

قصة : الآثار الإيجابية للتعامل السلبي مع التماثيل ( م- ف )


قصة : الآثار الإيجابية للتعامل السلبي مع التماثيل ( م- ف )
– بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ هذه القصة أحلاماً جنسية لفتاة تشمل تلك الأحلام علاقة ذات طابع جنسي بينها وبين بعض الرجال في إطار تلك الأحلام , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة  ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 

تنويه 5 : وهو فرعٌ على ( تنويه 4 ) : إن المؤلف يُقِرُّ _ كما سيتضح من القصة _ بجهله المطبق بكل ما له علاقة بالمجال القانوني وعمل المحاكم والقضاة والمحامين , فكل ما جاء من هذا القبيل في القصة فهو مغرقٌ في الابتعاد عن الواقع , فإن كان هذا الإغراق في مجافاة الواقعية _في هذا الباب بالذات_ مما يسؤوك/ يسوءك فقد نوهنا به . 
– القصة 
( 1 )
(سليمان) المحامي
– ” هناك شاب يريد مقابلتك , يقول إن الأمر يتعلق بقضية عاجلة ”
أتاني صوتُ سكرتيرتي عبر الإنتركوم , فكان أولُ ما فكرْتُ فيه : لعله طالب حقوق آخر يريد أن يتعلل بأي علة حتى يعرض عليّ أن يتمرن عندي .. كان هذا يحدث بشكل دوري في إجازة الصيف من كل سنة .. طلاب وطالبات حقوق _بعضهم لا يزال يكمل دراسته  _ يريدون أن يتمرنوا علي يديّ .. وفي كل مرة أرفض .. حتى صار معروفاً في أوساطهم أنني لا أريد متمرنين , ولا محامين مساعدين أيضاً ؛ مما جعل البعض يلجأ إلى هذه الحيل .
قد يقول قائل : إن كنْتَ لا تستعين بأحدٍ أفلا يعني ذلك أنك تقوم بجهدٍ فائقٍ في تتبع كل التفاصيل في كل قضية ؟ .. والجواب هو نعم , ولكنني لا أبالي ؛ إن لديّ استعداد أن أعمل من لدن زقزقة العصافير إلى الساعات الأولى من الفجر إن كان هذا هو السبيل الوحيد لإتمام العمل على الوجه الذي يرضيني .. وللأسف فلا بديلَ آخرَ ؛ فجيل الشباب هذا كله مستهتر متواكل لا يحسن القيام بشيء , وليس لديه الاستعداد لتقبل تبعات ذلك ..
تأخرَتْ إجابتي على سكرتيرتي بسبب انشغالي بهذه الأفكار , فجاءني صوتُها مرة أخرى :
– ” هل أسمح له ؟ ”
تغلَّبْتُ على شكوكي , وقلْتُ :
– ” اسمحي له ! ”
وبعد لحظةٍ فتحتْ سكرتيرتي باب مكتبي وأشارتْ إلى الشاب بالدخول , وما إن رأيْتُهُ حتى استغربْتُ فهو لا يبدو وكأنه قد تجاوز الثامنة عشرة حتى , ورأيْتُ في يده ملفاً , فقلْتُ في غيظ :
– ” هل ترغب في التدرّب عندي أنت أيضاً ؟! ”
نظر الفتى إليّ مستغرباً , وقال :
– ” إنني لم أنهِ سوى السنة الأولى من دراستي الحقوقية , فلماذا أرغب في التدرّب من الآن ؟! “
ثم أكمل :
– ” إن الموضوع يتعلق بقضية رُفِعَتْ على أختي “
ثم وضع الملف أمامي , فلم أمدَّ إليه يدي, وقلْتُ :
– ” ولماذا لم يحضرْ والدُكَ  _أو غيره من الراشدين_ ليطلب مني الترافع عنها  ؟ ”
بدا على الفتى شيءٌ من الخجل , وقال :
– ” حسناً ! إن هذه هي المشكلة , فنحن لا نريد أن يعرف أبوانا بما حدث لأنه أمر محرج ؛ فقد اتفقْنا أنا وأختي قبل أسبوع أن نقوم بزيارة للمتحف الوطني كنوع من الاحتفال ببداية إجازة الصيف وانتهاء الامتحانات , وأثناء وجودنا في المتحف مررْنا بهذا التمثال الذي يشير بشكل مضحك بإصبعه وكأنه يرى شيئاً غير مرئي … ”
كنْتُ أعرف تماماً ما يتحدث عنه ؛ فهذا المتحف لا يقصده الشباب إلا لسببٍ واحدٍ ؛ هو هذا التمثال .. بالنسبة لجيلي أنا فالتمثال هو تمثال ( فالح العربي ) ؛ أحد الأبطال القوميين من أبناء الطبقة العاملة الذي كافح ليحصل العاملون في زراعة الأرض على ملكيتهم لها , ومن ثُمَّ فقد تسبَّبَ _ بصورة أو بأخرى _ في أن أتيحَتْ لنا نحن _ أبناءَ الفلاحين _ أن نتعلم ونكمل تعليمنا وينتهي بنا الحالُ في مناصبنا التي انتهينا إليها .. بالنسبة لجيلي فإن اسم ( فالح العربي ) يختزل مبدأ القدوة والمثل الأعلى في شخص واحد .. ولكن المثَّال الذي صنع التمثال _ وهو أيضاً من جيلي _ كان مفرطاً في حسن النية , فأراد أن يصوّر في جلاء ما وهب ( فالح العربي ) حياتَه من أجله , فجعله يشير إلى الأرض ؛ إلى الزرع ؛ إلى الاهتمام بمن هم أسفل بإزاء الاهتمام بمن هم أعلى , أما بعض الرجعيين فقد فَسَّرَ إشارةَ التمثال على أنها شُكْرٌ لمن هم أسفل بإزاء شُكْرِ (ما هو أعلى ) .. ودارتْ حروبٌ كلاميةٌ بين الطرفَيْن _ فانتهتْ للأسف برغبة السلطة في إرضاء الطرف الأخير _ فتم نقل التمثال من مكانه في أشهر ميدان في المدينة إلى المتحف حتى تراه عيونٌ أقل في أوقات أضيق .. حتى هنا كان الأمر لا يزال قابلاً للتحمل بالنسبة لي ولجيلي … ولكن ما فاق كل احتمال كان ما صنعه هذا الجيل الجديد الطائش ؛ عندما اكتشف أحد الطلاب في رحلة مدرسية إلى المتحف أنه إذا وقف الشخص بزاوية معينة وولى دبره للتمثال وانحنى كالراكع فإن إشارة التمثال تتحول فجأة لتكون شيئاً آخر يرقى إلى درجة الفعل الفاضح في مكان عام , وكانَتِ الصورةُ التي التقُطِتْ لذلك الطالب قد شاع تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي حتى شكَّلتْ ما يسمى بظاهرة إنترنتية , ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى بدأ أبناء الجيل الضائع هذا بالتوافد زرافاتٍ ووحداناً على المتحف لالتقاط صورٍ تحاكي الصورة الأم .. ما الذي فعلتْه الدولة ؟ أثنَتْ على مدير المتحف ” لدوره ” في زيادة أعداد الجماهير المتوافدة على المتحف  , وبخاصة مِن الشباب الذين يدل توافدهم بهذه الكثرة على أنه قد بدأ يزيد وعيهم واهتمامهم بتاريخ وحضارة بلدهم !
ويبدو أن أحد أبناء جيلي قد ضاق ذرعاً بهذه الممارسة فقرر أن يرفع دعوى على أحد ممارسيها , فوقعتْ عينُه على صورةٍ لأخت هذا الشاب وهي تحطّ من هيبة التمثال بتلك الطريقة ,  فكانت هي المرفوع عليها الدعوى ..
عندما انتهى الشاب من وصف ما حدث كان قد صدَّق على ما ذهبتُ إليه , ثم أضاف :
 – ” إن السبب الرئيسي لذهابنا لذلك المتحف كان أن أبانا شاهد مرة إحدى هذه الصور فثارت ثائرتُه , فلما وجدني أنا وأختى نضحك عليها , لم يصدِّقْ عينيه وقال كلاماً كثيراً عن الجيل الفاشل الذي لا يعرف تاريخه ولا أمل في مستقبل يتولى فيه مقاليد الدولة … وساءتْني أنا وأختي هذه الخطبةُ العصماء فقرَّرْنا أن نذهب للمتحف ويلتقط كل منا صورة مماثلة , فأما أختي فالتقطْتُ صورتَها في تلك الهيئة , وعندما جاء الدور عليّ تذكرت كلام أبي فساءني أن أعصيه فارعويْتُ , وظلتْ أختي تهزأ بي بقية رحلتنا , فلم تكن إلا أيام حتى اكتسبتْ صورتُها تلك شهرة ضخمة ثم  فوجئنا بالدعوى المرفوعة عليها وأن ميعاد عقد المحاكمة بعد يومين , وأصرَّتْ أختي ألا نخبر أبوينا , فقلْتُ لها إنهما سيعلمان لو انتهت القضية بسجنك أو غرامتك , فقالت إنها ستطلب أن يترافع عنها محامٍ ماهرٌ هو مثلها الأعلى طيلة دراستِها , وطلبت مني أن آتي إليك ”
– ” ولماذا لم تأتِ هي بنفسها ؟ ”
– ” لا أعتقد أن انتقالها من مكان إلى آخر في هذه الظروف بالسهولة التي يبدو عليها ؛ إن بعض المهاويس صاروا يتتبعون مساراتِها وكأنها ممثلة مشهورة ”
بدا ليّ أن الوضع شديد الغرابة .. والقضية ليستْ مضمونةً تماماً , ثم إن التجهيز للمرافعة قد يستغرق وقتاً , ثم تذكرْتُ قوله ” إن ميعاد عقد المحاكمة بعد يومين ” فسألته :
– ” المحاكمة بعد غد ؟ ”
– ” لا لقد وصلَنَا الخبرُ أول ما وصلنا عندما كان قد بقي على ميعاد المحاكمة  يومان , وقد كان ذلك أول من أمس ”
نظرْتُ إليه وأنا لا أفهم , فأكمل :
– ” إن المحاكمة في الخامسة عصر اليوم ” .
– ” ولماذا لم تأتِنِي قبل يومين ؟ “
– ” استغرقْتُ ذلك الوقتَ حتى وجدْتُ سعراً مناسباً لحاسبي اللوحي , فلم أُرِدْ أنا وأختي أن نطلب مالاً من أبوينا حتى لا يسألاننا عن سببه فيعلما بالأمر , ولم تشأ أختي أن تبيع شيئاً من مقتنياتها , فتطوَّعْتُ أنا ببيع حاسبي لتوفير أتعابك , فاستغرق الأمر يومين حتى وجدْتُ أفضل سعرٍ وبعْتُه لقاء أربعة آلاف , وأنا أعرف أن هذا المبلغ أقل بكثير مما تتقاضاه في المعتاد , ولكن بالنظر إلى أنه لم يبقَ على المحاكمة إلا ساعات فإنك لن تتعب كثيراً في الإعداد لمرافعتكَ ونحن راضيان عن نتيجة المحاكمة أيًّا يكن ما ستنتهي إليه 
نظرْتُ إلى الفتى مرة أخرى , وقلْتُ في نفسي : إن هذا الفتى حسن الطوية , لقد امتنع عن إهانة التمثال لئلا يغضب أباه , وباع حاسبه اللوحي _ وهؤلاء الشباب شديدو الارتباط بهذه الأجهزة _ لأجل أخته .. ووجدْتُنِي ألينُ له :
– ” حسناً , ولكنني بحاجة إلى كل دقيقة من هذه الساعات المتبقية لأدرس القضية , وسأحتاج أيضاً إلى سؤالك عن بعض التفاصيل _ بما أن أختكَ ليست هنا _ ولنرجُ ألا يطلب الادعاء سؤالَها ؛ لأنه لا وقْتَ لنعدُّها لذلك _ وهي ليستْ هنا أصلاً _ … حسناً ! بإمكانك أن تنتظرني في الخارج , وستطلب منك ( لمياء ) _ سكرتيرتي _ أن تعود إلى المكتب عندما أفرغ من قراءة أوراق القضية لأستفسرك عن بعض الجزئيات .”
هز الفتى رأسه في استيعاب ثم خرج من المكتب , وانشغلْتُ أنا بقراءة ملف القضية …
********
( 2 )
(سليمان) المحامي
عندما انتقلْتُ مع الشاب الذي اتضح أن اسمه ( سالم ) إلى قاعة المحكمة فوجئْتُ ببعض كاميرات الصحفيين حاضرة بالإضافة لما بدا وكأنه كاميرا تلفزيون تبث بثاً مباشراً وأمامها مذيعة تتحدث إلى ميكرفون .
لقد صارتْ قضيةَ رأي عام , وأعترفُ أن أول ما بدر إلى ذهني هو أنني لم أحضِّر دفاعي بما يتناسب مع قدر المناسبة , ثم عدْتُ إلى عقلانيتي وبدأتُ في التركيز فيما هو أهم , مصير المتهمة .. لقد كانت ( دنيا ) أخت ( سالم ) حريصة على ألا يعرف أبواهما بالقضية بالكلية , كانت صورتها تلك قد حازت شهرةً لا بأس بها في العالم الافتراضي , ولكن ليس إلى حد أن يصل الخبرُ إلى أبويها , أما من حيث إبلاغ المحكمة لوالديها فذلك لم يكن وارداً فقد كانت ( دينا )  قد تجاوزت الحادية والعشرين بشهور كما أن أخاها لم يُتَّهَمْ بشيءٍ  , فكان من الممكن بالفعل ألا يعرف أبوها شيئاً عن المحاكمة لو انتهت إلى براءتها , أما الآن  ومع كل هذه الكاميرات فالدنيا كلها ستعرف بتهمة ( دنيا ) . وألقيتُ عليها نظرةَ شفقةٍ فوجدتها تنظر إليَّ كأرنب مذعور , فأردت تهدئتها , وقلْتُ :
– ” أهم ما في الموضوع هو أن تحصلي على البراءة , إن معرفة أبيكِ بما جرى ليست بهذه الأولوية الآن ”
فقالتْ في حدة :
– ” ومن أين ستأتي البراءة ؟ لقد صارتْ قضيةَ رأي عام , والقاضي سيحكم بحكم يتناسب مع ذلك؛ لأكون ” درساً ” لأبناء جيلي التائهين , أو أياً يكن ما يقوله هؤلاء المتخشبون ”
ثم فطِنَتْ _ على ما يبدو _ أنني داخلٌ في جملة المتخشبين هؤلاء , فأضافَتْ :
– ” أنا لا أعنيك أنت بالطبع يا أستاذ ( سليمان ) فأنت مثلي الأعلى , ولكن اسمح لي أن أقول إن جيلك _إلا فيما ندر _ جيلُ ديناصورات ”
عقدَ لساني ما هي عليه من الجرأة التي تصل إلى الوقاحة , وتمنى جانبٌ مني لو ترافعْتُ مرافعة هزيلة لعلها تؤدي إلى حكم قاسٍ حتى تكون بالفعل ” درساً ” لهذا الجيل المستهتر , ولكن احترافيتي واحترامي لعملي سرعان ما نهَيَا ذلك الجانبَ عن وساوسه . وقلْتُ لها وأنا أحاول ألا أفقد أعصابي :
– ” إن وجود الإعلام أو عدم وجوده لن يؤثر في حكم القاضي الذي يتحرى الحياد أياً تكن الظروف ”
نظرَتْ إليّ وكأنها تشاهد طفلاً يخبرها بالطريق الذي سلكه بابا نويل في عيد الميلاد السابق حتى جاءه بهديته , ثم قالت بصوت يفيض سخرية :
– ” هل تصدق هذا الكلام الفارغ ؟! ”
– ” ألستِ طالبةً في كلية الحقوق ؟! ”
– ” بلى ! وأنا في العشرة الأوائل في دفعتي لثلاث سنوات متتاليات ”
كدْتُ أشد شعري , إن كان هذا هو ما تؤمن به المتفوقات فماذا عن البقية ؟ وقلْتُ :
– “ومع ذلك فأنتِ ترين أن القضاة يغيرون رأيَهم بتغيُّر ظروف عقد المحاكمة ؟ ”
– ” أليسوا آدميين ؟! من في الناس لا يتغير رأيه بتغير الظروف ؟! ”
كانَتِ الإجابةُ على هذا السؤال هيّنة بالنسبة لي : القضاة . وقَطَعَ حوارَنا دخولُ القاضي , وبعد المرافعة الابتدائية انشغلْتُ _إلى حدٍّ ما _ عن متابعة القضية بفكرة ظلت تلح على ذهني حتى كادت تحول بيني وبين الإنصات لما يُقال , وهذه الفكرة هي : من سيتولى المكان الذي يشغله هذا القاضي بعد عشرين سنة ؟ بعد ثلاثين سنة ؟ ماذا عن وظيفتي أنا ؟ …. من سيسد الفراغ الذي سينشأ عن موت جيلنا ؟ ووجدتُ الإجابةُ تملؤني ذعراً .. ثم رجع اهتمامي بكليته ينصبُّ على القضية عندما حَلَّ وقتُ المرافعة الختامية , كانتْ هذه هي الفرصة لأركز على فكرة واحدة رئيسية لأجعل كل الأفكار الأخرى تبدو ثانويّةً ؛ تدور في إطارها .. بعض المحامين يجعل مرافعتَه الختامية أشبه بالملخص لكل النقاط التي دافع بها عن المتهم والتي هاجم بها الادعاءات الواقعة عليه ؛ ولكنني أنا كنْتُ من أنصار الفكرة الواحدة الغائية التي تعلو ولا يعلى عليها ؛ ولذلك قلْتُ :
– ” مقامَ القاضي المحترم !
لو سُمِح لي أن أخرج قليلاً عن الموضوع المباشر للدعوى لأتحدث _ في شيءٍ من التجريد _ عن فكرة قد تبدو بدهية ولكننا نراها أساسية لوضع هذه الدعوى في سياقها الصحيح ..وهذه الفكرة هي : لماذا وُجِدَ _من الأساس_ ذلك التمثال الشهير لرجلٍ رحل عن دنيانا قبل عقود ؟ لقد تسبَّبَ التعاملُ مع هذا التمثال في هذه القضية التي بين أيدينا اليوم , ولكن ما الذي فعله صاحب ذلك التمثال حتى يكون صاحبَ تمثال ؟ أنا لا أزعم أنني أعلم عن حياة ( فالح العربي ) أكثر مما يعرفه المؤرخون ودارسو العلوم السياسية , ولكنني أعرف _ على المستوى الشخصي _ ما الذي جعل هذا الرجل يحظى بمكانة لا تدانيها مكانة أخرى عندي .. لم يكن ذلك لدفاعه عن حقوق الفقراء والمهمشين , ولا لمحاربته الجشعين والمستغلين , ولا لنذره حياته لذلك الدفاع وتلك المحاربة .. كثيرون قاموا بذلك فلم يصلوا إلى مثل ما وصل إليه ؛ .. ما جعله بتلك المنزلة هو أنه عاش حياته يحارب لأجل الضحايا فلم يَقَعْ _ولو للحظة_ فيما وقع فيه غيرُه من لوم الضحية وتحميلها وزرَ ما انتهى إليه حالها ؛ كان ( فالح ) يقول : وا رحمتا لضعفاء الأرض أنهكَهُم أقوياؤها .. فيخرجُ له من بين الضعفاءِ من يلعنُه ويشتمه وما جاء به .. فلا ينبسْ ( فالح ) ببنت شفة يرد بها سبَّ هؤلاء بمثله , لم ينْعِ حظَّه لأن الفقراء “المغيبين لا يفهمون فلسفته ولا يعون أين مصلحتهم”كما نعى غيرُه حظَّه .. كان إذا قال الرجلُ الغنيُّ المستكبرُ قولاً يلعن فيه الضعفاء ثم قال الرجل الفقير المستضعف القول نفسَه حارب الأول حتى لم يدع له مكاناً ليهرب إليه , وخفض جناحه للثاني حتى كأنه صاحب فضل عليه .
والحق يا سيادة القاضي أن هؤلاء الذين لم يسفَّهوا ولم يُقَلْ في حقهم : (إن كررتم مقالة من تعدونه أسيادكم فلتنتهوا إلى مصير أسيادكم . ) إن هؤلاء هم من بنى هذه الدولة بساعديه , وكان من الممكن أن يكون مصيرهم السجون والقبور ؛ لولا أن فَطِنَ رجل من مستضعفي هذه الأرض إلى أن من بين ما رُزِئَ به الضعفاءُ سلْبَهم حقَّهم في أن يعوا أنهم ضحايا وأن مستغليهم مجرمون .
سيدي القاضي إن من بين أكثر أصحابِ الاختيار محدوديةً فيما يختارونه القضاةُ عند الحكم , وأنتم أعلم مني بمضمون القانون وأعلم بحدوده الضيقة التي يتحرك في إطارها الحكمُ صعوداً ونزولاً , ولكن ما أرجوه من سيادتكم أن تسترشدوا _ في هذا الإطار المحدود للاختيار _ بروح ( فالح العربي) وتنظروا في المتهمة أمامكم ؛ هل هي من المُسْتَغِلّين الذين سلبوا غيرَهم حقوقهم , أم هي من المستَغَلّين الذين حيل بينهم وبين أن يعرفوا عدوَّهم من صديقهم ؛ فسخروا بمن سخّر حياتَه لنفعهم , وتقلدوا سبيل من يحتقر وجودهم ؛ ليست هي وحدها _ سيادةَ القاضي _ هي وكل جيلها . فإذا خلص سيادتكم إلى جواب هذا السؤال , فليحكمْ سيادتكم بما يتراءى لكم .”
وانتهى الحكمُ إلى البراءة , وقال القاضي في حكمه كلاماً عن ضرورة التعامل مع الشباب على أنه كنزٌ يُلامُ مَن يُفَرِّطُ في خيره , لا على أنهم مصدر عدوى يُحْمَدُ مَن يَحُدُّ من شره .
وبدا أن هذه القضية قد انتهت بما فيها عند هذا الحد !
**********
( 3 )
(دنيا)
