قصة : منقذة البشرية وما يوشك أن يحدث لها ! ( ف / ف)

قصة : منقذة البشرية وما يوشك أن يحدث لها  !  ( ف / ف)
– بضعة تنويهاتٍ :
تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .
تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين أنثيين ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 
تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي _ وإنْ تلميحاً لا تصريحًا _ ما يقترب مما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ
فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .
فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
– القصّة : 
1- مَن أنا ؟
_________________
مرحبًا يا رفاق .. هذه أنا .. (دعد) .. أعرِف ؛ إنه اسمٌ غريبٌ .. ولكنه أحد الأسماء التي قال عنها ابن رشيق القيرواني : ( وللشعراء أسماءٌ تَخِفُّ على ألسنتهم وتحلو أفواهَهم، فهم كثيراً ما يأتون بها زوراً نحو : ليلى، وهند، وسلمى، ودعد، ولبنى، وعفراء، وأروى، وريا، وفاطمة، ومية، وعلوة، وعائشة، والرباب، وجُمْل، وزينب، ونُعْم، وأشباههن. ) … فاسمي _ وفقًا للقيروانيّ _ مما يخف على ألسنة الشعراء ويحلو بأفواههم .. أي أنه اسمٌ شاعريٌّ ..حرفيًّا … ولكنّ صديقاتي في المدرسة .. ثمّ في الجامعة فيما بعد .. لم يشاركْنَ القيروانيَّ هذا الرأيَ !
أعتقد أنه يُفترضُ بي بعدَ ذلك أنْ أصفَ لكم جسمي .. ولكنّي لا أشعر بالارتياح لهذا .. مهلًا ، ماذا ؟ … آه ، السنُّ أوّلاً .. حسنًا هذه هيّنة : إنّ عمري يُتَحصَّلُ عليه بطرح سنة تفكك الاتحاد السوفيتي من سنة إلغاء الحزب الوطني الديمقراطي المصري … نعم ، إنني مولعةٌ بالسياسة .. ماذا ؟ .. لا تدرون متى تفكك الاتحاد السوفيتي ؟! هل هذه مزحة ؟! .. هذا أشهر حدثٍ في النصف الثاني من القرن العشرين !! .. على أيّة حالٍ ، فلأخبرْكم مباشرةً :  أنا في العشرين من عمري .. أنتم تدرون على الأقل معنى هذا الرقم. أليس كذلك؟ عشرةٌ وعشرةٌ .. أو خمسة وخمسة وخمسة وخمسة ؟ .. هذا مفهومٌ ؟ .. حسنًا .. ماذا الآن ؟ .. آه ، الجسم! ..أتدرون ماذا ؟.. دعونا نتفقْ على ألا نتفقَ حول هذه الجزئيّة .. أنا لا أرى لها هذه الأهمية القصوى التي يراها لها الآخرون .. لنقلْ إنني أملك نفسَ تقاسيم الجسم التي تملكها كليوباترا ، أو ناعومي  ، أو ليلى ، أو أيّة امرأةٍ أخرى شاع في التاريخ كلّه أنها فاتنة ولكنّ أحدًا لا يملك وصفاً دقيقاً لجسدِها .. نعم ، هذا تصريحٌ بأنني حسناءُ فائقةُ الحسنِ . ولكني لا أريد أن أدخل في تفاصيلَ .. تخيَّلُوا أنتم ما يناسبُكم ..
ماذا الآن ؟ .. بالطبع ، آسفة … السؤال البدهيّ : لماذا هذه المقدمة ، ولماذا تعرفيننا بنفسكِ ؟ .. والإجابةُ في الواقعِ ليسَتْ بهذه البساطة .. ولكنْ دعني أغصْ غوصًا في صلْبِ الموضوع : هل سمعْتُم عن الأبطال الخارقين ؟ .. هذا المصطلح المبتذلُ الذي صار أحد الأقسام المعتبرة في صناعة السينما .. بل حتى في الروايات المعاصرة ؟ .. أنا أيضاً لم أكنْ أميلُ إلى هذا النوعِ من الأفلام ولا الرواياتِ … وهذه من سماتِ الدنيا العجيبة التي نحيا فيها .. هناك مراهقون يقضون اليومَ كلَّه في رسم وكتابة وقراءة ومشاهدة كل ما يتعلق بالأبطال الخارقين.. وأنا التي لا تهتم كبيرَ اهتمامٍ بهم ” أصْطَفَى ” _ إنْ صحّ التعبيرُ _  لأكونَ في قلبِ الأحداثِ التي جرَتْ يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر يوليو الماضي .
بالطبع أنتم تتساءلون : ما الذي جرى في الحادي والعشرين من يوليو الماضي  ؟ .. ومِنْ أين لكم أن تعلموا بما جرى في الحادي والعشرين من يوليو الماضي ! .. لقد بذلَتْ كثيرٌ من ” المؤسسات الكونية ” جهداً فائقًا لتمحو من الوعي الجمعي العالمي أية ذكرى ولو خاطفة عن كلِّ حَدَثٍ ولو هيّنٍ مما جرى في يوم الخميسِ ذلك .. هذا عملٌ مرعبٌ عندما تتصوّرُ أن أخباراً تصدَّرَتْ الصفحاتِ الأولى من كل الجرائد وغطَّتِ نشراتِ الأخبار في قنواتِ الدنيا .. قد زالَتْ كلُّ الذكرياتِ عنها من أدمغة جميع البشرِ كأنْ لم تكنْ ! .. لا تصدقونني ؟ .. سأثبتُ لكم ببساطة : حاولْ أن تتذكرَ شيئًا مما حدث في ذلك اليوم ! … لقد مضى عليه شهورٌ ؟ .. حسناً ، حاولْ أن تبحثَ في أيّ مكانٍ تصله يدُك عن جريدة ورقية مطبوعة في يومي الخميس أو الجمعة الواقعين في الحادي والعشرين والثاني والعشرين من شهر يوليو الماضي .. دعك من الإنترنت ، هذا سهْلٌ التحريفُ والتلاعبُ به .. ولكنْ ورقيًّا : لن تجدَ شيئًا .. هل بدأ هذا في شدِّ انتباهك ؟ ..  السؤال التالي بالطبع : كيف نجوْتِ أنتِ من عملية إزالة كل الذكرياتِ تلك ؟
هذا يستدعي سرْدَ القصة من بدايتِها :
******************
2- القصةُ مِنْ بدايتِها
___________________
هذه أنا جالسةُ إلى مكتبي .. أقضي يوم العطلة في القراءة ، كالمعتاد .. الساعة الآن الثامنة صباحاً من يوم الخميس الموافق الحادي والعشرين من يوليو من السنة السادسة عشر بعد الألف الثانية ميلاديًا .. ووالداي وشقيقاي نوّمٌ .. من الذي يستيقظ في الثامنة من يوم الخميس ؟! .. الكتابُ الذي ترونني منهمكةً في قراءتِه كما يبدو من عنوانه هو .. ماذا ؟ .. أنتمْ لم تنتبهوا إلى وجود كتابٍ ؟ .. آآه ، تلك الدعابة الجنسية البذيئة .. بالطبع ، أنتم لم تنتبهوا إلى الكتابِ .. لا دي دا ، لا دي دا … على أية حالٍ ، هؤلاء الذي لمْ تطغَ هرموناتُهم على عقولِهم ، وبقيتْ فيهم ملكةُ التفكيرِ ، أوَّلُ ما سيشدّ انتباهَهم هو عنوانُ الكتابِ : ( الزمن . طريقٌ ذو اتجاهين ؟ ) .. كانَ العرضُ العلميّ لهذا الموضوعِ المعقّدِ شيّقًا للغاية .. حتى إنني اضطرَرْتُ للتوقف عن القراءة وإغلاقِ الكتابِ والذهابِ للمطبخ لإعدادِ كوب شايٍ ، بينما الأفكارُ التي قرأتُها للتوّ يتردد صداها في ذهني الذي وصل إلى اليوفوريا العقليّة الساميَة .. بإزاء اليوفوريا المادية السافلة التي يشعر بها ” البعضُ ” .. إحم إحم … ممَّنْ ينشغل عن الكتب بمَن يقرأها .
المهمّ .. ذهبْتُ لإعدادِ الشاي ، سمعْتُ صوتًا غريباً من غرفة المعيشة ، ذهبْتُ لاستقصائه ، لم أجدْ شيئًا يُسْتَقْصَى .. أنتم تعرفون كيف تبدأ هذه الأمورُ .. هناك دائماً هذه المؤشّراتُ التي يتجاهلها بطلُ القصّة ، ويستمرُّ غير عابئٍ بها.. هذه تيمة شديدة التكرار في كل أفلام التشويق والإثارة القليلة التي شاهدْتُها .. وللأسف فيبدو أنها تحدث في الواقع أيضاً ..
على أية حالٍ _ منعاً للإملال _ سأقفز مباشرةً إلى لحظة المواجهة بيني وبين البطل الخارق الأول .. كان هذا تقريباً في حدود العاشرة . نعم ! تلك المقدماتُ استغرقَتْ ساعتين .
******************
3- العاشرة صباحاً + البطل الخارق الأول = يومٌ طويلٌ !
____________________
– ” من أنتِ ؟ ”
نعم هذا هو ” البطل الخارق ” ، هذا ما لا يريكموه في تلك الأفلام .. ولكنّ ملاحظةً بسيطةً عن أبطالنا نحن ” الفانين ” من البشرِ سَتُظْهِرُ لكم غباءَ فكرة البطل الخارق ضخم الجثة مفتول العضلات تلك ، مَنْ هم أبطالُنا ؟ … (أينشتاين) ، (ستيفن هوكنج) ، أو حتى : (ستيف جوبز) ، عالمُ اليومِ لا يحتاج إلى العضلاتِ ، فلماذا يحتاجها عالمٌ أكثرُ تقدماً ؟ 
وعليه ، فهذا الشيخ متغضن الجلد هو بطلُنا الخارقُ الأول .. ويبدو من جسده المغطى بالملابس المعدنية البرّاقة أنه يرتدي ” ملابسه الخارقة ” بالفعل ..
– ” ( دعد ) .  وأنتَ في شقتي . فمن المفترض أن أكون أنا من يسألُ : من أنتَ ؟ ”
هل ترون هاتين العينين الخاليتين من أية مشاعر . وتلك الملامح المتجمدة بفعل الزمن ، وبفعل عدم المبالاة . أعني إنه في شقتي .. وأنا لا أرتدي بالضبط ما يصلح أن يُرْتدى في حضرة غريبٍ .. أوه باللعنة سيطروا على لعابكم ! إن لدينا قصةً لنرويها .. على أية حالٍ : ما أعنيه هو أنّ هذا الشيخ كان من المفترض أن يبدأ في سرد اعتذاراتِه .. ولكنّه لم يفعلْ ، إنه حتى لم يَرُدَّ على سؤالي ، بل قال في برودٍ :
– ” أيُّ كوكبٍ هذا ؟ ”
صباحَ الخير يا كبيرُ .. أعني حتى في تلك اللحظة كنْتُ واعيةً أنّ دخولَه الشقة مغلقة الباب ، وتلك الملابس الغريبة ..وراءهما سرٌّ ما .. ولكنّ صورةَ الرجل المتقدم في السن الذي يسأل عن الكوكب الذي “نزل فيه بالخطأ” .. هذا شيءٌ يرتبط تلقائيًّا بما لا علاقة له بالأبطال الخارقين !
– ” هل ترغبُ في الذهابِ إلى بيتكم يا جدّي ؟ ”
نعم ، هذا هو وجهي وصوتي عندما أحاول أن أتلطف لشخصٍ ما ، إنه ليس دعوةً مفتوحةً لكم لتنزلوا بأيديكم إلى سراويلكم .. إنما هي محاولة لخفض الجناب لرجلٍ في عمْرِ أجدادكم ، فكفّوا عن مراهقتكم تلك ..
على أية حالٍ هذا الرجل هو بطلٌ خارقُ وليس شيخاً فانياً ، لهذا فقد أغضبه السؤال :
– ” أنتِ تظنينني شيخًا فانيًا يا صغيرة ؟! ”
– ” بالطبع لا ! ولكنْ أحياناً يخطئ الناسُ _ بغض النظر عن سنهم _ في أماكن إقامتهم .. في الواقع لقد أوشكْتُ مرةً أن أطرق باب جيراننا في الطابق العلويّ ، بعد أن أخطأتُ الطابقَ وظنَنْتُ أنني .. ”
– ” اسمعي يا صغيرة ، أنا أعرف أنكِ تحاولين أن تكوني مهذبة ، ولكنني بحاجة إلى إجابة عاجلة : أيُّ كوكبٍ هذا ؟ .. في الواقع يستحسنُ أن تخبريني بالمجرة أيضاً 
– ” لقد ظلَلْتَ ساعتَين تعبث في الشقة ، وأنا أتبعك من مكانٍ إلى مكانٍ ، والآن تتحدث عن إجابة عاجلة ”
نعم ، هذه هي ملامحي وصوتي عندما أشعر أنّ شخصًا ما يتحامق .. وهي أيضًا ليسَتْ سببًا في نزول أيديكم إلى ما نزلَتْ إليه .. على أية حالٍ .. جاء ردُّه صادمًا :
– ” أنا لم أكن أعبث في ” شقة ” ، لقد كنتُ أحاولُ تجميع طيفي الكموميّ في صورةٍ ماديةٍ .. وللمرة الأخيرة : أين أنا ؟ ”
– ” المعادي ! ”
– ” هذا هو الكوكبُ أم المجرة ؟ ”
وفي تلك اللحظة بالذات _ كما ترون _ برزَتْ هذه العجوز الفانية من اللا مكان لتقف بجوار الشيخ الفاني ، وكلاهما يرتديان الملابس اللماعة البراقة إياها .. وقد تبادلا الكلام بلغة ذات أصواتٍ لم أسمعْها من قبلُ ، ولا أعتقد أنها تمثل أية لغة بشرية معروفة  ..
كان هذا أكثرَ من قدرتي على التحمّل ؛ لقد خرجَتْ فجأة أمام ناظريّ من العدم .. شخصًا بلحم ودمٍ .. أنا لا أستطيع أن أشاهد فيديوهات الولادة .. فكيف أتحمل هذا ؟! … بدأَتِ الدنيا بالدوران ..
ونعم ، هذه هي ملامحي وشهقتي عندما أهوي للأرض مغمىً عليّ .. لنفترَضْ أنكم لم تفعلوا ما فعلْتموه للتوّ .. على الأقل حتى أستطيع أن أكمل القصة دون أن أقتلَ أحدَكم ..
ما الذي حدث عندما أفقْتُ ؟ .. سأخبركم حالاً ..
******************
4- عندما أفقْتُ …
__________________
هذه ليسَتْ ملابسي ..  هذه ليسَتْ شقتَتنا .. مهلاً ! .. هذه ليسَتْ أرضَنا .. هذه ليسَتْ سماءَنا …
ثم وصلَتْني الفكرةُ كاملةً عندما نظرْتُ حولي .. أو فيما يفترض أنه حولي … لا شيءَ ..
قد تعتقدون أنكم تشاهدون صورًا متحركةً لمجموعة من الأشكال الغارقة في تموّجاتٍ لونيّة رائقة … ولكنْ هذا الذي ترونه هو أنا ، والشيخ ، والعجوز ، وربما كان معنا في هذا المزيج مجموعة من الكواكب والمجرات والأكوان أيضاً …
صوتُهما يبلغ أذني _ أو ما يفترض أنه أذني _ .. أعني لقد سمعْتُ _ أو ما يفترض أنه سماع _ .. لنقل إنني أتذكر فكرةً عقليةً ما _أيًّا تكنْ آلتُها الموصلة لها _ عن مخاطبة الشيخ للعجوز :
– ” لماذا أخذْناها معنا ؟ ”
– ” لا نملك أجهزة محوٍ لذكريات المحصورين .. هذا هو البند الأول في اشتراطات السفر الموازي .. ألا تبقى أيُّ ذكرى عنا في عقول المحصورين . ”
– ” هذي هي الاشتراطات في الظروف العادية ، نحن في حالة حرب ! ربما بنهاية هذا اليوم لن يبقى المحصورون ولا أعضاء الائتلاف الأكوانيّ أحياءَ ! .. من الذي يهتم بالمحصورين في هذه الظروف العصيبة …ما الذي سنصنعه بها ؟ ”
– ” بإمكانكِ أن تبدديها إن شئتِ ، المهم ألا تبقى ذكرياتها عنا في عقلِها .. أو بإمكاننا أن ننتظر حتى نعثر على جهاز محوٍ للذكرياتِ .. ومن ثم نعيدها إلى كوكبِها ! ”
– ” أنت تتوقع أن يبقى لها كوكبٌ في نهاية هذا اليوم ؟ ”
كان الرعبُ قد استشرى في كياني _ أو ما يفترض أنه كياني _ .. وحاولْتُ الكلامَ فوجدْتُ الأفكار تنتقل مباشرةً بلا لغةٍ :
– ” لا حاجة لـ ” تبديدي ” رجاءً ، أنا لن أخبرَ أحدًا شيئًا عنكما ولا عما رأيْتُه ، رجاءً ! ”
– ” كفي عن التوسل يا صغيرة ، نحن الطرف الرشيد في هذه الحرب .. ثمّ إن التبديد هو نهاية لطيفة في حد ذاتِها بالقياس إلى أن أعماركم لا تزيد على ألفي سنة .. ما الذي يفعله شخصٌ من الائتلاف الأكواني لو كانتْ حياتُه مقصورةً على ألفي سنة ؟ .. إنّ هذه فترة تنقضي في الاطلاع على فرعٍ واحدٍ من فروع المعارف الابتدائية ! ”
– ” ألفا سنة ؟! فرعٌ واحدٌ ؟!  هل يمكن أن تعيدوني إلى كوكبي رجاءً ! ”
– ” إنّ كوكبكِ ربما يكون أخطر مكانٍ في جميع الأكوان الآن .. من الحكمة أن تبتعدي عنه ، ربما عليكِ أنْ تبحثي عن وطنٍ آخر ! ”
بالطبع أنتم مهتمون بمعرفة ما يجري ، وبإمكاني أن أستدعي الحوارَ الطويلَ الذي دار بيني وبين الشيخ والعجوز حول ماهية ما يجري … ولكنْ في الواقع فأنا لم أفهم الكثيرَ مما قالاه ، ولا أعتقد أنكم ستفعلون … ولكنْ دعْنا نبسّطِ الأمرَ على هذا النحو :
هناك مجموعة من الأشرار اتخذوا قراراً بأن يصبحوا أشراراً ، وفي نفس اللحظة التي اتخذوا فيها هذا القرار فقد انتقلوا إلى كونٍ موازٍ أو أكوان موازيةٍ وتحولوا إلى ما يشبه الروبوتات عديمة القدرة على التفكير أو الكلام أو اتخاذ القرارات ، ولكنها مبرمجة على التدمير والقتل .. ثم هؤلاء الأبطال الخارقون يحاولون تحجيم هؤلاء الأشرار ، ولكنّ المشكلة أنّ هؤلاء الأبطال لا يستطيعون أن يقتلوا شخصًا قبل أن يعرضوا عليه التخلي عن شرِّه .. وبما أنّ هذه الكائنات قد فقدتْ قدرتَها على الخيارِ فهي بصورة أو بأخرى قد حصَّنَتْ نفسَها ضدّ القضاء عليها على يد الأبطالِ .. الحل ؟ .. أن يعيد هؤلاء الأبطالِ هؤلاء الأشرارَ إلى الكواكبِ في الأكوان الموازية التي قرروا فيها التحول إلى أشرارٍ ، وحينها ستعود لهم قدرتَهم على الاختيار ، وسيصبح أمامهم أن يختاروا التخلي عن شرورِهم أو التعرض للتدمير …
على الأقلِّ هذا هو ما فهمْته ، وإن بدا غريبًا وغير عقلانيٍّ ، وإن كنْتَ لم تفهم شيئًا من هذا ، فهذا حقك .. ولكنّ هذه هي أبسط صورة يوضع فيها الأمرُ ..
على أية حالٍ : هذا الأمرُ _ سواءً فهمْتَه أو لم تفهمه _ كان يحدث بشكل دوريّ مِنْ قِبَلِ البعض على فتراتٍ متباعدة كل عشرة مليارات سنة أو قريباً من ذلك  _ وهذا رقمٌ بسيط بالنسبة لهؤلاء ، ولكنه يعني أن كوننا ربما يشهد هذه الحادثة للمرة الأولى _ .. ولكنّ هذه المرة الأولى تختلف عن كل المرات السابقة .. في أنّ الأشرار ليسوا واحداً أو اثنين … _وعندما كانوا واحداً أو اثنين كانوا يتسببون في تخريب كواكب بأكملها_ … ولكنهم هذه المرة بالملايين !
والموكلون بمحاربتهم .. _هؤلاء الأبطال الخارقون_ .. لا يزيد عددهم على عشرة … زاد الطلبُ فوجب أن يزيد المعروضُ .. لأن قوانين السوق تعمل حتى في الأكوان الموازية … فتم تعيينُ الآلاف من ” غير المتخصصين ” ليحاربوا هؤلاء الأشرار … ومن بين غير المتخصصين هؤلاء هذا الشيخ وهذه العجوز ..
هذا ما فهمْتُه منهما … قبل أن أسأل السؤالَ المحتم :
– ” هل الأرض في جملة تلك الكواكب المستهدفة من قبل هؤلاء الأشرار ؟ ”
– ” الأرض ؟ إن مجرة درب اللبانة كلها في هذا الكون ستصبح مركزَ الحرب بيننا وبين هؤلاء الأشخاص ! ”
– ” المجرة بأكملها ؟ ”
– ” بأكملها ؟! إن هذه هي البدايةُ فحسب … من المحال أن ينتهي هذا الأمرُ دون تدمير معظم المجرة ، ولكنّنا حريصون على بقاء كونِكِ غير مدمّرٍ .. فهو جديرٌ بالحماية ، إنه لا يزال صغيرَ السن نسبيًّا ! ”
– ” ولكنْ هناك بشرٌ على الأرض ، هل ستحاولون حمايتَهم ؟ ”
– ” حتى يحدث ماذا ؟ أن يتأخر موتُهم لألفي سنة؟ .. سيّانَ الموتُ الآن أو الموتُ بعد ألفَي سنةٍ ؛ إنّ ألفي سنةٍ هي في حكم العدم ..بل لعلَّكم تعيشون لأقل من هذا حتى …  إنّ هذا هو سبب اختيار هذا الكون أصلاً .. لأنّ كلّ مَن فيه من المحصورين ، ولا يوجد فيه أعضاءٌ في الائتلاف الأكواني ! ”
– ” مهلاً .. ماذا تعني بـ ” اختيار ” ؟ ”
– ” ألم تفهمي ما شرحْتُه قبل قليلٍ ؟ “
– ” لقد فهمْتُ بعضَه ! ”
– ” حسناً ، سأعيد هذه النقطة بتفصيل موغل في التبسيط : … أعضاء الائتلاف الأكواني خالدون .. على الأقل على المستوى النظري .. نحنُ لا نموتُ بالتقدم في السن ، ولكنْ من الممكن أنْ نموتَ بعوامل أخرى .. هذا شيءٌ جيدٌ … ولكنْ بعد قراءة كل المعارف والاطلاع على كل الأفكار والتمتع بكل اللذائذ وتجربة كل الخيارات … بعد مليارات مليارات السنين .. يبدأ الشعورُ بالملل .. فكّر أحدُ العباقرة الأوائل في أننا بحاجة إلى كيانات غير جامدة ذات قدرة عقلية منخفضة نستمتع بمشاهدتها وتشْعِرُنا بتفوقِنا ونتلذذ بالتدخل في حيواتهم وتغيير مصائرهم .. لنتغلب على مللنا  .. كانَتْ هذه هي بداية إنتاج المحصورين .. من أمثالكِ .. وفرقناهم على مجموعة من الأكوان في مجموعة من الكواكبِ فيها .. كان هذا حلًّا رائعاً  لمشلكة الملل .. سرعان ما أصبحَتْ لدينا عشرات الملايين من حيوات المحصورين المختلفة الملأى بالمشاكل والنزاعات والعداوات والصداقات .. لا يوجد شخصٌ في الائتلاف الأكوانيّ لم يستمتع بمشاهدة مليارات الأفراد من المحصورين ، طيلة حيواتِهم وهم يكافحون للتغلب على الأمراض والمصائب ويتعللون بالروحانيات والذكريات السعيدة ليبرروا تحملَهمْ لحيواتِهم البائسة … ثم يتدخل أحياناً بين الفينة والأخرى _ في صورة فانيةٍ _ ليتفاعل معهم ويصير موضع احترامهم أو كراهيتهم أو احترام بعضهم وكراهية بعضهم …كانَ هذا هو أفضلَ اختراعٍ شهدْناه منذ رقمٍ لا يستطيع عقلُكِ استيعابَه من السنين …
ثمّ : حدث المللُ مرةً أخرى .. على الرغم مما تعتقدون أنه تفرّدٌ هائلٌ لكل فردٍ منكم عن الآخرين ، فالواقع أنكم تكررون الكثير جدًّا من أفعال أسلافكم إلى حدِّ التطابق .. وهذا ينطبق على محصوري الأكوان الأخرى أيضاً .. ”
– ” لماذا تسموننا محصورين ؟ ”
– ” لأن حيواتِكم محصورة بين بداية ونهاية .. على أية حالٍ .. كانتْ هناك مخططاتٌ من أجل إنشاء نوعٍ آخر من الكائنات الحية ذي صفات شديدة التباين عنكم .. من أجل تحريك الماء الراكد وزيادة الحماسة والتشويق .. ولكنْ هذه المقترحات كانتْ بلا جدوى .. بإمكانكِ أن تغيّري كل ما أمكنكِ تغييرُه من صفات الكائنات منخفضة الذكاء من أمثال بني جنسكِ .. ومع ذلك فيسيتمرون في نفس الأفعال ويكررون نفس السلوكيات : إفناءَ بعضهم البعض باسم كل شيءٍ مقدسٍ لديهم .. أعني : نحن لا نهتم كثيراً بحياتكم ، ولكنّ المشكلةَ في الملل المصاحبِ لهذه العمليات التدميرية شبه المتماثلة …
وفي النهاية : قرّرَ أحد العباقرة أنه لن يزيلَ مللَنا إلا أنفسُنا .. وأنّ علينا التضحية بقدرٍ من السلامة والأمانِ حتى يعود إلينا التشويقُ والرغبةُ في الحياة .. مِنْ مثلِ ما تشعرين به أنتِ وسائر المحصورين … فكان هذا الامرُ الذي شرحتُه لكِ .. أن يتحوّلَ بعضُنا إلى أدواتِ تدميرٍ هائلةٍ ، وتنعدم لديه القدرة على الاختيار ؛ حتى يزيد الأمرُ تشويقًا ، ونحاول نحنُ إيقافَه .. ويظل هذا الحدثُ مركزَ اهتمامِنا لمليارات السنين قبلَ أن نملّه أيضًا .. فيقوم شخص أو مجموعة أشخاصٍ بنفس الأمر ، وهلم جرًا ..
 ولكنْ للأسف فإن هذا أيضًا قد بدأْنا نملَّه بعد فترةٍ … وهذه هي النقلة الثالثة : ملايين الخالدين يقومون في اللحظة نفسها بالتحول إلى أشرار .. هذا جدٌّ لا عبثَ فيه .. قد يكون من الصعبِ حتى أن نحصرَهم في هذا الكون ؛ مما يعني أنهم قد يستطيعون النفاذ إلى أكوانٍ أخرى .. وتلك الأكوان الأخرى قد يكون فيها خالدون أو كما نسميهم : أعضاء في الائتلاف الأكواني ، وربما يستطيعون القضاءَ عليهم .. بل ربما يقضون علينا جميعًا … لا أعتقد أنني شعرْتُ في حياتي كلِّها بهذا القدر من الرغبة في الحياة ، والخوف من المجهول .. 
– ” لقد وصلْنا ”
فجأة عاد جسدي لماديّته وعاد جسدا الشيخ والعجوز لماديتهما أيضاً_ أو لعلهما تحوّلا من طبيعتهما التي كانا فيها إلى هذه الصورة المادية الطارئة ، فأنا لا أدري شيئًا عن طبيعتِهما _ …
وهبطْنا على ظهرِ هذا الكوكب _ أو لعله قمرٌ ، أو نيزك ، أو شيءٌ آخر لا وجود له في كوننا ، فقد يكون هذا كونًا آخر _  .. وبالطبع كما ترون ، فإن جسدي وحده هو من قام بهذه الرحلة دون ما عليه .. في الواقع .. أنا أعذركم هذه المرة .. لقد حاولْتُ أن أطلبَ من الشيخ أو العجوز ملابسَ .. ولكنْ بدَتْ تلك فكرة غريبة .. لقد اعترفا أنهما شاهدا المليارات من البشر من بداية حيواتهم إلى نهايتها .. مَن يهتم بكوني عاريةً وقد شاهد مليارات البشر طيلة حيواتهم ؟
ولكنْ بالنسبة لكم أنتمْ .. _ولعلّ بعضَكم لم يرَ امرأةً عاريةً في حياته _ .. فأنتم معذورون .. ولكنْ ليس إلى هذا الحدِّ .. أتدرون ماذا ؟ …
دعونا ننتقلْ من هذه اللحظة إلى لحظة لقائي بالبطلة الثالثة .. هذه نقطة مهمة في أحداث ذلك اليوم .. كما أنها مشكورةً كانتْ أكثر تعاطفًا مع ” المحصورين ” ، حتى إنها جاءتْني بما أرتديه … نعمْ ، هذا العرضُ الذي استمتعم به سينتهي سريعاً ..
******************
5- البطلة الثالثة جالبة الملابس
___________________
لم يكن ما جلبته البطلة الثالثة _ واسمُها ( حسناء )_ هو ” ملابس ” بالضبط … بل كانَتْ أقربَ إلى قطعة قصيرة من مادة شديدة النعومة والرقة ..وفيها ثلاث فتحات متساوية في إحدى النهايتين لتدخل فيها الرأس واليدان وفتحتان متساويتان في النهاية الأخرى لتدخل فيها الرجلان … المشكلة أنك لا تدري من أين تُدْخِلُ الجذع الذي لا تتسع له أيٌّ من الفتحات الخمس !
ولما رأتْ ( حسناء ) _ وهي بالمناسبة حسناء جدًّا ، وتبدو في أوج شبابها _  حيرتي .. قالَتْ :
– ” يبدو أنَّ هذا الشيءَ غيرُ عمليّ ”
وقاطعها الشيخ :
– ” لا وقت لدينا لهذه التفاهات … علينا أن نجهز المصيدة ”
هزَّتْ ( حسناءُ) رأسها في تفهم ، وانشغل ثلاثتُهم بتجهيز ” المصيدة ” ، أيًّا يكن المقصودُ بها …
وظللْتُ أنا _ كما ترون _ أحاول أن أستعمل قطعة الملابس هذه كملابس صالحة للارتداء دون جدوى .. ثم خطر لي أن أحوّل هذا الشيءَ إلى ما يشبه الفستان … إن المادة رقيقة للغاية ومن السهل تمزيقها .. لو وسعت فتحتي الرجلين ، أو مزقْتُ ما بينهما للدقة ،  لتصبح هذه النهاية مفتوحة بالكلية فبإمكاني أن أرتدي هذا الشيءَ على أنه فستان .. أو قميص نومٍ على الأدق ، بالنظر إلى رقته وشفافيته وقصره …  وقد كان .. الآن أبدو وكأنني ممثلة إغراء .. ولكنّ هذا أفضلُ من البقاء عريانةً .. وإن كان سيلان لعابكم يشكك في دقة هذا التصريح ..
على أية حالٍ : فرغ ثلاثتُهم من تجهيز شيءٍ ما يبدو كحقلٍ كهربائيٍّ أو ما يشبه .. ولم يمضِ الكثيرُ من الوقتِ حتى ظهر شخصٌ ما من اللا مكان ليلتقطه الحقلُ الكهربائيّ .. هذه المرة لم يُغْمَ عليّ … ونظرْتُ إلى وجه ” الشريرة” فوجدْتُه أجملَ رجلٍ رأتْه عيناي .. ليس جمالاً بشريًّا على الإطلاق .. شيءٌ يفوق الوصفَ !
وتكلمَتِ الشريرة :
– ” عملٌ رائعٌ ! لم أتوقَعْ أن يُقْبَضَ عليّ بهذه السرعة ! 
ورد الشيخ :
– ” بالملايين ؟ هل تعتقدون أننا قادرون على الإمساك بكم جميعاً ؟ قد ينتهي الأمرُ إلى كارثة ! ”
– ” لا تخفْ ، نحن أردْنا أن يزيد الأمرُ تشويقًا .. ولكنّنا بالطبع حريصون على حياة الخالدين .. ولهذا فقدْ استوثقْنا من أنّ أحدًا منا _ حتى بعد تحولِه إلى شريرٍ _ لن يخرج خارج هذا الكونِ ! ”
تنفس الثلاثةُ الصعداءَ ، كأنّه قد سرِّي عنهم .. وقالَتْ ( حسناء ) :
– ” لوهلةٍ فقد ظننْتُ أن حضارتَنا كلَّها على المحكّ ! ”
نظرَتْ إليها الشريرَةُ كالمعاتِبَةِ ؛ لأنها جرؤتْ على التشكيك في أنّ شرَّها سيتجاوزُ المحصورين إلى الخالدين !
كان هذا دوري لأنفجر :
– ” وماذا عن مليارات الأبرياء من البشر الذين عرَّضتم ولا زلتم تعرضون حياتهم للخطر ؟! نحن لا حسابَ لنا عندكم ؟! ”
ردَّتِ الشريرةُ في هدوءٍ :
– ” لو لم يكنْ هناك شيءٌ يستحق الدفاعَ عنه ، فأين المتعة في الموضوع كله ؟ وبالمناسبة : نعمْ ، حياتُكم ليسَتْ مهمّةً ، إنّ كونكم هو المهمّ ، فهو صغير السن نسبيًّا .. أمّا المحصورون الذين فيه فهم أقل قيمةً بكثيرٍ من الكون الذي يحملهم ! ”
هذه الأفعى لا تزالُ شديدَةَ الجمالِ .. إنني أرغبُ في إيذاء نفسي بسبب ما أشعر به تجاهها .. ولكنّ هذا لا ينفي أن صلفَها مقيتٌ فعلاً :
– ” ماذا عن البشرِ ، هل قضيتم على أحدٍ منهم ؟ ”
– ” البشر ؟ ”
ردَّتْ ( حسناء ) في لا مبالاةٍ ، وإن حاولَتْ التظاهر بالتعاطف معي :
– ” تعني المحصورين من سكان كوكب ( ش- 3051 ) … في الواقع إن متوسط سنهم في حدود خمس وستين سنة  !! ”
ضحكَتِ الشريرَةُ ضحكةً شريرةً _ لا تزال الوغدة فاتنةً _ :
– ” هل هذه مزحة ؟! .. أنا لا أذكر أننا صنعْنا أحدًا بمتوسط السن المثير للرثاء هذا  ! ”
ردّ الشيخُ في حرجٍ :
– ” في الواقع لقد كان أخي هو المسئولَ عن تصميم ذلك الكوكب ومَنْ فيه .. لقد كان هذا في بداية شعورِنا بالملل من تكرار المحصورين لأفعال أسلافهم ، وفكّر أخي أن إنشاء محصورين ذوي أعمار بالغة القصر سيؤدي إلى مزيدٍ من التجديدِ .. “
أضافَتْ العجوزُ :
– ” ولكنْ _ كما تعلمين _ فهذا لم يحدث ؛ لقد ظلَّتْ أفعالُهم متشابهةً مع بقية المحصورين .. وسرعان ما مللْناهم أيضاً ”
ردّتِ الشريرَةُ في استهزاءٍ :
– ” هذا يعني أنّ ” البشر “  هم أقلّ المحصورين قيمةً في هذا الكون . لماذا إذاً تقف هذه أمامي لتسألَ عن قومِها ؟ ”
ردَّتْ العجوزُ في حرجٍ :
– ” نحن مبتدئون في صناعة محاربة الأشرار هذه… وعندما استعدْنا هيئتنا المادية كانتْ هذه قد رأتْنا .. ولم يكن معنا أجهزةَ محوٍ ! ”
– ” لماذا لم تبدِّدُوها إذًا ! ”
نظرَتْ العجوزُ في عتابٍ إلى الشيخ الذي قال معتذرًا :
– ” لا أدري ! المفترض أن يكون كلّ هذا من أجل القضاء على مللنا .. وقد بدا لي أنه من المسلّي أنْ أبقي عليها حيةً ! 
قالَتْ ( حسناء ) في تعاطفٍ معي :
– ” إنها مسلية بالفعل ، هل يمكنني الاحتفاظ بها .. بعد الانتهاء من أحداثِ اليومِ بالطبع.. ؟ “
– “  أنا لسْتُ دميةً ليُحْتفظَ بي ! أنا أريد العودة لشقتي ولأمي وأبي وشقيقيّ .. الآن ! ”
قالتِ الشريرَةُ في سخريةٍ :
– ” هل تريدون إعادتَها إلى كوكبِها .. حتى لا تغضبَ عليكم فتذيقَكم الويل ! ”
ابتسمَتْ لها ( حسناء ) وكأنها تقول : أنا أعلم كيف أتعامل مع هؤلاء المحصورين .. ثم اقتربَتْ مني ، ووضعَتْ يديها على كتفيّ ، وكانتْ أطولَ مني بكثيرٍ ، ثمّ قالَتْ :
– ” اسمعي يا حلوة .. نحنُ لا زال أمامَنا الكثيرُ لنفعله قبل أن تنتهي هذه الأزمة ونضمن سلامة كونكِ بما في ذلك مجرتكِ بما في ذلك كوكبكِ .. عليكِ أن تكفي عن الطفولةِ وأفعالِها .. وتسمعي لنا ..  وإلا فسأضطر لعقابكِ أمام هؤلاء الناسِ .. ولن أهتمَّ بمن سيرى عقابكِ .. هل هذا مفهومٌ ؟ ”
ونعم . هذا هو وجهي عندما تعلوه حمرةُ الخجلِ .. في الحقيقة لقد كانتْ هذه الحسناءُ الخالدة هي الأخرى ذات جمالٍ غير بشريٍّ .. ولمّا لمْ أردَّ عليها بشيءٍ ، فقد أدارَتْني بيديها حتى استدبرْتُها ثم صفعَتْ مؤخرتي _شبه المكشوفة تحت “الفستان” مفرط القصر_ بيمينِها قبل أن تديرني مرَّةً أخرى لأقابلَها ، ثم تعيد السؤال :
– ” هل هذا مفهومٌ ؟ ”
– ” نعم .. سأسمع الكلام ! 
– ” هذا جيّد يا حلوة .. أنا أكبرُ من أن تعني أنْتِ أو كوكبُكِ لي شيئًا .. ولكنّني مع ذلك سأحافظ عليكِ وعلى بني جنسكِ إن بقيْتِ مؤدبةً .. هذا مفهوم ؟  
– ” نعم ، سأكون مؤدبةَ ! ”
ماذا ؟ .. دعوني وشأني .. لو كنتمْ مكاني لقلْتمْ مثلَ ما قلْتُ .. إنها تعرض عليّ المحافظة على الجنس البشريّ كله مقابل التظاهر بالانصياع لأوامرِها … ماذا ؟ .. “هذا ليس تظاهرًا! “.. لنفرض أنكم محقون .. إنّ جمالَها أخّاذٌ وهي تكبرني ببضعة مليارات من السنين على الأقل .. هذا يشفع لي في الانقياد لها والانصياع لأوامرها – بدون تظاهرٍ .. ولو لم تكفوا عن هذه التعريضات القبيحة فسأكف عن إخباركم بالقصة .. حسنًا ، هذا جيدٌ .. أينَ كُنَّا ؟ .. نعم ، عندما صفعَتْ مؤخرتي .. أعني عندما عرضَتْ عليّ الحفاظ على البشر مقابل التظاهرِ بطاعتِها ..
من هذه النقطة فصاعداً ستأخذ الأمورُ منحًى أكثرَ سلاسةً .. هم صاروا واثقين أنّه لا خطرَ عليهم من هؤلاء الأشرار بعد أنْ تأكدوا من أنّ كوننا هو الذي على المحك دون سائر الأكوان .. لأنّ هؤلاء الأشرار ليسوا أشرارًا بالفعل _ من وجهة نظر الأبطال _ وإنما أصدقاء يتظاهرون بأنهم أشرار لمزيدٍ من التشويق الذي يفتقده الخالدون بعد أن ملّوا من كلِّ شيءٍ معلوم العواقب .. وبدأوا في التوق إلى المجهول والأخطار التي يحملها المجهول …
وأنا أيضاً لم أعدْ بهذه العصبية ؛ فقد تكفَّلَتْ ( حسناء ) بضمان حياة البشرِ.. أو على الأقل هذا ما فهمته منها … ولذا لم يعدْ هناك خطرٌ عليّ .. ستنتهي أحداثُ هذا اليوم ثم سأعود إلى الأرض ، وكأنّ شيئًا لم يكنْ ..
ولكنّ الأمورَ لم تسرْ بهذه السلاسة المطلقة .. دعوني أخبرْكم عما حدث في الكوكب الحممي .. هذه التسمية من عندي بالطبع .. ولكنها ترجع إلى امتلاء ذلك الكوكب بالحمم ..
**********
6- لهيبٌ في الكوكبِ الحمميّ
_____________________________
بعد القبض على عشرات الأشرار .. واكتشافي أنهم جميعاً أصدقاءٌ للأبطال يشاركون في هذه “اللعبة  الأكوانية .. انتقلْنا إلى كوكب الحمم .. بمجرّد اقترابِنا منه شعرْتُ بارتفاع درجة حرارتي بصورة مخيفة .. وفطنَتْ ( حسناء ) إلى ما يحدث فاستخرجَتْ _ لا أدري من أين _ شيئاً يشبه كابينة الهاتف .. نصبَتْه في أرض الكوكب ، وأدخلَتْني في الكابينة وأغلقَتْ بابها عليّ .. وأشارَتْ إليّ بإصبعِها لأبقى في الداخل حتى تعودَ إليّ .. لمْ تكنْ بحاجةٍ إلى أن تأمرَني .. إنّ حرارةَ هذا الكوكبِ كادَتْ تقتلني .. ثمّ تحرّكَتْ هي والشيخ والعجوزُ مبتعدين عن ناظريّ ..
وبقيْتُ في هذه الكابينة لفترةٍ .. قُلْ ساعةً أو ساعتين أو عشرةً .. لقد فقدْتُ الإحساس بالوقتِ .. وفجأة خطر لي خاطر مخيف .. ماذا إذا كانتْ ( حسناء ) قد نسَتْ وجودي .. لا يبدو أنني بهذه الأهمية .. بل إن الجنس البشري كله ليس بهذه الأهمية بالنسبة لهم .. لعلها بعد أن قبضَتْ على ما أمكنها من الأشرار اقترحَتْ على العجوز والشيخ العودة إليّ فأقنعاها بتجاهلي وتركي لمصيري .. لأنّ الأمرَ لم يعدْ مسليًّا بالنسبة لهما .. ولعلها اقتنعَتْ بكلامهما ..
كانَتْ هذه الخاطرةُ في حجم رأس الدبوس .. ثم ظلَّتْ تتمدد _ بفعل حرارة الكوكب على الأغلب ! _  حتى ملأتْ رأسي تماماً .. وصرْتُ شبه متيقنة من صحتِها .. حاولْتُ طرقَ البابِ وكأنني أستدعي أحداً في هذا الكوكب الخلاء ، ولكنّ أحدًا لم يردّ بالطبع .. بدأتُ في البكاء ثم استحالُ البكاءُ نحيبًا … سأفقد حياتي في هذا الكوكب القفر .. وليس هذا فحسب .. بل هناك احتمالية أن تموت أسرتي وبلدي وكوكبي كله على يد أحد هؤلاء الأشرار أو الخيّرين على حدٍّ سواء ؛ فنحن لا نعني شيئًا لأيٍّ منهم .. زاد بكائي شدةً … ثم بعد فترةٍ طويلةٍ من البكاء والأفكار السوداويّة وصلْتُ إلى قرارٍ مخيفٍ … وإذا لمْ يكن من الموتِ بدٌّ // فمن العجز أن تكون جباناً .. أو جبانةً للدقة ..
سأفتح هذا البابَ ، وبمجرد أن أفعلَ ذلك سأضوي تحت تأثير الحرارة الفائقة ، ولكني سأموتُ وأنا أهتف باسم ( مصر ) ، أو لعلّ من الأنسب أن أهتف باسم الكوكب كلِّه : يحيا كوكبُ الأرض .. ثم أموتُ في اللهيب .. هذه تبدو نهاية بطوليّة خالدة .. فقط لو بقي في الأرض أحدٌ من البشر حتى يخلّدَها .. على أيّة حالٍ .. ما إن وضعْتُ الفكرة موضع التنفيذ ، وبدأتُ في فتح باب هذا الشيء الشبيه  بالكابينة .. حتى وصلَتْني الحرارة الملتهبة .. أجزاءُ من الثانية نقلَ جلدي فيها هذا الإحساس الحارق إلى عقلي .. فقرّر عقلي في التو واللحظة أن تلك الأفكار البطولية سخيفةٌ وساذجة للغاية .. إذا لم يكن من الموت بدٌ فلماذا لا نؤخر ذلك الموتَ المحتوم إلى أبعد نقطة ممكنة؟ .. ثم لماذا لا ننتقي أقل المِيتَاتِ ألمًا لتكون تلك الميتة هي النهاية المحتمة ؟.. الموتُ محترقةً ؟! مَنِ البلهاءُ التي فكرتْ في هذا ؟!
جاءني تكبيتُ عقلي في أجزاء من الثانية قبل أن تبدأ بروتينات جسدي في التحول إلى بيضة مسلوقة والكفّ عن العمل .. وفجأة – ربما  في جزء من ألف جزء من الثانية .. وجدْتُ يداً تدفعني إلى داخل الكابينة وتغلق بابها ثم ترشّ عليّ ما بدا وكأنه محلولٌ ثلجيّ مرطب .. أعتقد أنه لولا هذا المحلول لأصبْتُ بحروق من الدرجة المئة !
ثم جاءني الصوتُ المتوقع :
– ” ألَمْ أطلبْ منكِ البقاء في هذا العازلِ ، لماذا فتحْتِ بابَه ؟! ”
كان صوتُها غاضبًا .. هذه الخالدة غاضبة عليّ أنا ؟ .. ألا يفترض أنها أكبر وأعظم وأجلّ مِن أن تعبأ بالمحصورين ؟ .. لم أقلْ شيئًا ، فجاءني السؤالُ التالي أكثر غضبًا :
– ” لقد كنا على وشكِ إلقاء القبض على أحدهم ، عندما شعرْتُ بما توشكين أن تتعرضي له ، فتخليْتُ عن مكاني في نصبِ المصيدة – ولا شك أنه هرب .. كلّ هذا بسبب طفوليتكِ وأفكاركِ الساذجة وظنُّكِ أننا مثلكم لا نفي بعهودِنا !! ”
كيف عرفَتْ ما كنْتُ أفكِّرُ فيه ! .. كان الشعورُ بالذنبِ يغطيني من قمة رأسي إلى أخمص قدميّ ، وقلْتُ – بدون تظاهرٍ :
– ” أنا فعلًا آسفة .. لقد ظنَنْتُ أنكِ تحتقريننا مثل أصحابكِ .. ورأيْتُ أن أموتَ بيدي لا بيد عمرو ”
– ” من عمرو ؟ ”
– ” إنه تشبيه في لغتي الأم يعني .. ”
نعم . هذا الذي ترونه قد حدث ؛ لقد قاطعَتْني بفمِها .. حرفيًّا .. لنقلْ إنني غير راغبة في أن يطلع أحدٌ – خصوصاً أنتمْ بشهوانيتكم المقززة .. على تلك اللحظة الخاصة .. فلنتقدم في الأحداث بسرعةٍ إلى النقطة التي وصلْنا فيها إلى كوكب الزهرة – ليس الكوكب الثاني في المجموعة الشمسية ؛ هذا كوكب مختلف في مجموعة نجمية مختلفة .. على أية حالٍ .. ماذا ؟ .. تريدون على الأقل وصفًا لما حدث .. لا لن أقدم وصفًا لما حدث .. أنا حرة ! .. بإمكانكم أن تقاضوني في المحكمة الأكوانية العليا .. إن كان هناك شيءٌ بهذا الاسم ..
*******
7- كوكب الزهرة – ليس ذلك الكوكب القريب من الأرض
_______________________
حسنًا ، أنا كنْتُ عازمةً ألّا أصفَ شيئًا مما جرى في تلك الفترة التالية على تلك القبلة  .. ولكنْ هذا المشهدُ يُسْتَفْتَحُ بي عاريةً – حتى من ذلك “الفستان” .. ومؤخرتي حمراء قانية … لهذا سأمرّ في عجالةٍ على ما تسبب في هذين الحدثين .. أوّلاً الفستان علق في إحدى الأغصان المتفرعة من إحدى الأشجار في أحد الكواكب .. بإمكانك أن تحاول إثباتَ أن ما حدث شيءٌ آخرُ .. ولكنّ هذه مشكلتَك .. أمّا هذه الحمرة التي تغطي مؤخرتي .. فسببُها _ كما هو واضح _ سقوطي المفاجئ غير المتوقع في أحد الكواكب ذي الطبيعة الصخرية القاسية .. سقطْتُ على ما يسقط عليه البشرُ في المعتاد- مؤخراتهم .. فنتجَ هذا اللونُ الذي ترونه .. مرةً أخرى على المشكك اللجوء إلى القضاء ..
هل انتهَيْنا من هذا التفسير الواقعيّ ؟ حسنًا .. الآن ننتقلُ إلى هذه الابتسامات التي لا تكف ( حسناء ) عن تبادلِها معي .. وعن يدِها التي تتسارع بشكلٍ مطردٍ لتقبض وتلمس وتصفع برفقٍ مؤخرتي العارية بينما نحن نسير في ذلك الكوكب ذي الطبيعة الفتانة .. أنا أحاولُ البحثَ عن تفسيرٍ منطقيّ لهذه السلوكيّاتِ .. ولكنْ في الواقع ليسَتْ كلُّ الأشياءِ مبررة في هذا العالم .. لهذا لا أدري بالضبط ما الدافع الذي دفعها لصنع هذا .. إن هؤلاء الخالدين غريبو الأطوارِ على أية حالٍ ..
الآن ننتقل إلى المهمّ .. لقد كانَتِ الأخبارُ تُتَبادلُ طيلةَ الوقتِ بين هؤلاء ” الأبطال الخارقين ” .. وكان اليومُ موشكًا على الانتهاء – في الواقع نحن نتكلم عن كوْنٍ بأكمله ، لقد مرَّتْ سنواتٌ في بعض الكواكب .. ولكنْ بالمقياس الأرضي لم تكنْ قد مرَّتْ على بداية الأحداث أربع وعشرون ساعة بعد … المهمّ كانَتِ الأحداثُ في نهايتِها .. ولمْ يبقَ إلا بعضُ الأشرارِ هنا وهناك .. وكنّا نحنُ في كوكب الزهرة على استعدادٍ لنصبِ مصيدةٍ لواحدٍ من أكبر هؤلاء الأشرار عندما يُلْقَى إلينا من كوكبٍ آخر آنيًّا … تفاصيل كثيرة تحكم كلَّ هذه العملية – هذا ما يجعل الأمر مشوقًا بالنسبة لهؤلاء الخالدين .. ولكني صراحةً لم أفهم الكثير من شرح ( حسناء ) لما يجري… ولهذا فلنقلْ إن هذه المصيدة بالذات معقدة للغاية ، وقد شارك فيها عددٌ من الأبطال الآخرين الذي أراهم للمرة الأولى ..
ولهذا تجدونننا واقفين … قرابة العشر أشخاص .. كلهم في ثيابهم البراقة .. باستثناء هذه الفتاة الحسناء بشرية الملامح التي تقف قريبةً من إحداهنّ التي لا تكف عن مداعبتِها بإحدى يديها بينما يدُها الأخرى ممسكة بجانبٍ من المصيدة ..
– ” ( حسناء ) كفي عن اللهو مع المحصورة .. وانتبهي لإحكام المصيدة ! ”
– ” إنني منتبهة تماماً للمصيدة ”
ومع قولِها هذا _ كما ترون _ فقد أدنتْني بيدِها وقبضَتْ عليّ في حضنِها كأنني في مصيدة ، وأوسَعَتْني كعمًا … هذا أيضًا مبرّرٌ منطقيًّا .. لأنّ مستوى الأكسجين ليس بهذا الارتفاع في هذا الكوكب فهي بحاجة إلى تزويدي به مباشرة عن طريق الفم .. أعني لا داعي لافتراض أنّ هناك شيئًا غيرَ علميٍّ يحدث هنا …
وعلى الرغم من مشاركتِها بيدٍ واحدةٍ في المصيدة ، ومن التفاتِها بكلّيتِها إليّ   فقد استطاعَتْ ( حسناء ) _ مع بقية زملائها _ القبضَ على هذا الشرير الكبير ، و”إقناعه” بالكفّ عن ” شرِّه ” .. كانتْ هزليّة الموقفِ لا تزال مخيفةً بالنسبة لي ..
بعد ذلك كانَ بقيّةُ الأبطالِ قد زادَتْ نسبتُهم بشكلٍ كبيرٍ بالقياس إلى المتبقين من الأشرار ، ولم يستغرقِ الأمرُ دقائقَ حتى قضوا على  بقية ” الأشرارِ ” ، وأنهَوا تلك الحرب المصطنعة .. وعادَ كلٌّ لكونِه ليحكي قصصاً ويستمتع بذكرياتٍ مِن هذه الحرب الأكوانية العظمى ..
بعد عددٍ من المليارات من السنين ربما يكرر هؤلاء نفس هذه المسرحية الملحمية .. أو ربما يقومون بشيءٍ أكثر خطورةً ليدفعوا عن أنفسهم الملل .. ولكنّ الجنسَ البشريَ سيكون حينها قد فني على الأغلب ..
آه بمناسبة الجنس البشريّ .. عندما عدْنا إلى الأرضِ كانتْ مفاجأةً بالنسبة لي – كلُّ شيءٍ مهدّمٍ .. كل الأحياء – بشرًا ونباتاً وحيواناتٍ .. قد قُتِلَتْ … ونظرْتُ في رعبٍ إلى ( حسناء ) التي ابتسمَتْ وقالَتْ لي :
– ” لقد علموكم في ” غرف التعليم ” أنه بموت الإنسان تنتهي حياتُه … في الواقع هذا دقيقٌ بالنسبة إلى قدراتكم ، ولكننا نحصي بشكل دوريّ متجدد كل دقيقة جميعَ المعلومات والمدخلات التي يشعر بها المحصورون والحيوانات ذات الذكاء الأقل أيضاً ، ونستطيع إعادة صنعهم مرة أخرى … بعبارةٍ أخرى : هذا الفناء الذي ترينه مؤقتٌ – سنعيد الأرض إلى سابق عهدها ولكننا سنمحو من معلومات _ أو ذكريات كما تسمونها _ سكان الأرض – بشراً وحيواناتٍ .. أيةَ ذكرى عما رأوه قبل أن يفنوا .. كل هذا من أجلكِ أنتِ يا صغيرتي .. من المفترض أن يدين كلُّ هؤلاء لكِ بالوفاء ! ”
لم أدرِ إن كان عليّ أن أشكرَها .. أم أن أسبَّها – بالنظر إلى أنها هي وبنو جنسِها هم السببُ وراءَ كلِّ هذه المهزلة من البداية .. ولكنّني شكرْتُها ..
 وكما ترون فهذه هي طريقةُ الخالدين في الشكر – إنها تشبه بعض السلوكيات الجنسية التي نقوم نحن بها .. ولكنْ دعوني أؤكدْ لكمْ أنّها لا علاقةَ لها إطلاقاً بأي بعدٍ جنسيٍّ لدى هؤلاء .. فكفّوا عن هذا التصفيرِ الماجنِ !
كانتْ ( حسناء ) محقة بالطبع ، وقد رأيْتُ بأم عيني الأرض وهي تعود إلى بهائها ، والبشر والنبات والحيوان وهم يعودون إلى الحياة – حرفيًّا ..
وفي الحادية عشرة مساءَ يومِ الخميس الحادي والعشرين من يوليو بتوقيت القاهرة – استمرّ البشرُ جميعاً في سلوكياتهم التي توهموا أنهم كانوا منخرطين فيها بينما في الواقع لقد غابوا عن الوجود كله يوماً أو أقل أو أكثر … لم يشكّ أحدٌ منهم فيما جرى ؛ لأن الخالدين مرعبو التقدم التكنولوجي بالقياس إلينا ، وعندما يرغبون في إخفاء شيءٍ فإنهم يخفونه .. ولكنني سألْتُ ( حسناءَ ) عابثةً عن دليلٍ يذكرني أنا بأنَّ ما حدث قد حدث بالفعل .. وفي التوّ واللحظة  أقنعَتِ الخالدَ الموكل بإعداد نسخٍ مطبوعة زائفة من الصحف الأرضية المختلفة الصادرة يوم الخميس وتلك المعدة للصدور يوم الجمعة _في سياق عملية التمويه تلك _أن يتخلى عن هذا الأمر .. فقال في استغرابٍ : ” ولكن البشر سيكتشفون حينها وجود شيءٍ غريبٍ ” ، ولكنّ ( حسناء ) ردَّتْ في عبثٍ : ” هذا مستبعد ؛ إنهم أغبى من هذا ” ثم نظرَتْ إليّ في تحدٍّ عابثٍ وكأنها تطلبُ مني أنْ أعترضَ ، ولكني قلْتُ في استهزاءٍ : ” أتفق تماماً معكِ .. ومع ذلك فمَنْ ينشغلُ قلبُها بأحد هؤلاء الأغبياء .. فلا بدَّ أنها أكثرُ غباءً ! ” .. وللأسف فقد أدى هذا التعليق _ بصورة غير متوقعة على الإطلاق _ إلى أن أسقط على مؤخرتي مرةً أخرى .. وعلى أرضيةٍ صلبةٍ خشنةٍ أيضاً … عليّ أن أعدَّ بحثًا عن : (علاقة التعليقات المستهزئة بالخالدين بالسقوط المفاجئ على المؤخرات : تعليقات ( دعد ) على الخالدة ( حسناء ) نموذجاً )… سيكون هذا بحثاً مهماً !
هل بقي شيءٌ لأخبركم به ؟ لا أعتقد ، ولكنْ .. ! مهلاً ! ما هذا الصوتُ ؟ إنه يشبه تجمع طيفٍ كموميٍّ في صورةٍ ماديةٍ .. هل هذه هي… ؟ نعم ، هذه (حسناء) !
*********
8- الآن تنتقل الكلمةُ إلى ( حسناء ) !
_________________
– ” ( حسناء ) ! ”
– ” ألم نتفقْ يا صغيرتي ، على ألا تخبري أحدًا من المحصورين بهذه القصص ؟ هلْ ساءكِ أنّك بطلة أنقذَتْ بني جنسِها ، ولكنهم لا يعلمون شيئًا عن ذلك فأرَدْتِ أن تمني عليهم ببطولتكِ ؟ ”
– ” كلا!  .. على العكس …  لقدْ كنْتُ أوشك على القولِ إن هذه كلها مزحة ولم يقعْ منها شيءٌ .. أنتِ تعرفين : إن إخفاء شيءٍ تحت أنوف الناس أهون من المجاهدة في إبعاده عن عيونِهم .. لو شاعَتْ هذه القصص فسيعتقد الناس بعد فترة أنها لهوٌ … ولن يتوجب عليكم حينَها أن تخفوا كل آثارِكم عنّا ! ”
– ” هذا يبدو عقلانيًا .. أتدرين ماذا ؟ ربما أنتِ محقة ! .. آلاف الخالدين ممن عاشوا أكثر من كونكِ كلِّه مخطئون ، وأنتِ ابنة العشرين ربيعاً قد أدركْتِ ما لم يدركوه .. يا للذكاءِ! .. بعيداً عن الهزل :  كلانا يعرف ما سينتهي هذا الحوارُ إليه ! ”
– ” أرجوكِ يا ( حسناء ) ، ليس أمامهم ! ”
– ” بل أمامَهم . أنتِ من سرد هذه القصة عليهم ، وأنتِ من ستعاقبين على مرآهم ومسمعهم .. إن لمْ تكوني راغبةً في أن تسرق مؤخرتُكِ الأضواء بعد قليلٍ ، فربما كان عليكِ أن تظهري العزوفَ عن سرقتِها بلسانكِ قبل قليلٍ .. الجزاء من جنس العمل كما تقولون ! ”
– ” ( حسناء ) ! .. سأكون فتاةً مؤدبةً .. أرجوكِ ! ”
– ” للدلال وقته .. وللاعتراف بالخطأ وتقبّلِ العقابِ وقتُه .. الفتاة المؤدبة اللطيفة يفترض أن تستوعب هذا !
 بالمناسبة بما أنكِ حوَّلْتِ هذه القصة إلى عرضٍ حيٍّ بالصوت والصورة فربما يجدر بي أن أفعل ذلك بعقابَكِ أيضًا ..تنحي لي حتى أجلس مجلسَكِ …  ها نحن أولاء :
مرحبًا يا رفاق ! .. اسمي ( حسناء ) .. هذا ليس اسمي بالطبع ، ولكني ارتضيْتُه كاسمٍ لي عندما سألَتْني هذه الغادة الفتانة عن اسمي عندما قابلَتْني لأول مرة ، كما تفعلون أنتم معشرَ الفانين عندما تقابلون شخصًا للمرة الأولى … أسمعكم تقولون : “ما هو اسمُكِ إذاً ؟” .. ليس لي اسمٌ ، ولم أحْتَجْ يومًا إلى واحدٍ .. الأمر يشبه شمَّ الكلابِ لمؤخرات بعضها البعض .. هذا نوعٌ من سؤالِ بعضِها البعضَ عن أسمائها .. أنتم لا تحتاجونه كبشرٍ .. ونحن لا نحتاج إلى الأسماء كخالدين ..
على أية حالٍ : دعوا هذا الأمر لا يشغلْنا عن العرضِ الذي نحنُ مقبلون عليه ، هذه الحسناء المسماة بـ ( دعد ) على وشكِ أن تعاقبَ عقاباً مستحقًّا على أفعالها الشقية .. ما هي الأسئلة التي تخطر في أذهانكم الآن عن هذا الأمر ؛ ترى هل ترتدي ملابس رقيقة _ أو أيًا يكنِ اسمُها_ تحت ملابس نومها تلك ؟ .. هل هي مثارة جنسيًّا لأنها على وشكِ أن تتلقى عقوبة حميمةً من خالدة فائقة الحسن مثلي ؟ … هل سأقسو عليها بسبب شناعة جرمِها أم سأرفق بها لأنني لو قسوْتُ عليها فقد أقضي عليها بالنظر إلى قوتي المفرطة ؟ .. هل ستتذكرون أنتم شيئًا من هذا كلِّه عند الفراغ منه ، أم أنني سأمحو كلَّ ذكرياتكم عنه بمجرد انتهائي من فعله ، تطبيقاً لإرشادات السفر الموازي ؟
دعوني أجبْ عن السؤالِ الأخيرِ هذا أوَّلاً : نعم ، سأمحو ذكرياتكم عن تلك القصة وعن هذا العرض الذي يوشك أن يبدأ بمجرد فراغي من عقابِها .. الأسئلة الأخرى ستجيب على نفسِها بعد قليلٍ ..
( دعد ) اخلعي ملابسك … الآن ! .. حسنًا ، كما ترون فإنها كانت ترتدي ملابس النوم هذه .. ما الذي تسمونها ؟ .. نعم : بيجاما .. كانتْ ترتديها مباشرةً بدون ملابس رقيقة .. ما الذي تسمون الملابس الرقيقة به ؟ .. لقد ذكرْتُم عدداً كبيراً من الأسماء ، ربما كان تعدد التسميات ناشئًا عن خجلكم مما يشير إلى ملابسكم الرقيقة ! … أنتم بالفعل جنسٌ متخلفٌ من المحصورين ..
 على أية حالٍ : إن احمرار وجنتي ( دعد ) دليلٌ واضحٌ على أننا نضغط على الأزرار الصحيحة حتى الآن .. يفترض بالعقاب أن يكون مخجلاً ، أليس كذلك يا ( دعد ) ؟ .. لا تكتفي بهزِّ رأسكِ ، إني أريدُ أن أسمعَ صوتكِ ! ”
– ” نعم ، يفترض بالعقاب أن يكون مخجلاً ! ”
– ” هذا جميلٌ ، ولماذا يفترض بالعقاب أن يكون مخجلاً ؟ ”
– ” لأنني كنْتُ فتاةً شقيّةً ، ويجب أنْ أحْرَمَ مِمَّا أحِبُّ – ومما أحبُّ ألّا أتعرض لما يخجلني ! ”
– ” أوووه .. أترون هذا الدلالَ ! .. هذا ما يجعل معاقبة شخصٍ شديدَ الرقة شديد الجمال شديد الغنج أمراً شديد الصعوبة … ولكنْ ليس بالنسبة لأمثالي ؛ أنا محصّنة من هذه الألاعيب التي تنطلي على الفانين من أمثالكم ..
والآن ستخبرنا فتاتُنا الشقية بما توشك أن تتعرض له في تفصيلٍ مملٍّ .. هلمّ يا صغيرة !
– ” سوف آتيكِ بفرشاة شعري وأسلّمها لكِ منكّسةَ الرأسِ .. وأطلبُ منكِ أن تعاقبيني لأنني أخلفْتُ وعدي لكِ بألا أخبرَ أحدًا بما جرى .. ثم سأستلقي في حضنكِ لتعاقبيني ”
– ” هذا هو التفصيل الممل ؟! على أية حالٍ دعيني أنا أعلق تعليقاً حيًّا مباشرًا على ما وصفْتِه إجمالاً ..
اذهبي لإحضار فرشاة شعركِ ..
كما ترون يا رفاق .. فإنها تتحرك حركة محدودةً للغاية خوفاً من أن يظهر المزيدُ مما تخفيه من جسمها لو مشَتْ مِشيتَها المعتادة .. لا يزال الاحمرار في وجنتيها .. إنها تتمنى لو زلْتُم من الصورة حتى يكون الأمرُ بيني وبينها وحدَنا .. ولم يكنْ هذا ليقضي على الخجل ولكنه كان ليذهب بأكثره .. كما ترون فقد وصلَتْ أخيراً إليّ وهي تحملُ فرشاةَ شعرِها .. ولكنْ هل أنا راضيةٌ عن درجة احمرار خديها بعدُ ؟ لا أعتقد .. لهذا دعونا نزدْها خجلاً على خجلِها ..
( دعد ) تعالي هنا ، واجلسي في حجري ، فإني أرِيدُ أنْ أرِيَ جمهورَكِ المعجبين بقصتك جانبًا آخرَ منكِ لم يروه من قبلِ ..
كفي عن التوسل يا صغيرة ، أنا محصنة ضد توسلاتِكِ .. الآن ! وإلا فإن هذا العرضَ سيزداد طولاً …
نعمْ ، هكذا ، أحيطي عنقي بيديك الرخصتين وأحيطي خصري برجليك البضتين ، ولا تحركي أيًّا من أطرافكِ الأربعة قدر أنملة حتى آذَنَ لكِ ..
الآن كما ترون يا رفاق .. فهذا الردفان الممتلئان الناضجان المشبعان بماء الشباب يغطيان الكثيرَ مما يجب أن ينكشف .. وإذا قبضنا على كلِّ ردفٍ منهما بيد كما أفعل أنا الآن ثم فرجنا ما بينهما … نعم ، الآن ينكشف المستورَ كلَّه .. أَأْ أَأْ ! .. أين أمرتُكِ أن تضعي يديكِ ؟ ”
– ” محيطَتَينِ بعنقكِ ..ولكنْ :  أرجوكِ ، ( حسناء) !  أرجوكِ ، أرجوكِ .. ”
– ” الخيارُ لكِ ، في كلتا الحالتين سأفعل ما يحلو لي ، ولكنْ إن لم تعيدي يدكِ هذه لمكانها حول عنقي فسأزيدُ في عقابكِ بالإضافة إلى فعلِ ما تحاولين منعَه ، فما الفائدة ؟ .. هكذا فلْيكُنْ !.. فتاة مطيعة !..
 بالطبع فبعضكم يا رفاق قد لا يعرف بالضبط التوصيف التشريحي الدقيق للجهاز التناسلي الأنثوي .. هذه فرصة ممتازة ليقوم أحدُ المصممين بشرح المنتج على الجمهور المهتم باستخدامه .. كما أنَّ هذا المنتج بالذات من أفضل النوعيات التي صنعناها وأكثرها جمالاً وفتنةً .. مما يزيد الشرح وضوحًا ..
هذا الشيءُ الذي أمسكُ بأطرافه الآن يسمى … ”
– ” (مجرة أخرى بعيدة) !! ”
– ” أوه ، هل تجاوزْتُ ؟ أنا آسفة .. ”
– ” لا ، لا يوجد تجاوزٌ على الإطلاق ، فقط أنا لا أرغب في اطّلاع هؤلاء على ما يحدث . أما ما كنْتِ تفعلينه فيلذّ لي .. بشرط أن نكون وحدَنا .. هل لي أن أستعيد زمام الحكي .. شكراً !
نعم . كما خمَّنْتُم ؛هذه هي كلمة أماني : ( مجرة أخرى بعيدة )  .. لأنه حتى عندما يكون الجنس بين خالدة وفانية فلا بد من كلمة أمانٍ … كفي عن الابتسام يا ( حسناء ) ! .. بإمكانك أن تعاقبني أيضاً على هذا الأمْرِ  الأخيرِ الموجَّهِ من الأدنى إلى الأعلى ، ولكنْ فيما بعد . وحدَنا ! … ولكِنِ الآنَ دعيني أوجّه بعض الكلمات الوداعيّة الأخيرة لـ” جمهوري ” هذا : لو لمْ تكن ( حسناءُ ) واقفةً إلى جواري ، وفرشاة شعري في يدها ، لأسمعتكم كلَّ ما أفكر فيه ، ولكنْ لنقلْ إنني أتمنى أن يكون هذا آخر عهدي بكم !  ماذا تقولون ؟ … نعم . هذه الليلة لن تنتهي قريبًا .. ونعم . عندما تفعل فعلى الأغلب سأكون غارقةً في عواطفي ودموعي وأشياء أخرى ليست عواطفي ولا دموعي ! ولكن أتدرون ماذا ؛ إنكم لن تشاهدوا شيئًا من ذلك كله رأي العين ولا وصفًا .. والآن . هلَّا تكرمَتْ أميرتي الخالدة ومحَتْ ذكرياتِ هؤلاء ” المحصورين” حتى نتفرغ للمهمّ … ماذا تقولون الآن ؟ .. نعم  . أنا متشوقة لما يوشك أن يحدث بعد قليلٍ . ونعم ، أنا مستوعبة أن بإمكانكم إدراكَ إرهاصاتِ ذلك بارزةً على جسدي المكشوفِ اللذيذِ الطَّعْمِ … ثكلتكم أمهاتكم ، من أين تأتون بهذه الصفات المرذولة ؟ كأنكم تصفون فاكهةً استوائيةً !
 .. أتدرون ماذا ؟ هذه هي ! .. لأول مرةٍ من شهورٍ أشعر بالندم على أنني كنْتُ السببَ في عدم فناء الجنس البشريّ .. هذه الأشكال لا تستحق الحياةَ .. لا مزيد من الأسئلة ولا التعليقات الجنسية السخيفة .. ذكرياتكم عني وعما رويْتُه لكم قبل قليلٍ ستمحى في هذه اللحظة .. وكم كنْتُ أتمنى لو كنْتُ تركْتُ بقية حيواتكم ممحيّةً كذلك … وحينها كان يومُ الخميس الحادي والعشرين من شهر يوليو ليكون نهاية القصة ! .. قصّة البشرية كلها !
—————- ( تــمَّـتْ) —————-