نزلْتُ مع ( سالم ) من الباص الذي توقف على بعد عشرات الأمتار من المتحف الوطني , وذكَّرْتُ نفسي مرة أخرى بالخطة : سندخل إلى المتحف .. سيلتقط كل منا صورة للآخر عند هذا التمثال القبيح , سيعتقد ( سالم ) أن الأمر انتهى عند هذا الحد , وهو بالفعل سينتهي عند هذا الحد بالنسبة له  , ولكن بالنسبة لي أنا فإنه سيبدأ من هذا الحد .. سأنشر هذه الصورة في كل مكان ؛ مواقع التواصل الاجتماعي , المنتديات التي يرتادها هؤلاء الوطنيون , صفحات أنصار الحركة العمالية العالمية , كل مكان من الممكن أن يستاء رواده من مثل هذه الصورة .. أما السبب الذي يدفعني لفعل ذلك فلا أعرفه .. أو للدقة أكثر : لا أريد أن أصارح نفسي أنني أعرفه .. عندما تلحّ عليّ نفسي بالسؤال عن السبب , فإنني أجيب ببساطة : “إن لم أقمْ بهذه الأفعال الطائشة في هذا السن فمتى سأقوم بها ؟!” ولا يبدو أن نفسي تنخدع بهذه الإجابة الساذجة , فتستدرجني قائلة : “وماذا عليك ألا تقومي بها أبداَ ؟” فأرد في هدوء مصطنع : “لا شيء , هما سيان عندي .”  ولا تريد نفسي أن ينقضي الحوار دون أن أعترف صراحة بدافعي , فتقول في خبث : ” ولكن كيف يكونان سيان , وأحد الخيارين لا يؤدي إلى مكروه .. والخيار الآخر _ خيار الاستمرار في الأفعال الطائشة _ قد يؤدي إلى مكروه .. قد يؤدي إلى الكثير من المكروه ” فأرمق نفسي شزراً وكأني أحذرها من التمادي , فتضيف ” ربما تَسْمِيَتُهُ بالـ ” مكروه ” ليست دقيقةً , ربما الأولى أن أسميه ” المحبوب ” أو ” المشكوك في موقفكِ منه ” أو أي اسم آخر يبيّن حقيقة افتتانكِ به ” وهنا يبلغ بي الحرج مبلغه , فأضع إصبعيّ في أذنيّ حتى لا أسمع شيئاً آخر مما تصارحني به نفسي .
وفي تلك الليلة ستسغل نفسي فرصةَ نومي لتترجم كثيراً مما صمَمْتُ أذنيّ عن كلامها عنه  إلى أحلامٍ ؛ فأجدني فجأة قد أحاطتْ بي غابة من غابات الأمازون , ويخرج من بين الأشجار فجأة رجل مفتول العضلات , لم تَفْتِلْ عضلاتِهِ زياراتٌ للجيم , بل فَتَلَتْهَا محاربةُ “الأشرار” والقضاء على “المستغِلّين” , وأراه يمسك في إحدى يديه صورتي التي تظهرني أمام ذلك التمثال , ويلوح بها أمامي  , ثم يقول شيئاً بلغة لا أفهمها , ثم يمسك بذراعي فيطرحني على الأرض ممدة على بطني , ويرفع يده بالحزام _ متى وصل هذا الحزام إلى يده ؟! _ ويهوي به على مؤخرتي , ويتبدل المشهد فجأة فأجدني في غرفتي ممددة على سريري وقد رُفِعَتْ تنورتي إلى ما فوق ردفيّ ونزل ما تحتها إلى باطن ركبتيّ , وقد دفنْتُ وجهي خجلاً في مخدة قد أحاطتْها ذراعيّ , وأنا أسمع _ وأكاد أموت خجلاً _ حواراً يدور بين أبي وبين ( فالح العربي ) خارج غرفتي  شخصياً , ويقول (فالح) أنه مسامحٌ في حقه , فيرد أبي أن هذه البنت الشقية ستعاقَب على أية حال , ثم يخيِّرُ (فالحاً) بين أمرين : أن يتولى ( فالحٌ ) عقابي ويهوِّنَ فيه كما شاء , أو أن يستمر في رفضه وحينها سيتولى أبي عقابي وسيخرج عصا الخيزران من القبو _ متى كان في بيتنا قبو ؟! _ ولن يكف عن إنزالها على مؤخرتي حتى تنكسر نصفين , وحينَها يضطر ( فالح ) _حفاظاً على حق المستغَلّين في ألا تهوي على مؤخراتهم عصيُّ الخيزران _ أن يتولى هو عقابي . ويفتح الباب , ويزداد وجهي غوصاً في المخدة , ويقول في صوت عذب : ” لقد جعلْتِ هذا الشيءَ” ويريح يدَه على مؤخرتي العارية ” صوبَ تمثالي صباحَ اليوم , ويبدو من اللائق أن يتولى صاحبُ التمثال معاقبة نفس الجزء الذي هزأ بتمثاله . أم كيف ترين ؟ ” وتصدر عني حشرجاتٌ لا أدري أذهبَتِ المخدة بمعانيها أم أنها صدَرَتْ عني غيرَ ذات معنى من البداية ؟ فيبتسم ( فالح ) _ كيف عرفْتُ أنه ابتسم ؟! _  ثم يجعل يسراه على أخرياتِ فِقَار عمود الفقري ويهوي بيمناه على ما تحت ذلك , وهو يقول ” لو رأى روّاد ذلك المتحف ما يفعله أصحابُ التماثيل بمؤخرات الفتيات الشقيات اللواتي يصوِّبْن أردافَهنّ تجاه أصابع التماثيل المسكينة , لعلموا أن الجزاء من جنس العمل ” يزداد وجهي غوصاً في المخدة وكأنها قد أصبحَتْ بحراً لا قاع له , وأكتشِفُ فجأةً أنها بالفعل قد صارت بحراً وأنني أهوي بلا هوادة تجاه القاع , وتزول ملابسي عني بالكلية كأنها تبخرت , وفجأة يتوقف هَوِيَّ وقد بلغْتُ القاع  فأنظر أمامي فأرى مدينة كاملة تحت البحر تحيط بها قبةٌ من بلور ,  وأرى رَجُلَين يهرعان خارجين من باب في القبة البلورية , ويمسكان بي ويقودانني إلى داخل المدينة ويغلقان خلفي باب البلور , ثم يقفان بي أمام الأمير _ الذي تتطابق ملامحه مع ملامح ممثل مشهور شديد الوسامة , فلا عجبَ أني جعلْتُه أميراً ! _ ويتكلم الأمير _ بنفس صوت الممثل المشهور وطريقته _ ويقول :
– ” هذه ثالث فتاةٍ هذا الشهر , إن حِرْصَنَا على إنقاذ أرواح البشريات قد أغرى الفتياتِ بإلقاء أنفسهن على باب مدينتنا ؛ من المحال أن ترضى لنا أخلاقنا بتركهن يمتْن غرقاً , ولكننا لن نسمح أيضاً بأن نُبْتَزَّ ! ”
ثم يشير الأمير إلى الجنديَّيْنِ القابضَيْنِ على ذراعيّ فيسوقانني إلى ما يبدو كمكتب مرتفع وأعتقد أنهما سيحنيانني عليه فأفاجأ أن أحدهما قد رفعني وأجلسني عليه ثم مددني على ظهري وجاء من ورائي وثبت رسغيّ على المكتب بيديه , ثم طار الآخر _ نعم , طار ! _ فصار فوقي ورجلاه جهة السقف ويداه تجاه المكتب فجعل يمنى رجلاي في يمناه ويسراهما في يسراه وارتفع بِرِجْلَيّ وفرّجَ ما بينهما حتى تمنيت أن تنشق الأرض وتبلعني , ثم وقف الأمير بين رجليّ وعيناه تقابلان عيناي ثم تنحدرُ عيناهُ فتتمعنان فيما بين رجليّ ثم تعودان لتقابلا عيناي وقد علت شفته ابتسامة , ثم جلس على يمين جسدي الممدد وقد أولاني ظهره وأراح راحة كَفَّه اليسرى على ما بين رجليّ وربّت عليه مراتٍ كأنه يواسيني , وقال :
– ” سيضطر صاحبُكِ هذا للانتظار طويلاً حتى نلبي له رغبتَه , فربما كان عليكِ أن تنصحيه أن يضبطَ نفسه فقد بدأ يسيل لعابُه ”
ولما ظنَنْتُ أنه لا حدَّ للإحراج فوق هذا قاطع مشهدَنا دخول صديق الأمير _ وله ملامح مغنٍّ مشهور لا يقل عن وسامة الممثل _ فقال للأمير :
– ” مولاي ! على الرغم من حَرَجِ اللحظة , إلا أن جلالةَ الملك قد طلب لقاءكم بشكل عاجل ! ”
نظر إليه الأمير وكأنه طفلٌ قد سُحِبَتْ من يديه لعبته المفضلة , وسأل :
– ” بشكل عاجل عاجل , أم بشكل عاجل فقط ؟ “
– ” أخشى يا مولاي أنه بشكل عاجل عاجل ”
تنهد الأمير , ثم نظر إلى اتجاهِ نَظِرِ صاحبه , فبدأ يشرح وقال :
– ” حسناً ! هذه ” وأشار إليّ ” بشريّة تستحق أشد أنواع العقوبة بجرم ابتزاز الذات الأميرية , وغوايةِ الذات الأميرية , وانكشافِ أشياء من جسدها قد ذهَبَتْ بلبِّ الذات الأميرية .. ” ثم أشار إليّ في اتهام وقال ” ومن جرائمِها _التي وقعتْ للتوِّ_ عضَّتُها هذه التي عضَّتْ بها شفتها السفلى ” ثم عاد بجسمه إليّ وأضاف ” والتي تسبَّبَتْ في تأخُّرِ الذات الأميرية عن الطلب العاجل للقاء الذات الملكية .. “
قاطعه صديقه :
– ” أعتقد أن هذه الجريمة الأخيرة لم تقع بعدُ مولاي , وربما من الحكمة ألا تقع ”
بدا وكأن الأمير يجاهد نفسَه جهاداً شديداً , ثم تغلب صوتُ العقل فيه , فقال :
– ” حسناً ! سأذهب للقاء الملك , ولكن ” وأشار بإصبعه مهدداً صاحبه ” إياك أن تلهوَ بشيء منها , هذه _بالذات_ أريدها لنفسي ! ”
أجاب صاحبُه بهدوء :
– ” وهل سَمِع الأمير عني قبل اليوم عصياناً لأمره  فيشكَّ فيّ ؟! ”
هز الأمير برأسه مؤكدا على صحة كلام صاحبه , ثم انصرف , فقال صاحبه لي :
– ” إن صاحبَ السموِّ لم يُعَرِّفْ بالضبط المقصودَ بـ ( تلهو ) ولكني أعتقد أنه .. أخضر وجميل يا نعناع ! “
رمقْتُه في ذهول وأنا أقول :
” أخضر وجميل يا نعناع ؟! ”
هنا بدأ صوته يرتفع ويتحول إلى صوت آخر مألوف , ومد عنقَه صائحاً :  ” أخضر وجمييل يا نعنااااااع ! ”
وتبخر الحلم , وفتحْتُ عيني في تثاقل ليعود الصوتُ مرةً أخرى يقرع سمعي :
– ” أخضر وجميييييييل يا نعنااااع ! ”
كانتْ علاقتي ببائع النعناع هذا ملتبسة ؛ من جهةٍ فقد كان مرورُه بشارعنا كل يوم في السادسة صباحاً أشبه بالمنبّه المجاني , ولقد كدْتُ أنام عن محاضراتي في أيام كثيرة لولا صوتُه , ولكن عندما تأتي إجازة الصيف أو غيرها من الإجازات فإنه يتحول من نعمة إلى نقمة .
– ” أخضر وجمييل يا نعناااااع ! ”
حاولْتُ إبقاء عيني مفتوحتين , وشيئاً فشيئاً بدأ النوم يزيل آثاره عن جسدي ويرحل , ففتحت جهاز الحاسب ودخلت إلى صفحتي على الفيس بوك لتهولني كمية الإشعارات وطلبات الصداقة ؛ ما سبب ذلك بالضبط ؟! أجابني لا وعيي في توجس : لعل له علاقة بصورتك في المتحف ! ولكنني استبعدت ذلك , نعم لقد نشرْتُ هذه الصورة في كل جنبات الإنترنت ولكن آلاف الفتيات والفتيان قد فعلوا ذلك من قبل ؛ لماذا أكون بدعاً فيهم ؟ ولكن توجس لا وعيي كان في محله ؛ مليونا إعجاب لصورة واحدة ؟ أنا لا أعتقد أن هذا يحدث حتى لصور المشاهير .. ووجدتُني من باب الفضول لا إلا أذهب لصفحة الممثل المشهور والمغني المشهور اللذين حلمت بهما قبل قليل ؛ هل لدى أيٍّ منهما مشاركة تزيد إعجاباتها عن مليونين ؟ وكان الجواب : لا . وقلْتُ في نفسي : مبروك لقد أصبحْتِ مشهورة …. ولم أعلم أن هذه الشهرة لم تكن إلا في بداياتها فحسب , فبعد أيامٍ سيرفع أحد الحمقى دعوة قضائية عليّ وسأتصور أن بإمكاني أن أخفي أمر المحاكمة عن والديّ فأتفاجأ ببثّ المحاكمة صوتاً وصورة على كبرى المحطات الفضائية ؛ إن حياتي كنكرة _لا يعرفها إلا أهلها وأصحابها_ كانت قد انتهت في ذلك اليوم .
********
( 4 )
(دنيا)
فلاش الكاميرات يومض على جانبيّ …وبضعة ميكروفونات تمدها أيدي أصحابِها تجاه فمي ..وأسئلة تتناثر عن يميني وشمالي .. وأحاول أن أسير في هذا الحشد البشري الصحفي الإعلامي فلا أكاد أتحرك … إحدى المذيعاتِ تقول في حماسة وقد  رفعتْ صوتَها عمن حولها :
– ” ما هو شعوركِ وقد تعهَّد رافع الدعوى بالطعن على قرار البراءة ؟ “
فاجأني السؤال ؛ هل هذا الأمر لم ينته بعد ؟! وفوجئْتُ بصوت الأستاذ ( سليمان ) المحامي وهو يرد على هذا السؤال من ورائي _وهو الآخر يجاهد ليشق طريقه في وسط الكاميرات والميكروفونات _:
– ” لا أعتقد أن احتمالَ نقضِ الحكم بهذا الارتفاع , بل بإمكاننا أن نقول في ثقة إن حكم المحكمة اليوم _هو على الأغلب_ دائم ”
التفتَ الصحفيُّون فجأة تجاهه وكأن إجابَتَهُ أغرتْهم أنَّ بإمكانهم الحصولَ منه على شيء , وقال أحدهم :
– ” ماذا كنْتَ ستفعل لو كانت المتهمةُ ابنتكَ , وهل عدم صدور عقاب لها من المحكمة كان ليحميها من عقابٍ في البيت ؟ ”
نظرْتُ في ذهولٍ لهذا الصحفيّ المتبجح , ولكن جانباً مهماً من هذه المهنة _على ما يبدو _ قائم على التبجح , وأجاب ( سليمان ) في هدوء :
– ” لا تعليق ! ”
كرر الصحفيُّ السمجُ سؤاله :
– ” هل معنى ذلك أنك ترى _ في حق المتهة وغيرها _ أن جانباً من العقوبات يجب أن يقوم به أولياء الأمور في البيوت , وألا تشغل المحاكمُ نفسَها به ؟ ”
ردّ ( سليمان ) في ضجر  :
– ” هي لم تعد متهمةً وقد صدر بحقها حكمٌ بالبراءة , ثم إنها في الحادية والعشرين من عمرها , وليستْ في السادسة ! “
فعاد الصحفيّ لتبجحه _وقد سره أنه حصل على إجاباتٍ أكثر ممن سواه _ :
– ” ولكن الفعل الذي قامتْ به المتهمةُ  لا يصدر إلا عن طفلة في السادسة ”
كنْتُ قد بدأْتُ في الخروج من هذا الحصار وتبعني ( سليمان ) بعدها بلحظاتٍ , وقال وكأنه يواسيني :
– ” رغم عملي لثلاثين سنة في المجال القانوني , فإنني لا أزال مندهشاً من عدم اعتبار ممارساتِ الصحفيين هذه جُنْحَةً ..أو جناية حتى ! ”
قلْتُ له :
– ” ربما لم يكنْ عليكَ أن تجيب على أسئلتهم حتى لا يطمحوا إلى مزيدٍ من الإجابات ”
نظر إليّ وكأنه يقول : هل قمْتِ لتوِّك بتوجيه نصيحةٍ لي ! فكدْتُ أضحكَ لولا أن ارتفع رنينُ هاتفي المحمول , فالتقطْتُه ونظرْت في الشاشة ثم قلْتُ :
– ” هل لي أن أطلبَ منك خدمةً , باعتبارِنا محاميين زميلين ؟ ”
سرَّني أن نظر ( سليمان ) لي شزراً , وكاد أن ينفجر فيّ لولا أن بادرْتُه :
– ” إن المتصل أبي , وهو رجل لطيف المعشر , ولكنه إذا غضب لم يتمالكْ نفسَه _ كلاماً لا فعلاً _ , فهل ترد أنْتَ عليه وتخبره أنني نادمة على ما بَدَرَ مني وأنها كانتْ صفحةً وطويَتْ ؟! ”
لمعَتْ لأول مرة عينا ( سليمان ) وكأنه قد خطرتْ له فكرة شريرة , ثم التقط الهاتف المحمول مني , ولكنه لم يضغط زر الرد حتى كان قد ابتعد عني خطوات حتى لا أسمع الحوار الدائر بينه وبين أبي . ولما طال هذا الحوار دقائق بدأ القلقُ يعروني .. تُرَى ما الذي يتحدث فيه هذان بالضبط ؟
ثم أقبل عليّ ( سليمان ) , وسلمني الهاتف المحمول , وقال :
– ” أبوكِ موافق ! “
– ” هل طلبْتَ يدي من أبي قبل قليل ؟! ”
لم يستطعْ ( سليمان ) منع نفسه من الضحك , وقال :
– ” بل هو موافق على أن تتدربي على المحاماة عندي في إجازة الصيف هذه ! “
لم أكنْ أجهلُ سمعةَ ( سليمان ) في هذا الصدد ؛ كل أوائل كلية الحقوق في كل السنين الدراسية يتمنون هذه الفرصة ويرفضهم هو , فلماذا يخصني بها ؟ وكأنه قرأ تساؤلي من قبل أن أسأله , فقال :
– ” إنني أعتقد أن مشكلة جيلكم هذه أنه بحاجة إلى أن يفرض عليه الانضباط من خارج ؛ لأنه يبدو جلياً أنه غير قادر على الانضباط من داخل , وقد قلْتُ ذلك لأبيكِ لأهدئ من غضبه عليكِ , وأكدْتُ له أنني أعاني أيضاً من عدم وجود شباب ذوي انضباطية  .. مما يدفعني إلى العمل وحدي وعدم قبول متدربين , وكان رد أبيكِ رائعاً على هذه النقطة … “
بدأ شيءٌ من الخوف يتسرب إليّ , وقلْتُ بصوت خافت :
– ” إن أبي ليس من أنصار “الانضباط من خارج ” هؤلاء ! ”
ابتسم ( سليمان ) ابتسامة فيها من المكر ما فيها , وقال :
– ” على أيِّ قرائنَ بنيْتِ هذا الحكم ؟ ”
عاد قلبي يخفق بقوة أكبر , وقلت كأنني غريق أتمسك بالهواء :
– ” إنه لم يفرضْ عليّ عقاباً في حياتِه ! ”
– ” هناك فارق بين النية وبين التنفيذ   , لعله نوى في أكثر من مناسبة قريبة وبعيدة أن يعاقبكِ ثم لما أراد أن ينفذ نيتَه لم يستطعْ حمْلَ نفسِه على ذلك . هذا مقبول منطقاً , أليس كذلك ؟ ”
كان التوجس والرهبة قد بلغا مني مبلغهما , فعاجلْتُه قائلةً :
– ” ما الذي قاله أبي بالضبط ؟ ”
– ” قال لي : إنكَ على الأقل لديكَ سكرتيرة , فكيف تحملها على إتقان عملها , إذا كان الجيل كله غير منضبط ؟ , فقلْتُ إن سكرتيرتي (لمياء ) ذات طبيعة نادرة فهي  تقبل أن تُعَاقَب إذا أخطأت . وعندها طلب مني مباشرة أن أقبل بكِ متدربةً عندي , وأن أعاقبكِ كما أعاقب ( لمياء ) ”
ازداد صوتي خفوتاً وأنا أسأل :
– ” وكيف تعاقب (لمياء ) ؟ ”
– ” في المعتاد أزيد في ساعات عملها_ مدفوعة الأجر _ بعد الدوام   , وأكلفها خلال هذه الساعات أن تعيد مراجعة ما أخطأتْ فيه , وألّا تأتيني به في الغد إلا وقد خلا من كل خطأ ”
لوهلة بدا لي أن ( سليمان ) يتحدثُ عن شيء آخر؛ فلما قال ما قاله  بدا وكأنني قد نجوْتُ لتوي من حادث طريق . فلما رأى ارتياحي لما قاله , أضاف :
– ” أما إذا جاء الغدُ وظلتِ الأخطاءُ موجودةً بعد المراجعة , فإن (لمياء) تقضي معظمَ ذلك اليوم واقفة ”
عاد قلبي ينبض بسرعة ألف ميل في الساعة , ولكنني وجدتُنِي مدفوعة دفعاً للسؤال :
– ” ولماذا تقضي معظم ذلك اليوم واقفةً ؟ ”
– ” لأنه من الصعب أن تجلس مرتاحةً بعد ما عوقِبَتْ به ”
لم يكن هناك حاجة لمزيد من الإيضاح , ولكن خاطرة خطرَتْ لي فجأة فامتقع لها لوني :
– ” هل ناقشْتَ كل هذا مع أبي ؟ ”
– ” لقد توقف بنا الكلام عند الساعات الزائدة , ولكن _إن كان لي أن أبديَ رأيي _ فقد بدا لي صوتُه محبطاً قليلاً عندما وَجَدَ العقابَ مقصوراً على ذلك . من يدري ؛ ربما يوماً ما قد أُخْبِرُهُ بتمام الخبر , وعندها فمن يدري ؛ ربما تجدين نفْسكِ تعاقبين في البيت كما تعاقبين في المكتب ”
كنْتُ قد نسيتُ تماماً أننا لا نزال في الطريقِ , وبدا لي أن احمرار خديّ قد بدأ يشد أنظار المارة , وانتبه ( سليمان ) إلى ذلك , فقال :
– ” ربما يفترض بنا أن نذهب إلى المكتب ” ولما رأى امتقاع لوني أضاف : ” حتى أبدأ في توزيع القضايا عليكِ , ونتفق على جدولِ عملك”
مرةً أخرى بدأت أتنفس الصعداء , وكأنه قد أعجبتْه لعبة إخافتي ثم طمأنتي ثم إخافتي هذه , فقد أضاف :
” أما سؤال ذلك الصحفيّ عما إذا كان حكمُ البراءة الذي نلْتِهِ ينسحب على كل أنواع العقاب الأخرى  , فلو كان لي أن أجيبه بأثر رجعي لقلْتُ : عندما يبدأ عقابُ الآنسة ( دينا ) على ما فَعَلَتْه في تلك الصورة فإن جزءاً منها سيتمنى لو تستبدل به عقوبةَ المحكمة , وعندما أنتهي من كامل عقابها فإنها لن تقابل تمثالاً بعد ذلك بمؤخرتها أبداً حتى لو كان تمثالَ زوجها ! ”
وقد كان !
******************

قصة : ابن ( المكبّ ) والقصر الملكيّ ( م / إكس )


قصة : ابن ( المكبّ ) والقصر الملكيّ ( م / إكس ) 
– بضعة تنويهات : 

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين ذكرين وبين ذكر وأنثى , فإن كانت هذه أو تلك تسوؤك / تسوءك, فقد نوهنا بهما . 

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : تحوي هذه القصة بعض المشاهد العنيفة التي تتضمن : اغتصاباً , وتهديداً باغتصاب , وقتلاً , وتعذيباً . وليست مقصودة لذاتها ولكن الرغبة في تصوير أدق _ ولو قليلاً _ لواقع معين قد دفعَتْ إليها .

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .   

تنويه 5 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

– القصة :  

(1)
عندما كنْتُ في السادسة من عمري , وقعَتْ لي حادثةٌ غيَّرتْ مجرى حياتي للأبد … لم تكن تلك الحياةُ وادعةً ولا هانئةً على أية حالٍ؛ في الواقع لقد كانت حياة مزرية , ولكن _على الأقل_ كنْتُ أنعم فيها بحنان أبي وحب أمي … وكانت أمي ملاكاً يمشي على الأرض ؛ أجمل الناس وجهاً وأرقهم أخلاقاً وأعذبهم ابتسامة . وعلى الرغم من إعجابي بنخوة أبي وشجاعته إلا أنني كنْتُ أستغربُ لماذا اقترنتْ أمي  به دون الأغنياء من الرجال أو ذوي المكانة .. لقد كان حباً متبادلاً على ما يبدو , ثم إن الأغنياء من الرجال وذوي المكانة لا يقترنون بالفقيرات المعدمات اللواتي نشأن وعشْن في (المكَبّ) .. هذا هو اسم الحي الذي نعيش فيه ؛ (المكَبّ) . كأنه مكبّ نفايات لا ينتهي إليه إلا أحط أنواع البشر .. في (المكَبّ) مَنْ يملك قوتَ يومه ويعيش في حجرة لا يشاركه فيها إلا أسرتُه فهو ثريٌّ محسودٌ , وقد كان أبي من بين هؤلاء الأثرياء المحسودين , ولكن ما حسده الناسُ عليه أكثر لم يكن الحجرةَ ولا الأكلَ ولكِنِ القمرَ الذي تزوجه ؛ أمي . 
وذات ليلةٍ كنا نتناول طعامَنَا ؛ لقيماتٍ لا تكاد تُشْبِع , عندما انفتح باب حجرتنا عنوةً , ولم يمهل الفاتحُ أبي أن يلتفتَ إليه حتى كان عاجله بطعنةٍ نافذةٍ قتلتْه على الفور , ولم يمهل أمي أن تصرخ فزِعةً حتى كان قد رفعها من الأرض _التي كانت جالسة عليها لتأكل طعامها_ وأدارها لتقابله بظهرها , ثم بكل ما أوتي من قوة دفعها جهةَ الجدار لتلتصق به , ويسراه قابضةٌ على أسفل رأسها  , ويمناه قد عمدتْ إلى بنطالِه لتنزله , وفي هذه اللحظة رجعتْ لي قدرتي على الحركة , وأعتقد أنني قد أخذْتُ عن والدي شجاعتَه حتى في تلك السن المبكرة , فلم أشعر بنفسي إلا وقد امتدتْ يدي إلى سكين كان في طرف الحجرة وغرسْتُه بكل ما أوتيْتُ من قوةٍ في فخذ هذا المهاجم _ وكان هذا هو ما طالتْه يدي من جسده , إذ كان طويلاً وكنْتُ طفلاً _  لترتخي قبضتُه على جسد أمي ويقع على الأرض _ فيما بعد سأعلم أن طعنتي له قد أصابَتْ شرياناً رئيسياً ينقل الدم لكامل الرِّجْل , وأنه ظل ينزف حتى مات _ والتفتًتْ أمي لترى السكين في يدي , والدهشة بادية على وجهي . ولم أدرِ ماذا أفعل , قبل لحظات كان هناك هدف واضح ؛ إنقاذ أمي , أما الآن فقد بدأت الصورة الكبرى تظهر أمامي فعاودني الذعر ؛ هذا الرجل الذي طعنْتُهُ .. إنه زعيم أكبر عصابة في (المكَبّ) , الجميع يعرفه , والجميع يعرف ولَعَه بالخَمْر وإدمانَه عليها , لا شك أنه قد أسرف في معاقرته لها هذه الليلة حتى سار _ منفرداً دونَ رجالِه _ إلى حجرتنا وهو يمنِّي نفسَه الأمانيّ ؛ لا شك أنه خَطَّطَ _ بعقلٍ غيّبَتْه الكحول _ أن يقتل أبي ويغتصب أمي فلم يلبث أن شرع في تنفيذ مخططه , ولقد كاد مخططه ينجح  لولا تدخُّلُ طفْلٍ صغير لم يحسبْ له حساباً .. فالآن ماذا ؟
بدا أن أفكاراً مشابهة تدور في عقل أمي , وإن كان حظُّها من الذعر أكبر , لقد تجاهلَتْ _ بعسْرٍ بالغٍ _ حزْنَها على زوجها الذي عشقَتْه والذي تراه الآن مطروحاً على الأرض جثة هامدة , لينصبّ اهتمامَها بي ؛ بابنها الذي لا تعرف ماذا يكون مصيرُه عندما يعلم أفراد العصابة ما حدث لكبيرِهم على يدِيْ , ورأيْتُ أمي تفتح درجاً ما فتقبض على شيءٍ ما فيه وتضعه في جيبها , ثم تمسك يدي وتهرول بي خارجة من الحجرة ثم إلى الطريق , وفكَّرْتُ في أنها _ لا شك _ قد اهتدتْ إلى أنه لا بقاءَ آمنًا لنا في (المكَبّ) بعد هذه الحادثة .. ولكن إلى أين نذهب ؟ لم يكن (المكَبّ) حيًّا بالضبط لقد كان أٌقرب إلى مدينة ؛ مدينة متاخمة للعاصمة ولكنها معزولة عنها , مدينة بلا قانون إلا قانون الغاب , لا أحد يهتمّ بما يحدث فيها ما دام محصوراً داخلها , ولذلك فلا حدود داخلَها ولكن إذا أردت أن تخرج منها أو تدخل إليها فإنك _ تقريباً _ تنتقل من دولة إلى أخرى وتُعَامَل على هذا الأساس , ولهذا _ بعد ساعاتٍ من المشي الحثيث _ عندما بدأت تظهر لي العمارات المرتفعة التي تميز العاصمة لم يكن مفاجئاً أن توقفنا سيارة شرطة وينزل منها شرطيّ لينظر إلينا في تعجب :
– ” من أين أتيتما ؟ ” 
قالت أمي وهي تكاتم دموعها :
– ” (المكَبّ) , لقد قُتِل زوجي قبل قليلٍ , وإن حياة ابني في خطر … سأفعل أي شيء ! ” 
كنت أنا مدهوشاً مما قالته أمي  .. لماذا لم تطلبْ عون الشرطي ؟ لماذا تتحدث معه وكأنه أحد أفراد عصابة ما .. لم أكن أعرف في هذا السن المبكرة الكثيرَ عن المحيط الخارجي الذي أعيش فيه , كنت أسمع بعض القصص عن الفساد الهائل الذي يضرب بجذوره في كل مكان , ولكنني تصورت أن هؤلاء الذين يذمُّون العصابات وحياة سكان (المكَبّ) الخالية من القانون , تصورْتُ أن هؤلاء يجب عليهم أن يلتزموا هم بالقانون ليكون لاعتراضهم معنى . ولذا فقد زادت دهشتي عندما سأل الشرطي : 
– ” هل كان زوجكِ يعمل معنا ؟ ” 
وردت أمي : 
– ” لا , لم يكن زوجي فرداً في أي تشكيل عصابي , ولا علاقة لنا بأحد “
نظر إليها الشرطي في حيرة : 
– ” ولماذا قُتِل إذاً ؟ ” 
قالت أمي وهي لا ترى نهايةَ خيرٍ لهذا الحوار : 
– ” لقد أراد قاتلُه الوصولَ إليّ ” 
– ” وما الذي منعه , إن كان زوجكِ قد قُتِل بالفعل ؟ ” 
– ” لقد طعنْتُه بسكين كان في متناول يدي , وأخشى أن ينتقم هو وعصابته مني أو من ابني فيقتلوننا “
نظرْتُ في ذهول لأمي وهي تحرّف القصة ظنًّا منها أنها تحميني . وهنا كان الشرطي قد تخلى عن أي ذرة من أخلاق , وبدأ في التحديق بتبجح في جسد أمي , ثم اقترب منها , وقال في جرأة : 
– ” لا يسمح القانون لأيٍّ من سكان (المكَبّ) أن يدخل العاصمة إلا بتصريح موقع من مدير أمن العاصمة , ولكنَّ بوسعي أن أغض الطرفَ عن متسللَيْن دفعتْهما الضرورة إلى دخول العاصمة , ولكن ذلك على شرط  … “
ودنا بجسده من أمي , وقد بدا واضحاً _ حتى لي أنا _ ما يريد قولَه , واختلطَتْ أماراتُ الاشمئزاز والإحباط على وجه أمي , وقالت مجربة حظها :
– ” إننا لا نملك الكثير , ولكن زوجي كان حَرِصَ على أن يشتري لي في يوم زواجنا خاتماً ذهباً , إنه لا يساوي الكثير , ولكن رجاءً خُذْهُ ودعنا نمرّ “
وأخرجتْ من جيبها الخاتم , فنظر إليه الشرطي , وقال :
– ” لا حاجة بي إليه , وإن كنْتِ ترغبين في أن تخرجي من (المكَبّ) فلا سبيل إلى ذلك إلّا ما علمْتِ  .. ” 
نظرتْ أمي إليّ وكأنها تزن خياراتِها ثم قالت وقد رضخت للأمر الواقع : 
– ” أين ؟ ” 
– ” هنا ! ” 
– ” إن ابني .. ” 
– ” وما عليه أن يتعود على هذا المشهد من الآن , فسيراه كثيراً في المستقبل , أم تظنين أنك واجدةٌ عملاً في العاصمة من غير هذا النوع ؟ ” 
نظرَتْ أمي إليه في فزعٍ وقد بدا لها جلياً أنها هربت من الرمضاء إلى النار , ثم قال الشرطي وكأنه يقدم تنازلاً : 
– ” بإمكاننا أن ننتقل إلى سيارة الشرطة إن كان هذا عندكِ بهذه الأهمية ” 
ثم عاد إلى سيارته وفتح بابها الخلفي , ووجدْتُ أمي تتردد ثم تنظر إليّ ثم تعزم أمرها وتدخل إلى السيارة ويدخل خلفها , ويدعانني منفرداً لا أعلم ماذا أصنع , وبدا لي أنني على مشارف البكاء وقد بدأت أصوات ما يحدث داخل السيارة تصل إلى أذني , ولكن شيئاً ما في داخلي كان ينمو شيئاً فشيئاً حتى تَمَّ نموُّه  فحال دوني ودون البكاء وحال دوني ودون أن أرثى لحالي , ووعدني أنه سينتقم من هذا الشرطي يوماً ما ؛ قال لي :  ليس ما تريده هو البكاء ولا الجزع , ما تريده هو الغضب والصبر حتى تتاح لك فرصة الانتقام ؛ لا مكان لأفعال الأطفال ولا مشاعر الأطفال في مثل هذا العالم , وفي هذه اللحظة خرج الشرطي وأمي من السيارة , وفوجئْتُ به يقول : 
– ” حسناً لقد كان هذا لا بأسَ به , ولكن عليكما أن تعودا من حيث أتيتما وإلا اعتقلْتُكُما  ! ” 
نظرتْ له أمي , وهي لا تصدق أذنيها .. : 
– ” ولكنك قلْتَ….”
قاطعها الشرطي بفظاظة : 
– ” إن لم تعودي بابنك في هذه اللحظة فسأعتقلكما بتهمة التعدي على السلطات , فاختاري لنفسك ” 
وقفتْ أمي مذهولةً للحظة , فأمسك الشرطي يدها , وقال : 
– ” حسناً فليكن , ستذهبين أنت وابنكِ للسجن , ويُحَال بينك وبين ابنك الذي سينتهي به الأمر صانعاً ما صنعتِهِ قبل قليل إن عاجلاً وإن آجلاً ” 
كان الشرطي يتكلم وهو يضع الأصفاد في يديها , ووجدْتُ أمي لأول مرة تصرخ وكأنها على وشك الإصابة بنوبة هستيرية : 
– ” اهرب يا ( سيف ) ! اهرب ! “
لم أدرِ كيف تحولْتُ فجأة إلى بطل سباق , ولكن الشرطي حاول أن ينحي أمي جانباً ويخرج مسدسه ويصوبه تجاهي ولكني كنت قد ابتعدت بما يكفي ليخطئ هدفه وتقع رصاصته على بعد سنتيميترات من أذني , وزادني ذلك سرعةً , فلم تمضِ ثوانٍ حتى كنْتُ قد ابتعدت عن مرمى مسدسه , ويبدو أنه لم يكن مهتماً بي إلى هذا الحد , فلم يطاردني ولم يرَ فيّ خطراً عليه ؛ فلو ذهبْتُ وشكوْتُهُ للشرطة , فلن يصدقوا قول طفلٍ ويكذّبوا قولَ أحدهم , دعك من أن هذا الطفل في النهاية هو طفل من (المكَبّ) , يشتكي شرطياً بسبب ما فعله لامرأة من (المكَبّ) ؛ لا أحد سيهتم بهذا . وكانت تلك الليلة هي آخر مرة أرى فيها أمي في حياتي !
********************
(2) 

يتوقف الحبيبان عن المشي فجأة وينظر الفتى إلى فتاته التي تردُّ نظرتَه بمثلها وقد غزا الخجل وجنتيها ثم تهم بأن تقول شيئاً فيفاجئها صوتُ طفل وهيئةُ طفل ووراءهما قلب رجل وعقل رجل : 

– ” النقود , والحليّ ! ” 
ينظر الفتى إلى المدية التي في يدي , ثم يرفع عينَه إليّ  فلا يرى أكثر من طفل في الثانية عشرة من عمره , ولكن شيئاً ما في عينيّ يجبره على التخلي عن طلب البطولة أمام فتاته , ويمد يديه في جيبه ليخرج ما فيه من مال , وتفعل فتاتُه مثلَه , ويسلمانني مالهما , فأقول : 
– ” والحليّ ! ” 
تمر الفتاة على قُرْطَيْ أذنيها بيديها , وتقول : 
– ” رجاءً ! لقد كانا هدية من أمي قبل موتها “
ويعتصر الألم قلبي فأمد إليه يداً خفية فأقضي عليه , ثم أقول _ولم يفقد صوتي من صرامته شيئاً_ : 
– ” والحليّ ! ” 
فتستسلم الفتاة وتحل قرطَيْها وتسلمهما لي . وأسيرُ عنهما في تؤدة وأنا لا أبالي بهما ؛ فهناك صنفان من المجرمين : صنفٌ يبدو وكأنه مقرٌّ بفساد ما يفعله فهو يرتعد ويرتجف ويتمنى لو قُضِي عليه , وصنفٌ يأتيْ إجْرَامَه وكأنه يشرب الماء فإذا لمْتَه استغرب . وإن ستّ سنين من حياة الإجرام التي يُدْفَع إليها دفعاً طفلٌ في السادسة لا تدع له رفاهية أن يكون من الصنف الأول .
لقد مرتْ ستٌّ سنواتٍ على مقتل أبي … على هروبي من الشرطي الذي اغتصب أمي … على لجوئي للعاصمة ورؤيتي بأم عيني إجراماً يجعل إجرام (المكَبّ) كأنه عرض مسرحي لاهٍ ؛ نعم في (المكَبّ) ليس هناك قانون … والقوي يأكل الضعيف , ولكن في العاصمة هناك قانون لا يسمح للقوي ولا للضعيف أن يأكلا شيئاً إلا بإذن صاحب الأمر , فإذا كان صاحب الأمر فاسداً … ؟
لقد ظللْتُ طيلةَ هذه السنوات الست أقتل كل بقية باقية من طفولتي فصرْتُ رجلاً ولمَّا أبلغِ العاشرة , ثم انتقلْتُ درجةً أخرى فقتلْتُ كل بقية باقية من إنسانيتي فصرْتُ ما صرْتُ إليه الآن ؛ إذا كان غيري يرى الظلم فيبكي , أو يرى الظلم فيسعى إلى تغييره , أو يرى الظلم فيبرر وقوعه ويتمحل له الأماحيل , فإنني أنا لا أراه أصلاً حتى يكون لي إزاءه ردُّ فعلٍ ؛ ما يحدث يحدث وما لا يحدث لا يحدث وهذا كافٍ في بيان موقفي من الدنيا .
كان هذا اليوم بالذات يوماً مهماً , ولكن أهميته لم تَحُلْ بيني وبين سرقة هذين الحبيبين لما واتَتِ الفرصة , ولكنني الآن أنتقل إلى قسم الشرطة والمسروقات لا تزال في جيبي  , ويخطرُ لي أنه من المنطقي أن أعود بمسروقاتي أولاً إلى البيت _ وهو عقار مهجور تنازع على ملكيته شقيقان ولما لم ينتهيا إلى شيء أقمْتُ فيه حتى يقضى فيه بشيء _  ثم أذهب للقسم فيما بعد , ولكنني لا أبالي وأعلم يقيناً أن الشرطة أيضاً لا تبالي ؛ ليس هذا هو ما يهمهم فلماذا أشغل نفسي به .. أدخل قسم الشرطة فينظر لي أحد صغار الضباط _ممن لم يسبق لي التعامل معه_ باستغراب , فأسأله عن مأمور القسم الضابط ( سامي ) فيَهِمُّ بأن يزجرني ظاناً أنني أعبث , ولكن ( سامي ) يراني , فيدعوني نحوه … لا مودة زائفة بيني وبينه ؛ كلانا عالم بمراد صاحبه : أنا أريد أن أُتْرَك وشأني , وهو يريد أن أبلغه كلما وقعت عيني على أمر يهمه , وما يهمه هو استقرار الأوضاع على ما هي عليه , لهذا عندما اقتربت منه وقلت له في هدوء :
– ” سياسة ! ” 
أشار لي في اهتمام لأتبعه إلى مكتبه , فلما دخلنا المكتب أغلق بابه ورمقني في فضول , فقلت : 
– ” هناك جماعة ما _لا أفهم شيئاً من أهدافها _ ولكنهم مغرقون في السرية على ما يبدو .. كنْت أسرق منزلاً ما فوجدت فيه كثيراً من أدبياتهم , ويبدو أنه منزل مسئول كبير في هذه الجماعة , على أية حال لقد صوَّرْتُ ما وجدته من وثائق ووضعتها على كارد الذاكرة المحمول هذا “
وأدخلْتُ يدي في جيبي فاصطدمت بالقرْطَيْن فزحزحتهما حتى وصلْتُ إلى الذاكرة فسلَّمْتُها له , فقال في اهتمام : 
– ” هذا جيد ! إن كثيراً من الاضطرابات قد نشات مؤخراً , وقد خلص محللونا أن وراءها على الأغلب مجموعة من الخارجين على القانون من أصحاب التوجهات السياسية , فلعلهم هؤلاء “
أخفيتُ ابتسامتي بصعوبة عندما تحدث عن الخارجين عن القانون , فقد أخبرْتُه لتوي أني سرقْتُ بيتاً فلم يبالِ . ثم قال وكأنه قد تذكر شيئاً فجأة : 
– ” بالمناسبة هناك اختبار طلبَتِ القيادات العليا أن نجريَه لجميع المنتسبين إلى الشرطة , وعلى الرغم من أنه _ رسمياً _ لا شيء يربطك بنا , إلا أني أرغب في أن تخوضه على أية حال “
– ” أي اختبار ؟ ” 
– ” مجموعة من الأسئلة مطلوب الإجابة عليها في وقت محدد , أو شيء من هذا القبيل , إنهم يجرونه في المكتبة في الأعلى ” 
لم أكن أعلم أن هناك مكتبة في أقسام الشرطة , ولكنني وافقْت على مضض , وسرْتُ إلى المكتبة , ووضعوا الأوراق أمامي , فنظرت إلى الأسئلة فوجدتها تافهة , مجموعة عمليات حسابية بسيطة , وأشكال متشابهة , فرفعت عيني إلى القائم على الاختبار , وسألته : 
– ” ما الفكرة في هذا الاختبار بالضبط ؟ ” 
– ” إنه يفترض أن يقيس درجة الذكاء , ولكنه مرتبط بالعمر فمن الطبيعي أن تكون درجتك فيه منخفضة ” 
ساءني الردّ , فعزمْتُ أن آخذ الاختبار بجدية , وسألت : 
– ” ما هو زمن الإجابة ؟ ” 
– ” لا يوجد زمن محدد , ولكن كلما كانت الإجابة أسرع زادت الدرجة ” 
وعندما أنهيْتُ الاختبار , طٌلِب مني الانتظار حتى أحصل على نتيجته , ثم نظر لي القائم على الاختبار في دهشة , وقال : 
– ” 140 ! لقد طلب منا المأمور أن نحيل إليه أي درجة تزيد على 110  ” 
– ” ليصنع بصاحبها ماذا ؟ ” 
– ” ترقية على ما أعتقد , هل أنت ابنٌ للمأمور ؟ ” 
– ” أحد معارفه سيكون توصيفاً أدق ” 
وعندما قابلْتُ المأمور _ بعد أن علم بالدرجة فلاقاني أثناء خروجي _ عرض عليّ رسمياً العمل في الشرطة , واستغربْتُ :
– ” ألا يُشْتَرَطُ عمرٌ معين في الانضمام إلى الشرطة ؟ ” 
– ” أنت أحد أبناء ( المكبّ ) , وعليه فلا يوجد شهادة ميلاد رسمية لك , ولهذا عندما نستخرج لك واحدة الآن  سنجعلك في السادسة عشر من عمرك , وهو السن الأدنى للانضمام _ بشكل تدريبي _ لجهاز الشرطة . فهل أنت موافق ؟ ” 
– ” بشكل مبدئي ؛ نعم ”
********************
(3) 

عندما وافقْتُ على الانضمام كمتدرب إلى الشرطة  لم تتغير حياتي كثيراً بذلك , رسمياً صِرْتُ جزءاً من الشرطة _ كما كبر سني فجأة أربع سنوات _ , ولكن فعلياً ظللتُ أصنع ما كنتُ أصنعه قبلها , فقط صار هناك غطاء قانوني لما أفعله , وكأنه جزء من مهمة سرية من أجل كسب ثقة المجرمين , وإن كانت خبرتي في استعمال الأسلحة البيضاء قد تضاعفت مرات كما اقترن بها إتقان استعمال الأسلحة النارية , أضف إلى هذا أنني قد بدأت التدريب في سن مبكرة كما يقولون ؛ لقد عِشْتُ في بيئة إن لم تَقْتُلْ فيها قُتِلْتَ منذ كُنْتُ في السادسة , ولذلك فعندما بلغْت الثامنة عشرة _ أو الثانية والعشرين  وفقاً للوثائق الرسمية _ صرْتُ أداة قتلٍ تمشي على رجلين ,  ولم يخفَ ذلك عن أعين رجال العصابات وقيادات الشرطة جميعاً ؛ ولكن رجلاً واحداً من بين هؤلاء كنت أتمنى أن يسمع بمهاراتي المتعددة .. وهو اللواء ( شكري ) مدير أمن العاصمة  .. لو كان لي مَثَلٌ أعلى لكان مديرَ أمن العاصمة ؛ فهو مِثْلِي قد نشأ في ( المكبّ ) ولا يعرف أحدٌ كيف هرب منه , ولا كيف صار زعيماً لكل مجرمي العاصمة لا يعصي أحدهم أمرَه , ولما بدأ الصدام بين عصاباته وبين الشرطة _ وكان ذلك قبل أن يتم تطبيع العلاقات بين الطرفين _ بدا واضحاً أيُّ الطرفين أقربُ للقضاء على خصمه , عندها اضطرت الشرطة إلى التفاوض مع ( شكري) , وانتهى التفاوض بأن يعترف كلا الطرفين _ من تحت الطاولة _ بمجال نفوذ الآخر ؛ ألا تدخل الشرطة إلى ( المكبّ ) وأن تعلن بصراحة عن الأهداف التي تشكّل خطاً أحمر حتى تتجنبها العصابات ويكون ما سواها مباحاً , وعلى الطرف الآخر أن يتعهد بحق الشرطة في السيطرة على كل أرجاء العاصمة , وأن يتم التواصل مع الشرطة في حال تنامى إلى علم العصابات وجود مخطط لقلب النظام , أو لاستعمال العنف ضد الدولة ومؤسساتها , ولقد كان نفعُ ذلك الاتفاق على الطرفين هائلاً حتى إن قراراً ملكياً صدر بتعيين ( شكري ) مديراً لأمن العاصمة ومنحه رتبة لواء , وقد غَضِبَتْ بعضُ القيادات الأمنية من ذلك القرار, ولكن ما إن تعاملوا مع ( شكري ) حتى علموا بُعْدَ نظرِ ذلك القرار .