قصة : ثائرتان ! ( ف / ف ) Vanilla


قصة : ثائرتان ! ( ف / ف )  Vanilla 
– بضعة تنويهاتٍ :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين أنثيَين ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 

تنويه 3 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 

– اقتباس :

( أنتم يا مَنْ ستَظْهَرُون

بعدَ الطوفانِ الذي غرقنا فيه

فكِّروا

عندما تتحدثون عن ضعفِنا

في الزمن الأسود

الذي نجَوْتُم منه

كنا نخوضُ حرْبَ الطبقات

ونَهِيمُ بين البلاد

نُغَيِّرُ بلدًا ببلدٍ

أكثر مما نغيّر حذاءً بحذاء

يكاد اليأس يقتلنا

حين نرى الظلمَ أمامنا

ولا نرى أحدًا يثور عليه

نحن نعلم

أنَّ كرْهَنا للانحطاط

يشوِّه ملامحَ الوجه

وأنَّ سَخَطَنا على الظلم

يبحُّ الصوت

آهٍ ؛ نحنُ الذين أردْنا أنْ نمهد الطريق للمحبة

لم نستطع أنْ يُحِبَّ بَعْضُنا بعضًا

أمّا أنتم

فعندما يأتي اليوم

الذي يصبح فيه الإنسانُ صديقًا للإنسان

فاذكرونا

وسامحونا )

برتولت بريخت ( 1898 – 1956)
– القصة :
1- المجد للشيطان معبود الرياح
___________________________
الجوّ مشحونٌ حتى الثمالة بعواطف من ملأوا الطريقَ وفاضوا عنه … خطواتٌ واثقةٌ راسخةٌ .. يخطوها الضعفاءُ … وفي قلبِ الجبابرة يدبّ الرعبُ ويستشري …
والشمسُ تنقشِعُ أمامَ أشعتِها كتائبُ السحبِ فتبثَّ  الدفْءَ في قلوب المتظاهرين ، كأنها تحثهم على المضيّ قدمًا … حتى الطقسُ غدا ثوريًّا …
فتاةٌ لم تعتدْ أن تقود أحداً أو شيئًا يغلي في صدرِها الحماسُ فتتسلقَ عمود إنارةٍ وتعتنقه بذراعيها بينما صوتُها القادمُ من فجر التاريخِ يدوّي برائعة (أمل دنقل) :
المَجْدُ للشيطانِ معبودِ الرياحْ!
مَنْ قالَ ( لا ) في وجْهِ من قالُوا ( نعم )!
مَنْ عَلَّمَ الإنسانَ تمزيقَ العدم!
مَنْ قالَ ( لا ) فلمْ يَمُتْ ..
وظلَّ روحًا أبَدِيَّةَ الألمْ!
الجموع الهادرةُ تتجاوبُ … وتتحوّلُ المظاهرةُ إلى ندوة أدبية ، ( أمل دنقل ) تتلبّسُ روحُه جسد فتاةٍ هنا ، فتحلّ روح الفاجومي في فتى آخر ، وينطق صاحب الكُسُّمِّيَّاتِ على لسان آخرين … لو كان للـ”كبارِ” كابوسٌ يضمّ أشنع مخاوفِهم لكان ما يصنعه هؤلاء الشبابُ في هذا اليومِ .. زالتْ القيودُ من النفوسِ ، ولو اعترضَ هؤلاءِ جبلٌ لحاولوا تحريكه بأيديهم العارية … لا صوتَ يعلو على صوتِ الثورة …
فتاة عمود الإنارة تصل بقصيدتِها إلى نهايتِها ؛ همساتِ (سبارتكوس) بينما تلفظُ روحُه أنفاسَها الأخيرة :
فعلّموهُ الانحناءْ!
علّموهُ الانحناءْ!
علّمُوهُ الانحناءْ!
الغضبُ يشتعل في النفوسِ ؛ سيأخذون بثأر (سبارتكوس) بعد عشرين قرناً على صلْبِه .. سيأخذونه من خليفة قاتلِه ؛ لأنه :
فخَلْفَ كلِّ قيصرٍ يموتُ : قيصرٌ جديدْ
ثم يغلي الغضبُ أكثرُ ، ويستحيلُ كبحُه في نطاق اللغة ” المهذّبة ” ، فتعوي فتاةٌ ألمًا بصرخات ( نجيب سرور ) _ولو سمعها ” وليّ أمرِها ” لعوى ألماً كذلك_ :
خَوَلْ تجيبهْ مَرَهْ || منْصِبْ يجيبْ شَرْموطْ
فلوسْ تجيبْ دهْ ودهْ || جدولْ ومِتْفَنَّطْ
وكلّْ خانَهْ بخيانَهْ || والحسابْ مضبوطْ
وانا وِانْتَ لا مؤاخذهْ || يعني قولْ بنِتْخَيّطْ
تسرقْ شِلِنْ تبقى هيصهْ || وبلوهْ وجريمهْ
تسرقْ ألوفْ الألوفْ || تبقى مِ الأبطالْ
وكلّ ما السرقهْ تكبرْ || القانونْ سيمهْ
وكلّ ما السرقهْ تصغرْ || فيهْ حرامْ وحلالْ
وتيجيْ تُجْرُدْ تلاقيْ || الحسبهْ عالْ العالْ
مسدّدينْ الخاناتْ || والمِيّهْ في المِيّهْ!
فيه خانهْ ناقصهْ ؟ حريقهْ || فجأهْ مشْ عَ البالْ
وكسّْ أمي إنْ لاقِيْتْ || حنفيّةْ الميّهْ!
لم يعدْ ثمةَ خجلٌ ولا حياءٌ . السرقة أبشع من وصفها ، والظلم أشنع من مفرداتِه ، فكيف يمجَّدُ السارقُ والظالمُ ويشنّعُ ” البذيءُ” ؟!
ومن فوق عمود الإنارة تبادلَتْ “فتاة (أمل دنقل)” النظرات مع “فتاة (نجيب سرور)” : ثورة ثورة حتى النصر !
*************
2- لا تسقط التفاحةُ بعيداً عن شجرتِها
____________________________
هذه المرة نجحَتِ الثورةُ …
كان الشبابُ يعدّون تخلّفَ الجيل القديم عن ركاب الثورة ناتجاً عن جمودهم … ولكنّ أحدًا من الشباب لم يفكر في دافع آخر قد يكون وراء استيائهم من الثورة : الغيرة؛ غيرةُ مَن حاول وفشل مِمَّنْ حاول ونجح!
لم تكنْ هذه الأفكارُ هي ما يدورُ في ذهن ( حياة ) وهي تحاول التسلل من شقتِها في الصباح الباكر ليوم الجمعة قبل أن يأتيَها صوتُ أمِّها الصارخ :
– ” (حياة) ! ”
خطر لـ ( حياة ) أن تفتح البابَ وتفرّ … تاركةً أمَّها تضرب أخماساً في أسداسٍ ، وكادَتْ تفعل ، ولكنّ ثوريَّتَها منعَتْها!
هي لا تريد أن تفر من ” الكبار ” لتثور ؛ إنها تريد أن تثور رغم أنفِهم – بلا فرار!
رجعَتْ بنتُ العشرين عن نيّتِها الهربَ ، والتفتتْ لتقابلَ عينَي أمِّها الغاضبَتَين ، وقبل أن تقول الأم شيئاً استفتَحَتْ ( حياة ) :
– ” لقد فصلوا زميلةً لنا بسبب مشاركتها في مظاهرة سابقة ، ونحن سنستمر في التظاهر حتى ترجع أو يفصلونا معها . أريحي نفسكِ ؛ لو كانتْ حياتُكِ متوقفةً على عدم نزولي ، لنزلْتُ  . ولا أبالي ! ”
– ” هكذا صراحةً ؟! ”
لم تَخْفَ رنةُ السخرية في صوت ( حياة ) وهي تجيب أمَّها :
– ” لم أشأ أن أكذّبَ عليكِ 
ثم خطَتْ ( حياة ) خطواتٍ نحو الباب ، فقطعَتْ أمُّها عليها الطريقَ :
– ” لماذا تعتبروننا أعداءً لكم؟ نحن أيضاً كنّا شباباً ونعرف كيف تفكرون! ”
– ” إن الشباب حالة نفسية وليس مرحلة عمرية ؛ لقد وُلِدْتُمْ عجائز! ”
نظرَتْ الأمُّ في تحدٍّ ، وقالَتْ :
– ” ستتذكرين ما تفعلينه الآن بعد عشرين سنة ، وتهزأين بنفسكِ! صدقيني أنا تجربة عملية على ما يحدث للروح الثائرة بعد الزواج والولادة! ”
كانَ التعريضُ بأنّ هذه الأفعالَ مرحلةٌ ستُتَجاوزُ إهانةً فوق قدرة الشابّة على الاحتمال فتخلَّتْ عما بقي من ” احترامٍ للكبير” ، وانفجرَتْ في أمِّها :
– ” فعلاً ؟! وما الأعمال الثوريّة التي قمْتِ بها في شبابكِ ؛ أنك غيرْتِ محطة التلفاز بالرغم من أن أخاك أمركِ بعدم تغييرِها ؟! أم أنك خرجْتِ مرةً وحدَكِ ..وهاتفْتِ حبيبكِ من كابينة هاتفٍ بدون عِلْمِ والدَيكِ؟! … نحن أسقطْنا نظاماً تعجز عن إسقاطه الجيوش ، ولولا بقية من حياءٍ لألحقناكم به ، فابتعدي عن طريقي! ”
لمعَ الغضبُ في عيني الأمّ ، وبدا أنها موشكة على أن تبطش بابنتِها ، ولكنّها تمالكَتْ نفسَها بعد لأيٍ ، وقالَتْ :
  – ” دعيني أخبرْكِ بقصتي الثوريّة ، ثم احكمي بعدَ ذلك بنفسكِ على ما يحدث لمحلول ثوري مركَّزٍ عندما يُخَفَّفُ بماء الحياة ”
وقبل أن تعترض الابنةُ بدأتْ أمُّها بالسرد وصوتُها يتهدج بذكريات الماضي البعيد …
*******
3- وجبهتي بالموتِ محنيَّهْ .. لأنني لمْ أحْنِها حيَّهْ !
_____________________
لم يعرف المتظاهرون متى بدأتْ الرؤيةُ تصعبُ حتى صار من المستحيل أن يرى أحدُهم يدَه ، لم يكنِ الدخانُ وحدَه سبب تعسّرالرؤية ذلك .. بل اشتركتْ معه الدموعُ في حجب الصور عن العيون … كانَتْ العواطفُ ملتهبةً حتى إنهم لم ينتبهوا لمحاصرة الأمن لهم ، ولا لسقوط قنابل الغاز المسيل للدموع … كانوا مبتدئين في النشاط الثوريّ ؛ انشغلوا بالهجوم حتى تناسوا أنّ عليهم الدفاع .. وفجأة صاروا بين مطرقة الغاز المسيل للدموع وسندان العصيّ الواقعة عليهم … والعصيّ كالعدالة معصوبة العينين تقع على الصغير والكبير .. والرجل والمرأة .. والمشارك في المظاهرة والعابر صدفةً في الطريق !
كانتْ هذه أيام الثمانينات المجيدة .. لم تكن هناك صحافة سوى الصحافة القومية ، ولا قنوات تلفاز غير القنوات الرسمية ، ولم يكنْ خبرَ سقوط قتلى في مظاهرةٍ ما ليشدّ انتباهَ أحدٍ ولا تعاطفَه … كان المتظاهرون يغامرون بحيواتهم حرفيًّا ..
عندما وقعَتْ العصا الأولى على جسد ( جميلة ) لم تشعرْ بشيءٍ .. بصعوبة أدركَتْ أنها تلقَّتْ ضربةً ما .. ثم هوَتِ الضربةُ الثانية والثالثة … ولكنّ ( جميلة ) كانَتْ مشغولةً بمحاولة التقاط قنبلة الغاز وإلقائها بعيداً عن المتظاهرين  حتى إن عقلَها تجاهل تماماً الألم الذي أحسّ به جسدُها وواصلَتِ المهمة .. ولكنْ عندما أتمَّتِ المهمة ، وطارَتْ القنبلة بعيداً عنهم في اتجاه رجال الأمن ، وصلَتْ فجأة كل الرسائل المؤجلة التي يرسلها الجسد إلى العقل ، فشعرَتْ بكل تلك الآلام في لحظة واحدة ، فصرخَتْ في توجّعٍ حيوانيٍّ ، وسقطَتْ على الأرضِ .. وجرَّتْها يدٌ لتسحبَها إلى الوراء .. ثم ساهمَتْ يدٌ أخرى وثالثة .. حتى استقرّ جسدُها المنهك في الصفوف الأخيرة للمتظاهرين … كانَتِ العيونُ كلّها دامعةً ، ولكنّ دموع ( جميلة ) لم تكنْ ناتجةً عن قنابل الغاز وحدَها .. كان الألم الممضّ لا يزال في جنباتِها .. ويتضاعف أضعافاً كلما حاولَتِ التنفسَ الذي صار عسيراً في حقِّ الجميع بسبب الغاز الذي ملأ الفضاء .. الجميع يتنفسون بصعوبة ، ولكنها تتنفس بصعوبتين … الجميع تتساقط دموعه بغزارة … ولكنّ دموعَها تتساقط بغزارتين …
 ثم لم تعد تشعرُ بشيءٍ ؛ بقعة الحبرِ السوداءِ تصبح محيطاً يتسرب إلى ثنايا جسدها وتلافيفِ مخِّها فينعدم الوعيُ كأن لم يكنْ …
*********
 4- بُنْدِنْجْ …
___________________
– ” أنتِ في مظاهرةٍ ؟! … وتتقدمين الصفوف ، وتصابين من أجل الثوّارِ ؟! ما الذي جرى لكِ بعدها ؟ ”
– ” عندما فتحْتُ عينيّ كنْتُ في غرفةٍ بسيطة ، فيما عرفْتُ بعد ذلك أنها شقة ضيقة في عمارة متداعية في حيٍّ شعبيٍّ ؛ لقد حملوني حملاً إلى تلك الشقة حتى يعالجوني فيها … كان من الصعب أن يذهبوا بي إلى مستشفى دون أن يخبروهم بسبب الإصابة ، وهو ما يعني ضمنًا إيداعي السجنَ … ولكنْ لحسْنِ الحظِّ كانتْ هناك شقيقةُ طبيبة بين المتظاهرين ؛ شقيقةُ طبيبة عامّة للدقة … ولكنَّ الجودَ من الموجودِ … وقد نقلوني لشقتِها المتواضعة تلك حتى تعالجني أختُها .. فأضرَّتِ  الأختُ أكثرَ مما نفعَتْ .. ”
كانَتْ معالمُ عدم التصديق لا تزال ماثلةً على وجه ( حياة ) ، ولا تدري ( جميلة ) لماذا شعرَتْ بهذه الرغبةِ الجارفةِ في إثباتِ صدقِ روايتِها ، ولسوءِ حظِّها فقد كانتْ ترتدي عباءةً وليس قميصاً … فرفعَتْ عباءَتَها لتكشف آثار الضرباتِ الباقية في جسدها حتى بعد ثلاثين سنةً من وقوعها ..
كانَتْ ( حياة ) تريد هي الأخرى أن تستوثق من الدليل على صدق القصة ، ولكنّ وقوفَ أمِّها شبه العارية أمامَها قد جعل من الصعبِ عليها ألا تغض طرفَها وتنظر في الأرض… ولكنّها تجاوزَتْ خجلَها ونظرَتْ نظرةً سريعةً إلى جانب بطنِ أمِّها لترى بوضوحٍ بقايا الكدمات ؛ الضرباتِ غير الآدمية التي تركتْ بصمتَها على الجسد الثوري الشابّ ، وعجّلَتْ به نحو الجمود والرضوخ … كانَتِ الأمُ لا تزال قابضةً على طرف عباءتِها ورافعةً إياها إلى ما فوقَ مكان السجحات لِتُرِيَ ابنتَها ، فلما اطمأنَّتْ إلى أنَّ ( حياة )  قد رأتْ ما أرداتْ أن تريَها إياه ، أرخَتْ قبضَتها فهوَتْ العباءةُ لتسترَ ما انكشف … ثم أكملَتْ قصَّتَها :
– ” فيما بعدُ سأتحامل حتى أعود إلى البيت ، ثم سأخبر والديّ بسبب ” غيابي ” لتلك الفترة .. فأنا لم أخبرْهم بالطبع أنني ذاهبة لأتظاهر في البداية .. ولذا فقد استمعْتُ لمحاضرةٍ طويلةٍ عن المشي جوارَ الحائط .. وعن القبور التي تعج بالشجعانِ … وعن الدور التقليدي للمرأة التي لا تصلح للقتال ولا للثورة ولا للاعتراض ولا لإبداءِ رأيِها في شيءٍ أساساً ”
قاطعَتْها ( حياة ) في احتدادٍ :
– ” تماماً كالمحاضرة التي كنْتِ توشكين أن تسمعيني إياها! ”
– ” لقد قلْتُ إنني أتفهم دوافعَكِ ، وأنا أتفهم دوافعكِ .. ما أريد قولَه هو أنّه للأسف كما قال (دنقل) :
و ليس ثَمَّ مِنْ مَفَرّْ
لا تحلموا بعالمٍ سعِيدْ
فخلْفَ كلِّ قيصَرٍ يمُوتُ : قيصَرٌ جَدِيدْ !
وخلْفَ كلِّ ثائرٍ يموتُ : أحْزَانٌ بِلا جَدْوى ..
ودمْعَةٌ سُدَى ! ”
نظرَتْ ( حياة ) في نوعٍ من المواساة إلى الثائرة المكسورة ، وقالَتْ :
– ” لا أعتقد أنّ هذا هو الفهم الذي أراده ( أمل دنقل ) لقصيدتِه .. وعلى أية حالٍ ، فنحن شاهدٌ حيٌّ على أن الثورة تصل إلى منتهاها وتقضي على القيصر ، وأن الحزن على شهدائها حزنٌ مقدسٌ ذو جدوى وليس حزناً عبثيًّا ”
– ” فإنْ يكنْ هذا هكذا فمَنِ الذين تستمرون في التظاهر ضدهم ؟ ومَنِ الذين فصلوا زميلَتَكَم هذه ابتداءً ؟ ”
أسْقِطَ في يد ( حياة ) ، وحاولَتْ أن تكون منطقيةً فقالَتْ :
– ” بقية من الحرس القديم ، ولكنّ رأس الأفعى قد زالَتْ ، وكلُّ ما دونَ الرأسِ أهونُ في الإزالةِ من الرأسِ “
نظرَتِ الأمُّ في حسرةٍ إلى ابنتِها التي بدأتْ تخطو _ وإن لم تدركْ ذلك بعد _ أولى خطواتِها نحو إدراك صعوبة بل استحالة إصلاح الأمور ، وأن الظلْمَ في الناسِ قديمٌ تَوَارَثَ عادٌ مكْرَه وثمودُ … وأنّ الشبابَ كالطفولة ؛ معانٍ كليّةُ الجمالِ والنقاءِ والصفاءِ والثوريةِ … ثم ينكسر هذا كلّه على صخرة الواقع …
وعلى الرغم منها عادَتْ ذكرياتُ تلك المظاهرةِ لعقل ( جميلة ) .. لم تكن التفاصل التي أخبرت بها ابنتَها كاذبةً .. ولكنها كانتْ مختزلة … في الواقع لقد تركت ( جميلة ) عامدةً ذِرْوة الأحداث في تلك القصة دون أن ترويها لابنتها .. وكيف ترويها لابنتها وهي لا تجرؤ على أن تُذكِّرَ نفسَها بها .. ولكنْ على الرغم منها بدأتْ في تذكّرِ تلك الذروةِ الدفينة …
********
5- فقَبِّلوا زوجاتِكم!
_____________________
ألمٌ …
 تأوّهٌ …
 مزيدٌ من الألم …
نصيحةُ خضراءِ العينين بالكفّ عن التأوه ليخف الألم ..
ألمٌ من نوعٍ مختلفٍ لنصيحة خضراء العينين … لكلامِ خضراء العينين … لشفتي خضراء العينين …. لكَوْنِ شفتَي خضراء العينين بعيدتَينِ … تبعدان أمتاراً عن حيث تتمنى ( جميلة ) أن تكونا …
خضراءُ العينين تحدق عيناها الخضراوان في استغرابٍ ، ولكنّ عينَيْ ( جميلة ) لا تباليان بهذا الاستغراب وتستمران في التعلق بوجهِ خضراءِ العينين كأنها فراشةٌ تواقع النارَ …
– ” هل هناك شيءٌ ما على وجهي ؟! ”
تنشغل (جميلة) بحركة الشفتَين العذبتين والغضبَ الفاتن الأخاذ الذي يعلو تلك الملامح النورانية ، وتفكر : نعم يا خضراءَ العينين .. هناك شيءٌ على وجهك .. لقد ترك الملائكةُ الذين وُكِّلوا برسم ملامحه بقيةً من أثرهم عليه فأنا أشاهدُ فيكِ سماتَ عالَمٍ نورانيٍّ لا تدركه أفهامُ الفانين من البشرِ …
– ” هل تعانين ارتجاجاً في الدماغِ ؟ لقد ظنَنْتُ أن إصابةَ قفصكِ الصدريّ هي أشدّ ما وقع بك ! “
– ” لا هذه ولا تلك هي أشد ما وقع بي ! ”
– ” أنتِ تتكلمين ، هذا جيد! .. ما أشدُّ ما وقعَ بكِ إذنْ ؟ ”
– ” تعاهدْنا بأن أكتم حتى أنطوي في القبرِ ! ”
– ” أنا أعرف من هو ( صلاح عبد الصبور ) .. كوني طبيبة لا ينفي عني العلمَ بالأدبِ … ولكنْ ما معنى استدعاء هذا البيتَ الشعري هنا .. أنّ أشدّ ما وقع بكِ له علاقة بالفيوض الإلهية؟ ”
– ” لقد أخرجْتُ هذا البيت من معناه الصوفيّ الإلهي إلى معناه الجسدي البشريّ ”
– ” هلّا كففْتِ عن الألغاز .. أنا واثقة أن الكلامَ صعبٌ عليكِ الآن بسبب هذه الكدمات .. فهلّا استرحْتِ واقتصرْتِ على إخباري بالأمور المهمة ؛ إنْ كانَ هناكَ شيءٌ يحتاج إلى علاجٍ عاجلٍ .. حتى أعالجكِ منه ”
لو كان هذه التصريحُ توريةً .. لو كان كلاهما يدرك مرادَ صاحبِه … ولكنّ الدنيا القاسية تسوق لك مطلوبَك مغلفاً بغلاف الهدايا معجباً رائقاً .. ثم تسحبه من يدك …
– ” ليْتَه لم يكنْ وَقَفْ .. عذَّبَ القلْبَ وانصرَفْ ”
 ” مَنِ الذي وقف ؟! هل شاركْتِ في هذه المظاهراتِ بسبب حبّكِ لأحد ” رفاقكِ ” ثمّ ظهر لكِ أنّه لا يبادلكِ الحبَّ؟! ما الذي يجري هنا ؟!”
– ” اللعنةُ على الرجالِ ”
– ” فقد صَدَقَ حَدَسِي إذن ؟ ”
– ” بل اللعنةُ عليهم لأنهم يقحمون أنفسَهم في هذه اللحظة المقدسة .. أنا لا أريد أن أسمع عن ( صلاح عبد الصبور ) ، ولا أريد أن أسمع عن “الحبيب الغامض ” الذي ساقني حبُّه لتعريضِ نفسي للمخاطر والأهوال .. أنا لا أريد أن أسمع حرفًا ليس عنكِ وليس فيكِ وليس لكِ ؛ أنا أحبُّكِ أنتِ .. ومستعدة للتضحية بعمري مراتٍ ومراتٍ في سبيلكِ أنتِ .. وفي سبيل الضعفاءِ .. ولكنْ في سبيلكِ أنتِ بالدرجة الأولى .. ”
تجمَّدَ الهواءُ وتجمّدَتِ السوائلُ وازدادَتِ الجماداتُ جموداً .. حتى الزمنُ يبدو أنه توقف هو الآخر عن الحركة .. فقط العينان الخضراوان بقي لمعانُهما يروح ويجيء .. هل ما وراءهما غضبٌ ؟.. أم دهشةٌ ؟ … أم تفهُّمٌ ؟… أم استياءٌ ؟ .. لقد كانا يتكلمان لغةً مفهومةً حتى ثوانٍ مضَتْ .. والآن لا يبدو أنهما قادرتَانِ على التعبيرِ عن مشاعر صاحبتِهما .. ربما لأنّ مشاعر صاحبتِهما غير قابلة لأن يُعبَّرَ عنها ..
– ” قولي شيئًا .. رجاءً .. لا تتركيني فيما ها هنا حائرةً .. ”
الشفتان العذبتان تنفرجان انفراجةً يسيرةً ثم تنطبقان مرةً أخرى ثم تنفرجان مرةً ثانيةً .. وتهتزّ الرأسُ هزّةً غامضةً .. لعلّ معناها : أنا لا أصدق أنكِ قلْتِ هذا .. أو لعل معناها : أنا لا أصدق أنني سأخبركِ بهذا … أو لعلّ معناها : أنا لا أصدق أن أختي شاركَتْ في مظاهرةٍ مع مثل هذه الأشكال .. ثمّ تكلَّمَتْ صاحبةُ العينين الخضراوين :
– ” حسناً .. أنتِ لا زلْتِ تعانين من آثار ما بعد الإغماءِ إن صحّ تسمية ما أنتِ فيه بهذا المصطلح … حاولي أن تنامي وتريحي جسدَكِ ثم سنتكلم في هذا فيما بعد .. “
– ” هذا لا يكفي .. ما الذي سنتكلم فيه فيما بعد ؟ .. هل يحوي : ( وأنا أيضاً أتمنى أن أفعلَ بكِ ما تتمنين أن تفعليه بي ) ؟ لأنه لو لم يحوِ هذه الجملة أو مرادفاتِها فإنني لا أهتمّ بالألم ولا أهتم بإراحة جسدي ولا أهتم ألبتة بما سنتكلم فيه فيما بعد ، فأريحي نفسكِ .. أنا لا أريد تفهُّمًا ولا تقبّلاً .. وقطعاً لا أريد “علاجاً طبيًّا يشفيني من الانحرافاتِ” التي أشعر بها “
همساتُ خضراءِ العينين الخافتة .. تفرّ من شفتيها قسرًا لتزفّ لـ ( جميلة ) كبرى أمانيها على طبقٍ من ذهبٍ :
– ” لو كنْتُ أعلم لها علاجاً طبيًّا لبدأتُ بمعالجة نفسي به ”
ثم خرجَتْ صاحبةُ العينين الخضراوين مسرعةً وكأنها خائفةٌ من البقاء في نفس الغرفة التي حوَتْ ذلك التصريحَ الجليلَ
حاولَتْ ( جميلة ) أن تستريح .. أن تمنع عقلَها الثائرَ من الرقص والغناء والاحتفال الصاخب .. ولكنّ عقلَها كان في أمورِ الحبّ كما هو في أمورِ السياسةِ لا يعرفُ التوسطَ … وبدأتْ الآلامُ تضمرُ شيئًا فشيئًا تحتَ وطأةِ الصورِ الملتهبة التي يتمثّلُها العقلُ المندفع ويصوّرُها تصويراً حيًّا أمام ناظرَيْ ( جميلة ) .. ولمّا لمْ تكفِ أحلامُ اليقظةِ فقد وجدَتْ ( جميلةُ ) نفسَها تغوص في النومِ .. لتخلوَ الساحةُ أمامَ العقل ليصنع ما يحلو له بصاحبة العينين الخضراوين … آهٍ من تلك الأحلامِ وما حوَتْه .. صورٌ قادرةٌ على أنْ تعقد لسانَ ( نجيب سرور ) شخصيًّا مِن الخجلِ ! 
**************
6- لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وقد أتيْتَ مثلَه في الزَّمَنِ الغابرِ !
_____________________
لا تذكرُ ( حياة ) أنّها قد رأتْ أمَّها ووجهُها تعلوه كل هذه السعادة قطّ .. إنْ كانتْ ذكرياتُ تلك الأيام قادرةٌ على إسعادِها إلى هذا الحدّ .. فكيف بالأيام نفسِها ؟ ..
– ” كلّ هذا حنينٌ إلى الثورة ؟”
انتبهَتِ الأمُّ من أحلامِها ، ونظرَتْ إلى ابنتِها التي أخذَتْ عنها إلى جانبِ ثوريّتِها جمالَ الوجه وتناسقَ الجسد ، وقالَتْ :
– ” أعتقد أنني قد استنفدْتُ رصيدي في القدرةِ على نهيِكِ عن المشاركة في المظاهراتِ بعدما أطلعْتُكِ عليه مِن تاريخي الأحمر! ”
– ” فلا تجزعَنْ من سُنّةٍ ؛ أنتَ سِرْتَها ||| وأوَّلُ راضي سُنَّةٍ مَنْ يَسِيرُها “ 
وحبَّها للشعرِ أيضاً .. كان من الصعبِ على الأمِ أن تغالطَ نفسَها في أنّ ما تشعرُ به من إحساسٍ بالفخرِ أكبر بكثيرٍ مما تشعر به من خوفٍ على ابنتِها أو نقمةٍ على ثوريّتِها .. ثم طرأ لها فجأةً خاطرٌ ما ؛ سببُ هذه المظاهرة التي ترغب ابنتُها في المشاركةِ فيها هو زميلةٌ لها ؟ .. أتُرى لم يقتصرْ ما ورِثَتْه البنتُ عن أمِّها على الجمال والشعرِ ؟
– ” ( حياة ) .. زميلُتِكِ هذه التي فُصِلَتْ .. هل أنتما مقرّبتان ؟ ”
اضطراب التنفس .. الثانيةُ التي استغرقَتْها الثوريّةُ الصغيرةُ حتى تتدراكَ نفسَها وتعدّ إجابةً لا تفضح المكنونَ … ثمّ الصوتُ ذو النبرةُ الدفاعيّةُ التي لا يستدعيها الموقفُ لو لمْ يكن وراءَه سرٌّ مخفيٌّ :
– ” نعم ، نحن صديقتان مقرّبتان كأي صديقتين في الدنيا .. ثم حتى لو لمْ يكنْ بيننا شيءٌ فالمسألة مسألة مبدأ ”
– ” هل هي حسناء ؟ ”
النبرة الدفاعية صارَتْ صراخَ محامٍ يعلم أنه خسر القضية ويفرغ شحنة غضبه في المرافعة :
– ” هل أنتِ جادةٌ في هذا السؤال الغريب ؟!! ما علاقة جمالها بأي شيءٍ .. حتى لو كانتْ فتىً لدافعْتُ عنه .. ”
على الذي يظهر فإن الذكاء الحادّ لم يكنْ مما ورثتْه الحسناء الصغيرةُ عن أمِّها .. (حتى لو كانَتْ فتىً!) … ألا يُفْترَضُ بهذا أن يكون تصريحاً في حدِّ ذاتِه؟!
– ” حسناً .. عودي مبكِّرًا ما أمكنَ … وسأتعلل بشيءٍ عندما يسأل والدُكِ عن غيابكِ .. ولا تخرجوا خارج أسوار الجامعة .. فالفصْلُ أهونُ من السجن! ”
– ” هل هذه نصيحة ثورية .. أم نصيحة أبوية ؟ فقد صار تصنيفُكِ عسيراً .. على أية حالٍ : سنصنع ما هو لازمٌ من أجل إحقاق الحق .. وإن كان فصلاً ففصلٌ .. وإن كان سجناً فسجنٌ .. وإن كان ما فوق ذلك فلْيَكُنْ! ”
ثم فتحَتْ الحسناء الثورية الصغيرة _ التي لم تكسرْها العصيّ وحاملو العصيّ بعدُ _ البابَ .. وانصرَفَتْ …
وبقيَتْ أمُّها في الشقة وقد استحالَتْ الذكرياتُ العذبةُ التي أشرق لها وجهُها قبلَ قليلٍ أشباحًا جاثمةً على صدرِها باعثةً فيها أشدّ معاني الحزنِ والأسى ؛ لماذا قطعَتْ علاقتَها بخضراء العينين فجأةً بلا مقدماتٍ ؟!
حتى بعد ثلاثين سنةً من ذلك اليومِ المشئومِ لا زالَتْ أحداثه الممضة تدفع الدموعَ إلى عينيها كما فعلَتْ آنذاك ..
*******
7- فعلّموهُ الانحناءْ .. علّموه الانحناءْ!
______________________
– ” هل هذه مزحة ؟! كيف وافقْتِ ؟! ”
– ” هذا هو ثالث خاطبٍ يتقدم لي .. وليس فيه عيبٌ واحدٌ يُذْكَرُ .. إما أن أقبلَه ، وإمّا أنْ أعلنَ لوالديّ صراحةً أنَّ هناك شخصاً آخرَ .. هل أنتِ مستعدّة لتحمّلِ مسئولياتكِ والتقدم لخطبتي ؟! ”
العينان الخضراوان تلمعان بالغضبِ .. فيكاد قلبُ ( جميلة ) يهوي إلى الأرض .. لقد أعدَّتْ ما تجيبُ به على كلّ سؤالٍ من أسئلة حبيبتِها الغاضبة .. ولكنَّ الإعدادَ شيءٌ والتنفيذَ شيءٌ آخرُ .. ثمّ إنها _ مهما تظاهرَتْ بالجلد والتماسك .. كانتْ محطمةَ الفؤادِ أيضًا _ ..
– “وما الذي كنْتِ تنوين فعلَه عندما نصبْتِ لي شباككِ قبل شهورٍ ؛ أن تنتظري حتى أتزوجَكِ ؟! ”
كانتْ هذه هي الثمانيناتِ .. والزواجُ المثليّ لا يزال مجرَّماً في العالمِ كلِّه .. كانَتْ هذه أقربَ إلى الدعابةِ ، لو لمْ يكنِ الجوُّ كله مشحونًا بمشاعر الغضب والغدْرِ …
– ” أنا لم أفكِّرْ حينَها .. وحتى الآن لا أزال غيرَ قادرةٍ على التفكيرِ في شيءٍ  وأنا أراكِ وأعلمُ أنَّكِ غاضبةٌ عليّ .. ولكنْ ما باليدِ حيلة .. الآن .. أو بعد سنةٍ ، أو بعد سنتين ، أو بعد عشرٍ .. في النهاية أنا لا أستطيع أن أخرج من بيت أبي إلا بالزواج … ولا أستطيع أن أبقى في بيت أبي إلى الأبد .. ما هو الحلّ ؟ “
الغضبُ لا يزالُ يشعّ من العينين الخضراوين ، ولكنّه تفسَّحَ قليلاً حتى يجلس إلى جوارِه شيءٌ من التعاطف والمواساة ..
– ” لم يقلْ أحدٌ أنّ الأمرَ بسيطٌ .. ولكنْ لو كنْتِ تحبينني فعلاً فعليكِ أن تحاولي .. ”
– ” أحاولُ ماذا ؟ ”
– ” حاولي أن تهربي معي .. أنا طبيبة .. بإمكانِنا أن نسافر معاً إلى مكانٍ ما ونستقرَّ فيه .. ”
– ” وأنا محامية .. وأعلم أنَّ معظمَ القانونِ المصريّ غيرُ مكتوبٍ .. لو هربْتُ معكِ لكانتْ جنايةً ولانتهى بي الأمرُ في السجنِ .. ”
– ” بتهمةِ ماذا ؟ ”
– ” بالضبط … هذا ما لا يبدو من السطحِ .. إنَّ كلَّ قوانين العصور الوسطى مطبَّقة بحرفيّتِها هنا .. ولكنْ حرصاً على سمعتِنا أمام الأجانب فليس كلّ المطبّقِ يُكْتَبُ … أتريدين أن تجربي؟ دعينا نهربْ معاً .. وسيتم القبضُ عليّ وإعادتي لبيت والدي تحت أيِّ مسمّى .. وعندها ستكون فضيحةً لي ولكِ! “ 
– ” أنا لا أصدق هذا ! ”
– ” لأنّكِ لم تصطدمي بمؤسسة العدالة الممزوجة بمؤسسة الشرطة والمضروبتان في خلاطِ مع كل المؤسسات الدينية والرجعية والتقليدية .. أنا أعرفُ كيف تدارُ هذه الدولة .. لقد كنْتُ حتى وقتٍ قريبٍ ثائرةً عليها .. فصدِّقي ما أقوله لكِ! “
– ” حتى وقتٍ قريبٍ ؟ ”
– ” والشكرُ لكِ .. بعد الذي كان بيننا لم تعدْ لديّ الشجاعةُ على المخاطرة بحياتي وبحريتي في سبيل القضية .. لقد كنْتُ مُحَصَّنةً من الخوفِ .. والآن صار لديّ ما أخافُ عليه .. الخطوة التالية ؟ .. بعد أنِ انحنَيْتُ لأجلكِ ..  اكتشَفْتُ أنهم لن يَرْضَوا حتى أنحني لغيرِكِ _ حرفيًّا كزوجةٍ _..  فانحنَيْتُ .. وكما يقول الشيوعيون : قطارُ التنازلاتِ ليس فيه محطّاتْ ! ”  
– ” وماذا عن الحبّ المقدّسِ الذي يتغلبُ على كلِّ الصعابِ ؟ ”
– ” تلك أحلامُ الرومانسية البرجوازية …  وأحلامُ البرجوازيين _يا أحبَّ الناسِ إليّ _  لا وجودَ لها على أرضِ الواقعِ .. إنها تستلزم العيشَ في برجٍ عاجيّ متخيَّلٍ ، والاستسلام لأحلام اليقظة .. ”
– ” وهل أنتِ مسرورةٌ بكلِّ هذا ؟! ”
كانتْ هذه الجملةُ هي الفئرانَ التي هدمَتْ سدَّ مأربَ ، ولما هطلَتْ دموع ( جميلة ) تخلَّتِ العينان الخضراوان عن كل ما فيهما من غضبٍ وأقبلَتْ صاحبتُهما تربِّتُ على كتفِ حبيبتِها المخطوبة حديثاً! ثم قالَتْ :
– ” على الذي يظهرُ فهذا هو آخرُ عهدي بكِ .. فدعي آخِرَ ذكرياتي عنكِ تكنْ شيئاً آخَرَ غير بكائكِ وبكائي ! ”
كانَتِ الدموعُ قد ملأتْ عيونَهما جميعاً ، وإن فاضَتْ من العسليتين وحُبِسَتْ في الخضراوين …
– ” لا! .. هذه مناسبةٌ تستحقّ البكاءَ .. فلا معنى للتظاهرِ بالسعادةِ ؛ لقدْ كُسِرْتُ واستسْلَمْتُ وتخلَّيْتُ عنكِ لأنني جبانةٌ .. أنتِ تستحقين من هو أفضلُ .. أنا لا أستأهلُكِ! ”
وهرَبَتْ ( جميلة ) … هربَتْ من حبيبتِها .. ومن مبادئها .. ومن ثورتِها .. ومن نفسِها .. وعاشَتْ كما يريدون لها أن تعيش ؛ ضحكَتْ عندما استحسنوا منها أن تضحك .. وبكَتْ عندما استحسنوا منها أن تبكي .. وتزوّجَتْ عندما استحسنوا منها أن تتزوج .. وستموت عندما يستحسنون منها أن تموت ..
بين الفينة والأخرى .. ستنظر يميناً وشمالاً وتستوثق من أنّ أحداً لا يراها .. _خوف أنْ يطّلِعوا على ما تفكر فيه لو رأوها_ .. وحينَها ستستعيدُ ذكرى حبِّها الأبديّ الخالد الذي فرَّتْ منه بإرادتِها من أجل أن ترضيَهم .. وفي تلك اللحظات القليلة ستشعر مرّةً أخرى _ ولو لثوانٍ معدودةٍ _ بآدميّتِها المفقودة .. آدميّتِها التي أودعَتْها عينين خضراوين حبيبتين ثم تركَتْها هناك ولم ترَها منذ ثلاثين سنةً !
***********
8- العنقاء
____________
عندما اجتمع الطلابُ والطالباتُ ليتظاهروا من أجل زميلتِهم وجدوا رئيس شئون الطلاب في انتظارهم ليخبرهم أن قرار فصلِها قد تم إلغاؤه ..
فكذّبوه .. فأراهم صورةَ القرار .. فكذّبوه .. فأقسم لهم على صحة قولِه .. فكذبوه .. فطلب منهم أن يتصلوا بها وستؤكد لهم ذلك .. ففعلوا .. ففعلَتْ ..
بقيَتْ مشكلةٌ ما .. وهي أنّ هؤلاء قد خرجوا من بيوتِهم ليتظاهروا .. والآن لم يعدْ هناك ما يُتَظاهرُ لأجلِه ..
نظرَتْ ( حياة ) إلى زملائها مِنْ حولِها ، وقالَتْ ساخرةً :
– ” هل هناك شيءٌ آخرُ ترغبون في أن نتظاهرَ له قبل أن ننصرفَ! ”
ردّ عليها زميلٌ لها لا يحسن الدعاباتِ :
– ” هناك عشرات القضايا المحلية والعالمية التي تستحق الاحتجاج .. ولكنَّنَا لم نرتّبْ شيئًا ”
– ” فكذلك إذاً .. لِنَعْتَبِرِ اليومَ إجازةً ، ونواصل المظاهرات المرتبة سلفًا فيما بعدُ .. أيّ اعتراضٍ ؟ ”
لم يعترضْ أحدٌ .. وإنْ بدَتْ خيبةُ الأملِ على وجوههم .. كيف سيتعلمون الصيدَ إذا كانَ السمَكُ سيقفز في حجرهم من تلقاء نفسه ؟ .. ولكنّ اليوم كان الجمعةَ .. ولا أحدَ يكره أن يقضي الإجازةَ في فعْلِ شيءٍ يحبّه .. بعيداً عن الوقوف في الحرّ والشمسِ .. فعادوا لبيوتِهم ..
وتوجّهَتْ ( حياة ) إلى بيتِ صاحبتِها الملغى قرارُ فصْلِها .. فتحَتْ لها أم صاحبتِها البابَ في استغرابٍ .. فتساءلَتْ ( حياة ) في أدب مصطنع عن ( غيداء ) ، فأجابَتِ الأمّ :
– ” نائمةٌ ! ”
جاء صوتُ النائمة من وراء كتف أمِّها :
– ” لسْتُ نائمةً .. ولكنّ أمي لا تزال غاضبةً عليكِ لأنكِ “أفسدْتِ ابنتَها المدللة وجعلْتِها ثورية ” .. تعالي .. لا تظلي واقفةً على البابِ ”
عادَتِ الأمّ إلى مطبخِها وهي تتمتم :
– ” من الذي يزور أحدًا في نهار الجمعة ؟! ”
وهمَّتْ ( حياةُ ) أن تسأل ، ولكن ( غيداء ) جرَّتْها من يدها إلى غرفتِها ثم أغلقَتِ البابَ ..
– ” فارستي الشجاعة أعادَتْني للجامعة .. لا أعتقد أن بوسعي أن أشكركِ بما يكفي  .. ”
شعرَتْ ( حياة ) بالفخر ، ولكنها تظاهرَتْ بالتواضع :
– ” في الواقع لقد أعادوكِ من تلقاء أنفسهم .. لا فضل لنا في الأمر ”
– ” هراءٌ! لو لم تهدّدوا بالتظاهر لما فعلوا شيئًا .. ”
جاءَ صوتُ أخي ( غيداء ) وهو يسأل أمَّه  في غضبٍ عن مكان جلبابِه الأبيضَ .. وجاءُ ردّ الأمّ بصوتِها المرتفع :
– ” أين خلعْتَه الجمعةَ الماضيةَ ؟ ”
نظرَتْ ( حياة ) إلى ( غيداء ) في استغرابٍ، ثم قالَتْ :
– ” ما الذي يحدث بالضبط في نهار الجمعة ؟ ”
ضحكَتْ ( غيداء ) ضحكةُ خافتةً مسْتَغْرِبةً .. ثم فطنَتْ للأمرِ :
– ” أووه .. لقد نسيْتُ أنّكِ … إنه مثل يوم الأحد بالنسبة لنا .. إننا نذهب فيه إلى الجامع ”  
– ” آه .. هل عليّ أن أغادرَ إذًا .. حتى تذهبي إلى الجامع ؟ ”
– ” لا ! .. فقط الذكور مَنْ يذهبون .. في الواقع إن أمي قدْ صارَتْ تواظبُ على الذهابِ هي الأخرى .. ولكنّ النساءَ في المعتادِ لا يذهبْنَ ”
– ” مهلاً .. هل يعني هذا أنّ أباك وأخاك وأمك سيذهبون ، وسنبقى وحدَنا في الشقة ؟ ”
 