لذلك عندما أخبرني المأمور أن مدير أمن العاصمة يرغب في لقائي  اعترى قلبي _ الذي ظنَنْتُ أنه كان تيبَّس من قلة الاستعمال _ خفقة مفاجئة , ثم رجع إلى حالته الأولى  فكأنه طفل قد نَدَتْ عنه كلمةٌ في مجلس الكبار فالتفتوا إليه فهاله ما صنع فخرس .  وكان اللقاء كما توقعْتُه جافاً براجماتياً , قال ( شكري ) شيئاً عن كلام طيب سَمِعَهُ عني , ثم قال في جدية : 
– ” هناك مهمة قد تبدو لأول وهلة تافهة , ولكن الظروف تدفعنا لتوكيلك بها “
نظرْتُ إليه في اهتمام , فأضاف وكأنه محرجٌ من أن يضيع وقته فيما سيقوله  
– ” إن وليَّ العهد _ كما تعلم _ قد احتفل بعيد ميلاده الثامن عشر قبل أيام , ومن عادة المملكة أن يتم زواج وليِّ العهد بمن يختارها من الفتيات بعد بلوغه الثامنة عشرة مباشرة , على أية حالٍ فإن ولي العهد _ كما قد لا تعلم _ ليس بهذا الاتزان الذي تحاول الدولة أن تصوّره عليه , في الواقع إن الأمير مولعٌ بالأفلام السينمائية التي تصور حياة العصابات , وهو _ في غير المناسبات الرسمية _ يحاول تقليد أسلوب رجال العصابات في الكلام , وارتداء الملابس التي تشبه ملابسَهم ؛ إن لديه مشكلة .. ولكن هذا أمر قابل للتدارك _كما هو واضح_ . ولكن الملك أبى إلا أن يطلب من طبيبه النفساني الخاص أن يجري كشفاً على ابنه ليعرف ما الذي يدفعه بالضبط للاهتمام بحياة العصابات هذه , وقام الطبيب بمجموعة من الاختبارات وسأل مجموعة من الأسئلة , ثم ثَبَّتَ مجموعة من المستشعرات على جبين ولي العهد وعلى صدره ثم عرض عليه صوراً لمجموعة من رجال العصابات وسجَّل سرعة النبض وأشياء طبية أخرى , ولكن الطبيب شديد الملاحظة انتبه إلى شيء آخر قد يكون هو السبب الحقيقي وراء اهتمام ولي العهد برجال العصابات , وذلك عندما جعلَ الأميرُ إحدى رجليه على الأخرى بمجرد عرض الصور عليه , وذلك ليخفي _ على الأغلب _ …  
وأشار ( شكري ) بيديه إشارة مبهمة , فجاهدْتُ لإخفاء ابتسامتي , فأضاف : 
– ” وهذا أيضاً أمرٌ قابلٌ للتدارك .. إن الساذج فقط هو من يعتقد أن القَصْرَ لا يعجّ بمثل هذه العلاقات , ولكن مشكلة الملك الكبرى كانت هي ما إذا كان ابنُه تقتصر رغبتُه على هذا النوع من العلاقات أم تمتد لأنواع أخرى ؛ أو بعبارة أكثر صراحة : هل يرغب ولي العهد في الزواج من فتاة أم لا ؟ وصارح الملكُ ابنَه فصارحَ الابنُ أباه … ومرة أخرى هذا أيضاً أمرٌ قابل للتدارك .. كثيراتٌ يتمنين لقب (أميرة) ولقب (ملكة) فيما بعد حتى لو عنى ذلك أن يتزوجن زواجاً صُوَرِياً , وقد تقدم الطبّ الآن وصار التخصيب خارج الرحم حقيقة , وكثيرات يتمنين أن يكن أمهات للملك القادم ؛ أو بعد القادم للدقة , فلن نعجز عن إيجاد مَنْ تقبل بزواج صوري وأن تحمل من ولي العهد حتى لو لم يكن به رغبةٌ فيها  .. كل هذا قابل للتدارك .. ” 
ثم صمَتَ ( شكري ) لوهلة , فتساءلْتُ عن المشكلة ؛ ما دامتْ كل الأمور قابلة للتدارك على ما يبدو .. فأضاف ( شكري ) في مجاهدة _إذ يبدو أن جرأته وسمعته في الاستهانة بالدماء , لا تنسحب على الأمور الجنسية_  :  
– ” وفي خضم كل ذلك كان من الطبيعي أن يُطْلَبَ من الأمير أن يتحدث بصراحة بالغة عن كل ما يتعلق بميوله الجنسية وما مارسه من قبل وما يريد أن يمارسه فيما بعد , حتى نَضَعَ مُقَارَبَةً لكيفية مواءمة كل هذا مع طبيعة مهمته كولي للعهد ثم كملك فيما بعد . وبالطبع فقد دار هذا كله في دائرة ضيقة للغاية من الثقات , وبعد جهدٍ جهيدٍ أَطْلَعَنَا الأميرُ على أسراره كلها , فخلصْنا إلى أن المشكلة أكبر مما تبدو عليه . ولكننا فجأة وقعنا على ملفك وبدا وكأن المشكلة بسبيلها للانفراج ” 
كان هناك تصوُّرٌ ما لديّ حول النهاية التي سيذهب إليها هذا الحوار  , فلما ذكر ( شكري ) ” ملفي ” تأكَّدَتْ لدي هذه النهاية , ولأنني كنت قد مللْت من كل هذا اللف والدوران و” المقاربة” و”المواءمة ” , فقد قاطعْتُه قائلاً : 
– ” الأمير يريد أن يخضع جنسياً لرجل , وتخشَوْن أنتم أن ينسحب هذا على استقلالية قراره , و” ملفي ” يظهر أنني لا أتورع عن أي فعل ذي طبيعة جنسية حتى أصل إلى غايتي _ وهي في الأغلب أن أخلو بهدف مطلوب تصفيته , إلا أنه من حيث المبدأ فهذا ينسحب على قدرتي على تلبية رغبة الأمير_ “
نظر ( شكري ) لي شاكراً وكأني أزلت عنه عناء شرح هذه النقطة , وأضاف : 
– ” بالضبط , ولكن نحن لا نستطيع أن نضمن أنَّ مَنْ سيخضع له الأمير لن يستغل هذه الفرصة ليتحكم فيه_ على الأقل هذه هي وجهة نظر المَلِك _  , ولكن معك أنت فالوضع يختلف , هناك شيءٌ نستطيع توفيره لك _ وبحكم معرفتي الشخصية بطبيعة حياتك _ فإنه على الأغلب سيضمن ولاءك لنا _ وعلى رأسنا الأسرة الحاكمة بالطبع _  للأبد ” 
تأملْتُ في اهتمامٍ يدَ ( شكري ) وهي تسحب مظروفاً من أمامه وتفتحه وتخرج ما يبدو وكأنه مجموعة صور وتضعها أمامي : 
– ” للأسف لقد توفيتْ والدتُك بعد ليلة مفارقتها لك بأيامٍ , ولكن هذا أفضل ما استطعنا القيامَ به ” 
خفق قلبي بعنف وأنا أرى محتوى الصور .. هناك شيءٌ واحدٌ ظل عصياً عليَّ محوُه طيلة تلك السنين .. كنت أتساءل : هل صِرْتُ إنساناً آلياً بعد ؟ فتكون الإجابة : بَقِيَ جزءٌ واحدٌ من إنسانيتك يَحُولُ دون ذلك . والآن تتاح لي الفرصة أن أشعر كإنسان مرة أخرى ؛ أن أتلذذ بمشاعر الانتقام ؛ هذه الصور … تُظْهِرُ أولاها وجْهَ رجلٍ لن أنساه ما حييْتُ ؛ ذلك الشرطي الذي أذل أمي أمام عيني ؛ وهي التي كانت لتدفع هذا الذل بكل ما تملك , ولكنها رضيَتْ بالذل خوفاً على حياتي .. ثم كان ماذا ؟ .. قيل لها : كأن لم تفعلي شيئاً … سواءٌ عليك إقدامُكِ على فعلٍ _الموتُ أحبُّ إليكِ منه_ وعدمُ إقدامك … مدى الانحطاط !.. ولقد شَفَتِ الصورةُ الثانيةُ نفسي ؛ الوجه نفسه الذي في الصورة الأولى ولكنه هذه المرة متورمٌ من أثر الضرب ؛ ضرب محترفين كما يبدو في الصورة , لم يقتلْه وقعُ هذه الضرباتِ ولكنه تعذَّبَ بها أياماً حتى تمنى الموت,  وفي ملامحه ذعرٌ لا يوصَف , وفي الصورة الثالثة تبدو أعضاءه ممزقاتٍ ويظهر مِنْ ذعرِ ملامح وجهه في الصورة السابقة أنها مُزِّقَتْ من جسده وهو لا يزال على قيد الحياة ؛ لو كان لي أن أرسم له مصيراً أبشع من هذا لما استطعْتُ , وبدا لي كأن حِمْلَ جبالٍ كان على صدري طيلة تلك السنين ثم تبخَّر ؛ فرجعَتْ لي القدرة على التنفس بعد اثنتي عشرة سنة من الاختناق .
وهمَمْتُ أن أسألَ , ولكن ( شكري ) عاجلني : 
  ” لقد أودِعَتْ أمكَ مستشفى السجن في الليلة التي قُبِضَ عليها فيها بسبِبِ ما شُخِّصَ أنه نوبة اكتئاب كبرى ؛ ظلَّتْ تردد عباراتٍ تعتذر فيها لـ ( كريم ) _ أعتقد أن هذا اسم والدِكَ _ , وتطلب أن يأتوها بكَ , وتذكر جريمة ذلك الشرطي , واستمرت في هذه النوبة حتى ماتت بعدها بأيام ” 
فوجئْتُ أن حزني على وفاة أمي لم يكن بنفس قوة تلذذي بمقتل ذلك الشرطي ؛ ربما بعد كل هذه السنين لم تعد لديّ القدرة على الحب والحزن على فراق الأحبة , وصارت أٌقرب المشاعر لدي وأقدرها على التأثير فيّ هي العنف والقتل والانتقام  . بدا أن ( شكري ) يحترم صمتي ووقع كل هذا عليّ .

 ولكنني أن أردتُ أن أعبرَ عن امتناني وأيضاً عن صدْقِ حدسه : 

– ” أعترف أنني لا أهتم كثيراً بالولاء لهذا أو ذاك , ولا بالصواب والخطأ , ولكن لو كان هناك شيءٌ أعلم أنني أَدِينُ بالشكر لفاعله ما حييْتُ وأتولاه على من سواه , فهو هذا الذي قمْتَ به ” 
هز ( شكري ) رأسَه في تفهم , ثم قال : 
– ” حسناً , فلننتقل إلى الجزئية الرئيسية في حديثنا ؛ ما الذي ستفعله بالضبط . ” 
بدأتُ أصغي السمع باهتمام , ولكنني فوجئت بـ ( شكري) وهو يقول بصوت عال للجندي الواقف على الباب : 
– ” اطلب من الأميرة ( ليلى ) أن تدخل “
ضرب الجندي الأرض برجله ورفع يده بالتحية العسكرية ثم انصرف . فنظرت متسائلاً لـ ( شكري ) : 
– ” الأميرة ( ليلى ) ؟ ” 
وكأنها سمعتْ سؤالي فدخلَتْ من الباب مباشرة وتبعها الجندي , ونظرْتُ إليها فوجدتها فائقة الحسن , وشعرْتُ بوقوف ( شكري ) تحيةً لها , فقمْتُ أنا كذلك , فصافحَتْني قائلةً : 
– ” ( ليلى ) ! ابنة عم ولي العهد ” 
كنْتُ لا أزال في حيرة من دور ( ليلى ) هذه فيما نحن فيه , ولكنني أجبْتُ في هدوء : 
– ” (سيف) !”
ووجدت ( شكري ) ينسحب وهو يقول : 
– ” الأميرة ( ليلى ) هي الصديقة الأكثر قرباً من ولي العهد , وستخبرُكَ بـ .. ” 
وبدأ شكري يلوح بيديه مرة أخرى , فبادرْتُه قائلاً : 
– ” هذا واضح يا سيادة اللواء ! ” 
– ” حسناً , أترككما إذن ! ” 
ثم انصرف , فجلسَتْ ( ليلى ) مكانَه , وأتمَّتْ جملتَه : 
– ” وستخبرك بما يرغبُ الأميرُ أن تفعله به . ” 
ابتسمْتُ , وقلْتُ لها : 
– ” إن لسيادة اللواء أسلوبه في عرض فكرته , ولقد كنت أخشى أن تكوني .. المعذرة .. أن يكون سموُّكِ على نفس الدرجة من التكلف “
– ” على الإطلاق , ورجاءً ! لا داعي لـ ” سموك ” ولا لـ  “الأميرة”  , نادني باسمي ؛ إن ما سنخوض فيه يمنع أن تكون لهذه الألقابِ هَيْبَتُها على أية حال ” 
هززْتُ رأسي موافقاً على كلامها , فأضافت : 
– ” لقد امتدَّتْ صداقتي للأمير طيلة حياتينا تقريباً , وهو يخُصّني بكل أسراره , ولا أخفيك أنني كنت مسرورة بتعرضه لما تعرض له مؤخراً مما حدثك عنه اللواء ؛ أنا أرى أن حرجه من انكشاف سره أهون من أن يعيش حياة كاملة لا يلبي فيها رغباته , ولا أدري إلى أي مدى وصف اللواء مشاعرَ ابن عمي , ولكن علمي بحيائه _ اللواءَ لا ابنَ عمي _ يجعلني أعتقد أنه لم يقل الكثير ” 
أمَّنْتُ على قولها : 
– ” لم يقل شيئاً في الواقع .. لقد استنتجْتُ أنا مما قاله الفكرةَ الرئيسيةَ , بينما ظل هو يتكلم عن مقاربةٍ تُحَقِّقُ رغباتِ ولي العهد ولا تتعارض مع منصبه , أو شيئاً من هذا القبيل ” 
ابتسمتْ ( ليلى ) وقالت : 
– ” لقد كانت أولُ مرة أعلم فيها بـ ” رغباتِ ولي العهد ” عندما وجدتُ صدفةً _ وأقسم أنها كانت صدفةً وأنني لا أقول ذلك لأدفع عن نفسي الحرج _ إحدى المجلات التي يدمن قراءتها , وكنتُ حينها في السادسة عشرة والأمير في الرابعة عشرة  , ولأننا مقرّبان للغاية  فقد ساءني أن يخفي عني ذلك , وعندما فاتحْتُهُ بالأمر كانتْ أولَ مرةٍ يكذب فيها عليّ صراحة , وقال إنه لا علم له بالمجلة ولا يدري  من أين أتتْ , ولم أشأْ حينها أن أضغط عليه فأظهرْتُ أني أصدقه , وانتظر حتى الغد ليخبرني أنها مجلته وأنه لم يكذب عليّ في أي أمر آخر من قبل , لكن هذا السر بالذات لا يطيق أن يُطْلِعَ عليه أحداً , ومنذ تلك اللحظة وعلى مدار قرابة الأربع سنوات كنتُ الشخصَ الوحيد الذي يخبِرُه الأميرُ _أولاً بأول_ بما يجدّ في هذا السياق _ إن صح التعبير _ , كما كان يخُصُّني دون الناس بعرض قصصه التي يكتُبُها ويُوْدِعُهَا خُلاصَةَ أسرارِه  ” 
– ” هناك ” قصص “  ؟ “
– ” نعم ! هذا هو السبب الذي جعلني أتفق مع اللواء أن أكون أنا من يعرض عليك خطة العمل ” 
– ” ولماذا لا تعطينني القصص لأقرأها , وأعرف بنفسي ما يريده الأمير ؟ ” 
– ” لأن معظم تلك القصص قائمٌ على أحداثٍ واقعية , كما يقولون , وشخص ذكي مثلكَ سيفطن إلى كثير من خفايا القصر بمجرد أن يقرأها , ونحن نريدك أن تتولى تلبية رغبات الأمير, لا  أن تعرف كل أسرار القصر . وعلى أية حالٍ فأنا أعرف من هذه القصص كل ما يريد الأميرُ فعلَه , وسأغنيكَ عن إتعاب نفسك في استنتاج الخلاصة ” 
– ” حسناً إذن ” 
قبضت ( ليلى ) أصابع يمناها ثم بسطت من بينها الإبهام وبدأت تعدد : 
– ” أولاً : _ في المعتاد _ تكون العلاقة بين المسيطِر ولنرمز له بالرمز (ط ) والخاضع ولنرمز له بالرمز (خ) علاقة مقلوبة , هذا راجع _بالطبع_ إلى أن الأمير هو ولي العهد وما لم يتولَّ والدُه  لعب دور ( ط) , فإن أي شخص آخر هو دونه في المكانة وفقاً لدستور المملكة .
ثانياً : وبناءً على (أولاً) فإن ( ط ) في المعتاد يبدأ القصة وهو يحترم ( خ ) ويظهر له التبجيل , ولكن من وراء التبجيل تبدو رغبته في أن يضع ( خ ) في منزلتَه التي يعلم كلاهما أنه يستحقها . ومن ثم فهناك دائماً هذه النقلة من ( هل يريد سيدي شيئاً آخر ؟ ) إلى  ( لو كان من قال هذا شخصاً آخر لأوجعْتُه ضرباً ) والتي تقود بالضرورة إلى ( كيف تشعر لو دخل علينا الآن أحد الخدم ورآك متورم الجلد باكي العين تطلب الصفح فلا تُمْنَحُهُ ؟ ) ,  وهذه الفكرة تظهر في كل القصص تقريباً .
ثالثاً : هناك اقتراب وابتعاد أو اعتراف وإنكار للطابع الجنسي لهذه السيطرة ؛ في نقطة ما ينكر ( ط ) أن يكون دافعُه لما يفعله له أي علاقة بالجنس , بل يظهر السخرية والاستهزاء بكون ( خ ) قد أثير جنسياً _ كما هو ظاهر _من هذه العلاقة , وفي نقطة أخرى يعود ( ط ) ويعترف أو يلمّح إلى وجود دافع جنسيّ لرغبته في السيطرة على ( خ ) , ونفس الشيء ينطبق على موقف ( خ ) ففي نقطة ما يتمنى لو تنتهي هذه العلاقة ولو يعود لوضع طبيعي لا يتعرض فيه للضرب أو السخرية أو التحقير , وفي نقطة أخرى نجده توّاقاً لأن يتعرض لذلك كلِّه . كما أن هناك حالة أخرى تنص فيها القصة على أن أحد الطرفين لا ينظر إلى هذه العلاقة على أنها ذات طابع جنسي على الإطلاق , ولما كانت هذه القصص مكتوبة من قبل الأمير الذي يتصور نفسه في مكان ( خ ) , فإن الطرف الذي لا يشعر بإثارة جنسية من هذه العملية يكون في الغالب هو ( ط) مما يزيد من شعور ( خ ) بالمهانة واستحقاق العقاب .
رابعاً : في الغالبية العظمى من هذه القصص هناك تفصيل مستفيض لمشاعر ( خ ) وأثر الأفكار التي تدور في ذهنه على رؤيته لهذا الفعل أو سماعه لهذا القول ؛ بعبارة أخرى فإن القصص مفرطة الذاتية , من الصعب أن نتصور وجود حوار أو حدث لا يؤثر بشكل مباشر على ( خ ) , أو لا يكون هو المقصود به . هذا أمر يجب أن يراعى عندما يتعامل ( ط ) _ الذي ستلعبُ دورَه _ مع ( خ ) ؛ لا بد أن تجعله هو بؤرة الحدث ” 
هنا وجدْتُ أن عليّ أن أقاطع ( ليلى ) لأستوضح شيئاً 
– ” ما مدى الارتجالية _ إن صحَّتِ اللفظة _ التي يفترض بي أن أتعامل بها مع الأمير ؟ ألن يكون هناك نص مكتوب , أو تعليمات واضحة بما يُفْعل وما لا يُفْعل ؟ ” 
– ” حرصاً على ألا تكون علاقتُك بالأمير ذات أثر واضح في حياته , فإنك لن تتفق معه على سيناريو معين تقومان به , بل إنك _ وحدك _ من سيقوم بالدور ؛ مثلاً سيتم تعريفُه بكَ على أنك طالب دراسات عليا أجنبي يريد أن يجري بحثاً على طبيعة العلاقات بين أفراد الأسرة الحاكمة في نظام ملكي , وأن الملك قد قرر _تمادياً في احترام العلم والعلماء _ أن يدعوك لتقيمَ في القصر الملكي نفسه بضعة أيام لترى على الطبيعة موضوع بحثك , عندها تتعرف على الأمير وتسوقك الأحداث إلى أن تقيم به علاقة فيها سيطرة وخضوع , ولكن الأيام سرعان ما تنقضي , وتضطر للمغادرة لمكان آخر بحثاً عن مصادر ومراجع ما , وتعود مرة أخرى ولكن إلى فندق في أطراف العاصمة ويزورك فيه الأمير , وهلم جراً بحيث تقابله على فترات متباعدة وهو يعتقد أنك أنت الشخصية التي تلعبها ؛ لقد قررنا أن هذا أسلم , وأدفع لتحقيق رغبة الأمير بدون تعقيد حياته الخاصة بأن يعرف أن ضابطاً من ضباط المملكة هو من يحقق له رغباته , ومن ثم _ فإجابةً على سؤالك _ إن دورك كله سيكون ارتجالياً تقريباً  ” 
بَدَتْ لي هذه الفكرةُ خَطِرَةً , مَنْ يدري ما الذي سيكونه ردُّ الأمير؟ ربما يتردد عندما تصل الأحداثُ إلى ذروتها ويقرر أنني تجاوزت خطاً أحمر , وحينها فمَنْ في القصر يعرف من أنا ؟ الملك ؟ ربما .. أنا لا أضمن إلا ( ليلى ) و ( شكري ) _إن جاز اعتبار أن ( شكري ) من رجال القصر _ ماذا إذا أَمَرَ الأميرُ أحدَ حراسه أن يقتلني لأنني تجرأتُ على مقامه _ وهو لا يعرف من أنا , والحارس أيضاً لا يعرف من أنا _ وإذا هَمَّ الحارسُ بقتلي فإن الحارس _على الأغلب _ سينتهي به الحال مقتولاً , ولكن هذا يعني أنني قَتَلْتُ حارساً في القصر الملكي , ومن أجل ماذا ؟ من سيقف في صفي ويشهد أنني كنت ضابطاً في مهمة سرية من أجل ضرب الأمير حتى يبكي من الألم ؟ تصوّرْ وجه القاضي وهو يسأل المحامي إن كان هذا دفاعاً أم تهمة يعاقب عليها بالإعدام .
فجأةً بدأتْ فكرةٌ أخرى في التبلور في ذهني : هذه الـ ( ليلى ) كائنٌ لطيفٌ .. أليس كذلك ؟ تسعى كل هذا السعي من أجل ابن عمها وتدافع عنه دفاعاً شديد التفهم , لقد قالت ” ولا أخفيك أنني كنت مسرورة بتعرضه لما تعرض له مؤخراً مما حدثك عنه اللواء ؛ أنا أرى أن حرجه من انكشاف سره أهون من أن يعيش حياة كاملة لا يلبي فيها رغباته “ , ثم تحلل كل قصة كَتَبَها على مدار أربع سنين وتخلص بنتائج مرقمة , وتُعَلِّلُ لعدم إرسال هذه القصص لي وإراحة نفسها من كل هذا العناء بأن شخصاً ذكياً مثلي سيعرف من خلالها خفايا القصر … شخصاً ذكياً ؟.. من أين لها أن تعرف أنني شخص ذكي ؟ إن درجتي في اختبار مستوى الذكاء موجودة في ملفي في الشرطة , ولكن : أَبَلَغَ بها حبُّ ابنِ عمها وحرصُها عليه أن تقرأ ملف ضابط الشرطة الذي يُحْتَمَل أن يتولى عقابه ؟ ثم هذه المجلة التي وجدتها صدفة أو كما قالت : ” عندما وجدتُ صدفةً _ وأقسم أنها كانت صدفةً وأنني لا أقول ذلك لأدفع عن نفسي الحرج _ إحدى المجلات التي يدمن قراءتها  .. صدفة ؟! .. هناك شيءٌ ما ليس في مكانه هنا .
وكنت قد انشغلْتُ بهذه الأفكار برهةُ فحدقْتُ في الفضاء لفترة , و(ليلى) تتأمل فيّ وكأنها تحاول قراءة ما أفكر فيه , فوجهْتُ إليها نظري وقلْتُ : 
– ” ليلى ! ” 
بدا على وجهها الاستغراب , واندفع الدم إلى وجهها .. هذه أول مرة أدعوها باسمها بالرغم من حثِّها لي على أن أفعل , ولعلها أول مرة تَسْمَعُ فيها اسمَها مجرداً من لقب الإمارة _حتى من أقرب الناس إليها_ , إن هؤلاء الأمراء ينادي بعضهم بعضاً بالإمارة , لعل أختها _ إن كان لها أخت _ تقول لها : يا أميرة ليلى, ولكن لماذا حثتْني على أن أناديها بـ ( ليلى ) إن كانت ستغضب ؟ أم أن هذا ليس غضباً وأن نظريتي كانت صحيحة منذ البداية , وأكَّدَ ظني أنها أجابت بصوت خافت : 
– ” نعم ! ” 
هذا ليس غضباً إذًا , هذا خجل , فجرأني هذا على السؤال :
– ” تلك المجلة التي وجدتِها مصادفةً .. “
وأكدْتُ على كلمة “مصادفة” , فأكّدَتْ حمرةُ خجلِها على ما ذهبْتُ إليه , فأكْملْتُ سؤالي : 
– ” ماذا كان موضوعها بالضبط ؟ ” 
ازداد خداها تورداً , وتَمْتَمَتْ :
 – ” رجاءً ! ” 
رجاءً ؟! لقد رماكِ سوءُ حظكِ يا أميرتي بابن ( المكبّ ) , وأولُ درسٍ يتعلمونه في ( المكبّ ) أن إذا تَقَهْقَرَ خَصْمُكَ أَنْ أجْهِزْ عليه :
– ” أكان ما تُصَوِّرُهُ من خاءٍ وطاءٍ  كلهم رجالاً أم كان في خائها أو طائها إناث ؟ ” 
نظرَتْ إليَّ وقد استحال وجهها  لوناً قرمزياً , وقالت :
– ” أنا لا أبالي بجنس طائها , ولكنني لم أدع فيها خاءً إلا تمنيتُ أن أكون مكانه ” 
– ” فهاكِ ما سنصنعه ! أما خطتكِ ففيها تعريض لي للخطر وتكلف لما لا حاجة لنا به , وأما أميرُكِ فأمرُهُ أهونُ من ذلك ؛ ينقلني اللواء ( شكري ) إلى حرس القصر , وألقاكِ فيه في مكانٍ يسمع الأميرُ منه ما يكون بيننا فأصنعُ بكِ الذي يرجو أن أصنعه به , فإذا سألكِ بعدها كشفْتِ له سرّكِ كما كشف لكِ سرّه قبلها بسنين , ثم يكون هو من يسعى إليّ إن كان مستعداً لذلك , بدلاً من أن أتعرّضَ له فيَقْبَلَ أو يرفضَ “
ولما هزّتْ ( ليلى ) رأسها في حماس , قرَّرْنا أن نضع الخطة موضع التنفيذ .
********************
(4) 

كنْتُ واقفاً خلف الأمير العاري ويداه معقودتان خلف رأسه , وقد تكلم بصوت لا أكاد أسمعه , فقلْتُ : 