– ” إممم .. هل تشيرين إلى ما أعتقد أنكِ تشيرين إليه ؟ ”
– ” ما الذي تعتقدين أنني أشيرُ إليه ؟ ”
كانَتِ الأحداثُ تتصاعد بسرعةٍ ، وبدأتْ ( حياة ) في الاقتراب من ( غيداء ) وكأنّها تمنحها عيّنةً مما يوشك أن يحدث عندما تخلو لهما الشقة . فابتعدَتْ ( غيداء ) عن صاحبتِها قليلاً ، وقالَتْ :
– ” ( حياة ) !  أنا لسْتُ بهذه الشجاعة بعد .. هذا الحب الأفلاطونيّ لا بأس به .. ولكنْ لا أكثرَ من ذلك ”
بدا الأسى على وجْه ( حياة ) ، ولكنها هزَّتْ رأسَها في تفهّمٍ :
– ” لقد ظنَنْتُ أنّكِ أيضاً تشعرين بمثلِ ما أشعرُ به .. ولكنْ لا مشكلة .. إنْ كان الأمرُ سيقتصر على الصداقة فأنا قانعةٌ بالصداقة .. ”
– ” أنا لمْ أقلْ شيئاً عن الاقتصار على الصداقة .. لقد ذكرْتُ الحبَّ الأفلاطوني ! ”
– ” إنّ الحب الأفلاطوني يعني الصداقة! ”
– ” أووه ! .. فما المصطلح الذي يشير إلى تبادل المشاعر ولكنْ عدم صنع أيّ شيءٍ آخرَ بناءً عليها ؟ ”
– ” الحب العُذْريّ ؟ ”
– ” نعم ، هذا هو .. حبٌّ عذريّ .. إنني أحبّ أنْ أراكِ وأن أسمع صوتكِ وأن أتخيّل ما هو أكثر من رؤيتكِ وسماعِ صوتكِ عندما أكون وحدي .. ولكنّي لا أريد أن يحدثَ بيننا شيءٌ لو رآه أحدٌ لظنّ بنا سوءًا ! ”
– ” فليظنّوا ما شاءوا .. من يهتمّ بالناس ؟ ”
– ” أنا أفعلُ! .. كما قلْتُ : أنا لسْتُ بهذه الشجاعة.. إنني لا أريد أن أقطع الجسور التي بيني وبين المجتمع بعدُ .. لا يمكنني أن أنخرط في ممارسةٍ ستجعلني منبوذةً بينهم ! ”
فلمّا آيَسَتْ ( حياة ) من إقناعِ حبيبتِها بتجاهل العذّالِ وببذْلِ الوصال .. عمدَتْ إلى السريرِ فجلسَتْ عليه .. ثم قالَتْ :
– ” حسناً إذاً .. فلن يكونَ بيننا في خلوتنا إلا ما يكون بيننا عند الناسِ .. ما دام هذا ما يرضيكِ ”
كان تعليقُ ( حياة ) قد رافقه صوتُ بابِ الشقة وهو ينفتح ثم لم تمضِ ثوانٍ حتى وصلَهما صوتُ انغلاقِه .. وخلا الجوّ للحبيبتين .. ونظرَتْ ( غيداء ) إلى حبِّها العذريّ الجالس في عرشه الذي طالما جلس فيه في خيالاتها وأحلامِها فكادَتْ عزيمتُها تخورُ .. وقالَتْ في وجلٍ :
– ” ( حياة ) ، رجاءً ! .. قومي من السرير .. إني أخشى أنْ ينتهي تاريخُ صلاحية ذلك الحبّ العذريّ في التوّ واللحظة ما لم تفعلي ”
كانَتْ ملامح وجه ( غيداء ) جادّةً كلّ الجدّ .. فلمْ تدرِ ( حياة ) إن كان عليها أن تأخذَ الأمر على محمل الجدّ .. أم تعبثُ بصاحبتِها .. ولكنّ منظر ( غيداء ) في ثيابها المنزلية الضيّقة وعينيها الخضراوان تفيضان رغبةً في الجالسة على السرير وهي تحاول نهيَهما سدىً .. هذا المنظر قد حمل ( حياة ) حملاً على أن تسلك طريق العبثِ ، فنظرَتْ نظرةً ماكرةً إلى حبيبة القلب ثم قالَتْ :
– ” هل تشعرين أنّ درجة الحرارة قد ارتفعَتْ فجأةً ؟ .. لا أدرى لماذا أشعر بأني موشكة على الإصابة بضربة شمس ! ”
– ” ( حياة ) ! أرجوكِ .. لا يوجد شمسٌ في الغرفة ! ”
– ” هذا خطأ شائعٌ .. إن ضربة الشمس تنتجُ عن أيّ ارتفاعٍ في درجة الحرارة، بإمكانكِ أن تسألي أمَّكِ وستؤكد لكِ ذلك .. إن التسمية مخادعة .. فقد يكون السببُ حرارة الشمس .. أو حرارة فرنٍ ما .. أو مدفأةٍ .. أو في مثل هذا الظرفِ الذي نحن فيه .. قد يكون الإشعاعُ الحراريّ ناتجاً عن قمرٍ ! ”
– ” ( حياة ) .. هذا استعمالٌ مفرطٌ للقوة ! ”
كانتْ ( حياة ) قد وضعَتْ يديها تحْتَ طرفِ بلوزتِها .. كمقدمةٍ واضحةٍ لرفْعِها تمهيداً لخلْعِها  ..
– ” هكذا تقول كتيّباتُ إرشادات السلامة .. عند التعرض لضربة شمسٍ .. ابدأ بإزالةَ الملابس .. بعد ذلك يأتي رشّ الماء على الجسد .. وتناولُ المشروباتِ الباردة … لا حياء في الطبّ يا صغيرتي .. ”
كانَتِ البلوزةُ قد قطعَتْ شوطاً في طريقها نحو رأسِ ( حياة ) ، وبدا ما تحْتَها مِن بطْنٍ ملساء مهضومةٍ ، ثم استمرَّتْ البلوزة في الصعود حتى انكشف الثديان الناهدان _إذ لم يكنْ بين البلوزة وبين الجلد شيءٌ _ .. ثم غابَتِ الرؤيةُ عن ( حياة ) لثوانٍ غطَّتْ فيها بلوزتُها عينيها قبل أن تزيلَها بالكليّة … وعندما عادَتِ العينانُ لرؤية ما أمامهما فجأهما منظرُ حبيبتِها وقد خطَتْ نحوها حتى وقفَتْ أمامَها ، وقالَتْ ..وهي تشيرُ إليها بسبابة يُمْنَاها كالمهددة :
– ” أمامكِ ثوانٍ تعيدين فيها ارتداءَ بلوزتَكِ وسأحاول جاهدةً أن أكبح جماح ما أشعرُ به .. وأن أبْقِيَ الحبّ العذريّ _ الذي دخل إلى عرفة الإنعاش الآن _ حيًّا …..  أمّا إنْ بقيَتْ تلك البلوزة على الأرض فإنني لن أستطيع _ حرفيًّا _ أن أمنع نفسي من أن أفعلَ بكِ كلّ ما تمنى (عنترة) أن يفعله بـ(عبلة ) .. الخيارُ لكِ ! “
جمالُ تلك العينين الخضراوين المشتعلين شهوةً إلى ما تحدّقان به من جسد صديقتِها الرخصِ .. كان هو الآخر لا يتركُ خياراً لـ ( حياة ) في أن تقوم فجأةً من جلستِها وتُلْحِقُ بلوزتَها بنطالَها _ وكان هو الآخر يلي الجلدَ ليس بينهما شيءٌ _ .. ووقفَتِ العريانةُ ترقبُ الكاسيةَ بنظرةٍ كسيرةٍ كالتي تنتظر أن يحلّ بها تهديدٌ تتوقُ له ..
– ” ما الذي قلْتُ أني سأفعله بكِ إن لم ترتدي ملابسَكِ ؟ “
– ” لا أعتقد أنه شيءٌ مما ارتبط بقبيلة ( عذرة ) ! ”
– ” بل هو شيءٌ مما ارتبط بجزيرة (لسبوس) ! ”  
ثم تحوّل المشهد الإنساني إلى وثائقيّ للحياة البرّية .. لم يكنْ واضحاً أيّ الطرفين يصيدُ وأيّهما يُصادُ .. بدا أنّ الطرفين يتبادلان دور الصياد ودور الفريسة .. وسرعانَ ما زالَتِ الملابسُ بالكليّةِ من الصورةِ .. وظهرَتْ استراتيجيّاتٌ غريبةٌ مِنْ قِبَلِ كلا الطرفين عند هجومِه على الآخر … مِنْ مثلِ الانكبابِ بفم المهاجم على فم المدافع كأنه يحاول منعه من إصدارِ أصواتٍ يستدعي بها من يعينه على صدّ المهاجم!  .. ومِنْ مثلِ إمساكِ المهاجمِ بثديي المدافعِ والقبضِ عليهما كأنهما مصدرٌ للتنفس سيؤدي القبضُ عليه إلى اختناق الفريسة! .. ثمّ استطاعَ أحدُ الطرفين الوصولَ إلى نقطة الضعفِ النهائية المستقرة بين رجلي الفريسة فأكبّ عليها بفمه لعقًا ومصًّا .. وبين الفينة والأخرى يستدعي الطرفُ المهاجم تقنية اقتبسَها من البعوض فيغوص بلسانه كأنه ممصّ في نقطة الضعف .. فترتعش الفريسةُ كأنها كاهنةٌ قد تلبّسَتْها الأرواحُ فانكشفَتْ أمامها طاقاتُ الغيبِ .. فهي ترتجفُ لِهولِ ما ترى ! .. واستمرّ الأمرُ على هذا المنوالِ دقائقَ حتى بدأتْ الرجفاتُ تزدادُ تشنّجاً قبل أن تخمد تماماً … وكأنّها كانَتْ مناورةً من الفريسة فسرعان ما استبدلتْ بالسكون الاندفاع تجاه المهاجم الذي صار مدافعاً وفعلَتْ به ما فعله بها .. حذوُكَ النعلَ بالنعلِ … فلمّا فرغا .. ردّهما إلى عالمِ الواقعِ طرقاتٌ على البابِ .. ذُعِرَتْ لها الفتاتانِ ، وجاءَ صوتُ الأمّ :
– ” ( غيداء ) .. الغداءُ جاهزٌ .. هل ستأكلُ صاحبتُكِ معنا ؟ ”
كان عقلُ ( غيداء ) قد توقّف عن العمل .. ما دامتْ أمّها قد أتمتْ إعدادَها الغداءَ فقد عادَتْ هي وأبوها وأخوها قبل فترةٍ طويلةٍ …. فهل سمعوا ؟! هل سمعوا ؟!
كانتْ ( حياة ) أسرعُ تعافيًا من صاحبتِها فقامَتْ من رقدتِها على السرير وارتدَتْ ملابسَها على عجلٍ ( فلم يكن هناك ما يُرْتدى سوى قطعة علوية وقطعة سفلية ، وذلك من محاسن التخلي عن ارتداء الملابس الداخلية ؛ زيادة السرعة في اللبس والتعري ) ثم فتحَتِ البابَ موارَبًا لتخاطب الأم التي تجهل وجودَ ابنتِها عاريةً على السرير الذي يبعد عنها خطواتٍ ولكنها لا تراه ، فقالَتْ ( حياة )  :
– ” لو لمْ يكنْ لديكِ مانعٌ يا ( طنط ) .. أعني أنا لسْتُ أكولةً فلا خوفَ من هذه الناحية ”
ابتسمَتْ الأمّ على الرغمِ منها ، وفركَتْ أذنَ صديقة بنتِها برفقٍ كالمعاتبة ، ثم قالَتْ :
– ” ما الذي تفعله ( غيداءُ) ؟ “
– ” ترتدي ملابسَها! ”
اتسعَتْ عينا الأمّ .. ثم انتبهَتْ إلى أنّ هذه _ على الأغلبِ _ دعابةٌ سخيفةٌ ، ففركَتْ أذن الثوريّةِ الحسناءِ الواقفةِ أمامَها .. هذه المرة بشدةٍ أجبرَتْ ( حياةَ ) على التأوّه قبل أن تقولَ في عجلةٍ :
– ” آه .. آه … أعني إنها تستمع لفيديو ما على الحاسبِ .. لقد كانَتْ مزحةً ”
نظرَتْ الأمُّ إلى صديقةِ ابنتِها ، وقالَتْ :
– ” بالطبعِ إنها مزحةٌ ، ولكنها مزحة سخيفة .. لا تكرّريها “
– ” حاضر ! ”
– ” ولا تتأخرَا فيبردَ الطعامُ 
– ” حاضر! ”
ثم أغلقَتْ ( حياةُ ) البابَ …
ونظرَتْ إلى داخل الغرفة فرأَتِ العينين الخضراوين تنظران في ذعرٍ ، وسألَتْ صاحبتُهما التي فرغَتْ للتوّ من ارتداءِ ملابسِها :
– ” هل تعتقدين أنها عرِفَتْ ؟ ”
– ” إن كان هذا هو ردَّ فعلِها بعد أن تعرفَ ، فممَّ تخافين ؟ ”
– ” معكِ حقّ ، لو كانَ لديها أدنى شكّ في أنّ ما حدث للتوّ قد حدثَ ، لما ردَّتْ عليكِ بهذا الهدوءِ ! ”
– ” ( غيداء ) أنا أعْرِفُ أنّها أمُّكِ وأنكِ أعلمُ بها مني ، ولكنْ هل خطر لكِ أنها ربما كانتْ هي الأخرى … ؟ على الأقلّ في شبابِها ؟ لماذا تتصورين أنها عدوٌّ لنا ، ولو علمَتْ بما بيننا لثارَتْ عليكِ ؟! ”
– ” هل تمزحين ؟! ذلك الجيلُ أبعدُ ما يكون عن مثل تلك الممارساتِ .. لو كنْتُ صريحةً معكِ فأنا لا أعتقد أنّ نساءَ ذلك الجيلِ يعرفْنَ كيف يستمْنينَ حتى.. ولعلهنّ يعتقدْنَ أنّ ذلك خاصٌّ بالرجالِ … أعني : هل تعتقدين أن أمَّكِ أنتِ .. 
قاطعَتْها ( حياة ) :
– ” في الواقع إنّ لديّ شكوكي .. وقد زاد منها ما أخبرَتني به أمي هذا اليومَ عن ماضيها الثوريّ ، وكذلك بعضُ أسئلتِها عن العلاقةِ بيننا  
– ” أمُّكِ أنتِ ثوريةٌ قديمة ؟! .. مهلاً  ، ماذا تعنين بأسئلتِها عن العلاقة بيننا ؟ ”
– ” نعم ، لقد سألَتْني إنْ كنْتِ حسناء ، في معرض استفسارِها عن سبب تظاهري من أجل المطالبة بعودتكِ إلى الجامعة .. قد يكون سؤالاً بريئاً .. وإن لم يبدُ كذلك … ولكنْ على الأغلبِ فإنها _على الأقلّ_ تعلم بإمكانية وقوع شيءٍ ما بين فتاتَين ”
جاءَ صوتُ الأمّ :
– ” ( غيداء) ، ( حياة ) .. الأكلُ سيبرد ! ”
رفعَتْ ( غيداءُ ) صوتَها :
– ” قادمتان ! ”
ثم سألَتْ صاحبتَها :
– ” وأنتِ تريدين أن تسحبي ملاحظاتكِ تلك على أمي أنا أيضاً ”
ردَّتْ ( حياةُ ) في عبثٍ :
– ” من يدري ؟ لعلّه كان بينهما في غابر الأزمان مثل ما بيننا الآن ! ”
– ” هذا إغراقٌ ! ”
– ” ولكنْ لو لم يكن إغراقاً ، وكان حقيقةً .. أفلا يثير ذعركِ أنه قد ينتهي بنا الحالُ نحن أيضاً إلى نفس المآلِ .. متزوجتَين من رجلَين .. وقد تفرقَتْ بنا السبلُ .. حتى إن بناتِنا _ وأبناءَنا _ لا يدرون أننا كنا نعرف بعضنا البعض .. بله أنه كان بيننا حبٌّ وعشقٌ ؟ ”
– ” هذه فكرة مخيفة .. ولكنْ خذي في الاعتبارِ أننا ثوريّتانِ _ أعني أنتِ أكثرُ عراقةً مني بكثيرٍ في الطريق الثوريّ ، ولكنني سائرةٌ على خطاكِ _ .. وعليه فنحن لن ننهزم بسهولةٍ أمامَ الأمواج .. ولن نخضعَ لما يُفْرَضُ علينا من الخارجِ ! ”
– ” هذا هو أكثر ما يخيفني .. لقد كانَتْ أمي ثوريةً هي الأخرى ثم انكسرَتْ .. فما الذي يمنع أن ينتهي بنا الحالُ نحنُ أيضاً مكسورتَين ؟ ”
– ” الغداء يا بناتُ ! ”
– ” حاضر ! ”
– ” ( حياة ) ! لا تخافي ! كما أنّ ثورتَنا نجحَتْ وثورتُهم فشلَتْ فكذلك سيكونُ الأمرُ على الأغلبِ في سائر مناحي الحياةِ .. لن نكرِّرَ أخطاءَ الماضي .. ولن نسمحَ لأحدٍ أن يُجْبِرَنا على شيءٍ لا نريده ! ”
– ” لقد خرج الماردُ من القمقم ؟ ”
– ” لقد خرج الماردُ من القمقم ! ”
– ” فهل توافقين على أن نعلنَ علاقتَنا على العالم بأسره ، وليقبَلْها من يقبلُها ويرفضْها من يرفضُها ؟ ”
– ” إمم .. هذا يبدو راديكاليًّا إلى حدٍّ ما .. لماذا لا نبقي علاقتَنا سرًّا على الأقلِّ في الوقتِ الحالي  ، ونهتم بالقضايا الأكثر محوريّةً في محاربة الظلم والفساد ؟ 
– ” إذاً فالماردُ لم يخرجْ من القمقمِ يا عزيزتي .. كما يقول الشيوعيون : إن قطارَ التنازلاتِ ليس فيه محطات … ما دامَتْ حقوقُنا كمثليّاتٍ مهدرة .. ولا بدّ من إخفائها عن العيون .. فحقوق الآخرين أيضاً على وشْكِ أنْ تهدرَ … هذا من ذاك! ”
صوتُ الأمِّ خضراءِ العينين يرتفع ، وكأنّ صاحبتَه تسمع حوارَ الثوريتين الصغيرتين ، وتعلنُ أنّ ثورتَهما في المرتبة الثانية لما تدعو إليه  :
– ” الغداء ! ”
وتفطنُ ( حياة ) إلى عبثيّة الموقفِ :
– ” الغداءُ بالفعلِ !  .. الغداءُ دائماً سيأتي أوّلاً .. ما جدوى الحبّ الذي لا يعترفُ به من يصنعون الغداء ؟ ”
– ” ( حياة ) ! لا داعي للراديكالية .. سنجد مخرجاً وسطاً .. ”
– ” لا يوجد وسطٌ في هذه المسائل للأسف  .. لقد كان ما بيننا أجملُ من أن يكون حقيقةً .. وعلينا أن ” ننضج ” ونعترف بأن الواقع أمَارَتُه المرارةُ .. فمتى حلا شيءٌ ما , فهو خيالٌ توهَّمْناه ..”
همَّتْ ( غيداءُ ) بقولِ شيءٍ ما ، ولكنّ حبيبتَها عاجلَتْها _بينما هي تفتح البابَ لتغاردَ الغرفةَ والشقةَ والثورةَ _ :
– “الوداعَ يا أحبَّ الناسِ إليّ .. الوداعَ ! ”
—————- ( تــمَّـتْ) —————-
 

قصة : الواقع ؟ نحن مَنْ صنع ذلك ! ( م / ف )


قصة : الواقع ؟ نحن مَنْ صنع ذلك ! ( م / ف )
– بضعة تنويهاتٍ :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين ذكور وإناث ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب مما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
– اقتباسات :

1 – ” بوسعك أن تقدم الآلاف من أكواب القهوة الإنترنتيّة . وأن تكتب ألف سَتْهٍ إنترنتيّ . وأن تمنح خمس مئة  طوق إنترني لخمس مئة خاضعة إنترنتية. بإمكانك أن تركع إنترنتياً أمام قدمين إنترنيين لألف مسيطر إنترنتي ، وأن تكتب لهم عشرة آلاف جنس فموي إنترني . كل هذا لا يساوي ثانية واحدة من تجربة عملية في العالم الحقيقي، مهما رغبْتَ في ذلك (؛ في أن يتساويا ) !

الكتابة ، والدردشة بالكاميرات والعبث في العالم الافتراضي لا يجعل أيَّ شخص خاضعاً حقيقيًّا أو سيداً حقيقيَّا أكثرَ مما تجعل لعبة (كول أوف دوتي) شخصاً ما جنديًّا حقيقيًّا .

إلى أن تنتظري ، عريانةً على ركبتيكِ ، رافعةً بصركِ إليه بينما هو يرمقك من علوّ … وأداة عقابكِ التي اختارها في يده بينما هو يفكر أثناء الصمت المتبادل فيما سيفعله بكِ ؛ وأنتِ منتظرةٌ وَعْدَ سيّدِكِ بالحبّ الغامر والاهتمام الوحشيّ ، وتعلمين أنه سيفعل بكِ ما يحلو له وأنكِ لن توقفيه … حتى تفعلي ذلك فإنكِ لن تكون لديك أدنى فكرة عما يعنيه أن تضعي حياتكِ بين يديه وأن تمنحي عقلكِ وجسدكِ لإرادتِه !

والعكس : إلى أن تقف أمامَها ، نازلاً ببصرك إليها بينما تتأمل فيما ستصنعه ، عالماً أنّ حياتَها بين يديك ، وعيناها مرفوعتان إليك وفيهما ثقة تمسّ الروحَ ؛ ثقةٌ تبلّغكَ أن تفعل ما يحلو لكَ بها … أنْ تأمرَ بما تشاء وستطيعك … أنْ تحمل على عاتقك عبء هذه المسؤولية عن إنسان آخر .. إلى أن تفعل ذلك فليس لديك أدنى فكرة عما يعنيه أن تكون مسيطراً .

إنْ كنْتَ لا تعتقد أنك _عندما تَخْضَعُ هي لك_ تحوز حياةً بين يديك ، فإنك لا تزيد على أنك تلهو وتعبث ! “

تايلور روز ( 1969 –   )

2- ” إذا لمْ يوافقِ الواقعُ النظريَّةَ … غيِّرِ الواقعَ ! “

ألبرت أينشتاين ( 1879 – 1955 )

3- ” إن الطبيعة تقلد الفنان ! ”

أوسكار وايلد ( 1854 – 1900 )

*********
– القصة :
1- أمُّنُا الأرْضُ !
________________________
الزمانُ : فجر التاريخ
المكانُ : على ضفاف نهر الفرات
لهبُ النار المشتعلة في كتل الحطب المتراصّة يتراقص بجنونٍ وقد عصفَتْ به الرياح فما زادتْه غير تأجّجٍ واشتعالٍ …
البرد القارص قد احتجب وراء دائرةٍ مركزُها النارُ ، وقد بدأ قطرُها في الانكماش مع توغل الليل وتناقص الحطب غير المتفحم ، فتمتدّ يد العجوز بأغصانٍ جافّة تلقيها في النار لتزداد توقّداً وتزداد دائرة الدفء اتساعاً …
ثم تكْملُ القصّةَ للشابات والشباب المحيطين بها وأعينهم شاخصةٌ إليها وقد غفلَتْ أجسادُهم عن الحركة كأنهم تماثيلٌ ….
منظرُهم يزيد من أشجان العجوز ويذكّرها بتلقيها تلك القصص عن جدّتِها عندما كانتْ الجدة في مثل سنِّها وكانتْ هي في مثل سنّ هؤلاء الشباب … ومع الذكرى يزداد صوتُها حنينًا وإثارةً …
– ” …. ثمّ نزلَتْ ( نضراءُ ) ذاتُ النضارة ملكة الربيع من منزلِها السماويّ البهيّ بعد أن سمعَتْ شكوى الفانين وأنينَهم الذي حجبَ صوتَه البردُ القارصُ الذي يجبر الألسنة على البقاء في الأفواه المغلقة …
وما إن لمسَتْ قدمُ ( نضراء ) الأرض حتى نمَتِ الحشائشُ في موطئِ قدمِها ، ومدَّتْ يدَها إلى الأشجار فأورقَتْ ونمَتْ أزهارُها وتفتَّحَتْ ، وانتشر الضياءُ في المكانِ فانتبه إليه ( غاسق ) شديد البأس ، فسار بسرعةٍ نحوَها ، وخطاه القويّة تهز الأرضَ وتبثّ الرعبَ في قلوب الفانين الذي حلّ بهم عذابُه لأسابيع طويلة ، ولما تقابل ( غاسق ) مع ( نضراء ) عاجلَتْه بضربةٍ نافذةٍ ألقَتْه أرضاً ، فهلّلَ الفانون لانتصارِ ملكتِهم على الشيطان الشرير ، ولكنّ ( غاسقَ ) الماكرَ سرعان ما نكص على عقبِه ، وفرد جناحيه الضخمين وطار مبتعداً وهو يتضعضع من أثر الضربة …
وعادَتْ ( نضراء ) ذات البهاء السماويّ لتنشر الربيع في أنحاء الأرض البائسة حتى عادَتْ جنّة غنّاء ، وأٌقبل الناس يأكلون ويشربون ويستمتعون بجمال الأرض … واستمرّ بهم الحالُ أسابيع طويلةً حتّى نسَوا أهوالَ العذابِ الذي حاق بهم على يد ( غاسق ) …
وفي أحد الأيام شعرَتْ ( نضراءُ ) بالضعفِ والتعبِ ، فأقبل الفانون عليها ليعرضوا الأعشابَ التي اعتادوا أن يتداووا بها من مثل هذه الأمراض ، ولكنّ ( نضراء ) السماويّة كانتْ تعلم أنّ هذه الأعشابَ ليسَتْ من القوّة بما يكفي لتعالجها من وجعِها ، وأخبرَتْهم أنّ عليها أن تعود لمسكنِها السماويّ لتشرب من نبع الخلودِ وتأكلَ من ثمار شجرة الحياة لتعودَ إليها قوتُها … ولمّا رأتِ الخوفَ في أعين الفانين طمأنَتْهم أنّها ستعود لهم ما إن تستعيد قوَّتَها ، وشكا إليها الفانون خوفَهم من ( غاسق ) ذي البأسِ , ومن أن يعودَ لعذابِهم ، فأخبرَتْهم بالتعاويذ المقدسة التي يدعونها بها إذا حلّ بهم بأسُه ، لتسمع شكواهم وتنزلَ إليهم لتقضي عليه ..
 ثم صعدَتْ إلى السماءِ …
وما إن اطمأنّ ( غاسق ) اللئيم إلى مغادرتِها حتى عاد لينكّل بالفانين وينشر فيهم الظلام والبرد ويقضي على شجرِهم وأعشابِهم ويمرض بهائمهم ويهزلها ، وينشر الخوف والمرض في صغيرِهم وضعيفِهم ، ولجأ الفانون للتعاويذ ، ولكن ( نضراء ) لم تأتِ ، فهرعوا إلى الحكماء فأخبرَهم الحكماءُ أنّها _لا بدّ_ مَنَعَهَا ضعفُها من الاستجابةِ لهم ، ولكنّها ما إنْ تشربْ من ماء الخلود وتأكلْ من شجرة الحياة حتى تستعيد قواها وتجيب دعواهم ، ونظر هؤلاء الحكماء في النجوم ، فتوصّلوا إلى أنها تستعيد قواها في اليوم الذي يظهر في ليلتِه النجمُ المسمى بالنيروز ، فمتى ظهر النجمُ فليلحّ الفانون بالتعاويذ المقدسة ، وليقدموا الطقوس المعلومة حتى تسمع ( نضراء ) شكواهم فتنزل للقضاء على عدوّهم الجبار ( غاسق ) … ”
كانَتْ أعينُ الشبابِ مربوطةً بتجاعيد وجه العجوز وهي تروي لهم القصة المقدسة كما توارثَتْها القبيلة لقرون عديدة .. وعندما رفعَتْ العجوزُ عينيها إلى السماء وبسطَتْ يدها ممدودة الإصبع التفت الشبابُ جميعاً إلى ما تشيرُ إليه … وجاءَ صوتُ العجوز من غياهبِ التاريخِ بالكلمة المرتقبة :
– ” نيروز ! ”
نظر الشباب في توجس ورهبة للنجم المقدس ، وهو يلمع في السماءِ ، كانوا يعلمون منذ طفولتِهم أنّ دورَهم سيأتي ذات يومٍ ليقوموا بالطقوس المقدسة ليرضوا ( نضراء ) ملكة الربيع حتى تنزل إلى الأرض وتنشر البهجة والضياء .. ولم يكنِ الشباب ولا الشاباتُ بحاجةٍ إلى تحضيضٍ من العجوز ليقوموا بما عليهم القيامُ به …
ونهضَتْ فتاةٌ ثم تبعَتْها أخرى ثم قامَتْ الباقياتُ ووقفْنَ صفًّا أمامَ النارِ ثم بدأنَ في نزع ملابسهنّ حتى وقفْنَ عارياتٍ ولم يكنِ البردُ وحدَه ما تسبّب في ارتجافهنّ ، ولما تعرَّيْنَ بدأتِ العجوزُ في تلاوة التعاويذ التي لم تفهم الفتياتُ منها شيئاً ، ثم قالَتِ العجوزُ :
– ” ( نضراء ) يا مليكتنا الغالية ، هؤلاء فتيات القبيلة قد وقفْنَ أمامكِ كما ولدتْهنّ أمهاتُهنّ يسألنكِ أنْ توفي بوعدكِ القديمِ الذي وعدْتِ به جداتِهنّ أنْ تعودي لنشر الربيع في أرضهنّ متى استعدْتِ قوَّتكِ وشربْتِ من ماء الخلودِ وأكلْتِ من شجرة الحياةِ ، وقد طلع النيروزُ دليلاً على بلوغكِ _يا عظيمة القدر_ قوَّتَكِ الكاملة فأوفي بوعدكِ ، واقضي على عدوِّنا الظالم الغاشم ( غاسق ) ، وانشري فينا الربيع! “
صدر عن النار قعقةٌ ضخمةٌ فارتجفَتِ الشاباتُ ، أما الشبابُ فعلموا أنّ تلك القعقة إشارةُ البدء لتنفيذ دورهم في الطقوس ، فقام كلّ واحدٍ منهم فوقف بإزاء فتاةٍ من الفتياتِ ، ثم بدأوا في التعري أيضاً ، حتى لم يبقَ شيءٌ من الملابس على أحدٍ إلا ما ترتديه العجوزُ التي أكملَتْ قراءةَ تعاويذِها :
– ” يا ( نضراءُ ) , يا مليكتنا الغالية ، وها هم شباب القبيلة قد وقفوا أمامك كما ولدتْهم أمّهاتُهم يسألونكِ مثل ما سألكِ إياه فتياتُ القبيلة ، فإن كنْتِ قد بلغْتِ كاملَ قوتكِ وليس بكِ سخطٌ علينا وحانَ زمانُ نزولكِ لأرضنا فلتقعقع النارُ إيذاناً بذلك ! ”
حلَّ صمتٌ رهيبٌ في المكان بعد أن فرغَتِ العجوزُ من كلامها ، فنظرَتِ الشابّاتُ في خوفٍ للشبابِ ، وجاء صوتُ العجوزِ الضعيف وقد اكتسب قوةً غير بشريّةٍ ، وهي تصيح في حزم :
– ” فالآن يا مليكتَنا الغالية نعلم أنّكِ ساخطة علينا ، ونقتصّ من هذه العذراوات من بنات القبيلة على يدِ أبنائها حتى ترضَي علينا ”
كانَ سيرُ الطقوسِ الطبيعيّ ينتهي بقعقة النار ثم ارتداء الجميع لملابسهم وعودتهم إلى بيوتهم في انتظار الربيع ، ولكنْ في بعض السنين قد تتأخر تلك القعقة الثانية فتستمر الطقوس حتى تقعقع النارُ …
نظرَتِ العجوزُ إلى الشبابِ وهزَّتْ لهم رأسَها ، فتراجع كلٌّ منهم خطواتٍ ليلتقط عصا مغروسة في الرمل نضرة قد حوفظ على نضارتِها ما أمكن بكل الوسائل المتاحة للقبيلة وقد أعدّتْ خصيصاً لهذه المناسبة ، حتى تكون بقيّةً من موسم الربيع الماضي يستجلبُ بها رضا ملكة الربيع ليحل موسم الربيع الجديد … ثم تقدم الشباب إلى الشابات اللواتي ولين أدبارَهنّ لشباب القبيلة وانحنين حتى مسَّتْ أصابعهُنّ أخماص أقدامِهنّ في انتظار القصاص أن يقع عليهنّ _ أنْ كنَّ عذراواتٍ_ نيابةً عن سائر القبيلة حتى ترضى ملكة الربيع وتحل بديارهم … ووقف كل شابٍ بجوار فتاةٍ ثم رفعوا عصيَّهم معاً ، وانتظروا حتى أشارَتْ إليهم العجوزُ فهووا بعصيّهم على مؤخرات الفتياتِ ، لترتجّ هذه في ألمٍ تجاهلَتْه العجوز لتصيح بصوتها العتيق :
– ” يا ملكة الربيع ، فهل رضِيْتِ ؟ ”
ويبدو أن سخط ملكة الربيع على القبيلة كان أكبر من أن تذهب به ضربة واحدةٌ ، فبقيَتِ النار تلتهب ولكنها لا تقعقع ، وعادَتْ نظراتُ الخوف لعيونِ الشابات المطرقة إلى الأرض ، ولم يكنّ يريْنَ ارتفاع العصيّ ولا إيماءَ العجوزِ إذناً للعصيّ بأن تهوي ، فكانَ وقعُ المفاجأة مما يزيدُ من ألمِ العصيّ النضرة على أستاههن البضة ، وعادَتِ العجوزُ للسؤالِ وعادَتْ ملكة الربيع للسكوتِ ، وعادَتْ العصيّ للارتفاع وعادَتْ المؤخرات للالتهاب تحت وقع العصيّ عليها .. ولكنّ النار بقيت على صُمَاتِها ، لتزيد النارُ اشتعالاً في أرداف العذراواتِ ، وبقيَتِ الأمورُ على هذه الحالِ حتى تمَّتْ الضرباتُ عشراً تركْنَ علاماتٍ ؛ ناراً في الأرداف ، وماءً في العيون ، وماءً وناراً معاً في القائم من القائمين وفي المنحني من المنحنيات!
– ” يا ملكة الربيع ، فهل رضِيْتِ ؟ ”
صمْتٌ …
صوتُ العصيّ تشقّ الهواءَ …
تأوّهٌ وراءَه ما وراءَه …
– ” يا ملكة الربيع ، فهل رضيتِ ؟ ”
صمْتٌ …
صوتُ العصيّ تشقّ الهواءَ …
تأوّهٌ ليس وراءَه شيءٌ غير التأوه …
– ” يا ملكة الربيع ، فهل رضيْتِ ؟ “ 
قعقة النارِ!!
– ” يا مليكتَنا ، ولكِ الغبطة ، لقد تمَّتْ لكِ السعادةُ باكتمال قوّتكِ ، وقد بلغ بنا فعلُ عدوّكِ وعدوّنا ( غاسق ) اللعينَ ما لا يخفى عليكِ ، فعجّلي بنزولكِ والقضاءِ عليه ؛ ليعود الربيع إلى ديارِنا ، وتعود الحياةُ إلى أرضِنا وأجسادِنا وبهائمِنا ! ”
كانَتْ هذه الخاتمة المعتادة وقد تعوّد الشباب والعذراوات على ارتداء ملابسهم بعدَها ، ولكنْ بما أنّ هذا الطقسَ القصاصيّ الاستثنائي لم يسبقْ لأيٍّ منهم تجربتُه ، فقد نظر الشبابُ إلى العجوز مستفسرين عما عليهم أن يفعلوه ، بينما بقيَتِ الفتياتُ منحنياتٍ كما هنّ ، وإنْ تنفسْنَ الصعداءِ لنهاية ” العقاب ” وتفرَّغْنَ للتفكيرِ في أمورٍ أخرى!
أمرَتِ العجوزُ الشبابَ أن يرتدوا ثيابَهم ، والشابّاتِ أن ينهضْنَ ويرتديْنَ ثيابَهنّ كذلك ، ثم أطفأوا النارَ وعادوا لبيوتِ القبيلة ، واستقبلَهم الكهولُ بالتهليل والمعانقة ، والأطفالُ بالغيرةِ وتمني أن يحلَّ عليهم الدورُ ليقوموا هم بالطقوس المقدسة …
كان الربيعُ على وشك الحلولِ ، وستكثر فيه الأغصان النضرة الرطبة من مثلِ التي استعمِلَتْ آنفاً في تلك الطقوس، ولن يحتاج الأمرُ أكثرَ من اختلاق مناسبة ما يبرَّرُ فيها هويُّ  تلك الأغصان على تلك الكثبان ليعود قيامُ تلك العيدانُ وبللُ تلك الوديانُ … ولمّا أخلد المشاركون في تلك الطقوس إلى النوم في تلك الليلة كان في عقل كلٍّ منهم؛ فتيانِهم وفتياتِهم ..مناسباتٌ عديدة وأعذارٌ عديدة ؛ تعددتُ وتنوَّعَتْ ، ولكنّها كلُّها تنتهي نهايةً واحدةً ؛ نهايةَ حمراء آسفة !
***********
2- ليس هناك نقطة ارتكاز !
____________________
الزمان : سنة 2008 ميلادياً
المكان : على ضفاف نهر النيل
كان المحاضرُ ملولاً ، وهذا يعني أنه يشرح الفكرةَ مرّةً واحدةً ومن لم يفهمْها فهذا شأنُه ….
كان هذا مناسباً لي ؛ أنا لا أحتاج إلا إلى المرة الأولى ، وأحياناُ أفهم الفكرة في منتصف شرحها حتى ، وأتثاءبُ في مللٍ منتظرةً أن يكملَ الشارح الصورة التي كمُلَتْ عندي بالفعلِ …  ولهذا فقد كنْتُ معجبةً بهذا المحاضر ..
– ” لا أرغب في الخوض في مفهوم الإرادة وفكرة الجبر والاختيار في بعدَيْها العلمي والديني أو المادي والميتافيزيقي ، ولكنّي سأشير في عجالةٍ إلى الفكرة التي سنحتاج إليها في شرحِنا اليومَ ، وهي فكرةُ قدرةِ الفرد أو المجموعة القليلة من الأفراد على تشكيل الوعي الجمعي للجماعة ، أو بعبارة أخرى : النخبوية أم الديمقراطية. ”
كانَتْ هذه السرعة لا تناسب البعض على الذي يظهر ، ولذا فقد رفعَتْ إحدى المشاركاتِ يديها ، ولمّا بدا أنه يتجاهل اليدَ المرفوعةَ تجاهلاً تامًّا ، فقد قامَتْ بدون إذنٍ ، وقالَتْ بصوتِها الجهير :
– “  لم أفهمْ حرفاً واحداً من بداية المحاضرة ”
– ” هذه ليسَتْ محاضرةً ؛ لا يوجد امتحان أو درجات أو درجة علمية أو شهادة حضورٍ ، وأنا لم أتقاضَ منكِ ولا من غيركِ شيئًا ، فبإمكانكِ الانصراف إن شئتِ”
كان كلامُه صحيحاً ، ولكنّ المشكلةَ أكبرُ من ذلك :
– ” ولكنّك تضيّع وقتَكَ ووقتَنا ؛ والوقتُ أثمنُ من المالِ ”
نظرْتُ في استمتاعٍ إلى ملامحِ وجهه وهو يوشك على الانفجار ثم يتمالك نفسَه في اللحظة الأخيرة ، ثم قال :
– ” هلّا تقدمْتِ إلى المنصة رجاءً ! ”
كان ردُّ الفعلِ الطبيعيّ أن تتراجع ، ولكنّ هذه الفتاةَ جريئةٌ بالفعلِ ، فتقدَّمَتْ بخطواتٍ ثابتةٍ إليه ، وسلّمها المايكرفون طالباً منها أن تذكر اسمَها وسنَّها واعتراضَها على أسلوبِ شرحه ، فاستمرَّتْ في جرأتها التي تصل إلى التبجح :
– ” (ساندي) ، أربع وعشرون سنة ، لم أفهم شيئاً ”
علا صوتُ الضحكاتِ ، فقال المحاضر وهو يكظم غيظَه :
– ” ( ساندي ) ؟!  هل تحملين جنسيةً أخرى غير المصرية ؟ “
– ” إن ( ساندي ) اسمٌ شائعٌ الآن في مصر ”
– ” ولكنكِ لسْتِ الآن ، أنتِ أربع وعشرون سنة مضتْ ؛ لم يكنْ هناك أطباق صناعية وقنوات فضائية عندما ولِدْتِ ”
– ” بإمكانكَ أن تناقش ذلك مع والدي إن أحبَبْتَ ، ولكنّ هذا هو اسمي! ”
بدا أنّ المزيد من الضغط يمكن أن يؤدي إلى الانفجار ، وكنْتُ أنا حريصةً على أن أرى نوعيّةَ السبابِ الذي يستعمله أكاديميٌّ نافد الصبر كهذا المحاضر … ولكنّه بدا _ لسببٍ لا أعلمه _ مستعدًّا لمجاراة سليطة اللسان هذه ، وسأل :
– ” حسناً يا ( ساندي ) ، لماذا لمْ تفهمي شيئًا ؟ “
– ” لأنك سريعٌ ، وتفرغ قبل أنْ أدرك أنك بدأتَ حتّى ! ”
بعض الضحكاتِ التي فطنَتْ إلى التورية الجنسية … لا أعتقد أن ( ساندي ) _ التي لم تفهم شيئاً _ قد تعمَّدَتْ هذه التورية ، إنها تبدو أحمقَ من ذلك ، ويبدو أن هذا هو ما يفكّر فيه المحاضر أيضاً ؛ أنها لم تتعمّدْ المعنى البعيد ، بل وقعَتْ عليه صدفةً ، ولهذا فقد جاهد ابتسامتَه ، وقال :
– ” حسناً ، هل يمكنكِ أن تذكري شيئًا بعينِه حتى أشرحه لكِ ببطءٍ فلا أفرغ حتى تملّي أنتِ أولاً ! ”
حسناً إنّ توريتَها هي _ حتى لو كانَتْ غير متعمدة _ أفضل بكثير ، وردَّتْ ( ساندي ) :
– ” مثلاً عندما قلْتَ إنه ليس هناك نقطة ارتكاز ؛ هل هذه محاضرة في الهندسة ؟!  ما معنى هذه الجملة ؟ ”
لا أدري لماذا رفعْتُ يدي ، ربّما شيءٌ ما فيّ كان مستاءً من سرقة هذه المتبجحة الجاهلة للأضواء بينما أنا _ ولعلي الوحيدة التي تفهم كل ما قيل _ لا يلتفت لي أحدٌ ، وفي هذه المرة فقد انتبه المحاضر إلى يدي الممدودة ، وابتسم ، وتناول المايكرفون من ( ساندي ) ، وقال :
– ” حسناً ، متطوعة أخرى ، هلّا تقدمْتِ إلى المنصة رجاءً ! ”
خفق قلبي بعنفٍ ، كان يكفي أنْ يشير لي لأجيبَ _ وهذا في حدّ ذاته مخيف _ أمّا أن أتقدم لأكون في دائرة الضوء أمام كل هؤلاء الأفراد فهذا مرعبٌ _ ولكنْ أليس هذا ما حسدْتُ ( ساندي ) عليه ؟! _ ، قرَّرْتُ أن أثقَ بنفسي وأتقدم ، ولكنّ نفسي لم تثق بنفسِها ، وظلَّتْ ترتعد بين جانبيّ ، وعندما دنوْتُ من المحاضر ، ومن ( ساندي ) المبتسمة في سخرية ، قال المحاضرُ :
– ” الاسم ، السنّ ، الجواب! ”
– ” ( دينا ) ، اثنتان وعشرون سنة ، إمممم ”
قاطعَتْني ( ساندي ) :
– ” هذا هو الجوابُ ؟ “إممم” ؟ “
– ” هلّا خرسْتِ ! ”
واو ، إنّ هذه الفتاةَ تثير الحنق فعلاً ، ونظرْتُ إلى المحاضرِ لأعتذرَ له ، ولكنّه بدا مستمعاً بردّي ، فتجاهلْتُ الاعتذارَ ، وقلْتُ :
– ” الجوابُ هو … ”
– ” هل ستسمح لها بأن تقول لي اخرسي ، دون أن تعنّفَها ؟ ”
– ” إنها لم تقل : اخرسي ، بل قالَتْ : هلا خرستِ ، هلّا : تفيد الحث ، وتُلَطِّفُ من وقع الإهانة ! ”
كان هذا دورُه ليتذاكى عليها ويستغلّ إهانتي في الانتقام من بجاحتِها ، فقلْتُ وقد تجاهلْتُها تماماً :
– ” نقطة ارتكاز ، تعني أن الإنسان لا يستطيع الحكم بصورة موضوعية مطلقة على أي شيءٍ لأنه حتى يفعل عليه أن يخرج نفسَه من الصورة ويقف على نقطة ارتكاز تسمح له برؤية الأشياء المتغيرة دون أن يتأثر بها ، وهو ما لا يمكن أن يحدث لأنه هو نفسه أحد المتغيرات ، ومن ثم فأي نتيجة سيصل إليها ستكون قابلة للشك ، لأنه لا توجد نقطة ارتكاز ! ”
– ” ما هذه السفسطة ؟! ”
كدْتُ أنْ أردّ عليها ، ولكنّ المحاضر أثلج صدري عندما ردّ هو :
– ” إجابة جيدة , ( ساندي ) ارجعي إلى مقعدكِ رجاءً! ”
– ” ولكنّي لا زلْتُ لا أفهم! ”
– ” لا أعتقد أنّ الأمر بيدي! ”
واو ؛ هذا ردٌّ جيّدٌ …. نظرَتْ ( ساندي ) إليّ في غضبٍ ، وكأني اختطفْتُ منها حبيبَها .. مهلاً ، أهذا ما جعلني أرفع يدي ؟!!
– ” هذا جوابٌ جيِّدٌ يا آنسة ( دينا ) ، بإمكانكِ أن تعودي إلى مقعدكِ أيضاً ”
ولكنّي لم أعدْ لمقعدي ؛ كان هناك مقعدٌ شاغرٌ بجوار تلك الـ ( ساندي ) فجلسْتُ فيه ، ونظرْتُ للمحاضرِ فوجدْتُه ينظر جهتَنا في استغرابٍ ، ولكنّه قرر أن هذا ليس مسلسلاً أسبانيًّا ، فاستمرّ في محاضرتِه ، وتابعْتُه بالكادِ بسبب انشغالي بانشغال ( ساندي) التي ظلَّتْ تلهو بمحمولها طيلة المحاضرة ، فلمّا انتهَتْ جاء صوتُ المحاضر ليعيد أجواء المسلسل الأسباني :
– ” ( ساندي ) ، ( دينا ) ! هلّا جئتما إلى هنا رجاءً! ”
كان الجمْع يواصل الانصراف عندما تقدمْتُ إلى مقدمة القاعة ، وووصلَني صفيرُ بعضِ الماجناتِ ، وكأنّها تقترح أن شيئًا ما سيحدث فنظرْتُ إليها في اشمئزازٍ ؛ كان ذلك المحاضرُ وسيماً وصغير السنّ نسبيًّا ، ولكنّ هذا لا يعني أيَّ شيءٍ بالنسبة لي ، الأمر لا يعدو مقترحاً أحمق من الشركة لتطوير كفاءة الموارد البشرية بإعداد دورات في علم النفس والفلسفة يشارك فيها كبارُ أساتذة الفلاسفة الجامعيين ، كان هذا ما تقوله الدعاية ، وربما بسبب ولعي بالفلسفة فقد قبلْتُ المشاركة في هذه الدورة المجانية ، ولا زلْتُ لا أرى في الموضوع أكثر من الفلسفة ، لا شيء أكثرَ من ذلك !
كنا قد وصلْنا إلى بداية القاعة ، فوقفْنا أمام مكتبِه ، بينما هو يُدْخِلُ بعضَ الأوراقِ في حقيبتِه تأهباً للانصرافِ ، وعندما فرغ من ذلك كانَتِ القاعة خاويةً إلا من ثلاثتِنا ، ونظر تجاهَنا وقد عاد إليه مللُه ولا مبالاتُه ثم قال :
– ” لقد بقيَتْ لي محاضرتان أو ثلاثة في هذه الشركة  ولا أريد مشاكل ، في الواقع أنا لا أدري كيف تعاقد هؤلاء مع جامعتي لأعطي هذا المحاضرات ؛ مَن سمح بهذا الموضوع ؟! ولكنْ ربّما لأنها شركة عامة لا تملك إمكانيات كافية لطلب محاضرات من هؤلاء الذين يؤلفون كتباً عن كيفية تحقيق النجاح وأنت نائم ، وهذه الأشياء! ”
– ” مدربو التنمية البشرية ! ”
– ” نعم ، هذا هو اسمهم ، شكراً ( دينا ) ! ”
– ” أنا أيضاً كنْتُ أعرفُ الإجابةَ ، ولكنّي لم أشأ أن أقاطعَكَ! ”
– ” حسناً ، شكراً لكِ أنتِ أيضاً يا ( ساندي )! المهمّ : أنا أتمنى أن تمر المحاضرتان الباقيتان على خيرٍ ، معظم الحضور كما تريان لا يهتمون كثيراً بما أقوله ، ولكنّ شجار فتاتين سيستدعي اهتماماً سلبيًّا ، وسيحول بيني وبين أداء عملي ، كما أنّ… ”
لم أستطعْ أن أمنعَ نفسي من مقاطعتِه :
– ” المعذرة ، ولكنّي أعتقد أن الأمر أكبر من شجار فتاتين ، قبل أن أوجد أنا في الصورة ، كانتْ ( ساندي ) قد قاطعَتْكَ ، وقالَتْ أنك لا تحسن الشرح ، وقلَّلَتْ من شأنك ! ثم ظلَّتْ بقية المحاضرة تلهو بمحمولِها ”
– ” أنتِ فعلاً حقيرةٌ ، هل تدرين ذلك؟ “
جاء صوتُه وكأنه أبٌ متعبٌ من شجار أبنائه :
– ” ( ساندي ) رجاءً لا داعيَ للألفاظ السوقيّة ! ”
– ” هذا هو كلّ ما تراه ؛ الألفاظ السوقية ؟! لقد تطاولَتْ عليّ قبل قليلٍ! ”
– ” أنا لم أتطاولْ عليكِ ! ”
– ” كفّا ! كلاكما! هل هذه روضة أطفالٍ ؟! أنا أستاذ جامعيّ لا يفهم معظم طلبتي ما أقوله ، والآن أضطر إلى إسكاتِ هذه وإرضاء هذه … حسناً سأنصرفُ الآن ، فقط كفّا عما تفعلانِه في محاضرتي ، واصنعا ما شئتما خارجَها ، هل هذا واضحٌ ؟ ”
– ” لا ! ”
كانتْ هذه هي ( ساندي ) بتبجحها المعتاد … نظر إليها في ذهول ، ثم قال :
– ” هذا غير واضح ؟! ”
– ” بل هذا واضحٌ ، ولكني أعترض عليه ، لا يمكنك أن تتهرب من مسئولياتك ، ما سبَّبَ كلَّ هذا هو أنك لا تقوم بواجبك على الوجه الأمثل , ولا تشرح شرحاً جيداً ؛ إنك حتى تتفاخر بأن معظم طلبتك لا تفهم ما تقوله ؛ لا يوجد عاقلٌ يفتخر بهذا !! ”
– ” ( دينا ) ، بإمكانكِ أن تنصرفي الآن ، لقد اتضح لي سببُ المشكلة ، وأنتِ قابليني في مكتبي! ”
– ” ليس لك مكتبٌ هنا أيها التائه ، هذه شركة وليسَتْ جامعةً ”
شهقْتُ في ذهولٍ ، هذه الفتاة جريئة بالفعل … ونظرْتُ إلى وجهه وهو يتحول إلى الأحمر القاني ، ثم قال  _ويكاد اللهب يخرج من منخريه_ :
– ” سأريكِ كيف أنا تائه !! ”
– ” ماذا ستفعل ؟ ستطلب مني بطاقتي ؟ أمْ ستحرمني من دخول الامتحان ؟ هذه شركة وليس لك سلطانٌ فيها! ”
كانتْ محقّةً ؛ ليس بيده شيءٌ هنا ، فقطْ عليه أن يكظم غيظَه وينصرف، ثم تذكرْتُ أنّ عليّ أنا الأخرى أن أنصرفَ ، فقلْتُ :
– ” حسنًا سأترككما لإكمال هذه المناقشة وحدكما. وأذهب لشأني ”
وهنا جاءني صوتُ ( ساندي ) وقد تخلى عن صلفه ، وبدا في الواقع عذباً ومفعماً بالأنثوية _ لقد كانتْ ( ساندي ) فاتنةً ، ولكنّ فتنتَها تستتر وراء كل هذه الصور العدائية التي تقوم بها _ :
– ” رجاءً ، لا تتركيني وحدي مع هذا الوحش ! ”
كان منظر المحاضر الغاضب مخيفاً بالفعل ، ولكنّه رجل أكاديمي وليس رجل غابة ، كما أن قاعة المحاضرات هذه ليسَتْ مكاناً مهجوراً … فلا داعي لهذا الخوف !
ثم فطنْتُ فجأةً إلى القصة كلِّها ؛ إنها تغضبه عمداً ، وتتمادى في الاستهزاء بما يستطيع أن يفعله بها ” هذه ليست جامعتك ؛ هذه شركتي ، لن تستطيع أن تمارس سلطانك المعتاد على من يغضبك من الطلبة ، عليك أن تلجأ إلى وسيلة أخرى ” هذا ما تفعله ، والآن تستغل مغادرتي لتظهر له أنها خائفة منه وتريد مني أن أمنعها منه حتى يقوى عزمُه على البطشِ بها … ولا أدري أيَّ شيطانٍ تلبسني ، ولكنّي قرَّرْتُ أن أفضح سرَّها بكليَّتِه للمحاضر ، فأخبرْتُه بكلِّ ما خطر لي للتو من دوافع صاحبتي ومخططها …
وإن أنسَ لا أنسَ منظرَها وهي ترمقني في غضبٍ وغلٍّ ، والمحاضر يسألني :
– ” ولكنْ لماذا تعتقدين أنها فعلَتْ ذلك ؟ ”
– ” خلافاً لرأيك الذي ذكرْتَه قبل قليلٍ ، فإن الكثيرين يرون أن الاهتمام السلبي أفضل من عدم الاهتمام ؛ خصوصاً في أمور الحبّ ! ”
– ” أيتها الحقيرة المنحطة ! ”
كان ما كشفْتُه من خبيئة نفسِها أكبر من أن تكتفي بسبي عليه ، فصعَّدَتِ اعتراضاتِها ، وحاولَتْ أن تمسك بشعري ، وحاولْتُ أنا أن أهربَ منها ، فانتهى بي الحالُ على الأرضِ ، وقد أحاطتْ وسطي برجليها ، وشدَّتْ شعري وكأنها تحاول نزعَه من فروتِه ، وكان الألمُ حارقاً ، ولكنه لم يستمر ، إذ سرعانَ ما خطفها المحاضر من الأرض ، وجذبها من ياقتِها ، وهي تحاول العودة إلى جسدي الممدد على الأرض لتكمل جنايتَها عليه … ولكنّ قبضة الرجل كانتْ قويَّةً فعلاً ، فلم تتحرَّكْ قيد أنملةٍ من مكانِها ، وقمْتُ أنا بسرعةٍ ، وأعدْتُ هندمة ملابسي ، ونظرْتُ إليها وهي لا تزال تحاول الإفلاتَ والوصولِ إليّ ، واعترَتْني رغبةٌ عارمةٌ في إهانتِها وإيذائها جسديًّا ومعنويًّا ، ولما كانتْ على الذي يظهر أقوى مني ، فقد عدلْتُ إلى الإهاناتِ المعنوية ، فقلْتُ وأنا أصطنع اللامبالاة :
– ” وهو حبٌّ بائسٌ على أيّة حالٍ ، فما الذي سيغري شخصاً عاقلاً بالوقوع في غرام همجية جاهلة ترد على اللسان باليد ، وإذا سمعَتْ جملةً تزيد عن ثلاث كلماتٍ أعلن عقلُها استسلامه ورفع الراية البيضاء وتفرغ لأحلام اليقظة! ”
كان السباب الذي خرج منها بعد ذلك من السوقية بحيث احمرّ له خدا المحاضر نفسِه ، ولا أعتقد أنّني ألومه ، ولكنّ السباب لم يكنْ موجَّهًا له هو بل لي أنا ؛ كل شيءٍ مقدسٍ بالنسبة لي وصله جزءٌ من لعناتِها ؛ أمي وأبي وأسرتي وأبنائي الذين لم أنجبهم ولم أحمل فيهم بعد ؛ كانتْ بطلةَ عالمٍ في السبّ والشتم ، ولهذا فعندما حملَها المحاضرُ حملاً وكبّها لوجهها على المكتب ، لم أستطع منعَ نفسي من الشعور بالظفرِ وبلذة الانتقام ، كنتُ أعلم ما سيحدث بعدَها ؛ هذه هي  أسرع عقوبة جسدية من الممكن تطبيقها بدون ترتيبات وبدون وسائل ولا أدواتٍ مساعدة ، ومع ضمان استقرار المعاقب في مكانه ….
كانَتِ القاعةُ خاليةً وشبه عازلة للصوتِ لطبيعة تخصيصها للمحاضرات والندواتِ ، ولكنْ من الممكن أن يفتح أحدٌ البابَ في أي لحظة ، ولهذا فقد سرْتُ إلى البابِ وأغلقْتُه بالمفتاح ، ولم أكتفِ بذلك حتى قمْتُ بتشغيل أجهزة التكييف على الرغم من أننا في نوفمبر ، حتى تزول أي شكوك في مقدرة أحدٍ في الخارج على سماع صوتِها وهي تتأوه من الألم ؛ ولكنّها لم تتأوه من الألم ؛ لمْ يكنْ ما يصدرُ عنها من أصواتٍ ناشئاً عن الألم ولا عما يشبه الألم ، ولو لم أكنْ أرى بأم عينيّ وأسمع بأم أذنيّ صفعاتِ المحاضر وهي تهوي على ردفيها بأشد قوة ممكنة ، لظنَنْتُ هذه الأصوات الصادرة عنها ناتجة عن شيءٍ آخر ! وفطن المحاضرُ أيضاً إلى ما يحدث فقال في غضبٍ :
– ” ما الذي تفعلينه ؟! ”
– ” أ.. أ.. أتلقى عقابي!  
لك أن تتخيل مقدار دهشة المحاضر وقد تجاوز كل الأعراف والتقاليد الأكاديمية والذكورية والشرقية والغربية والشمالية والجنوبية ودفعه الغضبُ من هوْلِ ما سمعه من سبابٍ إلى أنْ يُقْدِمَ على هذا العمل الذي يفترض أنْ يَقْرَعَ عليه السِّنَّ من ندم بمجرد انتهائه … لك أن تتصور دهشتَه عندما يجد هذا العمل بعينه قد أنتج هذه النتيجة الغريبة المفاجئة …
ورفع يده اليسرى التي ظنّ أنها هي التي أبقَتْها ملتصقةً بالمكتبِ ، فظلَّتْ ملتصقةً بالمكتبِ ، وكفَّتْ يده اليمنى عن ستْهِ ردفيها ، فالتفتتْ برأسِها تجاهه ، وسألَتْ سؤالَ جائعٍ للطعام :
– ” ألن تستمرّ في عقابي ؟ ”
– ” هل تريدين ذلك ؟! ”
– ” لا ! ولكنّي أستحقّه ! ”
***
رفع ( هشام ) عينيه إلى زوجتِه ، وقال :
– ” هذه هي نهاية القصة ؟ ”
– ” بالطبع لا ! ولكني لم أعرفْ كيف أنهيها ، على أية حالٍ ، هل يمكننا أن نلعب هذا السيناريو الليلة ؟ ”
– ” إن فيه ثلاثة أشخاص ! ”
– ” بإمكاننا أن نزيل هذه الـ ( دينا ) من الصورة ، في الواقع أنا لا أشعر بالارتياح لوجود امرأة أخرى تشهد عقابي ، إنَّ وجود امرأة أخرى  في المشهد يعكِّرُ صفوَه بالنسبة لي ”
– ” أنا على العكس من ذلك تماماً ”
– ” بالطبع إنك على العكس من ذلك تماماً ؛ إن الرجال مقززون! ”
– ” هل تحاولين تقليد بطلتك ( ساندي ) هذه ، لأنني على أهبة الاستعداد للعب هذه الشخصية الثانية …. ما الذي كانه اسمُه ؟ ”
– ” أنا لم أسمِّه ، اكتفيْتُ بمهنته ، على أية حالٍ : ما أريد أن نقوم به حتى لو كان في سيناريو آخر هو أن تلعب دورَ شخصٍ لا يربطه بي أي رابطٍ جنسيّ بل إنه مدفوع دفعاً بسبب شقاوتي إلى أن يعاقبَني بهذه الطريقة على الرغم من أنه لو راجع نفسه ولو لثانية لما جرؤ على هذا الفعل ؛ أيْ صدورُ عمليّة العقاب عن دوافع غير جنسية وغير مخطط لها على الإطلاق بل نتجَتْ بشكل عفويّ ، ثم تفاجؤ الشخص بأنّ ما يقوم به ليس عفويًّا لا يعرف كيف فكَّر في إحداثِها ، بل هو في الواقع شيءٌ خطَطْتُ له من البداية ؛ هذا التابو هو ما أرغب في التظاهر به! ”
– ” وهو ما يقودُنا إلى القصة غير المكتملة ؛ ما الذي يفترض أن يحدث عندما يكتشف المعاقب أن فتاتَه تكاد تُنْزِلُ من الشهوة … ”
– ” تُنْزِل ؟! تُنْزِل ؟! ييييعع ! “
– ” كيف تقولين إذاً ؟! “
– ” لا أدري .. شيءٌ شاعريٌّ ! ”
– ” أنّ فتاتَه قد صارَتْ سحابةً ، وانتقلَتْ إلى جزءٍ باردٍ من الغلاف الجويّ فهي على وشْكِ أن تمطر بغزارة ؟ ”
– ” أعتقد أنك تخلط بين النساء والرجال ؛ إن النساء في المعتاد تندى ولا تُمْطِرُ! ”
– ” هذا ليس ما حدث البارحة! ”
– ” أوووه ، هذا لطيفٌ في حقك أن تعتقد أني فعلْتُ ،  كأنك قادرٌ على أن تصل بي إلى تلك المرتبة ! بل لقد كان كله تمثيلاً! ”
– ” تعالَي هنا ! ”
– ” ( هشام )! حبيبي ! أنا أمزح ؛ لقد كانَتْ أمطاراً استوائية البارحة ؛ لقد خجلْتُ من نفسي حتى!  
– ” تعالَي. هنا. الآن!! ”
– ” نحنُ لم نتفقْ على تفاصيلِ السيناريو بعد! ”
– ” هذا ليس سيناريو ؛ هذا هو ما تكتب حوله السيناريوهات! ”
– ” أنت بحاجة إلى نقطة ارتكاز حتى تعلم أيهما سبق الآخر! ”
– ” أنا لا أفهم ما تقولينه ، ولكنّ هذا لن ينجيَكِ من العقابِ ، انزعي كلَّ شيءٍ يا حلوة ، ودعينا نرسم الخطوط الحمراء على مؤخرتك حتى تذكرك بالخطوط الحمراء للمزاح!”
– ” (الخطوط الحمراء والخطوط الحمراء) ؛ هذا تعدّد للمعنى ناتج عن الاستعمال المجازي ؛ لا بأس به ، ولكنه أٌقل قوة من المشترك اللفظي ! ”
– ” لا تخافي ؛ سيأتيك ما هو أكثرُ قوةً عما قليلٍ ! ”
– ” (قوة وقوة) ؛ لا زلْنا في تعدد المعنى ! “
– ” هل تريدينني أن أقوم لأعرِّيَك بنفسي ، وحينَها سأنسيكِ معنى تعدّد المعنى “
– “(معنى تعدد المعنى) ! هذا ليس تعدد معنى حتى ! ”
– ” ( لـــيـــلـــى ) !! “
– ” تعرَّي! “
– ” فيمَ العجلةُ يا حلوة ؟ إنكِ لا تنزعين غلافَ هديّة ؛ رويداً رويداً ؛ إني أريد أن أستمتع بالمشهد! ”
– ” هكذا فلْيكُن يا متعةَ العينِ وجنّةَ النفسِ ؛ الآن يرى ردفاك مني ما يسوؤهما “
– ” متى صار جزاء الإحسان الإساءة ؟! “
– ” أما جسدُكِ فمحسنٌ لا شك في إحسانِه ، وأما لسانُكِ فمجرمٌ عريقٌ في الإجرامِ ، وإنه يُؤخَذ المحسِنُ بذنب المسيء! “
– ” باب : ما جاء في لا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى”
– ” باب : ما جاء في العاقلة 
– ” هذا ردٌّ لا بأسَ به ! ”
– ” لو لم تكفي عن تقييم ردودي ، فسأردُّ ما يوشك أن يصير هزلاً جدّاً! ”
– ” بين ردودي وردّ _التي بمعنى صيّر_ جناسٌ , كما أنّ ما الموصولية : مفعول أول لـ(ردَّ) ، وجِدًّا : المفعول الثاني ، وصلة الموصول فيها خبر صار المنصوب ، وقع بينه وبين المفعول الثاني تضاد ، وتجاورا في المحل ؛ تضادٌّ وجناسٌ في جملة واحدة : لا بأسَ بذلك على الإطلاق ! “  
– ” حسناً : هذا ما عملَتْه يداكِ ؛ تعالَي هنا ! ”
– ” كم تقول : تعالي هنا ، ولا آتي؟! ، فلو كنْتَ رجلاً لأغنَتِ الأولى عن الأخرياتِ ، ولكنْ جرّأني على تجاهل أوامركِ صِغَرُك في عيني ! ”
ولأول مرة في زواجِهما الذي استمرّ سنتين ، يلمع الغضبُ في عيني ( هشام ) بهذا الجلاء ، فركضَتْ زوجتُه إلى مكتبِها عاريةً ، وكاد يطاردُها من فرط غضبِه عليها ، ولكنّها لم تمْهلْه حتى عادَتْ بأوراقٍ ، وسلَّمَتْها له كالمعتذرة ، وكان على وشك أن يغلق عقلَه الغضبُ ، ولكنّه تدارك نفسَه ، ونظر في الأوراق سريعاً ، فوجد فيها :
( قال هشام في سخطٍ :
 – ” تعالَي هنا ! ”
– ” أرجوكَ ! على الأقلّ دعْنا نتفقْ على تفاصيلِ السيناريو أوّلاً ! ”
– ” هذا ليس سيناريو ؛ هذا هو الأصل الذي حاكاه السيناريو! ”
– ” أنت بحاجة إلى نقطة ارتكاز حتى تعلم أيهما سبق الآخر! ” )
لم يكُنْ تبادلُهما لهذه الجمل قد مرّ عليه أكثر من دقائق ، وعلى الرغم منه شعر ( هشام ) بالتوجس من غرائبية الموقف ، ثم نظر مرة أخرى في الأوراق فوجد فيها العبارة الممضّة :
(
– ” كم تقول : تعالي هنا ، ولا آتي؟! ، فلو كنْتَ رجلاً لأغنَتِ الأولى عن الأخرياتِ ، ولكنْ جرّأني على تجاهل أوامركِ صِغَرُك في عيني ! ”
ثم أمسكها إمساك النمر بالخشف ، وكان غاضباً عليها لمقالتها تلك فما أراد أنْ يمسّه من جسمها شيءٌ ، فطرحها على السرير ، وحلّ حزامه ، وهي تتمسك بملاءة السرير تمسك الغريق بمنجده ، ولمّا يمسَّها الحزامُ بعد ، فلما جعلَ الحزام يصبغ جلدَ ردفيها البَضَّ بحُمْرَةٍ قانيةٍ امتزجَتْ بالسرير امتزاج الخمر بالماء ، وعلا نحيبُها … ولا يزال وقعُ كلمتِها تلك يرجح أثرُه بأثر نحيبِها ، فلا تحول رقةُ قلبِه عليها _لِما يرى من بكائها_ دون فعلِه لما يزيد البكاء ، حتى بلغ النحيب حدًّا رجح فيه على كلماتِها الحديدة تلك ، فكفّ زوجُها عمّا يفعلُ ، ونظر إلى ما قدَّمَتْ يداه ، وقد عادَتْ إليه نفسُه ، وسكتَ عنه الغضبُ , فكاد يبكي أسفاً على ما يرى مِن تكوّم الحسناء الرقيقة الباكية على فراشِه الذي طالما شَهِد ضحكاتِها من قبل، وقد بثَّتْ ما بقي فيها من قوةٍ في عضلاتِ صدرها وبطنها لتوسِعَ وتضيِّقَ رئتيها فتعلو شهقاتُها وزفراتُها باكيةً آنّةً .. فأرادَ أن يواسيَها ؛ ولكنْ : علامَ يواسيها ؟! على ما فعله بها ؟! ولم يستطعْ أن يمنعَ نفسَه… فدنا منها وجلس على السرير ، فنهضتْ وعانقَتْه وأقبلَتْ تتأسّف إليه كأنها هي المسيءُ وكأنه هو المحسن … )
لم يكملْ ( هشام ) قراءةَ الأوراقِ ، ونظرَ إلى زوجتِه التي لا تزال ثيابها ملقاةً على الأرضِ ، وقال  :
– ” لا مزيدَ من هذه الألعابِ ، لو سلَّمْنا بأنني أوصلَني الغضبُ إلى مثل ما وصفْتِه في قصتكِ ، لكان أحبَّ إليّ أن أموتَ من أن ألقاكِ بعدها بعد ما صنعْتُه بكِ ، هذا مفهومٌ ؟ ”
هزّتْ ( ليلى ) رأسَها ، فأشار إليها لتدنو منه ، فدنَتْ .. وأجلسها في حجره وقبّلَها ، ثم قال :
– ” لن أقدر على أن تمسّ يدي مؤخرتَكِ بشيءٍ _هزلاً ولا جدًّا_ هذه الليلة بعد هذا الذي قرأتُه ، ولكنْ ما كلُّ العقابِ يؤذي الجسدَ ؛ أنتِ محرومةٌ من كتابة أي قصة من هذا النوع لشهرٍ كاملٍ ! ”
كانَتْ المعابثةُ تطلّ برأسِها من عيني ( ليلى ) ، ولكنّها جاهدَتْ نفسَها حتى لا تقول شيئاً عابثاً ، واصطنعَتْ ما أمكنَها من الوقارِ ، وهي تقول :
– ” بالطبع إنّني أقدر رغبتَك في عدم نكْءِ الجرحِ _ الخياليّ الذي لم يقع _ ، وأشكرلك عفوَك عما فعلْتُه وعدم معاقبتي بشيءٍ! ولكني لا زلْتُ أرغبُ في التأكيد على النقطة التي أثرْناها في حوارِنا قبل قليلٍ عما إذا كانَتِ الفكرة تسبق الواقع أم أن الواقع يسبق الفكرة ؛ وأعتقد أنني قدْ أثبتّ _ إلى حدٍّ بعيدٍ _ أنّ خيال المبدع قد يشكّل الواقعَ في أحيان كثيرة! ”
قبض ( هشام ) على ردفَي زوجتِه ، وهو يذكّر نفسَه بوعده الذي قطعه ألا يمس هذان منه سوءٌ في هذه الليلة ، فينهي نفسَه عن حطئهما ، ثم قال :
– ” في المرة القادمة عندما تقومين بتجربة عمليّة ، لا تجعلي هذين في مرمى النيران ”
– ” هذه استعارة مرشحة ! ردٌّ جيدٌ ! ”
– ” ( لـــيـــلـــى ) !! “
_____________________