– ” ارفعْ صوتَكَ ! “
أطرق الأمير برأسه إلى الأرض وقد كستْ حمرة الخجل وجنتيه , وهو يقول  :
– ” لقد أخبرتْني الأميرةُ ( ليلى ) .. ” 
فهوتْ يدي على مؤخرتِه بصفعة ، وألصقت جسدي به من ورائه وأمسكْتُ بفكِّه بيميني لأحرِّك رأسه تلقاء زاوية الحجرة , فتقع عيناه على ( ليلى ) محمرّة الردفين واقفةً في الزاوية ويداها مرفوعتان في الهواء , وهي لا تزال تجهش بالبكاء , ثم قلْتُ : 
– ” هل تبدو لك هذه الفتاة _التي عوقبَتْ لتوِّها_ صالحةً لأن يقال عنها : الأميرة ( ليلى ) ؟ “
التقط الأمير أنفاسه بصعوبة وقال ويدي لا تزال ممسكةً بوجهه : 
– ” لقد أخبرتْني ( ليلى ) أنك عاقبتْها البارحةَ , وأنكما تعمدتما أن يكون ذلك بحيث أسمعُكما , حتى أسألها وتعترفَ لي أنها هي الأخرى تهوى أن تعاقَبَ , وأنكَ مستعدٌّ لمعاقبتي إن كنتُ أنا مستعداً ” 
سكتَ الأميرُ فترةً فتركتْ يدي وجهَه وابتعدْتُ عنه قليلاً , ثم هوتْ يمناي على ردفِه بصفعةٍ أخرى , فأكملَ : 
” وأن آية استعدادي أن آتي إلى غرفتكما عريان حتى لا يستغرق تجهيزي لعقابي _الذي طالما تأخَّرَ وقوعُه _  وقتاً طويلاً ” 
هنا هوت يميني على كل ردفٍ من ردفيه بثلاث ضربات , وقلْتُ في غضب مصطنع : 
– ” فإذا كانت رسالة ( ليلى ) قد وصلتْكَ كما أرسلْتُها , فلماذا قَدِمْتَ إلى الغرفة وعليك ملابسُك ؟ ” 
– ” كانت هناك خادمة تمسح الرخام أمام الغرفة فلم أشأ أن تراني على هذه الهيئة ” 
– ” وكيف شعوركَ وقد تسبب عصيانك أمري فيما ترى ابنة عمك تبكي بسببه الآن ؟ ” 
بدَتْ رنةُ ندمٍ صادقة في صوت الأمير وهو يقول : 
– ” أشعر بالأسى لها , ولقد حاولْتُ أن أخبركَ أنها لم تقصِّرْ في تبليغ الرسالة , وأنني أنا من خالفتُ الأمر , ولكنك أمَرْتَنِي أن أسكت ولا أتكلم حتى تأذنَ لي , فلم تأذنْ لي حتى فرغْتَ من عقابها ” 
 في الواقع كان هذا دوري أن أشعر بشيءٍ من الرثاء , ولكن بسبب شعوره بالأسى وليس بسبب ما أصاب ( ليلى ) . فقد كان هذا اتفاقنا ؛ أخبري ابن عمك أن يأتي عارياً للغرفة , وليكن ذلك في تمام التاسعة مساءً , لأن الخادمة تكون في هذا الوقت بالذات قد وصلتْ في مسحها للرخام إلى الجزء المقابل للغرفة , وحينها لن يجرؤ على نزع ملابسه , ولن يجرؤ أن يتأخر على الموعد الذي حددْتُه له لينتظر مرور الخادمة , وسيضطر إلى دخول الغرفة كاسياً , حينها سألومكِ على عدم إيصال الرسالة له كما بلغتُكِ إياها , وسيحاول هو أن يُخْلِيَ ساحتَكِ فآمره بالصمت , وألا يتكلم حتى يؤذن له , حتى أفرغ من عقابكِ فأرسلكِ إلى الزاوية وأطلب منه نزع ملابسه وأن يعقد يديه خلف رأسه وأن يحكي لي ما أبلغتِه به .. كانت هذه هي الخطة , وقد سارَتْ على ما يرام , وقد دفعني إلى هذه الخطة أنني لم أرغب في أن يكون عقابٌ ما بلا سبب فأما ( ليلى )  فقد كذبَتْ عليّ يوم لقيتُها في مكتب ( شكري ) فجعلْتُ عقابَها شطرين ؛ فعجلْتُ لها الجزء الأول في اليوم الذي سَمِعَنَا فيه الأميرُ وأخرْتُ الجزءَ الثاني إلى هذا اليوم , وظنَّ الأمير أنه بسبب تقصيرها في إبلاغ رسالتي وإنما كان بقيةَ عقابِها لكذبِها عليّ وزعمِها أنها قامتْ بما قامتْ به لا لشيءٍ إلا لصداقتها لابن عمها  , وأما الأمير فإنني لم أعرفْ على أي شيءٍ أعاقبُه وأنا لم أٌقابلْه بعد , فكانتْ هذه الخطة لتجعل عقابَه مسبَّبًا حتى لو كان السبب مصطنعاً . فقلْتُ : 
– ” لقد كنْتُ أنوي أن أقتصر على بضعة صفعاتٍ وعلى عقاب رقيق _ إن صحتِ العبارة _ أما وقد تسبَّبْتَ فيما رأيتَ ابنةَ عمك تناله قبل قليل , فلا أقلَّ من أن تنال مثلَه , أو لعلي أزيدُكَ ..فإنها بريئة وأنت مذنب , ولا يتساوى بريءٌ ومذنبٌ ” 
بَلَعَ الأميرُ ريقَه بصوت مسموع , وإن كان في جسده ما أخبرني في جلاءٍ أن هذا بالضبط ما كان يحلم به طيلة تلك السنين .. فعدْتُ إلى مجلسي على طرف السرير وأشرتُ إليه بإصبعي أن اقترِبْ فاقتربَ , فجعلت يمناه في يمناي ويسراه في يسراي ورفعت رأسي إليه , وقلْتُ كأنما أخاطبُ طفلاً :
– ” عندما آمُرُكَ بشيءٍ بعدَها فإنك تنفِّذه كأنك لا تملكُ أمْرَ نفسِك , فإذا فرغْتَ من فعلِهِ فَلَكَ حينَها أن تتفكر فيما حدث وتقول يا ليتَ كذا كان مكانَ كذا ؛ يا ليتَ تلك الخادمةَ لم تكن حاضرةً حتى لا تراني عريان . أمّا أن يدفعك تفكيرُك إلى عصيان أمري فإن كلَّ مرةٍ تجلسُ فيها طيلة هذا الأسبوع ستذكِّرك بعاقبة هذا العصيان “
وتركَتْ يسراي يسراه ثم أزاحت يمناي يمناه _وجسدُه يتبعها_ حتى جعلْتُه عن  يميني ثم وجهْتُهُ فاستلقى على رجليّ وبين فخذيّ بعضٌ من جسده , حتى إذا استقر في مكانه تموَّجَ ردفاه لأثر وقوع يميني عليهما , وكلما ازدادا تموّجاً دفعا ببعض مائهما إلى مقلتيه فلم تكن إلا دقائق حتى بدأتِ الدموع تنزل من عينيه , وقلْتُ في نفسي : ” لعلي أقلل في عقابه عن عقاب ابنة عمه , فإنها لم تبدأ في البكاء حتى غَنَّى الحزام على ردفيها ” ثم رجعْتُ إلى نفسي فقلت : ” لا يكون أولُ عهدِه بي التلطفَ معه , ولقد وعدته مثلَ عقاب ابنة عمه _ ولقد رآه _ فلا أقلَّ من أن ينال ذلك , فأما الزيادة على عقاب ابنة عمه فإني جعلْتُها محتملةً ؛ فَلِيَ أن أتخلى عنها مراعاةً لدموعه وآهاته ” فلما فرغتْ كفي من لثْم ردفيه , أمرْتُه بالقيام , فقام ودموعه على خده , فمنعْتُ نفسي بالكاد من أن أكفْكفَ دموعَه بشفتيّ , وطلبْت منه أن يعمد إلى الكرسيِّ الذي رأى ابنة عمه _ قبل قليلٍ _ تنحني عليه ليكون أسفلها أعلاها وأعلاها أسفلها  , فيفعلَ به مثلَ فعلِها , فنظر إليّ _معتذراً _ بعيني جروٍ  وقال _ وكلامه يقطر عسلاً _ :
– ” أرجوك ! سأكون ولداً مؤدباً , وأسمع لما تأمرني به , وأتولى _ منفرداً  _ التكفّلَ بهذا _على عِظَمِهِ_ ” وأشار إلى شيءٍ فيّ ,  فتبعَتْ نظرتِي إصبعَه فرأَتْ ما يقصِدُ , فسرَّنِي أن دموعَه ليس وراءَها ضجرٌ من عقابه , ورجعْتُ لنفسي فقلْتُ لها : لقد أوجب الزيادةَ على عقاب ابنة عمه بتعليقه ذاك , ثم قلْتُ له : 
– ” أما تكفلُك به فيُبْنَى على ما يكون عليه عقابُك هذه الليلة _ وأنت بالخيار_ ؛ فإن شئْتَ أقصرْتُ في عقابك عن عقاب ابنة عمكَ  ثم لا يكون لك أن تتكفلَ به على الإطلاق , وإن شئتَ عاقبْتُك مثلَ عقابها فيكون لي أنا أن أختار كيف تتكفل به , وإن شئتَ زدْتُ في عقابكَ على عقابها فيكون لك أنت أن تختار كيف تتكفل به ” 
فما أسرع ما بادرني قائلاً : 
– ” بل الزيادة ! ” 
وبدا لي أنه من غير اللائق أن تشهد ابنةُ عمه تمامَ ما يكون بيننا , فأمرْتُها أن ترتدي ملابسَها وتغادر الغرفة , فنظرتْ لي وكأنّ في عينِها خطةً بيَّتَتْها , فلما ارتدَتْ ملابسَها وأوشكتْ على مغادرة الغرفة التفتت إليّ , وقالت : 
– ” احمَدْ لابنِ عمي قوةَ بصرِه , فما أحسب أحداً قبلَه استطاع أن يرى منك ذاك الشيءَ بعينِه المجردةِ بلا مجْهرٍ “
فأضاف ابنُ عمِّها وكأنه يرى العاصفةَ قادمةً على ( ليلى ) فيأبى إلا أن يتعرض لها : 
– ” بل أنا لم أرَ شيئاً وإنما كنْتُ أشير إلى جيبه ؛ أنني أتكفل به فأملؤ خواءه _ على عِظَمِ ذلك الخواء _ مالاً , فلا أدري ما الذي فَهِمَه من كلامي ” 
فوقفْتُ بينهما كالمشدوه , ثم عادتْ إليّ نَفسي , فقلْت :
– ” ارجعي إلى عريانيتكِ ومكانكِ في زاوية الغرفة . واستعدَّ لتمام عقابِكَ . فإذا فرغْتُ من ذلك , فأنا أُعْلِمُكَ وأُعْلِمُكِ أي مجهرية وأي خواء “
فقالا معًا _وكأنهما كانا اتفقا على ذلك مسبقاً_ : 
– ” أكثرهم كلاماً أقلهم فعالاً ! “
وشعرْتُ أن أرواحَ أناسٍ كُثُرٍ ممن كانوا سكنوا ( المكبّ ) قد أحاطَتْ بنا ترمقني شزراً , وتقول : ” فاقَنَا سكانُ القصور في كل شيءٍ إلا هذه , فلم يَبْقَ إلا أن يهزئوا بنا في هذا الباب _على يديك_ ” فقلت لهم : ” إلا هذا الباب ! لَتَرْضُنَّ اليوم عن فعلي بالقَصْرِ وساكنِه ” ..فلم تسفرْ تلك الليلة عن الصباح حتى قرَّتْ عيونُهم بفعلي بالقصر وساكنِه … ومن بينهم رجل وامرأة يتحاشيان أن ينظرا مني على ما لا يليق ويقول الرجل للمرأة : ” ما كنْتُ أحسبُ أن يأتي يومٌ وقد صار أطول مني ” فتقول المرأة مداعبةً ” وقد صار أيهما منه أطول من أيهما منك ؟ ” فيقول الرجل ” احذري لا أفعل بكِ هنا ما يفعله ابنكِ بهما هناك ! ” فتقبضُ أمي على شفتِها السفلى بأسنانها وتقول لأبي ” أكثرهم كلاماً أقلهم فعالاً ! ”
**************

قصة : ثلاث دقائق ( م / ف )