قصة : (قَوْمةٌ غيَّرَتِ التاريخ) أو (عنِ المساواة نتحدّث ) ! ( ف / م )


قصة : (قَوْمةٌ غيَّرَتِ التاريخ)  أو (عنِ المساواة نتحدّث ) ! ( ف / م )
– بضعة تنويهات :
تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .
تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين رجل وامرأة ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .
تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب من أن يكون ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ
فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 
تنويه 4 : هذا العمل ضَرْبٌ من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .
فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
تنويه 5 _ وهو فرْعٌ على تنويه 4 _ : هذه القصة تقترب من إحدى الطرق التي تسلكها قصص الخيال العلمي ؛ بأن تغيّر القصة حادثةً من حوادث الماضي ثم تبني على هذا التغيير واقعاً مختلفاً … ولا شكّ أن النص المقتبَسَ _ الذي ستعتمد عليه القصة في الإشارة إلى حادثة ما في الماضي يؤدي تغيير نتيجتِها إلى خلق حاضر مختلفٍ_ لا شك أن ذلك النص ليس نصًّا قابلاً للتأويلِ مِنْ كل أحد ؛ فهو في النهاية يعتبر نصًا دينيًا يروي قصةً ذات طابع ديني مقدّس لدى مجموعة من الأفراد ، ولا يفوتُ المؤلفَ تأكيدُه على احترامه التام لجميع الأديان والمذاهب والمعتقداتِ …
 وعليه فالتمسّح بإهاب ذلك النص المقدّس غير مقصودٍ ، وإنما هي خاطرةٌ خطرَتْ عند قراءة ذلك النص ، ويمكن اعتبارُها مستقلّة تماماً عمّا تصادف ورودُها أثناء قراءتِه . فوجب التنبيه على هذا . فإن كانتْ هذه المصادفة _ مع التسليم بأنها مصادفة _ مما يسوؤك / يسوءك فقد نوَّهْنا بها .
– اقتباسٌ :
مِن كتاب (علل الشرائع والأحكام ) لأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى القمي ( 918 – 992 ميلادياً ) . طبعة إيران سنة 1872 ميلادياً :-
(( حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضي الله عنه قال: حدثنا أحمد بن إدريس ومحمد بن يحيى العطار جميعا قالا: حدثنا محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري قال: حدثنا أحمد بن الحسن بن علي بن فضال، عن أحمد بن إبراهيم بن عمار قال: حدثنا ابن نويه رواه عن زرارة قال:  ….. ثُمّ سُئِل (عليه السَّلام) عن خَلْقِ حواءَ ، وقيل له إنّ أناسًا عندنا يقولون : إن الله عز وجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى؟ قال : سبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا، أيقول مَنْ يقولُ هذا : إن الله تبارك وتعالى لم يكن له مِن القدرةِ ما يَخْلُق لآدم زوجتَه مِن غير ضلعه ؟! ، وجَعَل لِمُتكلمٍ مِن أهل التشنيع سبيلًا إلى الكلام : يقول إنّ آدم كان ينكح بعضه بعضًا إذا كانَتْ من ضلعه ؟! ما لِهؤلاءِ _حَكم الله بيننا وبينهم_ ؟!
ثم قال : إن الله تبارك وتعالى لمّا خلق آدم من الطين وأمر الملائكة فسجدوا له ألقى عليه السّباتَ ثم ابتدع له خلقًا، ثم جعلَها في موضع النقرة التي بين وركيه، وذلك لكي تكون المرأة تبعًا للرجل، فأقبلَت تتحرَّك فانتبه لتحرّكها ، فلمّا انتبه نُودِيَتْ : أنْ تنحِّى عنه! فلما نَظَر إليها نظر إلى خَلْقٍ حسَنٍ ؛ تُشْبُه صُورَتَه غيرَ أنها أنثى ، فكلمَها فكلمَتْه بلغته، فقال لها : من أنت؟ فقالت : خلقٌ خلقني الله كما ترى، فقال آدم عند ذلك : يا ربّ مَنْ هذا الخَلْقُ الحسنُ الذي قد آنسَني قرْبُهُ والنظرُ إليه؟ فقال الله : هذه أمتي حواء ، أفتحب أن تكون معك فتؤنسك وتحدثك وتأتمر لأمرك؟ قال: نعم يا رب ولك بذلك الحمد والشكر ما بقيت، فقال الله تبارك وتعالى : فاخطبها إليّ فإنها أمتي وقد تصلح أيضا للشهوة، وألقى الله عليه الشهوة _وقد علمه قبل ذلك المعرفة_ فقال : يا رب فإني أخطبها إليك فما رضاك لذلك؟ فقال : رضائي أن تعلمها معالم ديني، فقال : ذلك لك يا رب إن شئْتَ ذلك، قال: قد شئت ذلك ، وقد زوجْتُكها ، فضمّها إليك، فقال: أقبلي، فقالت : بل أنت فأقبل إليّ، فأمر الله عز وجل آدم أن يقوم إليها فقام، ولولا ذلك لكانَ النساءُ هنَّ يذهبْنَ إلى الرجال حتى خطبن على أنفسهن، فهذه قصة حواء صلوات الله عليها. ))
– القصة :
1- في البدء كانتْ المبادِرة !
_____________________________
وقامَتْ إلَيه …….
*****
2- فلماذا ارتدَيْتَه إذاً ؟!
____________________
بمجرّد خروجي من البيتِ ندمْتُ على تلك الخطوة التي بدَتْ لي شجاعةً قبل ثوانٍ …
لماذا لم أنتظر حتى تصحبني أختي على الأقل ، ما دمْتُ مصرّاً على الخروج في مثل هذه الملابس ؟
ولكنَّ هذا خلافُ ما أؤمن به ! إن كنْتُ سأستعين بحماية أختي ، فهذا مماثل لأن أرتدي ما ” يفترض ” بي ارتداؤه ! أين مواجهة نسويّة المجتمع المتخلّف فيما أصنع إذا كنْتُ سألجأ لطلب الحماية الخارجية ؟!
ولكنّ المجتمع المتخلف أثبتَ أنّه لا يزال بحاجة إلى كثيرٍ من الإصلاح قبل أن يستطيع الشابّ أن يصنع بجسده ما يحبّ …
لم أكنْ قد عبرْتُ الطريق بعد .. حتى جاءني صفيرُ فتاةٍ لا أعتقد أنها تجاوزَتْ السادسة عشرة ؛ بنتُ السادسة عشرة تتحرّش بابن الخامسة عشرين ؟ ثم يقولون : ما الداعي إلى الحركة الذكورية “الهرمونيّة الهيستيرية” التي تتشدقون بها ؟!!
حاولْتُ أن أردّ بصوتٍ تعمّدْتُ أن يبدو صارماً ، وأن أنهرَها …
ولكنّي كنْتُ غافلاً عن وجود أختِها الكبرى على بعد أمتارٍ منها …
وما إن سمعَتْ هذه نهري لأختِها حتى أقبلَتْ عليّ وعيناها تلمعان ببريق الشر .. والشهوة !
حاولْتُ أن أبادرَها بالكلام ولكنّ لساني عقده الخوفُ فلم أقلْ شيئاً ، وجاءني صوتُ الأخت الكبرى  _التي يبدو أنها في مثل سني_  ليزيد من ابتسامة أختِها وبشْرِها :
– ” عندما تخرج في مثل هذه الملابس ، فأنت دعوة مفتوحة لتصنع بك أي فتاة ما تحب ! لو كنْتَ محترماً وابن ناسٍ لما خرجْتَ نصف عارٍ لتراك عيون من هبت ودبت … بل لو كنْتَ محترماً لما خرجْتَ من بيتك وحدك ، بدون امرأة تحميك ! وكنْ شاكراً أنّ أختي قد اقتصرَتْ على الصفير وهي المراهقة التي لا تستطيع أن تتمالك نفسَها وهي ترى ردفَيكَ يرتجّان في بنطال الجينز الضيق هذا !”
علّقَتِ الأختُ الصغرى في استهزاءٍ :
  “لماذا ارتداه أصلاً ؟! إنه يكشف أكثر مما يستر ! “
غلى الدمُ في رأسي ، وعلى الرغم من خوفي مما يمكن أن يحدث لي ، فقد أجبْتُ في غلظة :
– ” أنْتِ رجعيّة متخلفة ، وأختكِ ستشُبّ لتكون مغتصِبَةً ينتهي بها الحال في حبل المشنقة !! ”
كانَتِ الأختُ الكبرى على الذي يظهر من هؤلاء المتظاهِرات بالأصالة والشهامة ؛ اللواتي ترين في خروج الشاب وحده من بيته عيباً ، ولكنّه عيبٌ لا يعني أن تتخلى النساء عن أصالتهنّ ويتحرّشْنَ بهم ، ولكنْ عندما سمِعَتْ ما اعتبرَتْه تبجحاً فقد أعلَنْتَ سحبَ حمايتِها عنّي ، ونظرَتْ إلى أختِها المراهقة وكأنها تعطيها الضوء الأخضرَ لتصنع ما تحبّ ، وما إن خطَتِ الأختُ الكبرى خطواتٍ مبتعدةً عنا حتى مدّتْ المراهقةُ يدَها إليّ وكأنها تحاول أن تمسّني .. فصرخْتُ !
لم يكنْ صراخاً عاديًّا ؛ كان ذلك الصراخ الذي يعلن اقترابَ حدوثِ مصيبة .. مصيبةٌ مما لا يمكن تداركه بالكلام ولا بالفعل ؛ فما كُسِرَ في هذا السياق لا يرمَّمُ !
ولم أكنْ أدري أنّ أختي _ التي تصغرني بعامين _ كانتْ قد رجعَتْ من جلستِها مع صاحباتِها في المقهى في نفس هذه اللحظة ، وكأنّها علمَتْ تخاطريًّا بما يحدث … وجاءني صوتُها قبل أن أراها ؛ صرخةً عنيفةً تبعها سباب فاحشٌ احمرّ له خدّاي خجلاً… وشعرْتُ _على الرغم مني ومن كوني عضواً في الحركة الذكورية منذ عشرة سنين _ شعرْتُ بالأمان !
ثم نظرْتُ إلى الفتاة التي كانتْ تهمّ بلمسي .. فشعرْتُ بلذّة فائقة وأنا أرى ملامحها تتحوّل من الذئبيّة إلى الفأريّة في أقلّ من ثانية … ونظرَتِ ابنة السادسة عشرة في خوفٍ إلى أختي التي هرعَتْ إليها ، ثم نظرَتْ في توسّل إلى أختِها التي استدارَتْ لترى ما يجري وبدَتْ هي الأخرى قلقةً مما ستصير إليه الأمور …
وكانتْ دهشتي عظيمةً عندما اقتربَتْ الأختُ الكبرى من شقيقتِها ثم هوَتْ يدُها على خد أختها المراهقة بصفعةٍ عظيمة كادَتْ تُسْقط المراهقةَ أرضاً ، ثم جاءَ صوتُ الأخت الكبرى يتظاهر بالصرامة :
– ” ألم أقلْ لك أن تحترمي أولاد الناس ولا تتحرشي بالرائح والجائي ! ”
ثم توجّهَتْ بالكلام لأختي التي كانتْ قد وصلَتْ إلينا :
– ” ثقي أنّه بمجرّد عودتِنا للبيتِ سيحوّل حزامي كلَّ شيءٍ أبيض في جسمها إلى أحمرَ ! ”
هزَّتْ لها أختي رأسَها في قبولٍ وكأنّها تعلن رضاها عمّا سيحلّ بالمراهقة .. ثم نظرَتْ إليّ واستدارَتْ متوجهةً إلى البيت فتبعْتها في عجلةٍ …
وعندما أغلقَتْ بابَ الشقة خلفنا ، أردْتُ أن أعتذرَ ، ولكنّها بادرتني :
– ” أنا أؤمن بحقك في ارتداء ما تحب ، ولكن _ رجاءً _ خذ في الاعتبار وجود أمثال هذه النوعيات من البشر بكثرة في مجتمعنا …ربما في المستقبل ستعيش في دولة غربية تحترم حقوق الرجل .. ولكنْ هنا _في هذه البيئة وهذه الثقافة_ سيكون من الصعب ألا ينشغل بالي خوفاُ عليك كلما خرجْتَ وحدكَ في ثياب يعتبرونها غير لائقة ! ”
أمّنْتُ على كلامِها ، وشكرْتُ لها إنقاذي ، وهرعْتُ إلى غرفتي ، وعلى الرغم مني _ ومن إيماني بالمساواة _ ألحّ عليّ ذكرى التهديد الذي ساقتْه الأخت الكبرى لأختها المراهقة ، وذكرى وصف الأخت الكبرى لبنطال الجينز الذي أرتديه ومدى ضيقِه ؛ كان ضيّقاً بالفعل يحتاج نزعي له لكثير من الجذب واللقلقة ؛ _ وعلى الرغم مني _ ربط عقلي بين الذكرَيَيْنِ ؛ وصوّرتْ لي نفسي _ على الرغم مني _ صورةَ الأخت الكبرى وقد استبدلتْني بأختها المراهقة في وعيدها الذي لم يعد كاذباً تريد به دفع بطش أختي بأختها ، بل صار صادقًا على وشك أن يقع … ثم قرَّرَتْ أن هذا الجينز الضيق لا يصح أن يرتديه شابّ مثلي ليفتن به عيون الفتيات ، فنزعتْه عنّي ؛ كأنّ هذا سيجعل عيون الفتيات أقلّ انجذاباً … ثم اكتشفَتْ أنّه _ وحدَه_  كان ما يستر نصفي الأسفل .. فتهزّ رأسُها في عدم تصديقٍ لشباب هذه الأيام ومجونِهم وخلاعتِهم ، ثم تنشغل بما تراه لثوانٍ ، ثم تَحْمِل نفسها حملاً على تذكّر ما هي عازمةٌ على صنعِه فتكبّني لوجهي … وقد استسلمْتُ لها استسلام الدجاجة لذابحتِها …
كانتْ الصورُ تزداد إلهاباً لعقلي وجسدي ، فخلعْتُ البنطال _ بعد جذبٍ ولقلقةٍ _ وأتبعْتُه ما كان يستر جذعي ، وانطرحْتُ على السرير ؛ أحاكي ما أتمنى _ على الرغم مني _ أن تصنعه بي الرجعيّة المتخلّفة !
ثم قطعَ جلسةَ المحاكاةِ صوتُ طرقِ أختي لباب غرفتي ، ثم جاءني صوتُها :
– ” هل تريد أنْ أحْضِرَ أنا الغداءَ من المطعم ؟ إن أمّنا ستعود من العمل قريباً !  
تذكرْتُ ما كنْتُ قد نزلْتُ لفعلِه في المقام الأول ؛ جلبُ الغداء من المطعم ، كان أبي في زياةٍ لأخيه لمدة يومين ، وهذا جعل إعدادَ الطعامِ من مسئوليّاتي ، ولكنني _ تبعاً لمبادئ الحركة الذكوريّة _ كرهْتُ أن تنتقل مسئولية إعداد الطعام من الذكر الأكبر في الأسرة إلى الذكر الأصغر في حال غيابِ الذكر الأكبر ؛ هذا الربط بين الرجل وبين ” شئون أسرتِه ” كانتْ معاداتُه مبدأً هامًّا لدينا ! فقرَّرْتُ أنْ آتي بغداءٍ جاهزٍ كبديلٍ لذلك … ثم كان التحرش والتدخل والعودة للشقة و”المحاكاة” !
حاولْتُ أن ألتقطَ ملابسي وأرتديها بأسرع ما يمكن ، ثم فتحْتُ بابَ الغرفةِ ، وقلْتُ لأختي :
– ” سآتي به أنا ، لا داعي لذهابِكِ ! ”
أشارَتْ إلى ما أرتديه ، ثم قالَتْ :
– ” لو نزلْتَ بنفس الملابس فقد تتعرض لنفس المشكلة ، سأذهب أنا .. ”
كدْتُ أعترض ولكنّها كانتْ قد شرعَتْ في التوجّه لباب الشقة ، وقبْل أن تفتحه تذكَّرَتْ شيئاً ، فالتفتتْ ناحيتي ، وسألَتْ في حيرة :
– ” مهلاً .. ما الذي يفترض بي أن أطلبَه ؟ ”
ابتسمْتُ ، ثم قلْتُ :
– ” طلبان من قطع الدجاج المحمرة وطبق متوسط من الأرز الأحمر ، ووجبة حساء منخفضة السعرات الحرارية 
– ” هذه الأخيرة لكَ على ما أعتقد ”
– ” عيشي ، ودعي الآخرين يعيشوا ! ”
– ” خلافاً لبرامج الصحة البلهاء التي تتابعها .. فالحقيقة أن الطعام كامل الدسم الغارق في السمن والمشبع بالسعرات الحرارية هو ما يقوّي الجسد ويزيد مناعتَه وصحتَه ”
– ” سأتذكركِ بهذه العبارة عندما تموتين في الخمسين بتصلب الشرايين ! ”
– ” بل ستتذكرني بتلك العبارة في كل دقيقة تقضيها جائعاً بسبب سيْرِك وراءَ سرابِ الغذاء الصحي هذا! “
كانتْ قد فتحتِ باب الشقة ثمّ خرجَتْ مباشرةً بعد جمْلتِها الأخيرة ؛ وهي مبتسمةً لأنها لم تتِحْ لي فرصةَ الردّ ؛ عملاً بتلك القاعدة البلهاء : مَنْ يتكلمْ أخيراً يربَحْ !
هززْتُ رأسي وأنا أفكّر : حتّى المنفتحات من هؤلاء النسوة ؛ لا يتخلَّيْنَ تماماً عن همجيتهنّ !
وكأن عقلي كان مترقّبًا ، فما إن مرّتْ فكرة الهمجية به حتى عاد ليصوّر لي الهمجية التي كنْتُ مشغولاً بمحاكاة وقوعها عليّ على يد تلك المرأة ؛ وعاد صوتُها ليقرع مسمعي : “… فأنت دعوة مفتوحة لتصنع بك أي فتاة ما تحب ! ” ، فقلْتُ بصوتٍ خفيتٍ _ مع أن الشقة ليس فيها غيري _ : ” اصنعي بي ما تحبّين ! ” ، وعاد عقلي ليصوّر لي ما يمكن أن ينشأ عن هذا الرد!
********
2- أنا وأخي
___________________
( عامر خلود )
هذا هو اسم أخي
ولكنّي أعتقد أن اسمي لن يُذْكرَ حتى بعد موتي إلا مقترناً باسمه …
سيتساءل الناسُ حينَها كما يتساءلون الآن :
– من هو ( هاني خلود ) هذا ؟
 إنه أخو ( عامر خلود ) !
– ذكوريّ آخرُ ؟
– بل هو زوج زعيمة حركة المحافظات !
– هذا محالٌ !
– لو لم أكنْ قد استوثقْتُ من تلك المعلومة مراتٍ ومراتٍ لما صدّقْتها أنا أيضاً !
كنْتُ أنا مشهوراً أيضاً ، ولكنْ بين المحافظين ، وهؤلاء قد صاروا قلّة بعد أن كانوا كثرةً . كنْتُ دائماً ما يُلْجأ إليّ عندما ترغب القياديّات المحافظات في تأكيد أنّ النمط التقليدي للأسرة مرغوبٌ فيه من قِبَل الذكور أيضاً ، وكانَ اليومَ هو أحدُ هذه الأيام ؛ لقاء تلفازي على الفضائية المحافِظة الأكثر شهرةً ، في برنامج موجّه للرجال لم يجدوا له عنواناً أكثر مناسبةً من ( وراء كل امرأة رجل ! ) ، كانتْ هذه من العبارات التي تثير جنونَ الذكوريين ، ولكنّ المحافظات لا يهتممن بتخفيف حدة دعايتِهنّ من أجل هذه أو هذا …
وردّني إلى الواقع صوتُ المذيع شديد الجمال _ ولكنّه متدثّر في ثياب فضفاضة لا تصف شيئاً من جسمه _ وهو يقول :
– ” والآن نستضيف ( هاني خلود ) ، وبالمناسبة فهو أخو الناشط الذكوري المعروف ( عامر خلود ) ، ليوضح لنا رأيَه في قضيّة عمل الرجل . ابتداءً ، هل ترى أنّ تحمّل المرأة لآلام الوضع والولادة بالإضافة لتحملّها لمشقة توفير الدخل للأسرة ، يسمح للرجل بعد ذلك بأن يتنصل من مسئولياته في رعاية الأبناء وتوفير البيئة المناسبة لهم لينشأوا في أسرة صالحة ، تحت وهم أنه يريد تحقيق ذاتِه بعيداً عن ارتباطه بأسرته ؟ ”
لم يكنْ ذلك سؤالاً بل كان سؤالاً محشوًّا بإجابتِه ، ولكنْ هكذا طبيعة أسئلة حركة المحافظات على أية حالٍ ، وانشغلْتُ أنا بالإجابة ، أو بترديد ما قاله للدقة ، بعد أن أضفْتُ تجربتي الشخصية في تفرغي للبيت رغم حصولي على شهادةٍ جامعيّة من جامعة مرموقة … كنْتُ لا زلْتُ في وصف تجربتي الشخصية عندما دنا المذيع بيده من أذنه التي يغطيها غطاء الرأسِ ، فخمّنْتُ أنهم يخبرونه بشيءٍ ما في السماعة ، ونظر إليّ في حماسٍ ، فعلمْتُ أنه سيقاطعُني :
– ” المعذرة على المقاطعة .. ولكنْ وردَنا في التوّ خبرٌ عاجلٌ لا يختلف موضوعه كثيراً عما كنّا فيه ؛ هل يمكن للرجل أن يبقى على فطرتِه وطبيعتِه ويلبي رغباتِه التي تمليها عليه ذكورتُه بينما هو يصارع النساء في معترك الحياةِ … ما سنعرضه عليكم الآن قد وصلَنا في هذه اللحظة ، وبالرغم من عدمِ مناسبتِه لغير البالغين ، فإننا نرى أنّ الفائدة في عرضه أكبر مِنْ أي خطر آخر قد ينشأ عن طبيعة محتواه التي لا تصلح للأطفال ، ونحن نحثّ الآباء على إبعاد أطفالهم عن شاشة التلفاز ؛ لأن ما سنعرضه الآن لا يصلح للمشاهدة العائلية ! ”
كان هذا غريباً ؛ سياسة القناة لا تسمح بخروج رجلٍ حاسر الرأس ، فمتى جوّزوا عرْضَ مشاهد لا تصلح للمشاهدة العائلية ؟ إلا إذا … إلا إذا كانتْ هذه فضيحة جنسية لأحد مشاهير حركة الذكوريّين ، وحينَها سيُضْرَبُ بكلّ قوانين الاحتشام هذه عرضَ الحائطِ …
ولم يخبْ ظني فما عرضَتْه القناةُ _ وظهر أمامنا في شاشة الاستوديو الضخمة _ كان من تلك الفيديوهات الجنسيّة ، ولكنّ طبيعتَه وطبيعة المشاركين فيه تجعله كنزًا بالنسبة للدعاية التي نحاول بثّها في الناس …
كان هذا أخي !
لم أكنْ واثقاً من ذلك في البداية بسبب الجودة الضعيفة للفيديو ، ولكنّ الصوتَ لم يدعْ لديّ شكًّا في أنه أخي .. وكان مع حبيبتِه في غرفةٍ يبدو أنها غرفةُ فندقٍ ؛ ولم يكن ذلك غريبًا فالجميع يعلم أن الذكوريين يمارسون الجنس مع حبيباتهم بدون زواج ، ولكنْ ما جعل هذا الفيديو حديثَ الساعةِ كان نوعَ الجنس الذي يمارسانه ، وعلى الرغم من أنه أخي إلا أنني لم أستطع منعَ نفسي من التحديق في ذهولٍ فيما يحدث … فعلى الشاشة كان أخي ينزع ملابسَه بينما حبيبتُه جالسةٌ على كرسيّ عريضٍ تنظر إليه في شهوة ولهفة وهي لا تزال ترتدي بذلة كاملة … وعلى الرغم من الجودة الضعيفة فإنني أعتقد أنني رأيْتُ خدّيه يحمرّان خجلاً كأنه موشكٌ على شيءٍ لا علمَ له به مِنْ قَبْلُ …
وجاء صوتُ حبيبتِه ليقول في هدوء وكأنها تطمْئنُه :
– ” في أيّ لحظة تقول فيها كلمة الأمانِ فسأكف عما أصنعه ، وإن لم ترغبْ في أن نفعل ذلك من البداية ، فلا حاجةَ لأن نفعله ! “
قال أخي في حياءٍ :
– ” بل المشكلة كلّها في أنني لا أستطيع منع نفسي من الرغبة في أن نصنعه ! ”
جاء صوتُها قويًّا ولكنّه لا يخلو من حبّ :
– ” حسنًا إذًا ! أنت تعرف أين أريدك ! ”
دنا منها أخي وانحنى ليستقر على حجرِها ، ونظرْتُ حولي في الاستديو فوجدْتُ النساء الواقفات خلف الكاميرات يحدّقْن في الشاشة وقد تلهّين بما فيها عن أعمالهنّ ؛ لم تكن هذه رغبة في المعرفة ، لقد كانتْ رغبةً في أخي ! وشعرْتُ بالأسى له ؛ من حق كل رجل ألا تنظر النساء إلى جسده بدون موافقتِه بل إن موافقتَه لا تكفي لدى البعض فلا بد أن يتزوجا أولاً ؛ هذه إحدى أهم مبادئ حركة المحافظات ، ولكن بسبب طبيعة هذا الرجل فقد صار جسدُه مشاعاً لعيون مَن شاءتْ ، وكأنه رقيق ليس له عرضٌ في مجلس السيدات !
عدْتُ إلى الشاشة عندما علا صوتُ الصفعات على مؤخرتِه ، وهو بادي التلذذ _ على الأقل من الصوتِ ، فالصورة ليسَتْ بهذا الوضوح _ بما يحْدُثُ له … كانتْ هذه العقوبة بالذات وبهذه الهيئة هي العقوبة المعتمدة التي نعاقَبُ نحن _ في حركة المحافظات _بها على أيدي زوجاتِنا وأمهاتِنا بل وأحياناً أخواتِنا أيضاً ؛ ولكنْ يفترض أنها عقابٌ خالصٌ فما الذي لذّ لأخي منها حتى طلبَها بإرادتِه ؟!
كان صوتُه قد بدأ يتحوّل إلى أنين شهوانيّ ، وبدأتْ حبيبتُه تتباعد صفعاتُها على مؤخرتِه لتسمح ليديها بالتجول في جسده بدون رقيبٍ _ سوى الكاميرا التي يبدو أنها زرعتْ بدون علمهما جميعاً _ وبدا أنّ الصفعَ قد انتهى تماماً وحلّ محلّه قبض ولثمٌ ، فقرّر القائمون على القناة أن ما أرادوا إيصالَه قد وصل ؛ وأنّ الاستمرار في عرْضِ ما يجري لم يعدْ يثبتُ شيئاً يحقّر من الذكوريين ، ومن ثم فالاستمرار في عرضه يخالف سياسات القناة !
كان المذيع لا يزال مأخوذًا مما رآه ، ولكن المخرجة لا شكّ أنها أمرَتْه بأن ينتبه لأن الكاميرا صارتْ تبثّ صورتَه وهو متوجّهٌ ببصره جهة شاشة الاستديو ، فالتفت فجأة إلى الكاميرا ، واحتاج لثوانٍ حتى يهيّأ نفسَه لقولِ شيءٍ ، فلما لم يجد شيئاً يقوله ، ألقى الكرة في ملعبي :
– ” هل لديك تعليقٌ على ما رأيناه ؟ ”
نظرْتُ إليه في مقتٍ ، ما الذي يفترض بي أن أقوله الآن ! ولمّا لم أجد شيئًا أقوله أنا أيضاً ، أعدْتُ الكرة لملعبه :
– ” لا تعليق ! ”
ظلّ شارداً لثوانٍ ، وهو يفكّر في شيءٍ يقوله ، ويبدو أن المخرجة رأتْ أنّ حيرتَه ليستْ عابرةً بل مقيمةً ، فأمرَتْه في سماعة الأذن أن يقول شيئاً ، فقاله :
– ” شيئاً عن الاتصالات ! ”
ثم فطن إلى ما أرادته المخرجة :
– ” آه .. المعذرة .. ما عنيْتُه هو أننا سنتلقي اتصالاتكم الآن على هاتف البرنامج  
كان يعلم أن مواقع الليبراليين والذكوريين _التي توسعه سخريةً على ما يقوله بدون أن يخطئ _ ستستلقه سلقًا على هذه السقطة الشنيعة ، ولكنّه مضطرٌ للاستمرار في البرنامج ، لقد كان زوجَ المخرجةِ ، ويجب عليه طاعتُها !
جاء الاتصال الأول فأخبر المذيعُ المشاهدين بذلك ، ليترك الفرصة للمتصلة في أن تبدي رأيَها ، وبمجرّد سماعي صوتَها  فقد علمْتُ أنّ المقطع الذي عرضتْه القناة قد جلبَ جمهوراً سيصعب التخلص منه ، قالَتْ في بذاءة فجة :
– ” أريد لو سمحتم أن تعيدوا المقطع مرةً أخرى ، فأنا لم أشاهدْه من بدايتِه … لقد كنْتُ أتابع قناةً أخرى ثم غيَّرْتُ المحطة فجأة في منتصف المقطع … ثم ألا توجد  جودة أفضل من هذه  ؟ ”
قال المذيع في حرج :
– ” لو سمحْتِ ، الهدف من عرض الفيديو كان إظهار ازدواجية نشطاء الحركة الذكورية ، وليس … ”
قاطعَتْه ، بصوتِها المتحشرج من أثر التدخين :
– ” ازدواجيّة على العين والرأس … ولكنْ لماذا لا تستمرون في عرض ازدواجية هؤلاء النشطاء ؟ نحن كشعب نطلب منكم كقناة أن تُطْلِعُونا على الازدواجية كاملةَ ، وحبذا لو كانتْ الازدواجية بجودة أعلى حتى نراها بوضوح … ”
كانتْ المخرجةُ قد قطعَتِ الخطّ ، ولم يحتجْ زوجها إلى تنبيهٍ هذه المرة فقال من تلقاء نفسِه :
– ” يبدو أننا فقدْنا الاتصال لأسباب تقنية ، على أية حال .. هل هناك اتصال آخر ؟ نعم . نتلقى الاتصال ! ”
جاء الصوتُ الرخيم واضح المخارج هادئ النبراتِ ، فعلمْتُ على الفور وظيفةَ المتحدثة ؛ امرأة دين … وبالطبع فلديها اعتراضها على ما عُرِضَ :
– ” ابتداءً أرغب في شكر قناتكم على تحملها عبء محاربة أهل الفساد والإفساد العابثين بمقدرات البلاد والعباد الآخذين على عواتقهم تغيير ما ورثناه عن الآباء والأجداد … ”
كنْتُ أعلم أن السجع لن ينتهي قريباً ، ولكنه سينتهي بـ ” ولكني ” ، فانتظرْتُها ، فجاءَتْ :
– ” …. ولكنّي أعيب على قناتكم التي سبق من مدحي لها ما يدفع عني شبهة التجني عليها .. أعيب عليها عرض مثل هذه الصور التي تذهب المروءةَ من نفوس نسائنا وتعصف بالحياء الواجب في حق شبابِنا ، وإنْ عُدِم الحياءُ لدى الشباب على أيدينا نحن فقد فتحْنا البابَ لعدوّنا بأنفسِنا .. ”
– ” ولكننا نبَّهْنا إلى عدم صلاحية المقطع للمشاهدة العائلية “
نظرْتُ مبهوتاً للمذيع الذي قاطع لتوّه امرأة دينٍ … وجاء صوتُها هي الأخرى مندهشاً وغاضباً وآمراً في الوقت نفسه :
– ” لا تقاطعْني رجاءً ! ”
نعم ، لا تقاطعْها رجاءً ، أنا لا أعلم الغيبَ ، ولكني أجزم أنّ المخرجة لن تنتظر عودتَكما للبيتِ لتفعل بك ما فعلتْه حبيبةُ أخي به ! وإن كان بين الفعلَينِ فارقاً هائلاً ؛ فأنتَ لن تمنح كلمة أمانٍ ولا كلمة خوفٍ ، ولن ينتهي بك الحال في حجرِها وقد تحول العقاب إلى ثواب ، بل سينتهي بك الحال باكياً وحدَك وقد تركتْكَ زوجتُك دون أن تواسيك بكلمة ؛ أنا أيضاً لديّ خبرةٌ ميدانيةٌ بما يحدث في مثل هذه الظروف ! 
 وجاء صوتُ المذيع المعتذر خائفاً _ بعد أن وصله التنبيه بل وربما الوعيد من زوجته في سماعة الأذن _ :
– ” خالص الاعتذار .. أنا لم أقصد إلى مقاطعة سيادتكنّ ”
كأنّ نون التفخيم ستنجيك ! انسَ أن تجلسَ مرتاحاً لمدة أسبوع على الأقل !
وعاد الصوتُ الرخيمُ مرةً أخرى :
– ” كما كنْتُ أقول _قبلَ أن أقاطَع _ فالحياءُ مقدّمٌ في حق الشاب على سائر الخصال ، وهو التاجُ الذي إن عُدِمَ فسائرُ أخلاق الشاب إلى زوال … ”
كان السجع على وشك أن يستمرّ لفترة طويلة قادمة … ولكنّي كنْتُ متلهيًا عنه بمنظر أخي الذي ظل يلح على ذهني رغماً عنّي … للدقة فما كان يلح على ذهني ليس منظر أخي ، وإنما منظر حبيبته ؛ كانتْ _ على الرغم من أني لم أقابلْها في الواقع ، فقد انقطعتْ صلتي بأخي من فترة بعيدة _ هي امرأة أحلامي !
في الواقع لقد كان أكبر أسباب انجذابي لحركة المحافظات هو رغبتي في أن أخضع لامرأة ما ، وقد قلْتُ ذلك صراحةً لإحدى المنظّرات الكبيرات في حركتِنا فقالتْ إن هذا شعورٌ طبيعيّ يدل على سلامة ما ندعو إليه؛ لأنه يتماشى مع الفطرة والطبيعة الذكورية التي تتوق دوماً للحماية والرعاية والعطف والعقوبة إن لزم …
ولفترة طويلة قنعْتُ بذلك ، وغضضْتُ الطرف عن كثير من التجاوزات والإهانات التي تقع عليّ من زوجتي ، وعددْتُها أيضاً من جملة الفطرة والطبيعة الأنثوية التي تميل إلى البطش والعنف وتجاوز الحدّ .. ولكنْ ما شعرْتُ به  قبلَ قليلٍ عند رؤيتي لحبيبة أخي  كان أشبهَ بشعور شخص استبدّ به العطش ، ولم يجد إلا ماءً آسناً فعبّ منه ، حتى نسي حلاوة الماء العذب ، فلما جاءه ذلك كاد يجنّ من عذوبته ؛ أنا الآن أكاد أجنّ  !