قصة : ثلاث دقائق ( م / ف )
– بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين شاب وفتاة  , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعلُ مسؤولية / مسئولية فاعله , ولا يُسْألُ المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
– القصة :
(1)
صباح اليوم السابع من شهر يونيو عام 2012 م
– ” بسسست ! “
– ” مه ؟ “
– ” جواب أربعة , باء ؟ ”
نظر ( وليد ) في ورقة أسئلته إلى الفقرة باء من السؤال الرابع , ثم ابتسم , وقال هامساً :
– ” لا أعرفه   
رمقته ( هدى ) في غضب مبرر ؛ كل من لم يذاكر هذا المنهج مثل ( هدى ) _التي قضت ليلة الامتحان تتابع أخبار انفصال ممثل مشهور عن زوجته عارضة الأزياء _ لا يمكن أن يتوقع أن إجابة سؤال ما يمكن أن تكون ” لا أعرفه  ” , ولكنها كانت تعرف ( وليداً ), وتعلم أنه لا يهوى المزاح , على الأقل ليس في مثل هذا الموقف , فكررت النظر إلى السؤال ( ب- ما قول أبي زياد الكلابي في كلمة ” النَّطْع ” ) بدا لـ ( هدى ) أن أبا زياد هذا ربما كان فعلاً لا يعرف الكلمة , على أية حال كان الوقت قد شارف على الانتهاء فكتبت في الإجابة ” لا أعرفه ” , وحاولت أن تجيب على سؤال آخر , ولكن المراقبة كانت إحدى الدكتورات التي تكره ( هدى ) كراهية شخصية , أو هكذا بدا لـ(هدى) على أية حال , فأصرت المراقبة على أن تقضي الدقائق المتبقية بجوارها قاضيةً على أية أمل لها في أن تسأل ( وليداً ) أو غيره عن إجابات أخرى , فلما رسخ عندها أن لا سبيل لطلب ” العون الخارجي ” , قررتْ أن تنظر في الأسئلة المتبقية لعلها تتذكر إجابة ما , وعندما بدا عقمُ هذه المحاولة أيضاً سلمَتْ ورقة إجابتها وخرجتْ من اللجنة , وهي تحسب احتمالات نجاحها ورسوبها في هذه المادة .. وبدأت تتذكر _في قلق_ وعدَ أبيها الغامض لها إن تكرر رسوبها في أكثر من مادة هذا الفصل أيضاً , وفكرت ( هدى ) أن أباها رجل متزن إلى حد ما ؛ هو لم يطلب درجات مرتفعة , بل لم يعترض حتى على أن ترسب في مادة واحدة , مشكلته _ كما يظهر _ كانت في أن ترسب في أكثر من مادة , هذا يعني أنها لم تزلّ زلة واحدة بل أظهرت قدراً من الاستهتار تجاوز موقفاً واحداً واستمر في التعامل المستهتر مع الامتحانات ما جعلها تكرر الرسوب في مادة أخرى … وأعادت ( هدى ) النظر في موقفها الحالي , هذه هي آخر مادة من مواد هذا الفصل , وهي تكاد تجزم أنها حققت درجة النجاح في ثماني مواد من عشرة , المشكلة في المادتين المتبقيتين , أو للدقة : المشكلة في مادة اليوم التي أنهتها لتوها , إذ المادة الأخرى لا شك في أنها قد رسبت فيها  إذ لم تجب حتى على ما يكفي لمنحها درجة النجاح , إلا إذا قرر المصحح أن يزيد درجات من عنده , أو أن يصحح دون الرجوع للورقة كما يشيع البعض أنه يفعل , أما مادة اليوم فلا يبدو لها موقفٌ جليٌّ منها .. لعل وعسى .. وقطع حبل أفكارها خروج ( وليد ) , وهو ينشغل بمراجعة بعض الإجابات مع بقية زملائه ” المتفوقين ” , كانت ( هدى ) تكره هذا المشهد بالذات ؛ لأنه يعيد لها ذكريات تحاول نسيانها ؛ لقد كانت هي الأخرى من جماعة ” المتفوقين ” هذه , بل كانت على رأس هذه الجماعة للدقة ,  ولكنها لا تدري ما الذي حدث , فجأة لم تعد المذاكرة بهذه الأهمية , وصارت الامتحانات عبئاً ثقيلاً , ثم لأول مرة في حياتها رسبت في مادة ما , ولا تنسى مشهدها وقد فقدت كل ما تظاهرت به من اتزان بين أصحابها , وبمجرد إغلاقها باب البيت ورؤيتها أباها انهمرت الدموع من عينيها , وهو يواسيها ويخبرها أنها لا بد ( عينٌ وأصابتها ) … كان ذلك قبل سنة ونصف , ثم كف الأب عن المواساة , وبدأ ينتقل إلى اللوم , ثم بدأ اللوم يستحيل صراخاً , وفي الفصل الماضي رسبت في مادتين لأول مرة , وكان وعيد الأب :
– ” أنا يا ابنتي لم أعتَدْ أن أتعامل مع راسبين , لقد كنْتِ دائماً أنت وشقيقاك طلبة ممتازين  وأولاداً مطيعين , ولم أزِدْ في يوم على أن صرخت فيكم , وكنت أشعر بالندم بعدها مباشرة , وأقول في نفسي : غيرك يعاني الأمرّين في تربية أبنائه , وأنت تغضب لهذا الأمر التافه أو ذاك . كان ذلك الحال طيلة العشرين سنة التي تعاملت فيها معكِ ومع أخويكِ الصغيرين , ولكن الحالَ اختلف الآن , وعلى الرغم من أنني لا أطيق أن أزيد في تأنيبك على الكلام _ خاصةً وأنت في هذا السن _ , ولكني أعلم ما سأفعله إن تكرر منك الرسوب في مادتين أو أكثر في فصل واحد ؛ أعتقد أنني في هذا عادلٌ ؛ فقد حذرتك من الآن , ولم أطلب منك الكثير , بل أعتقد أن ما أطلبه دون الحد الأدنى حتى ! ”
كان هذا ما قاله أبوها قبل شهور , والآن لا تعرف إن كان وعيده سيُكْتَبُ له التحققُ أم لا ..
********
( 2 )
صباح اليوم السابع من شهر يوليو عام 2012 م
وقد نجتْ مرة أخرى ؛ إذ جاءت النتيجة على غير توقع ( هدى ) على الإطلاق , لم تنجح في تسع مواد بل في عشر _ يبدو أن شائعة التصحيح  الاعتباطي هذه لم تكن شائعة على الإطلاق _ وجاءها أبوها فقال لها :
– ” أنا فخور بك يا ( هدى ) , دعنا نكن واضحين ؛ لطالما رجوت أن تكون درجاتك الدرجات العليا , وآخر مادة هذه بالذات قد نجحت بها بالحد الأدنى للنجاح , ولكن أيْنَ مِنْ أين ؟! لقد كنت أتوقع الأسوأ وأتصور أنك سترسبين في مادة على الأقل .. فلننظر إلى الجانب الممتلئ من الكوب , كما يقال 
وجدت ( هدى ) نفسها تعانق والدها , وتشكر له لطفه , وقبَّل جبينها , وتمنى لها التوفيق . ثم بدأتْ في التفكير فيما قال ؛ آخر مادة هي المادة التي حصل فيها نصف الفرقة على درجات رسوب , كان دكتور المادة ( أدهم )  رجلاً بغيضاً ثقيل الظل مولعاً بتعذيب الطلاب , كما يصفه طلابه , وعندما فوجئ الطلبة بسؤال ” لا أعرفه ” هذا , ثارت ثائرتهم , وذهبوا إلى مكتبه , وأسمعوه ما لو أسمعه صاحبٌ لصاحبه لاستاء , فكيف بجناب المعظم الدكتور ” أدهم ” , فقرر ” أدهم ” في التو واللحظة : لا أن يلغي السؤال كما طلب الطلاب , بل أن يعيد توزيع الدرجات ويجعل عليه ثلاثة أضعاف درجته السابقة … من الذي أجاب على هذا السؤال من كل الفرقة ؟ طالبان فقط ؛ أو للدقة طالب وطالبة .
 وجدَتْ ( هدى ) نفسها تفتح حاسبها المحمول , ثم تذهب إلى صفحتها على موقع الفيس بوك , وتكتب رسالة لم تكن تتصور يوماً أن تكتبها  لـ ( وليد ) , ثم ترددتْ لفترة قبل أن ترسلها , ولكنها قررت أنها قد ترددت في حياتها بما يكفي , كان لـ ( هدى ) أسبابٌ منطقية تحثها على محو الرسالة بالكلية وعدم إرسالها , ولكن كان لها أيضاً أسبابٌ أخرى أقوى بكثير تدفعها دفعاً  لتنقر زر الإرسال …. وقد كان 
*****
( 3 )
مساء اليوم السابع من شهر يوليو عام 2012 م
غمرت ( وليد ) التهاني من والديه وأقربائه وأصحابه بحصوله على المركز الأول بين طلبة دفعته للعام الثالث على التوالي أو للفصل السادس على التوالي  للدقة , وكان ما يتبادر إلى ذهن وليد في كل مرة يحصل فيها على المركز الأول هو فكرة واحدة كانت في أول سنة تشغل عليه فكرَه أما الآن فيبدو أن حِدَّتَها قد خفَّتْ كثيراً , وهي : هل أستطيع _إذا وصلْتُ ليلي بنهاري في المذاكرة_ أن أتفوق على هذه الفتاة العبقرية التي يثني الجميع على فرط ذكائها والمسماة ( هدى )  ؟
 في الواقع _ خلافاً لـ ( هدى ) _ فإن ( وليدًا ) لم يكن طالباً متميزاً في دراسته قبل الجامعية , لقد كان ذكياً كما يصفه مدرسوه , ولكنه مهمل , فلما رأى ( هدى ) في أول يوم جامعي , جعل نصب عينيه هدفاً معيناً , سيقضي ليله ونهاره في المذاكرة حتى يستطيع أن يقترب _على الأقل_ من مستوى هذه الفتاة التي يقول كل معارفها أنها أذكى طالبة في الكلية , وأنه لا أمل لزملائها في الفرقة أن تزيد درجاتهم على درجاتها . ثم تخلَّتْ ( هدى ) عن عادتها واستبدلت بها طريقة ( وليد ) في الاستهتار , وتخلى ( وليد ) عن عادته واستبدل بها طريقة ( هدى ) في الاجتهاد . ولكن هذا الانقلاب لم يحدث فجأة بل تدريجياً , ففي الفصل الأول كان الفارق بين درجات (وليد) _ الأول على الفرقة _ و ( هدى ) _ الثانية على الفرقة _ هو نصف درجة فقط .  يومها ملأت ( هدى ) الدنيا صراخاً , وطالبت بإعادة تصحيح ورقات إجاباتها , وليس هذا فحسب , بل إعادة تصحيح ورقات إجابة ( وليد ) كذلك , وحرصاً على مكانة الكلية , فقد احتوي الموضوع , وتعهدت ( هدى ) _ في حضرة ( وليد ) , وكل من أبيها وأبيه , وأساتذة الجامعة _ أن تعترف بسلامة عملية تصحيح الإجابات , وتسلم بحصولها على المركز الثاني , كان هذا الاعتراف في حد ذاته ألذَّ عند ( وليد ) من الدرجات والتقدير نفسه .
لذلك عندما فتح ( وليد ) صفحته على موقع الفيس بوك , ونظر إلى الأيقونة المشيرة إلى وجود رسائل جديدة لم يكن يخيل إليه أن تكون من ضمن هذه الرسائل هذه الرسالة مفرطة الطول التي كتبتها ( هدى ) , والتي قرأها ( وليد ) مرات ومرات , حتى أوشك أن يحفظها من فرط تكراره قراءتَها  : –
(( وليد !
قبل سنتين ونصف , جمعتني وإياك ووالدَيْنا حجرةٌ واحدة , لأعترِفَ على مرأى ومسمع الناس أني مسلِّمةٌ بتفوقك عليّ , وقد فعلْتُ .. وفي سياقٍ مختلفٍ تماماً , وبعد ذلك بسنتين , وَعَدَنِي أبي  إذا رسبْتُ في مادتَيْن أو أكثر _ لا شك أن وقوعَ مثلِ هذا الأمر يبدو خيالاً علمياً بالنسبة لك _ أن يعاقبني عقاباً لم يسمِّه .. ما الجامع بين هاتين الحادثتين ؟ ظاهرياً يجمع بينهما أنني كنت في قمة الاستياء بسبب تفوقك عليّ في الأولى , وبسبب تفريطي وإهمالي في الثانية , ولكن  الواقع أكثر تعقيداً من ذلك ؛ الواقع أن هناك قصةً _ أملاها عليّ وعيي الباطن رغمًا عن إرادتي _ تربطُ هاتين الحادثتين ربطاً لا يفتأ وعيي الباطن يكرره عليّ ليل نهار , وهذه القصة الحلم هي كالآتي :
أنا وأنت واقفان في حجرة ليس فيها أحد غيري وغيرك , وفجأة أسمع صوت والدي قادماً من الأثير كأنه شبح :
– ” هل أنت مستعدة لتلقي عقابكِ يا ( هدى ) ”
أتوجه ببصري إليكَ في ذعر  , ولكن يبدو أنك غافلٌ بالكلية عن وجودي وعن صوت والدي معاً , وتبدأ في التحديق في باب الغرفة
وكأنه ليس في الغرفة غيرك وأنك تنتظر دخول أحدٍ ما عليك .. ينفتح باب الغرفة ويخطو والدي إلى الداخل وهو ممسكٌ في يديه فرشاة شعر , ويبدو عليه الحرج  وهو يسلمك الفرشاة , ويقول وكأنه يحمل نفسه حملاً على الكلام :
– ” (وليد) ! أنت تعرف أن ( هدى )  قد رسبَتْ في مادتين هذا الفصل أيضاً , وكنت قد نويت في نفسي إن حدث ذلك أن أعاقبها عقاباً جسدياً هذه المرة , ولكنني … على أية حال لقد تحدثنا عن تفاصيل ما يوشك أن يقع الآن , فلا داعي لتكراره , ولكني سأوصيك مرة أخرى ؛ مهما كان حرج هذا الموقف عليك فلا تتوقف ! “
وبمجرد إتمام والدي لهذه الكلمات يخرج من الغرفة مسرعاً , ولا تمضي إلا برهة  حتى أرى (نفسي) تجرجر قدميها , وهي تطرق باب الغرفة الموارب , وكأنها تعلمكَ بمجيئها أكثر من كونها تستأذنكَ لتدخل , ثم تتقدم نحوك في ثقل ,  وترفع أنت عينيك نحوها في صرامة تحاول اصطناعها , ولكن ما تعانيه من حرج يظهر جلياً من تحتها , ويبدو أن (نفسي) قد لاحظت هذا الحرج كذلك , فتجرأتْ قليلاً , وبادرتْكَ :
– ” أنا أعرف ما قال والدي إن عليك فعله , ولكن رجاءً لا داعي لذلك , لا معنى لكل هذا , لا يمكن أن يكون جِدًّا أنك ستسخدم هذا الشيء ” وتشير (نفسي) إلى فرشاة الشعر ” على … على جسدي ! ”
وترد أنت وقد رجع إليك بعضُ عزيمتك :
– ” وفقاً لما اتفقتُ عليه أنا ووالدكِ , فليس عموم جسدك هو ما ستُسْتَخْدَم هذه الفرشاة لإيجاعه , بل مكان محدد من جسدك , مكان لا تسميه الفتيات حياءً إذا كنّ في حضرة الرجال , ولكنك اليوم ستسلبين حقك في هذا الحياء ولن يقتصر الأمر على أن تُسَمَّى مؤخرتك باسمها , بل سيزال عنها ما يسترها وتنهال عليها الضربات , حتى إذا ما جلستِ عليها في المستقبل وأنت لاهيةٌ عن مذاكرتك , ناشدَتْكِ ألا تتسببي في ألمها واحمرارها , وألحتْ عليكِ بأن تذاكري دروسك ”
أراقب في اندهاش كلامَكَ , ولا يخفى عليّ ما تقوم به ( نفسي ) من فزع مصطنع …لا أعرف إن كنْتَ أنتَ أيضاً قادراً على تبيّنِ توقِ ( نفسي ) إلى أن تنفذ وعيدَك , واللهفة التي تحاول ( نفسي ) إخفاءها وتخفق في ذلك إخفاقاً ذريعاً .. ويبدو أنك قد فطنْتَ لذلكَ لأنك قلت في صرامة :
– ” تذكري يا ( هدى ) أن هذا عقاب , وأنه يُفْترَضُ أن يتجنَّبَ , لا أن تَقْضِي الليالي وأنت تتمنين أن يحلَّ بكِ ”
ويحمرُّ وجْهُ ( نفسي ) خجلاً , وتقبض بأسنانها على شفتها السفلى ,  فتضيف أنت :
– ” إذا كانتْ معاقبتُكِ هذه ستدفعك إلى تكرار ما تسبَّبَ في عقابكِ , فإن هناك حلاً بسيطاً لهذه المعضلة ؛ إن رسبتِ في أي مادةٍ في الفصل القادم , فـ ” لن تعاقبي ” , بما أن هذا مطلبٌ لكِ على ما يبدو , وأن حرمانكِ منه عقابٌ أنجع من إيقاعه ”
ولا ترد ( نفسي ) بشيءٍ , ولكنها تنقل وزنها من قدم لأخرى , وتفرك أصابع يمناها بيسراها , ويزداد تنفسها صعوبة , فتضيف أنت :
– ” هل هذا هو سببُ كلِّ هذا ؟! أنك تَرْجِينَ أن تؤدي سوءُ درجاتكِ إلى أن يعاقبكِ أحدُهم ؟! هل تخلَّيتِ طوعاً عن مستواك الدراسي المتميز وانحدر أداؤك لا لشيءٍ إلا أنكِ تتمنين _ ولو لم تكنْ هذه الأمنية قائمةً على أساس_ أن ينتهي ذلك بكِ وأنت واقفةٌ في زاوية غرفتك قد قابلَ أنفُكِ ركنَها , واشتبكت يداك خلف رأسك , وتصدى ردفاك للقاء عينَيْ مَنْ ينظرُ , وقد احمرّا خجلاً إذ لم يعتادا أن يكونا أول ما يقابل العيونَ منكِ , أهذا ما دفعكِ طلبُه إلى أن سرتِ في هذا الطريقِ ؟! “
وأمعنُ النظرَ في ملامح وجه ( نفسي ) فيتبين لي شيءٌ طالما كبتُّه ودفنته في أعماقي ثم لم أكتفِ بذلك حتى ارتحلْتُ إلى أعماقي فأعدْتُ دفنه في أعماق أعماقي , والآن قد نَفَضَ عن نفسه الترابَ وأتيحتْ له الفرصةُ أن يتكلم , فتكلَّمَ  :
– ” ليس ذنبي أنني أتوق إلى هذا وتشمئز منه نفوس آخرين , لو كنْتُ أطيقُ مقاومتَه لقاومْتُه , ليس من حقكَ أن … ”
وتخنق العَبْرَةُ ( نفسي ) فتتوقف عن الكلام , وتهرع أنت فتحتضنها بين ذراعيك , وتقول :
– ” بل ما قلتُه عكسَ ما ذهبْتِ إليه ؛ إني إنما لمْتُكِ لأنكِ لم تأتي البيت من بابه , أتريدين أن يُفْعلَ بكِ هذا الفعلُ أو ذاك ؟ هذا حقكِ , ولا يزري بكِ طلبُ حقكِ بل يزري بمَنْ أراد أن يسلبَكِ إياه , ولكن لماذا تربطين بين تلبية رغباتك وبين الإهمال في حياتِكِ العملية؟ ”
وتقول ( نفسي ) :
– ” لأنه لا أحدَ يفهم أو يتفهّم . مع مَنْ يُفْتَرضُ أن أطمح لإشباع هذه الرغبة أو تلك ؟ إن الجائع لا يتخير طعامه , وإذ لم يكن من سبيل إلى أن يطولَنِي عقابٌ أتوق إليه إلا بالتعرض لأسبابٍ توجِبُه عندَ من لا يرى فيه ما أرى فيه من المتعة , فلعلي _لا إرادياً _ قد ربطت بين ما أتمناه وبين الإهمال الجسيم “
وأكاد أؤمِّنُ على قول ( نفسي ) , لولا أن النظرة التي تَرْمُقُها بها قد نهَتْتني عن ذلك كما نهَتْها عن الاستمرار في كلامها . ثم تقول :
– ” في يومٍ من الأيام ستجدين شخصاً يعرف ما تريدينه ويلبيه , فلا تعود تحْوِجُكِ تلبيةُ رغباتكِ إلى الإهمال الجسيم , ثقي بذلك ”
وينتهي عند هذا الحد هذا الحلم أو القصة , ولا أعرف لماذا كتبْتُ هذا الكلام لكَ , ولا لماذا سأرسله لك _ إن كنت سأرسله _ , ولعلي سأمحوه كله ولا أرسله , وأكتفي بتهنئة بسيطة , وشكرٍ على إجابة ” لا أعرفه ” تلك , تلك الإجابة التي قد تكون _هي والتصحيح العشوائي _ وراء حماية مؤخرتي من ألمٍ لشد ما أتوق إليه , فإذا كان هذا هكذا , فربما أنت جدير باللوم لا الشكر ؛ من يدري ؟ على أية حالٍ إن أرسلْتُ لك هذه الرسالة الآن , فعلى الأغلب أنني سأندم على هذا لاحقاً , لهذا رجاءً إذا لم أستطع أنا ضبطَ (نفسي) ومنعَها من إرسال هذه الرسالة , فلتقم أنت بعملية الرقابة هذه ولتمحُها بعد أن تقرأها ولتنسَ كل ما جاء فيها . ))
ظل ( وليد ) محملقاً في الشاشة بعد أن أتم قراءة الرسالة لِمَا بدا وكأنه المرة الألف , ولأول مرة بدأ يفكر جدياً في سبب ولعه طيلة هذه السنين الثلاث بالتفوق على ( هدى ) ؛ إن المنافسة الأكاديمية سلوكٌ شائعٌ لا يحتاج إلى كثير بحث , ولكن هل كان هذا وحده هو السبب في تَوْقِهِ للتفوق عليها ؟ لماذا سأل صاحبه _ وهو لا يعرف بعدُ أن هذه طالبة متفوقة , بل لا يعرف حتى اسمها _ عن هذه الفتاة وعن اسمها وعن ” قصتها ” ؟ وقتها ضحك منه صاحبه , وظل يتحدث عابثاً عن الحب من أول نظرة , ولكن ( وليد ) بعد أن تمثل أمامه هدف التفوق والمذاكرة هذا نسي كل ذلك . وشيئاً فشيئاً بدأت فكرة ما في التسلط على عقل ( وليد ) , ولم تنته هذه الليلة إلا وقد وضع أولى خطواتها موضع التنفيذ .  
*******
( 4 )
مساء اليوم السابع من شهر يوليو عام 2016 م
وضع ( وليد ) إحدى قدميه على الأخرى , وهو يتفكر مستمتعاً في المناسبة التي يوافقها هذا اليوم … في مثل هذا اليوم قبل أربع سنوات , كان ( وليد ) قد عزم على الزواج بـ ( هدى ) بعد أن قرأ رسالتها إليه ,  ولم يكن يعرف بالضبط كيف ينبغي عليه أنه يترجم هذه العزيمة إلى واقع , لكنه ابتدأ بمفاتحة أبيه الذي سره أن ابنه يرغب في الزواج , لكنه أبدى اعتراضاً على ( هدى ) بالذات ؛ إذ ارتبطت في ذهن الأب بذكريات سلبية , ولكن مع إصرار ( وليد ) تقبل الأب ذلك , وفاجأ ابنَه بأن أعلن أن خير البر عاجله , وأنهم يزورون أهل ( هدى ) في الغد ليخطبوها له , وأسقط في يد ( وليد ) فقد كان يرغب في مفاتحة ( هدى ) بدايةً , ولعله يرجئ الخطبة حتى إتمامه دراسته , ولكن أباه _ الذي تزوج في الثامنة عشرة , وكان يعلي التقليدية في الشئون الأسرية _ قد أصر على أنه لا داعي للانتظار , ولْيخطبها ثم يتزوجان إذا أكملا دراستهما , أما مفاتحة البنت قبل أبيها فقد كانت إحدى الكُبَر عند أبي ( وليد ) , ولم يشأ ( وليد ) أن يطلع أباه على رسالة ( البنت ) التي أرسلتْها إليه حتى يعرف أن هذا زمان وذاك زمان , ولكنه أظهر الموافقة على اقتراح أبيه وتسلل خفية إلى حاسبه المحمول وأرسل رسالة واحدة إلى من توشك أن تكون خطيبته : ( صدقي أو لا تصدقي ؛ أنا خاطبك غداً , وأريد أن أؤكد على ” عدم ” نسياني محتوى رسالتك, فإذا جمعنا مجلسُكم غداً فأريد أن يبدو لي ظاهراً أنك تجدين صعوبة في الجلوس ناتجة عما لا يخفى عليكِ , وإلا ففي أول مناسبة ” يُسْمحُ ” لي فيها أن أفعل بك ما أشاء , سأضمن ألا تجلسي مرتاحة لأسبوع يتلو ما سأفعله بكِ , فكوني فتاةً مطيعة , وافعلي ما طُلِب منك ) . ولم تكذِّبْ ( هدى ) خبراً ويبدو أنها بالغت قليلاً في عقابها الذاتيّ ذاك , فقد كثر تقلقلها في مجلسها حتى سألتها أم ( وليد) إن كانت على ما يرام , وأجابت _والخجل يكاد يعقد لسانها_ أنها بخير ..
قطع حبلَ أفكارِ ( وليد ) صوتُ زوجته المنبعث من زاوية حجرة معيشتهم وهي تسأل في براءة :
– ” ألم تنقضِ الدقائق العشرة بعد ؟”
نظر ( وليد ) إلى الساعة فوجدها محقةً ؛ أنه قد مرت لا عشر دقائق فحسب وإنما ربع ساعة كاملة , ثم نظر مستمتعاً إلى مؤخرة ( هدى )  تشع حمرةً وقد يمَّمَتْها صاحبتُها العريانةُ شطرَ زوجِها المسترخي على الأريكة , فوجد أن دعوى المؤخرة تغلب دعوى الساعة , فقال :
– ” قد جعلناها عشرين دقيقة , وماذا علينا ؟ ”
– ” اتق شر الحليم إذا غضب ! ”
شهق ( وليد ) بضحكته , وقد علا حاجباه :
– ” وأي شيء يفعله الحليم إذا غضب ؟! “
انقلبت ابتسامة ( وليد ) ذهولاً , وبدا وكأن عنقه قد صارت له حياتُه الخاصة فهو يتمدد إلى الأمام غير مبالٍ بارتباطه تشريحياً بصدر صاحبه , وذلك عندما باعدت ( هدى ) بين رجليها , حتى ظهر ما بين ردفيها , ثم جعلَتْ إصبعيها السبابة والوسطى على أسكتيها وراحتْ بهما وجاءتْ , كل هذا وزوجُها لا يرى وجْهَها الذي لا يزال مدفوناً في زاوية الحجرة , ولأن السينما قد جمَعَتِ الصوتَ إلى الصورة منذ عشرينيات القرن الماضي  ولأن ( هدى ) تميل إلى الحداثة  فقد أَبَتْ إلا أن يكون هذا العرضُ بالصوت والصورة , ولمّا بدا أنه لا سبيلَ إلى بقاء الجدار الرابع قائماً , وأنه لا بد من اندماج الجمهور في عملية الإبداع الفني  قام ( وليد ) من أريكته مهرعاً إليها , فالتفتت تلقاءه ( هدى ) وقالت بصوت معسول :
– ” فانتهينا إلى أن قرارَ العشرين دقيقة الأخيرَ هذا قد تم إلغاؤه ؟ ”
توقف ( وليد ) فجأة في منتصف المسافة التي تفصل الأريكة عن زاوية حجرة المعيشة , وقد فطن إلى ما صنعَتْهُ زوجتُه اللعوب , ثم واصل سيرَه وهو يقول بصوت مبحوح :
– ” تم إيقاف العمل به مؤقتاً لضرورة المرحلة , فإذا ما انتهَتِ الضرورةُ _ وقد يستغرق ذلك ساعاتٍ _ فستتم إعادة تفعيله بصورة كاملة مع تطبيق كافة العقوبات بأثرٍ رجعيّ ”
ابتسمتْ ( هدى ) في دلال , ومالتْ على أذن زوجها عندما أدارها ورفعها إليه وأحاطها بذراعيه , وقالت :
– ” ساعات , هه ؟ متى زادتْ على ثلاث دقائق فلك عندي ما تشاء ”  
حدّق ( وليد ) في ذهول في وجه زوجته التي بدا أنه لا حدَّ يقف عندَه عبثُها  , ولما لم يَجِدْ في وجهها  أيَّ أثرٍ لأسفٍ أو تَرَاجُعٍ , حَلَّ حزامه من بنطاله ولف جزءاً منه حول يده , فلم يرعْهُ إلا وقد أخرجَتْ زوجتُه طرفَ لسانِها فلعقَتْ به شفتَها العليا , وكأنه يَعِدُها طبقاً من حلوى , فقال لها :
– ” اتقي شر الحليم إذا غضب ! ”
– ” أئذا غضب زادتْ الدقائق إلى أربع أم نقصتْ إلى اثنتين ؟ ”
ابتسم ( وليد ) في ثقة وقال :
– ” بل إذا غضب طبَّق نصيحتَك القديمة  فنَسِيَ ما حَوَتْهُ تلك الرسالة , فإذا تمنيتِ أن يعاقبَكِ نظر إليك باستغراب , وقال : وهل أنت طفلة صغيرة حتى أعاقبك ؟! ”
بدأ الذعر يعلو ملامح ( هدى ) وقالت في فزع :
– ” أرجوك ! إلا هذا , أنا آسفة ؛ لم يكن ينبغي أن أقول ذلك التعليقَ , رجاءً لا تتوقف عن عقابي ! ”
نظر ( وليد ) إلى زوجته وبدا له أنه غلا إلى حد ما , فقال :
– ” لقد كنت أمزح , ولكن حتى تعلمي مدى استياءِ الرجالِ من السخريةِ من قدرتِهم في “ذلك الباب” , فلا تسرفي في الهزل حتى لا أسرف فيه ”
رمقته ( هدى ) بنظرة ماكرة , ورفعت ثلاثة من أصابعها , وهي تقول :
” هزل ؟! إن كنت في شكٍّ من ذلك , فربما علينا أن نستخدم ساعة إيقاف في المرة القادمة ”
****
فلما كان صباح اليوم الثامن من شهر يوليو سنة 2016 م , سألتْ ( هدى )  زميلةٌ لها لماذا تؤدي عملَها واقفة ولا تجلسُ إلى مكتبها , وكان جواب ( هدى ):
– ” لقد قرأتُ في مجلةٍ ما أنه ينبغي في كل ساعة تقضينها جالسةً  أن تقومي ثلاث دقائق بإزائها من أجل سلامة ظهرك ”
– ” ولكنكِ ظللْتِ واقفة لأكثر من ثلاث دقائق بكثير ”
– ” إنني _طلباً لرضا زوجي_ صِرْتُ أفسِّر الدقائق الثلاثة كما يفسرها هو ؛ أنها تدوم ساعات ”
تفكرتْ زميلة ( هدى ) في عبارتها فترة , ثم فَطِنَتْ إلى ما ترمي إليه , فكاتمَتْ ضحكتَها , أما ( هدى ) فقد ذهب بها خيالها إلى تصوُّرِ ردِّ فعلِ ( وليد ) عندما تخبره بهذا الحوار الذي دار بينها وبين زميلتها , ووجدَتْ يَدَهَا _لا إرادياً_ تمتدُّ إلى رِدْفِها _الذي لا يزال يشكو آثارَ ليلة البارحة_ في توجسٍ مُمْتِع ..
****
  

قصة : خراش وغزلانه ( ف / ف )

 

تحوي هذه المشاركة قسمين : أولاً : بضعة تنويهات ومقدمة , وثانياً : القصة .

الأول – بضعة تنويهات ومقدمة :

المقدمة : لم تحوِ هذه المدونة إلا رسالة واحدة كُتِبَتْ قبل قرابة الست سنوات , وفيها تلميح لما ستكون المدونة حوله , وفي النص على قَصْرِ دخولها على غير القُصَّر تلميح آخر إلى مغزاها , وعلى أيٍّ  فإن مما يلتزم صاحبُها التأكيدَ عليه صراحةً أن محتوى هذه المدونة في أغلبه لا يصلح لطبيعة تصفح الإنترنت المرتبط بالعمل أو كما يرمز له بالإنجليزية / بالإنكليزية NSFW , كما أن عادات وتقاليد وطبيعة المجتمعات الشرقية … إلخ تستدعي التعفية على كل ما فيها ,  إلا إذا اعتبرنا أن ألف ليلة وليلة ونحوها لا تخالف عادات وتقاليد وطبيعة المجتمعات الشرقية , وحينها فلا أعتقد أن في وسعي كتابة ما يفوق ما تحويه تلك الأعمال ولو لم أتغيَّ غير ذلك .

 التنويهات

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين أنثيين درجة القرابة بينهما أنهما ابنتا عم , فإن كانت هذه أو تلك تسوؤك / تسوءك, فقد نوهنا بهما . 

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

الثاني – القصة :

 