فيما بعد سأروي القصة كاملةً من وجهة نظري لما حدثَ في الاستديو في ذلك اليوم ، ولكنّ جزءًا لا يستهان به من أنصار حركة المحافظات سيصرّ على رواية أخرى لما حدث ؛ لماذا ينزع رجلٌ محافظٌ معروفٌ بمحافظتِه متزوجٌ من زعيمة المحافظات .. لماذا ينزع رجلٌ كهذا غطاءَ رأسه على الهواء مباشرةً ، ويسير حاسر الرأس ليخرج من الاستديو ومن زواجه ومن أفكاره المحافظة في نفس اللحظة ؟! أليس كونه مسَّتْه جنيّةٌ وأذهبَتْ عقلَه هو التفسير المناسب ؟!
أما أنا فكانتْ روايتي تتفق معهم في أن السبب فيما فعلْتُه هو امرأة ولكنها ليسَتْ جنية بل بشرية ، ولم تمسّني بل أرَتْني _ وإن كنْتُ اعتذرْتُ منها فيما بعد على اطلاعي بدون إذنها على ما فعلَتْه بأخي ، فعذرَتْني _ كانتْ هذه المرأة هي السبب في اقتناعي بإمكانية تلبية رغباتي بدون أن أضطر معها إلى تحمل الإهانة والتحقير ، أو كما قالَتْ هي _عندما اجتمعْتُ معها ومع أخي_ : بدون أن ينتقل ما تفعله من غرفة النوم  إلى ما سواها !
كان هذا بالضبط هو ما أريده ؛ خضوع تام في غرفة ومساواةٌ تامة خارجَها ، وبينهما بابٌ مفتاحُه كلمةٌ من لساني ! لماذا استغرقني إدراكُ ذلك ثلاثًا وعشرين سنة ؟!
************
3- كليشيه !
______________________
كان الألم لا يزال ملحًّا عليّ !
ها هي ذي ، وها أنا ذا !
للّيلة المئة ربما !
 ربّما استمرّ الأمر أكثرَ من ذلك ، ولكنّه لم يزد على سنةٍ  ، فأنا لم أبدأ في هذه ” المهنة ” حتى بلغْتُ الثامنة عشرة ، وأنا لم أصلْ بعدُ إلى التاسعة عشرة ، فأنا أعلم يقيناً أنه لم تمرّ علي سنةٌ في هذا المكان الكئيب !
اقتربَتْ منّي ، ورائحةُ الكحول المنبعثة منها تزكم أنفي …
قالَتْ وكأنها تخاطب ببغاءَ :
– ” لا صفقة ! ”
وظلَّتْ تكرّرُها حتى فطنْتُ أنها تريدني أن أكررها وراءَها ، فقلْتُ بعربية ركيكة :
– ” لا سفكه ! ”
ضحكَتْ في استهزاءٍ ، ثم قالَتْ بإنجليزية شديدة الركاكة :
– ” لا بأس .. لا بأس … هذا .تقوله .عندما .لا اتفاق. المال أولاً ! ”
لم أكنْ بحاجة إلى معرفة ما تقوله لأفهم مرادَها ، كانَتْ مؤخرتي قد تعلمَتِ الدرْسَ ونقلَتْه لي ؛ لا تمارس الجنس مع أي راغبة متعة حرام  (كما تسمَّى الزبونات في هذه البلد ) قبل أن تنال أجرَتَكَ أوّلاً ؛ هذا هو ما لم أفعلْه البارحة ، وما تسببّ في حوار فوق – لغوي بين حزامها وبين مؤخرتي على مدار ساعة كاملة أمسِ …
وعندما رأتْ لونَ مؤخرتي بعدما فرغَتْ من عقابِها أعطتْني اليومَ إجازة ، ثم غيَّرَتْ رأيَها وهاتفتْني لأرتدي ملابس العمل (وهي ملابس مجازاً ، فمعظم جسدي عارٍ ) وأنزل إلى الشارع لأقابلَها ثم أفْرَغُ للزبوناتِ ، قلْتُ لها في الهاتف : إن مؤخرتي لا تزال حمراء، وملابس العمل تكشف معظمَ هذه المؤخرة ، فقالَتْ : ومن يدري ؟ لعلّ بعض الزبوناتِ ترغبْن في تكرار ما تسبّب في احمرارها فتكونُ مؤخرتُك الحمراءُ دعايةً تمشي على قدمين ؛ أو على الأقل هذا ما فهمْتُه من إنجليزيتها المقطعة التي تعتمد أكثر من اللازم على إشاراتِها بيديها وهذه لا ينقلها الهاتف !
والآن قد التقَيْنا في الشارع كما أمرَتْ ..
كرَّرَتْ للمرة الألف نصيحتَها :
– ” لا صفقة ! ”
وأشارَتْ إليّ بيديها كأنها تحثني ، فقلْتُ _وأنا أغلي كرْهاً لها _ :
– ” لا سفكه ! ”
رفعَتْ لي إبهاماً يشير إلى رضاها عن أدائي، ثم حطأتْني على مؤخرتي شبه العارية ، وأشارَتْ إلى جانبٍ فارغٍ من الطريق ليس فيه شبابٌ آخرون من ” موظفيها ” ، فوقفْتُ فيه منتظراً ما تحمله الليلة …
كانَتْ السياراتُ لا تتوقف عن المرورِ بنا ؛ معظم سائقاتِها أتيْنَ للفرجةِ ، ولكنْ عندما تتوقف إحدى السيارات ونهرع إليها ، ويبدو لنا أن صاحبتَها لا ترغب في الدفع وتتسلى بكلامِنا ؛ نشير إلى الزعيمة ( هكذا تطلب منا أن نسميها ، بدلاً من أن نسمّيها قوّادةً ) ، وهي تتكفل بطرد المفلسة التي تريد أن تستمتع بلا مقابل !
أما السيارات التي تتوقف ثم تنصرف وقد زاد ركابُها من واحدة إلى اثنين … أو أكثر من اثنين أحياناً … فهذه سيارات معروفة في الأغلب ، وليسَتْ بهذه الكثرة ، لذلك تجد تنافسيّة كبيرة بين العاملين في هذا المجال  … ومعظم السيارات التي تحمل زبونات من النوع المرغوب فيه  تكون سياراتٍ فخمة ، وتأتي في أوقات ثابتة ، وقد صرْنا نعرف ميعادَ كلّ سيارة و”ذوق” صاحبتِها ، لنرتدي ما لعله يجذب عينيها …
كان اليوم هو الثلاثاء ، وهو الميعاد الثابت لمجيء سيارة الدفع الرباعي الشبابية _وإن كانتْ سائقتُها قد تجاوزتِ الشبابَ إلى الكهولة _ وكانتْ صاحبة سيارة الدفع الرباعي هذه من أكرم الزبونات ؛ ومن أدقهم ميعاداً أيضاً ؛ كل يوم ثلاثاء في التاسعة مساءً ، كأنه ميعاد عمل .. وكان كل الشباب يتمنون أن تُقِلّ أحدهم ، هذا يعني أن يحصل على أجره مضاعفاً وزيادةً عليه إكراميّة ضخمة ؛ وكانَتْ الزعيمة تسمح لنا بالاحتفاظ بهذه الإكراميّات ؛ لتكون حافزاً على زيادة الكفاءة ، أو هذا ما وصلني من مفرداتِها غير المتلاصقة .
على مدار الأشهر التي عملْتُ فيها هنا لم تخترْني صاحبة سيارة الدفع الرباعي هذه أبداً ؛ كان ” الزملاء ” يَعْزُون ذلك إلى وطنيّتها التي تحول بينها وبين الانسياق وراء شائعات أفضليّة اللحم الأبيض على اللحم الأسمر ! وكنْتُ أنا أعزو تعليقاتِهم إلى الغيرة ؛ _بعيداً عن لون اللحم _ إنّ عمر أصغرهم يزيد عليّ خمس سنين ، وجسم أنحفهم يزيد عليّ عشر كيلوجرامات ؛ وما لمْ تكنْ الزبونة “فاسدة الذوق” فما الذي يجعلها تُقدّم الأكبر والأضخم على الأصغر والأنحف ؟!
طرقع أحد الشباب بإصبعيه ليشدّ انتباهي فنظرْتُ إليه ، فأشار إلى شيءٍ ورائي … ولم أشكّ في ماهيّة هذا الشيء ، كانتْ ساعة يدي تشير إلى التاسعة واليوم هو الثلاثاء … هذه عربةُ الدفع الرباعي ، ولكنّي فوجئْتُ عندما التفتُّ بسيارتين لا واحدة ؛ عربة الدفع الرباعي، وسيارة أخرى يبدو من شارة (إذن الدخول إلى الجامعة ) التي تعلو زجاجها الأمامي أن صاحبتَها حديثة عهْدٍ بزيارة هذا المكان الموبوء …
بدأ الشباب في الاندفاع تجاه سيارة الدفع الرباعي وكلهم يتمنى أن يكون هو المختار ، وكنْتُ أنا آيسًا من سيارة الدفع الرباعي فتوجهْتُ للسيارة الأخرى ؛ أنزلَتْ صاحبتُها من زجاجِ نافذتها الجانبيّة ، فبدا لي وجه امرأة في الخمسيناتِ ترتدي عويّناتٍ لا علاقة لها بالموضة ، وتسريحة شعرِها _ إن كانتْ تتعمد تسريحَها أصلاً _ مسجّلة في اليونسكو ، لو كنْتُ أجيد العربية لأخبرتها في سخرية أن المكتبة في الجهة الأخرى من المدينة ، ولكنّ ما أعرفه من العربية بضعة جمل كلها تتعلق بالأوضاع الجنسيّة التي يفترض أن أطبّقها ، بالإضافة للجملة التي تعلمتها مؤخراً : ( لا سفكه ) ، والتي أرجو ألا أضطر لاستخدامها مع هذه المرأة الحجرية !
توقَّعْتُ أن تتكلم أو أن تتحرك بسيارتِها ، ولكنّها ظلتْ صامتةً وظلَّتْ سيارتُها واقفةً مكانَها ، وسمعْتُ صوتَ ” الزعيمة ” وهي تستفسر بإنجليزيتها الركيكة عن ” حالة الزبونة ” فأشرْتُ إليها ألا تتدخل بعد … ثم نظرْتُ إلى المرأة الحجرية فوجدْتُ الذعر يغزو ملامحها ، وأردْتُ أن أقولَ شيءٍ لطمأنتِها ، ولكن لعلها لا تجيد الإنجليزية ، ثم قلْتُ في نفسي إن نغمة الصوت ستغني عن فهم الكلام إن لم تفهمْه ، فقلْتُ :
– ” أعرف أن هذه الممارسات ترتبط لدى مَن هم في مثل جمودك بكل الموبقات الممكنة ؛ عصابات ، ومخدرات ، وقتل . ولكنْ في الواقع فباستثناء بعض التحرشات التي يتعرض لها الجميع تقريباً ، فنحْنُ لا نُجْبَرُ على أكثر من العمل في كل الظروف وبمقابل زهيد ؛ تماماً كما لو كنّا عمالاً في مصنع ! فلا خوفَ عليكِ ؛ ليس هناك أسلحة في هذا الشارع  
لم تكن هذه طمأنةً بسيطةً ، ولكني شعرْتُ أثناء كلامي أنها تفهم ما أقوله فتمادَيْتُ ؛ أنا لم أتحدّثْ مع أحدٍ بالإنجليزية بهذه ” الكمية ” منذ وطأتْ قدمي أرض هذا البلد … وصدق حدسي فجاءني صوتُها الوقورُ في لغة سليمة وإن تكنْ ذات لهجة أجنبية :
– ” جمودي ؟! هذه مفردة لم أوصَفْ بها من قبل ! ”
عادَتْ الزعيمةُ لمناداتي ، فتساءلَتْ الجامدة _وقد اكتسبتْ جرأةً سبَّبَتْها طمأنتي لها على الأغلب_ :
– ” ما الذي تريده هذه ؟ “
– ” إممم .. كأيّ ربّة عمل ، فإنها لا تريد أن يقتصر الزبائن على الفرجة ! ”
ضحكَتْ الجامدة ضحكة وقورةً ثم أشارَتْ لي لأدخل السيارة ، فدخلْتُ ، فكفَّتْ ربة عملي عن الصراخ ، وأغلقْتُ النافذة لننعزل عن العالم الخارجي ؛ كانتْ هذه إحدى المتع المحببة إلى نفسي .. تلك اللحظات التي أفترض فيها أن سيارة الزبونة ستبتعد بي عن كل مشاكل الدنيا وعن كل همومي …. وتذهب بي إلى الـ”نيفرلاند” ؛ في الواقع لقد كانتْ لديّ متلازمة (بيتر بان) متقدمة منذ كنْتُ في سنّ (بيتر بان) … وكنْتُ على وعيٍ تامٍّ بها …
فاجأني سؤالُها الذي أتى بلا مقدماتٍ :
– ” لماذا هربْتَ ؟ ”
– ” هربْتُ من ماذا ؟ ”
– ” أسرتك ، بلدك ؛ ما الذي تصنعه هنا ؟ ”
كنْتُ متفاجئًا من هذه الصراحة ، ولكني أجبْتُها في غلظة :
– ” هذه أول مرة لكِ على الذي يظهر ؛ نحن لا نسأل أسئلة شخصية في مهنتي هذه … هل تريدينني أن أسألكِ لماذا تركْتِ زوجكِ نائماً في فراشكما ، وخرجْتِ لتبحثي عن ليلة حمراء مع أحد شباب الليل ؟! ”
جاء ردّها هادئاً خلافاً لما توقعْتُه :
– ” أنا لسْتُ متزوجةً ، ومع ذلك فأنا لا أستطيع إقامة علاقة ، ولو عابرة ، مع شخصٍ لا أعرف عنه شيئاً ! ”
– ” ربما عليكِ أن تجربي مواقع المواعدة إذاً ؛ لا أحدَ منّا يخبر زبوناتِه شيئاً عن نفسه ! ”
– ” ماذا عن المقابل المادي ؟ سأعطيك مالاً مقابل كل إجابةٍ “
كان هذا مغريًا ؛ الآن نتحدث لغة مشتركةً … ولكنّي كنْتُ أطمع في المزيد :
– ” لن يكون المطلوبُ قليلاً ! ”
– ” وأنا مستعدة للإسراف ! ”
كان هذا أفضلَ من أن يكونَ حقيقةً ، ولكنّي تذكرْتُ ” نصيحة ” الزعيمة ؛ كان من الصعبِ أن أنسى تلك النصيحة  بينما أنا جالسٌ عليها ، فقلْتُ :
– ” الدفع مقدماً ! ”
ضحكَتْ ، وقالَتْ :
– ” حسناً ! سأعطيك عشرين مقابل كل إجابة . هل هذا مقبولٌ ؟ ”
كاد الطمع يغريني بأن أطلب المزيد ، ولكني نهيتُه ، وقلْتُ :
– ” مقبولٌ ! ”
فأدخلَتْ يدها في جيبِها وأخرجَتْ محفظتَها بسرعةٍ ، ثم وضعَتْها على مقود السيارة حتى تستطيع فتحها وإخراج المال منها أثناء القيادة _ لو كنْتُ معادياً للرجل لقلْتُ إن هذه قيادة رجالٍ ، وليسَتْ قيادة امرأة ، يفترض أنها تُحْسِنُ القيادة بيد واحدة _ ، ولما بدأتْ معاناتُها تزيد وهي تحاول إخراج النقود والقيادة معاً ، طلبَتْ مني أن أخرج أنا النقود من المحفظة ، ثم أعيدها إليها ، ففعلْتُ ، وأخرجْتُ ورقة من فئة المئة جنيه ، فنظرَتْ لي ، فقلْتُ :
– ” إن قلَّتْ أسئلتُكِ عن خمس أسئلة ، فسأعيد لكِ الباقي ! ”
– ” يبدو أنني سأستمتع بحوارِنا هذا أكثر مما توقعْتُ ”
لا أدري لماذا شعرْتُ بالسعادة عندما قالَتْ ذلك … ربما لأنني لم يُنْظَرْ إليّ في هذه المهنة إلا على أنني أداة جنسٍ تستعمل ثم تطرح جانباً ، وتعليقها هذا _ على الرغم من عدم خلوه تماماً من البعد الجنسيّ _ إلا أنه كان يحوي شيئاً ما يزيد على ذلك ، وكنْتُ أنا أتوق لهذا الشيءِ .
وجاءني السؤال الأول :
– ” اللكنة ؟ ”
– ” دعيني أحوّل هذا للعبة مسلية ؛ احرزي أنتِ … وإن وصلْتِ للإجابة الصحيحة في أقل من خمس محاولاتٍ اعتبري السؤال مجانيًّا ! ”
– ” أوووه ، هذا مشوّق ! … خمس محاولاتٍ كاملة ؟ هل سيكون الأمر بهذه الصعوبة ؟ ”
هززْتُ رأسي موافقاً ، فقالَتْ :
– ” إسكتلندا؟ .. لا ؟ .. حسناً ، أيرلندا؟ .. لا ؟ ….  ويلز ؟ …”
– ” حتى أسهل عليك فأنتِ في القارة الخاطئة ! وهذه ثلاث محاولاتٍ قد ضاعَتْ ! ”
نظرَتْ إليّ في استمتاعٍ ، ثم قالَتْ :
– ” أعتقد أنك قد ضيَّقْتَ على نفسك الخناقَ يا صغيري ! إن الدول الناطقة بالإنجليزية ليسَتْ بهذه الكثرة ! ”
كان قلبي قد خفق خفقة مفاجئة عندما نادتْني بـ”صغيري” ، متلازمة (بيتر بان) هذه !  ولكنّي تماسكْتُ وقلْتُ لها :
– ” أنا لا زلْتُ مطمئناً إلى أنكِ لن تقعي عليها ! ”
– ” حسناً ، بقيَتْ لي محاولتان ، وهما أستراليا ونيوزيلاندا .. ”
– ” إمعاناً في إكرامكِ ، فسأعتبر المحاولتَين محاولة واحدة ، وكلاهما خاطئٌ ! ”
نظرَتْ إليّ في شكّ وكأنني فقَدْتُ مصداقيّتي عندها ، ثم قالتْ في نفس الشكّ :
– ” أنت لسْتَ أمريكيًّا ! ”
– ” مستمرّ في كرمي : سأعتبر هذه محاولةً لاغيةً ، ونعم ، أنا لسْتُ أمريكيًّا ”
جاءني ردُّها سريعاً  :
– ” لم يبق إلا كندا ! ”
– ” لسْتُ كنديًّا . هل استنفدْتِ خياراتِكِ ؟ ”
– ” أتدري ماذا ؟ لو كنْتَ لا تلهو بي فبإمكانك أن تحتفظ بهذه المئة وعليها مئةً أخرى ، ولكني أعتقد أنك تعبث ! ”
– ” بإمكاني أن أصف لكِ جوهانسبرج ، كما أصف راحةَ كفي ! ”
نظرَتْ لي في إعجابٍ وغيظٍ معاً ، ثم قالَتْ :
– ” حقك ! خذِ المحفظة وأخرجْ منها مئةً أخرى ! ”
– ” بل سأكتفي بهذه . شكراً جزيلاً ! ”
نظرَتْ لي وقد بقي الإعجابُ ورحل الغيظُ . ثم قالَتْ :
– ” شكراً لك ، وإن جاز لي أن أسال _ سواءً بمقابل أو بدون مقابل _ ما الذي تصنعه في شمال القارة وأنت من جنوبِها ؟ ”
لمْ أدْرِ سببَ رغبتي الجارفة في أن أصارِحَها بكلّ شيءٍ .. في البداية كنْتُ أطمع في مالِها ، أمّا الآن فقد رفضْتُ مئة جنيهٍ تعرضها هي عليّ ! ثمّ أنا على وشْكِ أن أطلعها على سرّي ، لماذا ؟ لأنني أعاني من متلازمة ( بيتر بان) ، ومن أعراضها الرغبة الجارفة في صنع ما يحلو لي ، فأجبْتُ بصدقٍ _ كما يحلو لي _ ، وقلْتُ :
– ” كان الأمر يبدو رومانسيًّا من بُعْدٍ ! ”
– ” أتعني بالأمر .. الدعارة ؟ ”
هززْتُ رأسي ، فأضافَتْ في حذرٍ :
– ” ولكنْ لماذا السفر ؟ ”
– ” لأن أمي عضوٌ في مجلس النوّاب هناك ! ”
جاءني صوتُ القهقهة ، ثم انقطع فجأة ، ونظرْتُ إليها وهي تجاهد لتمنع نفسَها من الاستمرار في الضحك ، ثم قالَتْ :
– ” آسفة ! إن الأمر غريبٌ بعض الشيء ، ما هي جاذبية ترك حياة الرفاهية تلك ، والتعرض لما تتعرض له ؟ ”
– ” كما قلْتُ لكِ ؛ لقد بدا لي الأمر مختلفًا قبْل أن أقدمَ عليه ؛ نعم ، أنا أملك المالَ _ ولا زلْتُ أملك الكثيرَ من المال ، بمجرّد أن أهاتف أمي ، وأعترف بأنني هربْتُ منها ، وأخبرها بمكان هروبي ، وأتحمل ما ستفعله بي _ ، وكان لديّ عشيقة أيضاً ، ولكنّها كانتْ شديدة التهذيبِ ؛ تعرفين .. من النوع الذي يستأذن قبل أن يصنع أيَّ شيءٍ … أعتقد أنني الآن ألومها بشكل شخصيّ على التسبب في انجذابي لتلك القصص التي جرّتني إلى ما أنا فيه ! ”
– ” قصص ؟ ”
– ” أتعرفين هذا المثل الذي تقوله البذيئات من النساء : عامل الأمير كأنه عاهر ، والعاهر كأنه أمير ! لقد كنْتُ ” أميراً ” وهؤلاء تجذبهم القصص التي تتحدث _ برومانسية غير واقعية بالطبع _ عن حياة العاهر وما فيها من ” لذائذ ” ! ”
– ” أنا أعرف هذه القصص أيضاً ؛ في الواقع إنني أكتبُ بعضَها ! ”
نظرْتُ إليها في دهشة .. ثمّ بدأ عقلي يجمع الشتاتَ ؛ امرأة وقورة أكاديمية تدرس في الجامعة ، غير متزوجة ، تتقن الإنجليزية ، ثم دق جرسٌ في ذهني : تنتقي أصغرهم سنًّا ، وأنحفهم جسماً ، وأحمرَهم مؤخرةً !
واحمرّ خداي خجلاً ، ووجدْتني مدفوعاً دفعاً لأسئلَها ، فأجابتْ على سؤالي من قبل أن أساله :
– ” نعم ، لقد رأيْتُها ، ولقد جذبَتْني إليك ؛ أعني حتى لو كانتْ لا تزال على لونِها الطبيعي فهي جذّابةٌ للغاية ، ولكنْ بالنظر إلى نوعية القصص التي أكتبُها فالشابّ الذي خرج لتوّه من امتحانٍ لم يجدْ فيه ورقةً فأجاب على مؤخرتِه وكانتْ إجاباتُه كلّها خاطئة فامتلأتْ مؤخرتُه بالعلامات الحمراء … ماما ميا ! … هذا هو تمثال أدونيس بالنسبة لي  ! “
حاولْتُ التغلّب على خجلي _الذي لا يزال مركّزاً على الرغم من غمسه في أشهر من العمل في الدعارة_ ، وقلْتُ:
– ” إنه لم يكنْ امتحاناً هيّنًا ؛ أنا لم أجد شخصًا يستعمل الحزامَ في التصحيح من قبل ! “
– ” لا تلمِ المصحِّحَةَ ، وَلُمِ المصحَّحَ له ؛ مستوى الطلابِ في هذه الأيام ! ”
كانتْ هذه العبارة خاليةً من المجاز تماماً ، ولم تخطئ أذني حقيقتَها ، فقلْتُ :
– ” كم عدد من ملأتِ أوراقه بالعلامات الحمراء ؟ ”
– ” نصف الدفعة ! أنت سريعٌ ! ”
– ” لطالما كنْتُ سريعاً ، في الواقع إن مستواي الأكاديمي  جيّدٌ للغاية ! ”
– ” لماذا لم تلتحق بالجامعة إذن ؟ ”
– ” واو !! ”
– ” ماذا ؟ هل أثرْتُ مواجعَ ؟”
– ” واااو !!! ”
– ” ماذا ؟ ”
– ” كم ترَيْنَ لي من السنين ، حتى يكون قطار الجامعة قد فاتني ؟ “ 
فطَنَتْ متأخرةً إلى ما صنعَتْه ، فقالَتْ :
– ” مهلاً ؛ إن الإضاءة ضعيفة في هذه الطرقاتِ ، أنا لم أرَ بوضوحٍ … ثم إنني لم أرَ هذين الخدّين ” وضغطَتْ على خدّيّ بيدها ، ثم بدا أن السيارة تنحرف عن استقامتِها ، فأعادَتْ يدَها بسرعةٍ لتقود بيدَيها جميعاً …
وساءني أنا أن تضيع المعاكسة فأكملْتُها لها :
– ” لأنك كنْتِ مشغولةٍ بالخدين الآخرين … على أية حالٍ فالخدود الأربعة كلّهنّ يشرْنَ إلى صغر سني ؛ كم ترين لي من السنين ؟ ”
كانتْ لا تزال مذعورةً بسبب انحراف السيارة أثناء قيادتِها ، ولكنها أجابَتْ :
– ” إحدى وعشرون سنة ؟ ”
– ” هل أنتِ جادّة الآن ؟ إن عيد ميلادي التاسع عشر بعد شهرين ! ”
– ” أنت لا زلْتَ في الثامنة عشرة ؟ 
– ” نعم . ”
– ” حبيبي ! أنت لا يفترض بك أن تخرج إلى الطريق وحدك في هذا السن ! ”
– ” هلا كفَفْتِ عن مناداتي بـ ( حبيبي ) ، و( صغيري ) رجاءً ؟ ”
– ” لماذا ؟ ”
– ” لأنكِ تسكنين في أطراف المعمورة على الذي يظهر ، وما دمْنا لم نصل إلى ساحة المعركة بعد ، فلماذا تشعلين نارَها ؟ ”
نظرَتْ إليّ ، ولأول مرة في هذه الأمسية تلتمع عينُها ببريقٍ شهوانيّ محضٍ كهرةٍ ظفرَتْ ببنت عرس ، وكلاهما يعلم أن الأمر انتهى ، ولكنّ الهرة من فرط لذتِها تطيل لحظة ما قبل الفتك بالفريسة لتستمع بها الاستمتاع الأقصى ، فنظرتُها آنذاك كنظرةِ أستاذة الجامعةِ هذه لي ؛ …نعم ! لقد قامَ كلُّ شيءٍ ! ….ولمْ يفُتِ المشهدُ عيني الهرّة :
– ” هل هذا لي؟ أم أن أرنباً تسلل إلى سروالِك؟ ”
– ” لا أعتقد أن للأرانب دخلاً في هذه الظاهرة ! ”
– ” أعتقد أن تبرئة ساحة الأرانب يستوجب علينا إزالة أي شبهةٍ لتورطهم في هذا الأمر ! ”
– ” هل اقتربْنا من منزلكِ ؟ ”
– ” اعتبرْنا وصلْنا ! ”
ومع قولِها هذا حادَتْ بالسيارةِ إلى جانبِ الطريقِ ، وأوقفتِ السيارةَ فجأةً ، فغفرْتُ للحزام الذي ألهب مؤخرتي البارحة لأن ابن عمّه قد حال دون اصطدام رأسي بزجاج السيارة الأمامي ، ولم تعتذرْ السائقة عن ذلك التوقف الأرعن ، بل نزعَتْ حزامَها _ في المحاولة الخامسة _ إذ كانتْ المحاولاتُ الأربع الأولى من العجلة بحيث لم يطعْها الحزام وينسحب ، فلما انسحبَ ، نزلَتْ مهرعةً كأنْ قد مسّها طائفٌ من الشيطان ، وعلمْتُ ما يوشك أن يحلّ بي فنزعْتُ حزامي ، وانتظرْتُ أقلّ من ثانيةٍ استغرقها انتقالُها إلى بابي وفتحه ، ثم في لهفة طفلٍ يتناول المانجو قامَتْ بإخراجي عنوةً ، وغمري بالقبلاتِ ، ونزع ما عليّ من ” ملابس ” ، وجلسَتْ على غطاء محرك السيارة ، وأحنتْني عليه ليستقر حوضي في حجرها ويداي على غطاء المحرك _ الذي لا يزال دافئًا _ وقدماي مرفوعتان عن الأرض سنتيمتراتٍ …
ولم تمهلْني حتى وضعَتْ يدها بين رجليّ ، وظلَّتْ تدرس ما تمسك به لثوانٍ قبل أن تقول :
– ” أعتقد أن بوسعنا تبرئة ساحة الأرانب الآن ! ”
– ” بإمكان أي سيارةٍ تمر في هذا الطريق أن ترانا ! ”
– ” سيرَوْنَ ما يفترضون أنه أمّ تعاقب ابنَها الذي لم يستطع كبح جماح شقاوتِه فلم تستطع إرجاء عقابِه حتى يعودا للمنزل ؛ قد لا يكون هذا المنظر شائعاً في جنوب أفريقيا ، ولكنه مقبولٌ هنا ! أو على الأقل هذا ما أذكره في قصصي ! ”
– ” لنأملْ أن تكون قصَصُكِ واقعيّةً إذاً ! ”
– ” أعتقد أنني لو كنْتُ مكانَكَ لاهتمَمْتُ بما يوشك أن يقع لي ، وتجاهلْتُ ما يراه الناسُ ! ”
وهوَتْ يدها لتصفع مؤخرتي ؛ كانتْ تلك لا تزال تذكر حوارَها مع الحزام ليلة البارحة فهي تشتكي من أقل اللمس ، ولم يكنْ ما تصنعه الأستاذة الجامعية يمتّ بصلة لأقل اللمس ، كان هذا عقاباً مؤلماً وممتعاً في الوقتِ نفسه …
وفي النصفِ الأول من العقاب فشلَتْ كلّ محاولاتي لاستنتاج ما الذي أعاقب عليه بالضبط ! ولكني رأيتُ أنّ الاستنتاج الأقربَ للدقة هو أنني أعاقَب على عدم تبرئتي ساحةَ الأرانب عندما طلب مني ذلك ، وسؤالي عن اقترابِنا من المنزل حتى أبرئ ساحتَهم هناك ؛ هذا ذنبٌ بمعنى من المعاني ؛ التلكؤ في تنفيذ الأوامر !
أما النصف الثاني فلم يكنْ لديّ شكٌ في السبب الذي أوجبه ؛ سواءً كانتْ أرانبَ أم لمْ تكنْ أرانبَ فإن عليها أن تحتفظ بما في بطونِها ولا ترى في بنطال من تعاقبُني مكاناً مناسبًا لتفرغ فيه محتوياتِها … هذا ذنبٌ لا شكّ في استحقاقي للعقوبة بسببه ! 
وعندما فرغتْ معاقِبَتي من عقابي ، أنهضَتْني حتى استويْتُ قائماً ثم قبّلتني حتى استوى المتسببُّ في النصف الثاني من عقابي قائماً ، فنظرَتْ إليه، ولمّا لمْ تتبيَّنْ تماماً حقيقة الأمر بسبب الظلام الدامس ، فقد مدَّتْ يدها للتأكد أنها رأتْ ما تعتقد أنها رأتْه ، وأخبرَتْها يدُها بالخبر اليقين ، فقالتْ وهي تمنع ابتسامتَها من الانتشار :
” هل سيتكرر هذا مرة أخرى ؟ أم أنك قادر على ضبط نفسك الآن ؟   
– ” لا ! لن يتكرر ،  لقد تعلَّمْتُ درسي ! ”
– ” حسنًا ، هناك علبة مناديل في السيارة ، وهناك زجاجة ماءٍ في الحقيبة الخلفية … ”
ثم أشارَتْ إلى رِجْلَيْ بنطالِها ، وجانباً من غطاء المحرك ، فقلْتُ :
– ” واو ؛ لقد شعرْتُ أنه كان مطراً غزيراً ، ولكني لم أدركْ أنه غطى كل هذه المساحة ”
نظرَتْ إليّ ، وكأن المزحة لم تعجبْها ، وقالَتْ :
– ” هل تريدني أن أزيد في عقابِكَ ، يا صغيري ؟! ”
فقلْتُ في سرعةٍ :
– ” لا ! أنا آسف ، سآتي بالمنديل والماء ”
وعندما رجعْتُ إليها حاولْتُ تنظيفَ الفوضى التي تسبَّبْتُ فيها ، وكان نجاحي جزئيًّا فقد ظلّ البنطالُ يحكي قصّة صادقة عن تعرّض بناطيل المعاقِباتِ للأنواء الموسمية الناشئة عن ارتفاع درجة حرارة مؤخرات المعاقَبِينَ في حجرهنّ ! والجغرافيا لا تكذب !
عندما رضيَتْ معاقبتي عن الجهد الذي بذلْتُه في تنظيف بنطالِها ، طلبَتْ مني أن أوْلِي الاهتمامَ الآن إلى غطاء المحرّك ، وبدا لي هذا الجزء أسهلَ في التنظيف ، فانغمسْتُ فيه ، ولم أكنْ أدري حينَها أنه على الرغم من رقيّ معاقبتي ووقارِها ،وعلى الرغم من يسارِها و كرمِها ، على الرغم من كل ذلك فقد سبقَتْني إلى السيارة وجلسَتْ فيها ، وأدارَتْ محرّكها ، وأنا لا زلْتُ منشغلاً بالتنظيف ، ولم أفهم _ أو لم أشأ أن أفهم _ ما جرى حتى كانتْ السيارة قد بدأت في الحركة وانصرفَتْ مبتعدةً عني ، ولا أدري متى أخذَتْ ملابسي ، أو للدقة : ملابس العمل ، وأودعَتْها في السيارة ، ولكنّ النتيجة النهائية أنني وقفْتُ عارياً في منتصف طريقٍ مهجورٍ ، وقد سرِقَتْ ملابسي _ وفيها المئة جنيه التي رفضْتُ مضاعفتَها _ …ولم أتلقّ منها مقابلاً على ” خدماتي ” وإن كنْتُ لا أنكر أنني استمتعْتُ بتقديم تلك الخدماتِ !
كانَتْ _متفضلةً_ قد تركَتْ معي علبةَ المناديل ، وزجاجةَ ماءٍ تحوي لتراً من الماء إلا قليلاً ؛ استهلك هذا القليلَ غسْلُ بنطالِ تلك اللعينة وغطاءِ محرك سيارتِها اللعين … قبل أن تفر بالبنطال وبالمحرك هربًا مني ومن حقي في مالِها …
هؤلاء النساء لا أمانَ لهنّ ؛ على الأقلّ عندما أعود للزعيمة فلن تلْهبَ مؤخرتي بالحزام ، فهذه المرة قد تعلَّمْتُ الدرس ، وقبضْتُ مقدّماً ؛ وباستثناء المئة جنيه التي سرقَتْها مني عندما سرقَتْ ملابسي فإن المحفظة كلّها كنْتُ قد خطفْتُها من جيبِ بنطالِها عندما كانتْ منشغلةً بعقابي على ما فعلْتُه ببنطالِها ، فيما بعد استغللْتُ الظلمة الدامسة فحملْتُ المحفظة أمام عيني صاحبتِها المحجوبتين بالظلام حتى ذهبْتُ لعلبة المناديل فأودعْتُها فيها …
والآن أخرجها من علبة المناديل وأحصي ما فيها من مالٍ ؛ ثلاثة آلافٍ ويزيد … لا بأس !
كلّ ما عليّ أن أفعلَه الآن أن أنتظر وآمل أن تمرّ عربةُ ما فتقلَّني إلى مكانٍ ما أستطيع فيه شراء ملابس والعودة للزعيمة ؛ وأن يحدث هذا قبل أن تفطن تلك الأستاذة الجامعية الوغدة لما حدث ، فتعودَ بسيارتِها إليّ !
لو سارتْ الأمور على ما يرام _ وحتى بعد أن تحصل الزعيمة على حقِّها _ سيظل معي ما يزيد على عشرات الإكراميّات التي تمنحها تلك الكهلة في سيارتِها الشبابية ذات الدفع الرباعي التي تكالب عليها هؤلاء النوكى !
 فقط لنرجُ أن تسير الأمورُ على ما يرام !
_________________________