(1)
يوم الأربعاء العاشرة مساءً
– ” منى ! ”
نادت ( سلمى ) مغضبة على ابنة عمها , وهي تفتح باب حجرتها وتتساءل عن سبب عدم ردها عليها , لتفتح فاها مشدوهة للمنظر الذي رأته , فأمام عينيها كانت ابنة عمها مولية إياها ظهرها , وقد وضعت سماعات الحاسوب في أذنيها , وليس عليها من الثياب خيط واحد , وأمامها على مكتب الحاسوب قد اصطفت بالتريب من اليسار إلى اليمين رجلها اليسرى ثم شاشة الحاسوب ثم رجلها اليمنى , وشاشة الحاسب تعرض مقطع فيديو لفتاتين تتبادلان القبلات , ثم فجأة ينفتح باب الحجرة التي هما فيها وتدخل امرأة تبدو في منتصف العمر وعليها ثياب مما ترتديه الوقورات من النساء فكأنها أستاذة جامعية خارجة من محاضرة , وقد فغرت فاهها مشدوهة , وكأنها تحاكي ما فعلته ( سلمى ) عندما دخلت حجرة بنت عمها , وتراع الفتاتان لدخول المرأة , وتقول إحداهما في حياء للمرأة _ التي يبدو أنها أمها _  شيئاً ما على وجه الاعتذار , ولكن ( سلمى ) لا تسمع صوت الفيديو وإنما ترى الشاشة فحسب , ولهذا تخيلت ( سلمى ) أن عذر الفتاة لا بد أن يكون من نحو أن صاحبتها كانت سألتها عما إذا كانت قبّلت فتى من قبل , فلما أجابتها بالنفي , أرادت أن تعلمها كيف يكون ذلك , فكان ما كان , ويبدو أن الأم لا تقبل اعتذار بنتها , فتسأل صاحبة ابنتها عما حدث _ أو شيئاً من هذا القبيل _ ولكن حركات جسد صاحبة الابنة تغني عن سماع صوت الفيديو فيبدو من تجهم وجهها وإشاحتها بيديها أنها _خلافاً لموقف الابنة _ تخبر الأم صراحة أن ما يحدث بينها وبين ابنتها ليس من شأنها وأنها تحب ابنتها وأنه ليس في ذلك ما يعيب , وأن الأولى بأن يعتذر هو الأم التي قاطعت بوقاحة ما كانتا تفعلانه , وهنا تفقد الأم أعصابها _ ولعل صاحبة ابنتها قد شتمتها أو وصفتها بالتقليدية أو شيئاً من هذا القبيل _ , فتهرع إلى الهاتف وترفع السماعة وتضرب أرقاماً _ لاحظت ( سلمى ) أن الممثلة التي تلعب دور الأم قد اقتصرت على الضغط على ثلاثة أرقام فقط فهل هذا خطأ في الإنتاج , أم هل تفترض القصة أن الأم تطلب الشرطة مثلاً , أم لعلها ليست أماً بل نزيلة في فندق , ورجعت إلى حجرتها لتجد فتاتين في غرفتها ترفض إحداهما المغادرة فهي تتصل بالشرطة _ أياً يكن بدا أن المجيب على الهاتف هو امرأة أخرى , إذ قُسِّمَتِ الشاشة قسمين لتظهر صورتها بجوار صورة الأم _ إن كانت أماً _ وتتحدث الأم في غضب وتتحدث المرأة الأخرى في هدوء , وفكرت سلمى أن المرأة الأخرى لا بد أن تكون أم الفتاة الجريئة , وأن ابنتها قد أخذت عنها موقفها من مثل هذا الفعل  , أما ابنة الأم الغاضبة فهي مستحيية من فعلها لأنها هكذا علمتها أمها , على أية حال يبدو أن ( منى ) قد تخلت عن الفأرة لفترة طويلة منشغلة بما هو أهم كما هو واضح , فانتقلت الشاشة إلى وضعية شاشة التوقف التي كانت شاشة سوداء خالصة , ومع زاوية انعكاس إضاءة الغرفة وحملقة ( منى ) في الشاشة قبل أن تتحول إلى شاشة التوقف , بدا لها جلياً وقوف شخص ما أمام باب غرفتها المفتوح , وفي ذعر مبرر تلتفت بوجهها لترى ابنة عمها ( سلمى ) التي يبدو من وقفتها أنها ظلت واقفة هناك لفترة , ولم تدر ( منى ) ما الذي تفعله فقد تجمد تفكيرها وجسدها تماماً , ولم يخرجها من حالة التجمد تلك إلا صوت والدتها وهي تفتح باب الشقة , وتقول :
– ” منى ! هل سبقتنا ( سلمى ) أم سبقناها ؟ لقد قابلنا ابنة عمك في الطريق وأصررنا على أن تتعشى معنا , واختلفنا في وسيلة العودة فأصرت ابنة عمك على ركوب الباص , وركبنا نحن المترو , وكلانا يعد الآخر أنه سيصل قبل صاحبه .. ”
كانت ( هانم ) _أم ( منى )_  تقول كلامها هذا , وهي تتوجه نحو غرفة ابنتها , وهي مستغربة أنها لم تسمع منها رداً , وفكرت أنها ربما كانت مشغولة بألعاب الفيديو التي تقضي فيها معظم وقتها , وفي نفس الأثناء كانت ( منى ) تسارع لالتقاط ملابسها من هنا وهناك , وقد شعرت ابنة عمها بحرج اللحظة , فبدأت في معاونتها , لترجئ الكلام عن تلك ” التجربة ” التي رأتها إلى ما بعد تجاوز تلك المرحلة الدقيقة , وما إن انعطفت ( هانم ) تجاه غرفة ابنتها , التي كانت لحسن حظ ( منى ) غير مشرفة على الصالون الذي يقابل باب الشقة , ومن ثم فإن الداخل من باب الشقة لا يرى ما يحدث في غرفة ( منى ) _ ولو كانت مفتوحة الباب _ حتى يصل إليها ويستدير نحوها , ما إن وصلت الأم إلى الغرفة حتى رأت بابها مفتوحاً وابنتها واقفة تعقد الزر العلوي في بلوزتها وإلى جوارها وقفت ( سلمى ) وهي تبتعد بجسدها عن ( منى ) وكأنها طفلة كانت تضرب صاحبتها ثم رأت المعلمة تنظر نحوهما فابتعدت عنها فجأة , أو هكذا كان شعور ( هانم ) عندما رأتهما , وانصرف انتباهها فجأة إلى أن ( سلمى ) كما هو واضح قد سبقتهم إلى المنزل , فقالت :
– ” يا له من باص هذا الذي ركبتيه , حتى يسبق المترو ”
فردت ( سلمى )
– ” كما قلت لك يا ” طنط ” , بسبب وقوع منزلكم بين محطتين من محطات المترو , فالباص أسرع ”
– ” يبدو أنك محقة , على أية حال أتريدين أن تعاونيني أنت و(منى) في إعداد العشاء ”
كان صوت أبو ( منى ) وشقيقها الأصغر قد بدأ يجلجل في غرفة الصالون عندما خرجت ( منى ) و ( سلمى ) إلى المطبخ لتساعدا ( هانم ) في إعداد العشاء , ومالت ( منى ) على أذن ( سلمى ) قائلة :
– ” شكراً , أنك لم تقولي شيئاً “
واكتفت ( سلمى ) بأن ترمقها شزراً , وكأنها تقول : ليس هذا وقت الكلام عن تلك الحادثة .
واستمر العشاء عادياً , وإن حاولت ( منى ) أن تستشف من ملامح ( سلمى ) شيئاً فلم تستطع , فلما أوشكوا على الفراغ من الأكل , قالت ( سلمى ) وهي تهم بالقيام :
– ” شكراً على العشاء يا عمي ويا ” طنط ” ” ثم وجهت كلامها لـ ( منى ) :
– ” على وعدنا إذاً أن نلتقي غداً عندي في البيت في الثامنة مساءً كما اتفقنا ؟ ”
حملقت منى فيها لفترة ثم فطنت لما يحدث , فقالت :
– ” .. آه , بالطبع , كما اتفقنا , غداً في التاسعة مساءً ”
ولم يفِت أخوها الأصغر الفرصة :
– ” الثامنة أم التاسعة ؟ ”
فعاجلته أخته :
– ” وما شأنك أنت ؟ ”
واستشعرت الأم بوادر شجار فتدخلت :
– ” دع أختك وشأنها يا ( هاني ) , وبودنا لو تكثرين من الزيارة يا ( سلمى ) فما عدنا نراك إلا مصادفة , وقد كنت أنت و( منى ) لا تنفصلان قبل بضعة سنوات ”
فقالت سلمى :
– ” تعرفين يا ” طنط ” , الجامعة ومشاكلها , وشكراً على كل شيء ”
ثم رمقت ( سلمى ) ( منى ) وكأنها تستوثق منها على ميعادهما , فردت ( منى ) النظرة بمثلها , لتؤكد على انعقاد الميعاد , ثم مضت ( سلمى ) لمنزلها .
******
( 2 )
يوم الخميس , الثانية صباحاً
حاولت ( منى ) جاهدة أن تنام دون جدوى , لم تكن تعرف ما الذي يجب أن تشعر به بالضبط حيال كل هذا , كان هناك جزء من عقلها يمارس التنظير المنطقي ؛ ما حدث كارثة , ما يحدث منذ فترة طويلة جداً كارثة , ولكن أن يتم الاطلاع عليه من قبل شخص آخر , وأن يكون هذا الشخص قريباً سيستمر وجوده في حياتك وليس غريباً تنقطع صلتك به إلى الأبد فهذه كارثة أكبر , ثم إن هناك مشكلة أخرى ؛ فـ ( منى ) لا تعرف بالضبط القدر الذي اطلعت عليه ( سلمى ) ؛ ما الذي رأته بالضبط ؟ ما الذي أدركته مما رأته ؟
وعلى الرغم من هذا الجانب العقلاني كان هناك جانب آخر لا سبيل إلى دفعه ولا إلى إنكار وجوده , وهذا الجانب هو المسئول بشكل رئيس عن أرقها وهو ما يدفع النوم عن عينها ؛ لشد ما يتمنى هذا الجانب  الشهواني غير العقلاني لو تكررت هذه الحادثة يوماً وراء يوم إلى ما لا نهاية , لشد ما يلح هذا الجانب منها على تصور المشهد واستعادته بحذافيره بل والإضافة عليه ؛ يصور لها هيئتها وهي منشغلة بمشاهدة ذلك الفيديو , عريانة كما ولدتها أمها , لاهيةً عما حولها … يركز هذا الجانب الشهواني _وكأنه مخرج متمكن من أدواته _ على إبراز ملامح وجهها في هذه اللحظات ثم يدير الكاميرا ليظهر لنا في براءة كيف أن هناك شخصاً آخرَ يشهد هذه اللحظة ؛ هذه اللحظة التي يفترض ألا يطلع عليها أحد ؛ هذه الحميمية ؛ لحظة سقوط كل الحواجز ؛ ثم في ذروة الحدث يصل إلى وعيِها شبهِ المخدر إدراكٌ مخيف ولكنه مثير ؛ تنبيهٌ عقليٌّ وامض : هناك من يطلع عليك ! برجاء رفع درجة الإنذار إلى الدرجة القصوى ! هذا ليس تدريباً هذه معركة فعلية !
وهي تحسب أن عقلها يعابثها , لطالما فعل .. لطالما توهمت في مثل هذه اللحظات أن هناك من يراها , أن نافذة ما غير محكمة الإغلاق , أن صوت شخص ما يدنو , وكانت تذعر , ثم سرعان ما تستقصي هذه الفكرة ويتضح أنها مجرد إنذار واهٍ من عقلها ؛ تدريب وليس حقيقة .. ولكن ليس هذه المرة , هذه المرة ظلت منتظرة حتى يزول خيال الشخص الذي يراقبها , حتى تنسدل الستارة على النافذة المفتوحة التي يراها كل البشر من ورائها , حتى ينقطع صوت الخطوات المقبلة عليها ؛ حتى يظهر أن كل هذا وهم , ولكن شيئاً لم يتغير ؛ لا تزال ابنة عمها واقفة مكانها , لا تزال هي عارية ليس عليها ما يسترها , وكأن هذا لا يكفي حتى تدرك واقعية ما هي فيه ؛ يأتيها صوت أمها وهي في هذه الحالة ليخبرها بجلاء : نعم هناك وضع اعتيادي تتوهمين فيه أن أسرارك ستنكشف , ولكنها لا تفعل … ولكن الأمر هنا مختلف ؛ انظري إلى الفارق : لو تأخرت قليلاً في إغلاق الملف المفتوح على شاشة الحاسب ؛ لو تأخرت في ارتداء ملابسك لكشفت أمك سرك ؛ هذا هو ما تجنبتيه . أما ما حدث قبل قليل فمختلفٌ جداً ؛ إنه واقع لا شية فيه ؛ إنه أمر ليس لك سابق علم بكيفية التعامل معه .
ثم يدنو هذا الجانب الشهواني مرة أخرى من أحداث الواقع ليؤسس عليها أوهامه ؛ لماذا واعدتك ابنة عمك أن تقابلك , لماذا حددت لك ميعاداً تلقاك فيه ؛ المنطق يقول أنها تريد استجماع شتات عقلها وإعداد ما تخاطبك به , وعلى الأغلب ستلومك وتقرعك وتثير مواجع قديمة , ولكن ماذا إذا .. اسمعي مني .. ماذا إذا : كانت هي الأخرى …. ماذا عن ذاك ؟
 في هذه اللحظة كانت الصور قد بدأت تتسارع على عقل ( منى ) , وقد تخلت بالكلية عن أي ذرة من عقلانية أو انضباط , واستحال عقلها بكليته مسرحاً لقبلات تتناثر هنا وهناك وعضات تتبادل علوا وسفلاً , ويمرّ كل ما في الجسد المهاجم على كل ما في الجسد المدافع , وكلما مر عضو على عضو أوسعه حباً , ثم يتبادل الجسدان موقعيتهما , وهلم جراً وسحباً وعناقاً ولعقاً …
*****
(3)
يوم الخميس , السادسة وسبعة وخمسون دقيقة مساءً
( سلمى ) هي الملجأ الذي يلجأ إليه صاحباتها عندما يَشْكُلُ عليهن أمرٌ ما ؛ عندما يَفْرُطُ أمرٌ ما في الإشكال ؛ عندما يبدو أن الحق التبس بالباطل التباساً يستحيل معه تمييز بداية هذا من نهاية ذاك , عندها تؤدي ( سلمى ) دورها , وتبين في جلاء خفايا الخفايا وتفاصيل التفاصيل …
فإذا كان هذا هكذا , فلماذا تضطرب هذه الـ ( سلمى ) بعينها اليوم اضطراباً شديداً , فتذم ما تمدح وتمدح ما تذم , وتمسح ما كتبته وتكتب ما مسحته , وترى هدفها بجلاء حتى تكاد تمسك به في قبضتها ثم يعمى عليها حتى كأنه العدم , وتقول : الحق ها هنا فلا تغفلوا عنه , ثم يسألونها المزيد فتنظر إليهم شاردة , وتقول : هل رأى أحدكم (منى) ؛ (منى) الحق! .. (منى) الحق ! 
والحق أن ( سلمى ) بعقلانيتها كانت تعي تماماً مشاعرها تجاه ابنة عمها , ليس مما حدث البارحة فحسب , ولكن منذ زمن بعيد , منذ كان لطيفاً _ ومقبولاً اجتماعياً _ أن يستحما معاً , وأن يناما معاً ؛ يقول العالمون بالشأن أن مثل هذا السلوك يُسَبِّبُ ما لا يحمد عقباه , فماذا يقول العالمون بالشأن إذا كان ما لا يحمد عقباه هو الذي سَبَّبَ ذلك السلوك .. لقد تمنت ( سلمى ) أن ترى كلَّ ما يمكن رؤيته من جسد ابنة عمها قبل أن ترى منه ما لا يظهر في المعتاد في مكان عام ؛ منذ رأت وجهها . وتمنت أن تقترب منها حتى تذوب فيها من قبل أن تمس منها ما لا يُمَس في المعتاد ولو من غريب ؛ منذ صافحت راحتها راحتها . فلما بلغ بها الحب _ أو أياً تكن تسميته _ كل مبلغ عزمت أن تقطع صلتها بابنة عمها , فلا تراها إلا للضرورة القصوى , وكان تبريرها في ذلك عقلانياً أيضاً : ليكن الصواب صواباً والخطأ خطأ , أو فليكن الصواب خطأ والخطأ صواباً ؛ في النهاية لن نستطيع أن نغير تفكير المجتمع , فلماذا ننطح الصخرة إذا كانت الصخرة باقية نطحناها أم لم ننطحها  , وكان بقاؤنا نحن يتوقف على عدم نطحها ؛ أحد الطرفين لا يتأثر بالمتغيرات , والطرف الآخر يتوقف وجوده كله على فعل أحد الخيارين وترك الآخر ؛ هل هناك وضع أكثر جلاءً من هذا . ولكن الجهد العقلاني لم يؤت ثماره عندما عرضت نتيجته على قلبها , ظل قلبها يضرب الأرض برجليه , ويصيح صياحاً منكراً , وهي تهاوده تارة وتتوعده أخرى , ولا يزيده الوعد والوعيد إلا إصراراً , فلما آيست منه تركته في حيث كان ورجعت إلى بيتها وحدها , وكان تبريرها في ذلك عقلانياً أيضاً : متى كف هذا القلب عن معارضة صاحبة الشأن ومن لها الكلمة العليا فبإمكانه أن يعود ويستعيد مكانته , وإلا فحرامٌ عليه دخولُ بيت لا يذعن فيه لكلمة سيدته . ثم استمر الوضع على ما هو عليه سنوات , وتسير ( سلمى ) مفرطة العقلانية في دربها بتؤدة ورسوخ قدم , وتنال أعلى الدرجات في دراستها الأكاديمية , ويَحْمَدُ ذكاءَها وانضباطَها القريبُ والبعيدُ , وتلقى في هذا الطريق عمها وزوجته وابن عمها في يوم ما , فيصرّ عمها الذي لم يرها من فترة طويلة أن تعود معهم إلى البيت فيتعشوا وتقابل ابنة عمها التي لم تقابلها منذ دهور  , وتلح هي على تجنب تلك الدعوة كراهية لنكء الجرح القديم , وإن كانت لا تشك أن نكء الجرح لن يعود عليها بكبير ضرر , ولكن أخذاً بالأحوط , فلما ألح عليها عمها أسرَّ لها عقلُها : أنَّ تَجَنُّبَ ما لا خطرَ فيه بسبب أن الآخرين يعدونه مصدراً هائلاً للخطر , فيه كفرٌ برأيِكِ وشكٌّ في مذهبكِ : فاذهبي لبيت ابنة عمك وقابليها وأعلني صراحة أنني أنا ( سلمى ) لا أبالي إلا بما يصدر عن عقلي وإن خالفه العالمون , فأقلوا أو أكثروا . وتغتر ( سلمى ) بثقة عقلها , ثم يوردها عقلها مورداً آخر للخطر وكأنه يعد بنفسه ساحة إعدامه , فيأبى إلا أن يعلق على قول زوجة عمها أن راكب المترو أسرع وصولاً  إلى بيتهم من راكب الباص , ويأبى عقلها إلا أن يحلل هذه المعلومة ويصل إلى فسادها , ويأبى عقلها إلا أن يمارس تجربة عملية تظهر صحة ما ذهب إليه , ويأبى عقلها بعد أن أثبت صحة رأيه إلا أن يُعَجِّلَ بمقابلة ابنة عمها , ويتجاهل كل التحذيرات التي عدها ساذجة بأن تنتظر حتى يأتي عمها وزوجته وابنه لئلا يجمعها وابنة عمها مكان خالٍ .
 فإذا كان هو من تسبَّبَ منفرداً بهذا الموقف وما نَتَجَ عنه فلأيِّ شيء ينوح الآن نوحاً منكراً ويضرب الأرض بقدميه احتجاجاً , وهي تهاوده تارة وتتوعده أخرى , ولا يزيده الوعد والوعيد إلا إصراراً ؛ أنَّه لا يُقْبَلُ رأيُ غيري كائناً ما كان  فكيف إذا كان ما رُدَّ رأيي لأجله هو القلب الساذج , فلما آيست ( سلمى ) من عقلها  تركته في حيث كان , وأدْنَتْ إليها قلبَها واعتذرت منه على ما سبق إليه منها , وقالت : قد كنْتُ قبلَ قطيعتك آخذ منك بعض ما تشير به وأردُّ بعضه , وآخذ من العقل بعضَ ما يشير به وأردُّ بعضه , وقد طال ما أخذت منه وأنت مهمل الرأي سواءٌ عليك أتكلمت أم أنت صامت , فاليوم أنت عندي الحكم الذي ترضى حكومته , وصاحب الكلمة العليا …
وبينما ( سلمى ) في مناجاتها قلبَها , طرق الباب طارق , وتَدَخَّلَ قلبُها فأخبرها أن ليس الذي طرق الباب طارقٌ مجهول بل هي ابنة عمها ( منى ) بعينها , فقال العقل من مكان قصي : ما أحمقك يا قلب , ولقد بقي على ميعاد ( منى ) قريبٌ من ساعة , فما يأتي بها الآن . فأقصَتْ سلمى عقلَها وجعلت في فمه ما يحول بينه وبين الكلام لئلا تسمع صوته , وذهبت لتفتح الباب فإذا هي ( منى ) كما وعد القلب , ودخلت ( منى ) وأغلقت خلفها الباب , فباردتها ( سلمى )  :
– ” ألم يكن ميعادنا بعد ساعة من الآن ؟! “
– ” بلى , ولكني قلت إن كنت سأُسَبُّ وأشْتَمُ فلا أقلَّ من أن يكون ذلك في وقت أسمِّيهِ أنا , ولا يفْرَضُ عليَّ العقابُ وميعادُه معاً ”
قالت ( سلمى ) مبتسمة , وقد راقها الكلام :
– ” عقاب ! “
وفوجئت ( منى ) بابتسامة ابنة عمها وتبسطها , وكانت هي الأخرى قد قضت اليوم تتوقع وتحدس ما يكون عليه لقاؤهما , وكان ما خلصت إليه أنه لن يكون لقاءَ خيرٍ , فلما رأت تبسط ابنة عمها , وتكرارها لكملة ( عقاب ) بالذات , قررت أن تذهب لأبعد ما يمكن الوصول إليه :
– ” هذا الفيديو الذي رأيتيه في تلك الليلة , والذي قد يزعم بعض الكاذبين أنني كنت حاضرةً أثناء مشاهدتك له .. ”
لم تتمالك ( سلمى ) نفسها من الضحك , وقد عادت لها ذكريات مداعباتهما , وتحريف ابنة عمها للكلام عن قصد كلما أحرجت من موقف ما , وسايَرَتْهَا ( سلمى ) :
– ” لا أعتقد أن أحداً يبلغ به الكذب إلى هذا الحد , ولقد كنت وحدي في غرفتي وليس عندي أحد , فمن أين زعموا أنك كنت حاضرة ؟! ثم إنك لو كنْتِ حاضرة لرأيْتِ أمراً منكراً “
تورد خدا ( منى ) خجلاً , ولكنها قررت أن تستمر :
– ” أمراً منكراً ؟ ”
– ” نعم , فهذا الفيديو بالذات يثير في النفس أشدَّ مشاعرِ الحزن , وإني إذا بلغ مني الحزن مبلغَهُ عمدْتُ إلى جبالٍ من مثلجات فجعلتها في طبق فأتَيْتُ عليها كلَّها , فأكثرُها ينتهي به الحالُ في بطني وأقلها _ وأقلُّ الكثيرِ كثيرٌ _ يتساقط على ملابسي هنا وهناك , فلو رأيتِني لقلت : لولا نزعت عنها ملابسها قبل أن تشرع في رؤية هذا الفيديو…. ؛ لئلا تتسخ بتساقط المثلجات عليها  بالطبع , فلا يذهبنَّ فكرُك إلى ما لا يليق 
كان الخجل تتزايد أماراته على وجه ( منى ) وفي حركة يديها وجسدها , ثم قالت _ وكأنها تريد التغلبَ على ما تعرِّضُ به ابنة عمها من حادثة البارحة_ :
– ” خمس سنوات “
– ” خمس سنوات ؟ ”
بترددٍ وضعتْ ( منى ) يدَها في جيبها وأخرجت ما يبدو وكأنه مظروف مهترئ , وقالت :
– ” لقد كتبتُ لكِ هذه الرسالة من خمس سنوات ”  
بدأت ابتسامة ( سلمى ) تخفت شيئاً فشيئاً , وهي ترى الحوار ينحو منحى جاداً , وفتحت الرسالة فوجدت فيها :
(( إني أحبك .. صراحةً بلا مواربة ولا تزويق , وبلا مقدمات ولا استفتاح ولا تحية طيبة ؛ إني لا أريد أن أحييك تحية طيبة , إني أريد أن أفعل بكِ ما تبتسمين لذكراه فتغفلي عن رد التحية الطيبة إذا حيَّاكِ بها شخصٌ ما , فينبهَك فلا تنتبهين ,  فيقول في نفسه : ما شغل هذه عن واقعها كل هذا الشغل إلا حبُّ من تملك عليها فؤادها . فأريد أن أكون أنا ذلك الذي تملك عليك فؤادك.
 إني أريد إذا جمعني وإياك مكانٌ واحد ألا يبقى فيه رجل ولا امرأة ولا صغير ولا كبير ولا جاد ولا هازل إلا علم أن بيننا ما يزيد على ما يكون بين أيِّ إنسان وآخر ؛ يعلمون ذلك ونحن لم نفعل أكثر من تبادل النظرات , ويقول القاضي العادل _ وقد أشار إليكِ _ :  قد تأكد عندي بما لا يدع مجالاً للشك أن لو كانت نظرة تذيب فؤاداً أو ترد ميتًا للحياة لكانت نظرة هذه إلى صاحبتها ونظرة صاحبتها إليها . فأريد أن أكون أنا هذه الـ صاحبتها .  
إني أرغب في لقاء القابلة التي ولدتك وأن أراها تحملك بين يديها وليدةً فتهم بأن تسلمكِ لأمك فتراني فتعدل بكِ عن أمكِ وتسلمكِ لي وتهنئني بكِ . وأرغب في لقاء المأذون الذي يكتب عقد زواجكِ , ويكون اللعينُ _ كائناً من كان _ الذي يظن أنك تصيرين له زوجة واقفاً بإزائك فيَهِمُّ المأذونُ _ ولو فعلها لفتكت بالذي يخفق بين جنبيه _ أن يعقد له عليكِ فيراني فيعدل بكِ عنه , ويكتب لي عليك كتاباً لا يفنى ولو فني الأبد , فلا يبقى أحد إلا هنأني بكِ . وأرغب _ إذ كان الفناء لا دافعَ له _ أن يقوم مؤبنك فلا يشير إليك بقليل مدح ولا كثير إلا كان نظره مصوباً إليّ دون سائر الناس ليرى وقع تقريظه  على أحب الناس عندكِ , ثم لا يبقى أحدٌ إلا وهو يَعُدُّ مصابَه فيكِ دون مصابي , حتى إذا ما رحمت الملائكة جمهرة المتوجعين لفقدكِ عزموا أن يجمعوا بينك وبين أشدهم حزناً عليكِ ورغبةً في لقائكِ فيعدلوا عن أبيكِ وأمكِ  ويقبضوا روحي أنا فلا ألبث أن أقترن بكِ هناك كما اقترنت بكِ هنا , فيهنئني أهل السماء عليك كما هنأني أهل الأرض من قبل … ))
وقفت ( سلمى ) مشدوهة لبرهة , ثم نظرت إلى ( منى ) فوجدت عينيها تترقرق فيهما الدموع , فتركت ما كانت تنوي قوله , وضمتها إلى صدرها , وقالت :
– ” لماذا لم تخبريني ؟ ”
– ” لقد كنت أنوي أن أرسل هذه الرسالة لكِ , ولكنكِ انقطعَتْ أخبارُك فجأة , وهاتَفْتُكِ فلم تردي , فقلت لعلكِ قرأتِ رسالتي _ وكنتُ أضعها في متناول يدكِ من قبلُ رجاءَ أن تقعي عليها ” مصادفة ” _ فلما رأيتكِ قطعتُ كل حبلٍ بيني وبينكِ تأكد عندي أنك قرأتِها ورددتيها إلى هيئتها الأولى لكي لا أعلم أنكِ قرأتِها , ثم ساءكِ ما فيها فكرهْتِ حتى أن ترديني رداً صريحاً , وإني أعلم أن فيها من الغلوِّ ما فيها , ولكني كتبتُها وأنا في السابعة عشرة , وللمراهقة عذرُها “
ابتسمت ( سلمى ) ابتسامة خفيفة ثم قالت :
– ” بل هي رسالة لطيفة , ولكني أنا التي لا أحسن التعامل _ حتى وأنا في السابعة عشرة _  مع أحوال الناس إلا بمعادلات كمعادلات الكيمياء , ولقد بدا لي حينها _وحتى وقت قريب  _ أنه لا أمل في أن يكون بيننا ما يُكْتَبُ له الدوامُ , فخيرٌ لي ولكِ أن نقطع الحبلَ قصيراً بدلاً من أن يمتد فنعجزَ عن قطعه , ولقد كنت مخطئة أشد الخطأ , فلم أنتبه إلى ذلك إلا اليوم , وجاءتني الصُّدَفُ بقليلٍ مما كنْتُ أوصدْتُ دونه باباً محكمَ الغلق , فلو أنصفْتُ لقلْتُ : يعدل هذا القليل بكل ما كرَّسْتُ له حياتي في تلك السنين الخمسة , أنا أزن بين نظرة واحدة أراكِ فيها الآن وبين حياة يعدونها وادعة مرفهة ولكنها خلْوٌ منكِ فترجح هذه النظرةُ بتلك الحياة ”
وبدا في الجو بين ( سلمى ) و ( منى ) من الجد ما لم يعتادا على الخوض فيه بهذا الإفراط من قبل , فأرادت ( سلمى ) أن ترجع إلى جو المفاكهة الذي اعتادت عليه مع ابنة عمها _ لا سيما وقد أوصلت كلتاهما مرادها لصاحبتها وعرفت أن كلاً منهما تبادل الأخرى ما تجد _ فقالت ( سلمى ) :
– ” قبل تحوُّلِ الحوار إلى هذه الدرامية , كنت تتحدثين عن ذلك الفيديو , وأنا أريد أن أخبرك بشيء عنه , إنني لم تُتَحْ لي الفرصةُ لسماع ما يدور فيه , واكتفيت بالنظر إلى جزء منه , ولكني كوّنْتُ من هذا الذي رأيْتُه نظرية كاملة حول الأحداث , وهي كالآتي : أما الفتاتان فتكبر إحداهما الأخرى بسنين فمن أجل ذلك كان غضب الأم , وليس لمجرد تقبيل فتاة لابنتها , وأما التي اتصلت بها الأم فهي ربة عمل الفتاة الأكبر سناً , فلما شكَتْ إليها علاقة موظفتها بابنتها , كان ردَّ ربة العمل أنه إذا كانت كلتا الفتاتين قد تجاوزت السن القانوني فليس هناك ما تصنعه حيال الأمر .. أو شيء من هذا القبيل , فهل أصبت ؟ “ 
ابتسمت ( منى ) ابتسامة واسعة , وقالت :
– ” ربما ! ”
– ” ماذا تعنين بربما ؟ ”
– ” إنهن كن يتحدثن بلغة لا أفهمها , ولكني أعتقد من الأبحدية المستخدمة في الكتابة أنها روسية أو لغة من لغات دول البلقان “
هزت ( سلمى ) رأسها , ثم قالت :
– ” لقد استغرق تكوين هذه النظرية مني وقتاً , على أية حال إن كان فاتنا أن نعرف ما يقولونه فلا أٌقل من أن تخبريني إلى أي شيء انتهت الأحداث “
عادت وجنتا ( منى ) للتورد , وقالت بصوت خفيت :
– ” هذا ما أردت أن أخبرك به عندما استغربتِ من كلمة (عقاب) في بداية كلامنا ”
– ” عندما قلْتِ إن لك الحق في تحديد زمن عقابك إذا كنتُ سأعاقبكِ ؟ ”
– ” أجل ! … حسناً , لقد انتهت أحداث الفيديو إلى معاقبةٍ ”
– ” معاقبة من لمن ؟ ”
– ” معاقبةُ مَنْ سميْتِها الأمَّ للفتاتين , ثم إن المرأة التي اتصلت بها في الهاتف , قد ذهبت إليهن _ لا أدري لماذا _ فدخلت في جملة المعاقَبَات ”
– ” وكأن الهدف من السيناريو كله أن يعاقَب الجميع ”
هنا كان خدا ( منى ) قد بلغا حداً فائقاً من الاحمرار , فأرادت ابنة عمها أن تداعبها :
– ” وهل الآنسة ( منى ) ملاكُ قاهرةِ المعز لدين الله الفاطمي , كانت ترجو أن تكون هي الأخرى في جملة المعاقَبَات ؟ “
كان خجل ( منى ) كافياً لتعلم ( سلمى ) الجواب .. واستمرت ( سلمى ) في استغلال الفرصة :
– ” لأنه إذا كان هذا هكذا , فلنتصور سيناريو مختلفاً ؛ نجد فيه فتاة فائقة الحسن جالسة أمام شاشة الحاسوب , وفي البداية نسمع نقرات لوحة المفاتيح ونتصور أن فتاتنا الحسناء ربما تبحث عن معلومة ما في شبكة الإنترنت أو تنهي القيام بواجب مدرسي أو بحث جامعي .. من يدري ؟ ولكننا نفاجأ أنها جالسة أمام الحاسوب وهي لا ترتدي شيئاً , ثم تعمد إلى سماعات ضخمة فتضعها في أذنيها , وندقق أكثر في الشاشة فنستوثق بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا ليس بحثاً جامعياً على الإطلاق , وتستمر الأحداث ثم نجد الباب يفتح وتدخل فتاة حسناء أخرى _ نعم , أنا مستوعبة أن هذا ثناء على نفسي _ ونتوقع أن تلتفت الفتاة العارية صوب الفتاة الكاسية , ولكن فتاتنا العارية منغمسة تماماً في الأحداث , وتقترب الفتاة الكاسية من شاشة الحاسب لترى امرأة في منتصف العمر تعاقب فتاة … بالمناسبة ما نوع العقاب بالضبط الذي انتهت إليه الأحداث في ذلك الفيديو , حتى نصوغ هذا السيناريو صوغاً محكماً ؟ ”
كانت ( منى ) تستمتع بهذا السرد حتى توقف لتسألها ابنة عمها عن ( نوع العقاب ) , وهنا اكتشفت أنها على الرغم من ظنها أنها أفصحت عن كثير مما ترغب في فعلِهِ أو في أن يُفْعَلَ بها للدقة , فإنها في الواقع لم تسمِّ الأشياء بأسمائها بعد , وعاودها خجلها , فنظرت إلى ( سلمى ) في خفر , وقالت :
– ” ما نوع العقاب في ظنك ؟ ”
– ” دعيني أخمن , لقد ذهبَتِ الأم بابنتها إلى كتاب ( رأس المال ) لـ(ماركس) وطلبت منها تلخيصَه كعقابٍ على فعلِها ؟ ”
– ” ربما إحدى كتب ( ديرنمات ) سيكون عقاباً أنسب ”
ضحكت ( سلمى ) ثم قالت :
– ” حسناً , .. سهلي عليّ الإجابة : هل تضمن العقاب ألماً جسدياً ؟ ”
– ” نعم “
هزت ( سلمى ) رأسها , وكأنها تثني على ذوق ابنة عمها , أو كأنها تقول : لو قلتِ غيرَ هذا لخيبْتِ ظني . فبادرت ( منى ) بالقول :
– ” ولكن الفكرة ليست في إحداث الألم في حد ذاته , بل في السياق كله ”
أرادت ( سلمى ) أن تستعيد زمام المبادرة , فقالت :
– ” المعذرة , هل المقصود بالفكرة هنا ما أراد منتجو الفيديو إيصاله , أم ما تريدين أنتِ أن يُفْعَلَ بكِ ؟ ”
لم تجب ( منى ) كلاماً عن هذا السؤال , ولكن جسدها فعل , ولقد رضيت ( سلمى ) عن رد جسد ابنة عمها , وقررت أن تذهب باستفسارها إلى غايته , فقالت :
– ” حسناً , لم يبقَ إلا سؤال واحد : أيُّ مكان في الجسد كان محلَّ العقاب ؟ ”
ولما لم تجب ( منى ) على هذا أيضاً قالت ( سلمى ) :
– ” أعتقد أن السكوت هو جواب في حد ذاته , حسناً , أما وقد اتضحت الأمور فلنعد إلى السيناريو : اقتربت الفتاة الكاسية من الشاشة لتجد امرأة في منتصف العمر يبدو عليها أمارات الجد تمسك بذراع فتاة في مقتبل العشرينات ثم تحنيها على مكتبها … ”
قاطعتها ( منى ) وقد كاد الخجل أن يذهب بصوتها :
– ” هل يمكن أن تجعليها تجلس وتجعل المعاقَبَة مستلقية على فخذيها ؟ ”
مرة أخرى هزت ( سلمى ) رأسها في استمتاع , وقررت أن تتغابى على ابنة عمها فقالت :
  ” المعذرة , أنا لا أتخيل كيفية تموضعهما وفقاً لوصفكِ , فهل تعينيني وتشرحي لي عملياً ؟ ”
ثم جلست ( سلمى ) على إحدى الكراسي القريبة من باب الشقة , ومدت يدها لـ ( منى )  , وكم كان رد ( منى ) مفاجئاً لها قبل أن يكون مفاجئاً لابنة عمها :
– ” هذا الكرسي قريب من باب الشقة فقد يسمعنا الجيران , فلو انتقلنا إلى غرفتك ”
نظرت إليها ( سلمى ) وكأنها لا تصدق ما سمعته , واضطرت ( منى ) أن تغض بصرها من فرط خجلها , وتنظر في الأرض  , ولم تكن ( سلمى ) تعرف أنها ستستمع إلى هذا الحد بأن تُخْجِل ( منى ) , فقالت :
– ” يسمعنا الجيران نصنع ماذا ؟ “ 
ولما بدا أن هناك مزيداً من الدم مستعداً للاندفاع إلى خدي ( منى ) جواباً على كل سؤال من هذا القبيل , قررت ( سلمى ) أن تتمادى :
– ” لأن السيناريو الذي كنت أصوغه كان يشمل فتاة عارية أمام شاشة حاسب , فلو أردنا إعادة تمثيله الآن , لاضطررت _ طلباً لدقة التصوير ليس إلا _ أن أحل زر بنطالك هذا وأنزل به إلى حيث لا يعيق حركة ملابسك الداخلية التي ستلحق به إنزالاً , حتى إذا قابلت مؤخرتك الحسناء الهواء وقد تعرَّتْ جعلْتُ يدي على ردفيك ذانك الفَتَّانَيْنِ فإذا ارتاحت يدي عليهما غاصت في أمواجهما المُغْرِقَة فارتفعت في الهواء سريعاً طلباً للتنفس فإذا نالت من النَفَس كفايتها عاودها الشوق إلى مجاورة ردفيك مرة أخرى , ولنكن واقعيين فمن يطيق أن يمسهما ثم يبتعد عنهما , فهوت يدي سريعاً لتتلذذ بقرب جوار ردفيك , فإذا فعلت غاصت مرة أخرى فاحتاجت إلى النَّفَسِ , فطارت في الهواء , وهلم جراً , ولا شك أن صوت وقع يدي عليهما سيكون من الارتفاع بحيث لا يُسْتَبعدُ أن يسمعه الجيران , فهل هذا ما قصدتيه ؟ ”
كانت التجربة العملية لقياس مدى استيعاب خدي ( منى ) للدم المندفع إليهما إيجابية للغاية , وقد بدا لـ ( سلمى ) أنه لا حد نهائي في الأفق المنظور لاحمرار خد ابنة عمها جراء هذا الكلام وهذه الأسئلة , ولكن حمرة الخجل هذه قد بلغت أكبر مدى تم تسجيله في تلك الليلة عندما أجابت ( منى ) بصوت خافت :
– ” رجاءً افعلي بي كل هذا “
ابتسمت ( سلمى ) وقالت لابنة عمها وقد قامت ووقفت إزاءها :
– ” أريد أن أراكِ في نفس الحالة التي رأيتكِ عليها عندما دخلتُ حجرتكِ البارحة , هناك حاسب في غرفتي ومكانٌ كافٍ على جانبي الشاشة يتسع لرجليك المرفوعتين , وخلافاً لإعدادات شاشة التوقف في حاسبك , فإن حاسبي لا تنتقل فيه الشاشة إلى شاشة توقف إلا بعد ساعات فعندما تفتحين ملف فيديو آخر وتنشغلين بمحتواه , وأدخلُ الحجرة فلا يفترض أن تعرفي بدخولي حتى أكون أنا من يوقف هذا الفيديو وينتقل بك من كرسيك أمام الشاشة إلى حيث تعاقبين , هل هذا واضح ؟ ”
تمتمت ( منى ) بشيء ما , وهزت رأسها في حماس , فأضافت ( سلمى ) :
– ” سأمنحك دقائق ثم ألحق بك ”
غادرت ( منى ) إلى غرفة ابنة عمها , وعندما دخلتها وأغلقت خلفها الباب , بدأت الفكرة يتضح وقعها في ذهنها ؛ إنها على وشك أن تُعاقَب كما تمنت طيلة تلك الفترة الطويلة , ولكن فليذهب العقاب وأمانيّها الجنسية إلى الجحيم , إنها على وشك أن تمارس فعلاً لا شك في حميميته مع الإنسان الذي تمنت أن تنال حبه طيلة تلك السنين , إنها لا تستطيع أن تسمِّي شيئاً يعلو قدرُه ومكانته على مكانة ( سلمى ) عندها , ليس على ظهر الأرض ما لن تتخلى عنه في طرفة عين إن كان هذا يعني أن تفوز بحب ( سلمى ) , حتى لو كان المُتَخَلَّى عنه هو هذا العقاب الجنسي على شدة ولعها به , أما وقد اجتمعا .. أما وقد اجتمعا فلا تدري إن كان هذا حلم أم واقع , ولكن لو كان حلماً فإنها تقسم على أن تقيم احتفالاً على شرف لا وعيها , وتدعو له الأصدقاء والأقرباء وتقول _ كلما سألها أحدهم ضاحكاً عن سبب الحفل _ : إن لا وعيي له عليّ يدٌ كبرى , وأقل ما أفعله أن أحتفل به وأنفق الأموال احتفاءً بما قدمه لي .
وخافت ( منى ) أن تتأخر في تجهيز مسرح الأحداث فسارعت إلى فتح الحاسب , وفوجئت بطلب كلمة السر حتى يسمح لها بالدخول , وتصورت لوهلة أن ابنة عمها قد غفلت عن هذه التفصيلة , ولكن علمها بذكاء ( سلمى ) _ وربما بسبب رغبة نرجسية أيضاً _ قد دفعها إلى أن تجرب حظها , ووضعت اسمها الثلاثي فكانت إجابة الحاسب الرتيبة أن كلمة المرور خاطئة , وهنا خفق قلبها للفكرة التي خطرت لها : اسمانا جميعاً ؟ بدت لها الفكرة ساذجة , ولكن لها أساساً ؛ فقد كانا دائبتين على كتابة اسميهما في كل مكان في فترة ما , كان أصدقاؤهما وزملاؤهما يرون ذلك علامة على الصداقة والقرابة ولا شيء أبعد من ذلك , على أية حال قررت أن تجرب , وكم كانت دهشتها عندما اكتشفت أن كلمة سر حاسب ابنة عمها هو بالفعل (منى وسلمى) . أسرعت منى في فتح إحدى المواقع التي تحفظ عنوانها عن ظهر قلب , وفتحت إحدى الفيديوهات , ثم ترددت قليلاً عندما بدأت في نزع ملابسها , ولكنها خافت أن تفاجئها ( سلمى ) غير مستعدة , فأتمت المهمة وجلست إلى الحاسب , ثم تذكرت طلب ( سلمى ) أن تفاجئها في نفس الوضع الذي كانت عليه , وكم كان خجلها هائلاً وهي ترفع رجلها اليمنى لتضعها على جانب الشاشة الأيمن ثم ترفع اليسرى وتضعها إلى جانب الشاشة الأيسر , ففي هذه المرة تعلم أن هذا الوضع المخجل سرعان ما سيتم اكتشافه . على أية حال مضت دقائق من الفيديو ,  وبدأت ( منى ) بالفعل تتلهى بالفيديو , وتنسى _ ولو إلى حين _ ما هي مقدمة عليه . ومرت فترة طويلة نسبياً , حتى شعرت ( منى ) بيد ابنة عمها تقبض على يدها المنشغلة عن الفأرة بما هو أهم , ثم تحل محلها فيما كانت تفعله  , ووجدتها تهمس في أذنها :
– ” وصلْتِ إلى كلمة السر وحدك , كما أرى “  
– ” إممم .. ”
– ” هل لي الحق في أن أسأل عن كلمة سر حاسبك , بالنظر إلى أنك تعرفين كلمة سر حاسبي الآن ؟ ”
– ” إن كلمة سري أقل نرجسية من كلمة سرك “
– ” أقل نرجسية ؟ ”
– ” نعم , فقد اقتصرْتُ على اسمك فقط ”
بدا وكأن ابنتا العم ستنصرفان عن مخطط العقاب هذا وتذهبان مباشرة إلى ما بعده , ولكن ( سلمى ) كانت عازمة على إتمام هذا الأمر :
– ” حسناً , إن هذه اللفتة ستراعى في تخفيف عقابك قليلاً , ولكنك لا زلت بحاجة إلى أن تعاقبي جراء ما فعلتِه ”
– ” وما الذي فعلتُه ؟ ”
كانت ( سلمى ) قد قبضت على يد ( منى ) وأنهضتها من الكرسي , فبدا جلياً التناقض بين ثياب هذه وعري هذه , مما زاد ( منى ) خجلاً , وكأن هذا لا يكفي , فقد قالت ( سلمى ) :
– ” مَنْ منا على وشك أن يستلقى في حضن الآخر حتى ينال عقابه , ومن ثم فلا يحق له أن يسأل ويطالب بإجابة ؟ ”
عضَّتْ ( منى ) جانب شفتها السفلى بأسنانها :
– ” آسفة ! ”
بدا وكأن ( سلمى ) تكافح للحفاظ على نبضها في معدل طبيعي , ولإبقاء ناظريها تلقاء وجه ( منى ) , وألا تصرفهما ليتمليا في محاسن جسمها البض , ثم قالت ( سلمى ) وهي تجاهد لالتقاط نفسها :
– ” حسناً , لننتقل إلى هذا العقاب ونضمن أنك لن تكرري هذه الأفعال الشقية , حتى ننصرف بعد ذلك إلى ما هو أهم .. ”
ثم جلست ( سلمى ) على حافة السرير , وكانت ترتدي بنطالاً من الجينز , فباعدت بين رجليها قدراً ثم وجهت ( منى ) لتستلقي بحيث تكون بطن ( منى)  تعلو فخذ ( سلمى )  الأيسر , ومقدم فخذي ( منى ) تعلوان فخذ ( سلمى ) الأيمن , ثم بدأت ( سلمى ) في القبض على كل ردف من ردفي ( منى ) على حدة , وكلما مرت يدها جيئة وذهاباً من ردف إلى ردف باعدت ( منى ) بين رجليها شيئاً وبدأت تتقلقل فوق فخذي ( سلمى ) وكأنها تحثها على فعل ما هو أكثر , وقد بدا لـ ( سلمى )  أنها إن لم تشرع عاجلاً في عقاب ابنة عمها , فلن تتمكن من ضبط نفسها أكثر من ذلك , فرفعت يدها وأهوت بها إلى الجانب الخارجي من ردف ( منى ) الأيمن , وقد فوجئت بالصوت المرتفع لوقع يدها , كما فوجئت للتغير في لون جلد ( منى ) البض , وصدرت عن ( منى ) آهة خافتة ,  ولم تستطع (سلمى ) أن تمنع نفسها من أن تهوي بفمها على الجلد المحمرّ من وقع الضربة وتنفخ فيه لتُذْهِبَ بعضَ حرارته , وتقبله قبلات خاطفات , ثم ازدادت القبلات عمقاً واقتراباً من عمقٍ , وبدا لـ ( منى ) أن هذه ” العقوبة ” على وشك الانتهاء من قبل أن تبدأ ففكرت في حل لذلك , وسرعان ما اهتدت إليه :
– ” سلمى ! ”
أجابت ( سلمى ) من وسط قبلاتها لمؤخرة ابنة عمها المبسوطة على رجليها :
– ” نعم … ”
– ” أتعرفين في فترة الخمس سنوات التي لم نتكلم فيها تلك ؟ ”
رفعت ( سلمى ) رأسها , وقد شد الكلام انتباهها :
– ” ماذا ؟ ”
– ” لقد كانت هناك فتاة أخرى ! ”
تألمت ( منى ) بصوت مرتفع  عندما هوت ابنة عمها على مؤخرتها بصفعة موجعة , ثم قالت ( سلمى ) في غضب غير مصطنع بينما وقع يدها يتسارع بصفعات متاليات   :
– ” فتاة أخرى ؟! لقد دسْتُ على قلبي وتركْتُهُ ورائي لما ظننْتُ واهمةً أنه لا سبيل إلى الوصول إليكِ , وأنت تقولين بتفاهة : لقد كانت هناك فتاة أخرى ؟!!  
حاولت ( منى ) أن تلتقط أنفاسها من بين الصرخات المتوجعة التي أنتجتها تساقط يد ( سلمى ) كالمطر على ردفيها , وقالت بصوت مكلوم :
– ” ولكن … هناك … فارقاً ! .. أنْتِ .. من .. تركتني ! “
توقفتْ يد ( سلمى ) فجأة , وقد بدا لها جلياً أن الألم في صوت ابنة عمها ليس ناتجاً بالكلية عن صفعاتها , وقالت :
– ” لم أتركْكِ لألهوَ مع غيركِ , ولا لأٌقضي حياة عاطفية مع إنسان آخر , ولكني رأيت أنه لا سبيل إلى حدوث شيء بيننا , ثم إنني لم أكن أعلم مشاعركِ نحوي , لقد ظننتُكِ تتسلين بما تتسلى به الفتيات عندما كنتِ تسألينني عن رأيي في ثياب ما , أو ترتمين في حضني ملاعبةً بين الفينة والأخرى ”
بدأت عينا ( منى ) تغرورق بالدموع , وقالت :
– ” لو تعلمين ما كنت أٌقضيه من الوقت في تحليل كل رد فعل لكِ على كل فعل من هذه التي ذكرتِها , كم كنت أتمنى _عندما أعرض عليك ” ثوباً ” لتبدي رأيكِ فيه_ أن تتجاهلي الثوب بالكلية وتلتفتي إلى جسمي , أو أن تزيدي على إيماءة كلما سألتك عما إذا كنا سنظل ” صديقات ” إلى الأبد ”
– ” إنّ كل الفتيات يسألن صاحباتهن إن كن سيظللن صديقات للأبد , من أين كان لي أن أعرف أن وراء هذه الأسئلة شيئاً آخر ؟ ثم هل زادت هذه ” الفتاة الأخرى ” على ما زدتُ عليه , عندما فعلتِ معها نفس هذه الأفعال ؟ ”
بقدر ما كانت ( منى ) غاضبة هي الأخرى من رد فعل ابنة عمها بقدر ما داخلها سرور جارف عندما سمعت الصوت الغاضب الناشئ عن الغيرة لـ ( سلمى )  كلما ذكرَتْ هذه (الفتاة الأخرى) .وقررت ( منى ) أن تعترف بالحقيقة دون مواربة :
– ” لقد كان إعجابًا من طرف واحد على أية حال “
تجاهلت ( سلمى ) مراد ( منى ) من هذا التصريح , وانتبهت إلى شيء واحد فيه :
– ” ومن كان هذا الطرف ؟! ”
ولمّا لم تجبْ ( منى ) بعد أن فطنتْ إلى مضمون كلامها , انهالتْ على مؤخرتها الصفعات مرة أخرى , وفي هذه المرة بدا وكأن الوقت قد توقف وأنه لا نهاية ترتقب لعقاب ( منى ) التي ارتفع أنينها وبدا وكأنها على مشارف البكاء ,  ثم انقطعت الصفعات فجأة , وغاصت ( سلمى ) بسبابتها في مؤخرة ( منى ) مراتٍ وهي تقول :
– ” هذا الجلد وكل ما تحته ملْكٌ لي أنا  , وليس لأي إنسان أن يُشْاركني فيه ؛ لا إعجاب من طرف واحد , ولا إعجاب متبادلاً , لو تكرر منكِ ذلكِ مرة أخرى فلن يقف عقابك عند صفعات بيدي , هل هذا مفهوم ؟ ”
على الرغم من صدور كلام ابنة عمها عن دافع الحب , وعلى الرغم من أن ( منى ) قد عوقبت لتوها ولا تزال مؤخرتها عرضة لمزيد من العقاب , إلا أن إيمانها بحقوقها وحبها لـ ( سلمى ) قد أوجب عليها أن تقول :
– ” أعتقد أن هذا ينطبق على كلينا ؟ ”
– ” حبيبتي , أنا لا أستطيع أن أحب غيرك ولا أن ألتفت لغيرك ولو أردْتُ . ”
لم تسمع ( منى ) شيئاً بعد كلمة ( حبيبتي ) ؛ لو كان ما تعرضه ( سلمى ) عليها عقداً , وظلا يتناقشان حول بنوده شهراً كاملاً , ثم قدمت ( سلمى ) هذا البند الذي لا يحوي إلا كلمة واحدة ؛ ( حبيبتي ) , لوقعت ( منى ) على كل ما أمامها حتى المكتب وعلبة المناديل . فقالت ( منى ) وقد ملأ حب ابنة عمها قلبَها :
– ” أنا ملْكُكِ ”
– ” حسناً , أما وقد أسَّسْنَا هذا فلننتقل إلى أمر فائق الأهمية ؛ على مدار سنين طوال , وأنا أتمنى أن أفعل الكثير بكل جزء من هذا الجسد الفتّان الممدد أمامي والمعترف صاحبه بأنه ملكٌ لي , وفي هذه اللحظة من الزمن فإنني أخبرك صراحة أنني لا أعرف من أين أبدأ ؛ فقد تكاثرت الظباءُ على خراشٍ  فما يدري خراشٌ ما يصيد , كما يقولون “
– ” أعتقد أن خراشاً قد قام بجهد خرافي ليضمن الارتقاء بمستوى الانضباط في غابته  , ومن حقه الآن أن يسترخي ويترك غزلانه تُصْطَاد قبل أن يَصْطَاد غزلان الآخرين , خصوصاً وأن غزلانه ظلت محجوبة عن الأنظار لسنين طوال , وقد اشتاق شخصٌ معينٌ ليراها على الحقيقة بعد أن توهمها لفترة طويلة متمنياً لقاءها ”
ومع كلامها هذا ارتفعت ( منى ) من حضن ( سلمى ) وأحاطت وسطها برجليها , وعنقها بيديها , وقد مالت بفيها تجاه فيها بتدرج بالغٍ البطء , فلم تنهِ آخر كلمة حتى التقمت فم ( سلمى ) وأوسعته قُبلاً , ثم مالت على ملابسها فعصفت بها , وكلما أزاحت عن جسدها شيئاً من الملابس عوّضته رداءً من قُبَلٍ وشمٍّ ولحْسٍ , حتى إذا ما انتهت إلى المحجوبِ إلا عنها , خصَّتْه بالممنوع إلا عنه , و( سلمى ) قد تذكرت ثأراً قديماً لها عند أطراف الملاءة فأوسعتها خنقاً وعركاً , فلما بلغت ذروةً ما كانت تحسب أنها تبلغها , وأبصرت الغول تعانق العنقاء والسُّدُمَ تولدُ وتموتُ تمنَّتْ أمنيةً , ففتحت عينيها فقابلتهما عينا ( منى ) الضاحكتان , ومالت ( منى ) عليها لتقبلها , وهي تقول ضاحكة :
– ” لا يحسب خراشٌ أنَّا نسينا ما عليه لنا من حق “
فابتسمت ( سلمى ) , وهي ترد في إعياء :
– ” أمهلي خراشاً قليلاً فقد رأى في يومه هذا _ ولمّا ينتَهِ _ ما لم يَرَه في حياة كاملة قبله ”
********

المشاركة الأولى , والصعوبات كما تعلمون

لو فكر كل أحد بالطريقة التي أفكر بها كلما شرعت في عمل لما أتم أحد شيئاً , فأنا أحمل نفسي حملاً وأدفعها دفعاً حتى تنتقل من حالة السكون إلى حالة الحركة , فيما بعد لا أتأثر بقوى الاحتكاك ولا تجبرني على التوقف مرة أخرى , ولكن القوة الدافعة الأولى هي المشكلة , الآن ما علاقة هذا بما نحن بصدده؟!
لا أدري , فقط أحببت أن أعلل لغرابة أن تكون أول مشاركة لا تحوي أي شيءء سوى ما سبق .