قصة : جِينَاتٌ ! ( م/ف ، م/م ، ف/ف ، ف/م )


قصة : جِينَاتٌ !  ( م/ف ، م/م ، ف/ف ، ف/م )
– بضعة تنويهات :
تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .
تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين مجموعة من الأفراد بين ذكورهم وبين إناثهم وبين الذكور والإناث ؛ وهؤلاء تجمعهم صلة قرابة من الدرجة الأولى فيما يُشار إليه بالإنجليزية بـ Incest , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .
تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب من أن يكون ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ
فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 
تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .
فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
– القصة :
1- يوشك أن يقع .. !
___________________________
– ” أرجوكِ ! “
– ” انزعْ كلَّ شيءٍ .. الآن!! “
يداه تحاولان إطاعةَ أمْرِها , ولكنّ عقلَه يمنعهما …
ولمّا لمْ يقم بشيءٍ قامَتْ من جلستها على حافة السرير صوبَه , فكفّ عقلُه عن المنع , وترك يدَيه وشأنَهما … وفي ثوانٍ كان كل ما يرتديه قد لاصق الأرض … وهو يقف عارياً أمامَها …
رجعَتْ لجلستِها على السرير , وبدأتْ عيناها تتفحصانه بلا خجل …. ولماذا الخجل ؟ … هي من وَلَده … وإن كان قد مرّ على تلك الولادة ثمانية عشر عاماً !
لقد صار صغيرُها شابًّا يافعاً … ومثل أيّ شابّ يافع فإنه يريد تجاوزَ الحدودَ ….
كانتْ تغضّ النظر عن بعض التجاوزات الهينة هنا وهناك … ولكنها رسمتْ في نفسِها خطّين أحمرين لن تتسامح مع تجاوزِ صغيرِها لهما : دراستُه .. وأختُه التوأم …
– ” ما الذي ترى أني سأفعله بك ؟ “
– ” ما كنْتِ تفعلينه بي عندما كنْتُ صغيراً “
جاء صوتُه طفوليًّا لا يتناسب مع المنظر الذي رأتْه عندما عادَتْ من عملِها لتسمع صراخ أختِه وقد دفعها لتسقطَ على الأرض … كان هذا خطًا أحمرَ .. وقد تجاوزه !
– ” وأنت لم تعد “صغيراً” في ظنّك ؟! ومع ذلك فأنت تستغل ذهابي للعمل ثم تضرب أختَك كما لو كنْتَ طفلاً في العاشرة ؟! ”
 كان زوجُها قد توفّي في حادث سيرٍ قبل عشر سنواتٍ … وقرَّرَتْ حينَها أنّ حياتَها المقسّمة بين رغباتِها وبين تفرّغِها لولديها قد انتهَتْ … وبدأتْ حياةٌ جديدةٌ ليس فيها غيرُهما … ولكن للأسف كان الابن لا يزال بحاجة لحزم أبيه الذي مات ، فبدأ في الثورة وعصيان الأوامر … واضطرَتْ حينَها للعب دور الأم والأب معاً , وأن تتولى عقابَه مكانَ زوجِها …كانتْ تلك هي بداية ” جلسات العقاب ” التي صارَتْ جزءًا ثابتاً من حياتِه لسنواتٍ , وإن بدأتْ في التناقص تدريجيًّا … حتى كان آخرُها بعدما بلغ الرابعة عشرة بأيام … والآن بعد أربع  سنين يعود طفلُها للشقاوة .. وتعود هي لنفس طريقة عقابِه , وإن كانَ ما تراه أمامَها الآن يدل بوضوح على أن أربع سنواتٍ تصنع الكثير بجسد المراهق .. حاولَتْ تجاوزَ النظرَ إلى جسده الذي لم يعدْ طفوليًّا على الإطلاق , وسألَتْه :
– ” هل لديك شيءٌ لتقوله ؟ “
– ” أنا آسف , ولكنها هي من بدأتْ … ”
– ” ما الذي قلْناه من قبلُ حول موضوع ( هي من بدأتْ) هذا ؟ ”
جاء صوتُه خافتًا , وكأنه يعترض على ما يقوله :
– ” أنني أنا الابن , وعليّ أن أتغافلَ عنها … ”
ثم عاد لرفع صوتِه :
– ” ولكنّك لم تعاقبيها أبداً , وهذا يجرّئها على فعْلِ ما تحبّ ! “   
فكّرَتْ ( بهيّة ) فيما قاله ووجدَتْه محقًّا ؛ هي لم تعاقبْ ( سوسن ) أبداً ؛ ولكنّ هذا كان مبرّرًا ؛ لقد كانتْ ( سوسن ) ملاكاً , وإن لم تكنْ في تحصيلها الدراسي متفوقة مثل ( بدر ) , ولكنها تبذل كل جهد ممكن في دراستِها , وهي لا تطالبُ ولدَيْها بأكثر من بذل الجهد , أما خارج الدراسة  فلا مجال للمقارنة ؛ ( سوسن ) الملاك تطيعها في كل شيءٍ , و(بدر) _ على الرغم من محاولاتِه _ لا يزال ” ثوريًّا” في أعماقه .. مثل والده !
كانتْ ( بهيّة ) قد تلهّت بأفكارها عن الإجابة على تعليق ( بدر ) فبحث عن شيءٍ آخرَ ينجيه من العقاب , وقال بصوتٍ _ كان يتمنّى أن يموت قبل أن يسمعه صادراً عنه , ولكن للضرورة أحكام _ :
– ” وكنْتُ أعتقد أن الخبرَ الذي بلغَنَا قبل أسبوعين يشفع لي ! ”
نظرَتْ إليه أمُّه  _وقد أعادَها هذا الصوتُ إلى ذكرياتٍ بعيدة _ , وجاهدَتْ لتمنع نفسَها من احتضانه وهدهدته حتى ينام …
أمّا ذلك الخبر المشارُ إليه فكان بالفعل شيئاً جللاً , لم تشعرْ ( بهيّة ) بمثل هذه السعادة الجارفة منذ كان زوجُها حيًّا ؛ … فقبْلَ شهرٍ واحدٍ ظهرَتْ نتيجة الثانوية العامة … وكانتْ فرحةً عارمةً _ على الأقل في حق ( بدر ) _ , ولكنْ قَبْل أسبوعين جاء الخبرُ الأكبرُ : لقد قُبِل صغيرُها في كلية الطب … كانتْ سعادتُها لا توصف بهذا الخبر .. وبدأَتْ في سَبْق اسمه باللقب الرفيع ؛ دكتور , وملَّ كلُّ أقربائها وأصدقائها من حديثِها “العرضيّ” عن “الدكتور” ( بدر) , وأخبار ” الدكتور” ( بدر ) …. ولكنّ هذا لا يعفي ” الدكتور” ( بدر ) من تلقي نتائج فعْلتِه ؛ لقد طرح أختَه أرضاً , وعلى مدار النصف ساعة القادمة ستعمل ( بهيّة ) على أن تشكّل استجابة شرطية في ذهنه بين طرح أختِه أرضاً وبين انبعاث الألم من مؤخرتِه …
مفهوم الاستجابة الشرطية هذه سيكون فيما يدرسه ” الدكتور” (بدر) بعد شهورٍ في كلية الطب , تماماً كما درستْه والدتُه عندما كانتْ في مثل سنّه في نفس الكلية … قبل ثلاثين سنة !
******************
الخبرُ في كلِّ مكانٍ …
ولكنّ التفاوتَ بين أحوال المستمعين للخبر هائلة …
هناك من دمَعَتْ عينُه … وهناك من سجد شكْراً ….
” جيفارا مات ! ”
وهناك من لم يبالِ بالموضوع كلِّه …
ولكنّ شخصاً بعينه كان أكثر اهتماماً ممن سواه بتوابع هذا الخبر , أو للدقة : بتوابع ما قام به تعليقاً على هذا الخبر …
هناك شخصٌ ينتظر عقاباً موجعاً على يد والده بعد قليلٍ  
 شخصٌ اسمه : ( بهيّة سالم ) …
– ” (بهيّة) ! ”
جاء الصوتُ الهادرُ معلناً عن قرْبِ حدوثِ ما كانتْ تخشاه … فتكوَّرَتْ أكثرَ في فراشِها وتظاهرَتْ بالإعياءِ ؛ لعلّ هذا ينجيها… ولكنّها تعلم أنْ لا شيءَ سينجيها …
صوتُ أمِّها ينبعث من خارج الغرفة وهي تتوسّل لأبيها  ” أن يسامح البنت هذه المرة ! ” , والأب يردّ بغلظة توحي بأن الأم لو استمرّت في الشفاعة فسيتسع العقاب لاثنين بدلاً من أن يضيق عن واحد … فيسْكُتُ صوتُ الأمّ …
بابُ غرفتِها يُفْتَح … يشير الأبُ لأختِ ( بهيّة ) الكبيرة بأن تخرج من غرفتِهما وتغلق البابَ وراءَها .. أختُ ( بهيّة ) تنظر إليها في مواساة .. ثم تفرّ هاربةً من الغرفةِ التي صارَتْ معزولةً عن العالم الخارجي … وليس فيها سوى الصائد والفريسة !
الصوتُ الهادرُ يعود مرّةً أخرى :
– ” أريد فقط أن أعرف لماذا ؟ ”
– ” لقد كانتْ مجرّد دعابة , أنا لم أؤمن بحرفٍ مما كتبْتُه ! ”
عاد الأبُ يزمجرُ , ورفع ورقةً في يده , وبدأ يقرأ :
( … عندما تغرق السفينة يغرق قبطانُها معها , ولكنْ عندما تغرق السفينة وينجو القبطانُ , ثم يتظاهر بالاعتذار بينما هو قد جهّزَ مَن يقاطع اعتذارَه ليبايعه ويفدّيه ويدعو له بطول العمر ودوام السيادة … عندها لا يصح أن يقال : ما علّة تخلفنا وما سبب نكستنا ؟ … ولنا في موت ( جيفارا ) عبرة؛ ( جيفارا ) القبطان الذي سبق بحّارتَه لحتفه ؛ المناضل الذي … )
قاطع الأبُ قراءتَه الغاضبة ليتوجه بسؤالٍ ناريّ لابنة الثامنة عشرة المكوّرة في سريرها أمامَه :
– ” أتدرين ما الذي كان يمكن أن يحلّ بكِ لو انتشر هذا المنشور ؟! ”
جاء الصوتُ المسموع بالكاد :
– ” أنا لم أكتبْه لأنشرَه ! ”
ويأتي الردّ الذي يصمّ الآذان :
– ” فلماذا كتبتِه إذن ؟؟! ”
لم يتلقّ ردّاً , إلا هينمة مَنْ هو موشكٌ على البكاءِ , فأضاف :
– ” هذه هي ! لطالما كنْتِ فتاةً مؤدبة مبتعدة عن المشاكل , ولكن في الفترة الأخيرة لا أدري ما الذي حدث لكِ …. هل تدرين ما الذي كان ينتظركِ في السجن لو قبض عليكِ بهذا المنشور؟ … لا ؟ … حسناً سأعطيكِ فكرةً عمّا نصنعه بالمساجين السياسين ؛ حتى تعلمي خطورةَ ما فعلتِه …. وبما أنّكِ ابنتي فلن ” أقسو ” عليكِ … سأكتفي بأقلّ صورة من صور عقاب المسجونين سياسياً  … الآن انهضي من السرير واصعدي للسطح وهاتي خرطوماً من هناك … ثم سنبدأ الحفلة ! “
– ” أبي , أرجوكَ ! لن أكرّرَها مرّةً أخرى ! أرجوكَ ! 
– ” صدقيني ما سأفعله بكِ لمصلحتكِ ؛ إن الشباب في سنّك يحسبون الثورة عبثاً يقوم به كلُّ أحد … ويظنون أن التهجم على القيادات موضة يقلدون بعضهم في فعلِها … وأنا سأشفيكِ من هذا كلّه … مع سقوط  الخرطومِ على جسدكِ ستنسين كل هذه الدوافع الثورية , وتتفرغين لدراستك وأسرتك … السطحَ ! ”
– ” هناك خرطوم تحت السرير ! ”
– ” ماذا ؟ ”
– ” لقد توقعتُ أن ينتهي الأمر إلى هذا , وخفْتُ أن يراني أحدٌ في النهار وأنا أجلب الخرطوم من السطح فيخمّن ما يوشك أن يقع , فصعدْتُ ليلة البارحة وجلبْتُه ووضعْتُه تحت السرير ! ”
نظر الأبُ في دهشة , وهو يحاول أن يفهم … كان ما وصل إليه _ بعد جهدٍ _ هو أن ابنته قد تجرّأتْ على كتابة ذلك المنشور ثم أرادَتْ الاعتذار عن فعلِها فوضعَتْه في حيث يراه , وأعدَّتْ آلةَ عقابِها كنوعٍ من الاعتذار وإظهار الأسف ؛ ولكنْ .. إظهار الأسف على ماذا ؟ لو لم يعثرْ هو على تلك الورقة لَمَا عَلِم بشيءٍ , ولانتهى الأمر من قبل أن يبدأ …
– ” لماذا وضعْتِ هذه الورقة على مكتبي ؟! “
فطَنَتْ ( بهية ) إلى أنّ مخطَّطَها على وشك الانكشاف , ماذا سيقول أبوها إذا اكتشف أنها خططتْ لكل هذا ؛ لأنها “راغبة” في أن يعاقبَها ! هذه كارثةٌ ! ثم اهتدَتْ لمخرجٍ ولكنه يبدو كالاستجارة من الرمضاء بالنار , ولكنْ لا سبيلَ آخر :
– ” أنت ضابط في الشرطة ! ”
– ” ثم ؟ ”
– ” لقد كانتْ هذه ثورة ضباط , وربما صار الوقتُ مناسبًا لثورة ضباطٍ أخرى ! “
اتّسعَتْ عيناه في ذهولٍ , وهو الذي كان يحسبُها تعتذر , فإذا هي ” في الواقع ” تحاول تجنيدَه .. أيّ نية مسبقة بتخفيف عقابِها قد طارَ بها هذا الاعتراف !
أمسك ساعدَها بغلظة , ورفعها من السرير , ثم قبْل أن تدرك ما يحدث كان قد عرّاها من كل شيءٍ ؛ لو كانتْ قد سجنَتْ بتهمة محاولة تجنيد ضباط , ومحاولة  قلْبِ نظام الحكم , لكان هذا أهونَ ما ستمرّ به … ثم مدّ يده تحتَ السرير فوجد الخرطومَ كما قالَتْ …
نظرَ في عينيها فوجدها مذعورةً … فكّر في أنها لم تحسبْ حسابًا لكلِّ هذا , ولكنّه طيشُ الشباب …
ثمّ رأى أن علاج طيش الشباب متوفّرٌ ويسيرٌ .. وأنه لن ينتهي اليوم حتى تكون قد عولجت به ..
************
– ” ( سالم سمير ) ! ”
– ” أفندم ! ”
– ” قَسَم الشرطة ! ”
تلا ( سالم ) القسم , وتناول الشهادة …
كان ( سالم ) يتمنى هذه اللحظة طيلةَ حياتِه تقريباً ؛ أن يصير شرطيًّا في شرطة جلالة الملك !
والآن تحقق حلمه ؛ لقد صار لديه مسدسه ورتبته , وزادَتِ الهوّةُ أكثر وأكثر بينه وبين بقية الفلاحين الأميين ؛…. كان يكره هؤلاء كرهاً مقيتاً , ولكنّ فدادين أبيه لن تَزْرَعَ نفسَها …
وعندما عاد لقصر أبيه استقبله البوّاب بلكنته الغريبة واحتفائه العاميّ , ولم يستطع أن يمنع نفسَه من الإغلاظ له في الرد , ولكنّ البوّاب كان يزداد بالجفاء حفاوةً , كأنه يرى أن كل ما يصدر عن السيّد مقبول … بل مرغوب فيه …
كان ( سالم ) غافلاً عن وجود أبيه في شرفة القصة على بعد أمتار منه .. يسمع ردوده الجافية على البوّابِ … لم يكن ( سمير باشا ) يهتمّ كثيراً بمنْع احتقارِ ابنه للفلاحين , ولكنه كان يرى أنّه لا ينبغي أن يتخلى الباشا ولا ابن الباشا عن رقيّه _ حتى لو كان ذلك أثناء تعاملِه مع فلاح _… ولذلك فقد عزم على تلقينِه درسًا … وعندما جمعهما العشاءُ تلك الليلة , وبعد أن بارك لابنه الوظيفة الجديدة _ التي كان الباشا يحتقرها سرًّا , ويرى أنها وظيفةٌ منحطةٌ _ سأله عن الحوار الذي سمعه بينه وبين البوّاب صباحاً , فردّ الابن في عدم مبالاة .. ولكنّ الأب ألحّ عليه في تفسير الطريقة التي تكلم بها مع البواب , فجاء جواب ( سالم ) مستغرباً :
– ” إنه بوّاب , وليس ابن ذواتٍ .. أعتقد أنه كان مسروراً حتى بتعنيفي له ”
– ” هو ليس ابن ذواتٍ , ولكنك أنت ابن ذواتٍ , والحوار علاقة بين طرفين ! ”
– ” ما الذي كان يفترض بي أن أصنعه ؟ أن أكلمه بالإنجليزية ؟! ”
كان الباشا يكره الطريقة الساخرة التي يجيبُ بها ابنه على أسئلتِه , ولذا فقد أمضى عزمَه على السير في هذا الطريق حتى النهاية :
– ” على ذِكْرِ الإنجليزية , أتعرف أنني حللْتُ ضيفاً على أحد اللوردات الإنجليز  في سفري الأخير ؛ اللورد ( بليذن ) , إنه زميل دراسة , لقد حكيْتُ لك عنه … ومعك حقّ : إن هؤلاء القومَ آيةٌ في الرقيّ والحضارة والأخذ بأسباب المدنية … ولكنّي كنْتُ دائماً ما أتساءل كيف تُمْنَحُ الحضارة والرفاهية لشخصٍ ما ثم يجد بعد ذلك دافعاً للعمل والاجتهاد والمحافظة على مكانته ومكانة مجتمعِه … في الواقع لقد شكوتكَ صراحةً للورد ( بليذن ) , وما أنت عليه من استهتار وعدم احترامٍ معي , فكان ردّه الهادئ هو : ما نوع العقاب الذي تستعمله لتأديبِه ؟ … فظنَنْتُ أنه نَسِي أنك شاب في العشرين , فأخبرْتُه بذلك , فقال إنه يعرف ذلك , ولكنّه لا يزالُ يؤدِّبُ ابنَه وابنتَه وهما تقريباً في نفس السنّ … وأنه خلافاً لما يعتقد البعض فإن الشاب أو الفتاة يكونان أحوج للعقاب في تلك الفترة , ولكن أولياء الأمور نادراً ما يتنبهون لذلك … في الواقع لقد أصرّ على أن يريَني بنفسه كيف يعاقب ابنَه _ الذي يبدو أنه فعل ما يستحق العقاب _ أمام عينيّ , وكنْتُ أنا بالطبع محرجاً من ذلك , ولكن أمام إصراره فقد وافقْتُ على دعوتِه تلك , وبعد أن رأيتُ عقابَ ابن اللورد  أستطيع أن أقول إن ذلك قد أجاب على سؤالي القديم حول ما يمنع الأشخاص _ خصوصاً الشباب _ من الانجراف إلى  اللذائذ والانغماس في الرفاهية بالرغم من توفر أسبابِها لديهم ”
نظر ( سالم ) في ضيقٍ إلى والدِه , وقد ساءه ما سمعه , وبدا أنه يعرف إلى أين يتجه هذا الحوار ,  ولكنّه قرّر أن يسأل على أية حال :
– ” ما هو بالضبط العقاب الذي عاقب به اللورد ابنه ؟ ”
– ” أعتقد أنه من الأفضل أن أريك عمليًّا , بدلاً من أن أشرح لك كلاماً ؛ ففي النهاية إن طريقة كلامك مع البوّاب اليوم ذنبٌ كافٍ موجبٌ للعقوبة … هل فرغْتَ من تناول طعامِك ؟ ”
نظر ( سالم ) في قلقٍ , وهو لا يدري إن كان والده يمزح أم لا , ثم قال :
– ” ستريني عمليًّا , الآن ؟ بعد أن أفرغ من طعامي ؟ ألا يمكنك أن تنتظر إلى الغد ؟ ”
– ” إن مما قاله اللورد ( بليذن ) : إنه كلما تأخر زمان العقوبة عن زمان الذنب , كلما قلَّتْ فاعليّة العقاب , وأعتقد أنني لا أريد أن يكون أول عقابٍ لك عديمَ الفاعليّة !”
– ” في الواقع أنا لم أشبع بعد ! ”
– ” ولن تشبع أبداً , ما دمْتَ تعلم أنّه بعد الشبع يأتي العقاب المستحقّ … لذا فدعْ لي أنا تقديرَ شبعِكَ الذي أرى أنه تحقق … وأرى أن هذا هو وقْتُ الانتقال إلى سريرك وانتظاري هناك حتى آتي لأعاقبكَ ! ”
كان ( سالم ) لا يصدّق أذنيه ؛ لقد كان يعتقد أن العقابَ سيكون حرماناً من مصروفٍ , أو حتى إذلالاً بطلب تنظيف القصر أو زراعة الأرض , ولكنّ ” انتظرني في سريرك حتى آتي لعقابك ” هذه لا تتناسب إلا مع شيءٍ واحدٍ …
– ” إن لم تنتقل لسريرك الآن , وترتقِبْ عقابَك عارياً كما ولدتْك المرحومةُ أمُّك ، فسأعاقبك هنا على مرأى ومسمع من الخدم ”
كان صوتُ الأب مرتفعاً , وفكّر ( سالم ) أن الجميع قد سمعوا التهديدَ , ولم تفتْه صوتُ الضحكاتِ المكتومة , وخاف إن تأخر في الاستجابة لأمر والده أن يشهد الخدمُ عقابَه صوتاً وصورةً , فهرع إلى سريرِه , وانتظر هناك لوهلة , ثم تذكّر تمام جملة والده فاحمرّ خجلاً , وهو ينزع عنه كل خيط من ملابس ثم يجلسُ على السرير فينضغطُ ردفاه العاريان على الملاءة الباردة …
وعندما انفتح البابُ بعد دقائق … توقف قلْبُ ( سالم ) عن النبض لجزء من الثانية وهو ينظر إلى الباب المفتوح… ؛ هذا هو والده لا شك فيه , ولكنّه ليس وحدَه!
*******
– “ستتزوجين من باشا , فماذا يبكيكِ ؟ “
– ” إنه كبيرٌ في السن ! ”
– ” إنه في الخامسة والثلاثين ؛ وهو مع ذلك باشا ! ”
– ” أنا لا أريد باشا , أنا أريد شخصاً في مثل سنّي ! ”
نظرَتْ ( حميدة ) إلى ابنتِها الباكية , وقالتْ :
– ” ( صباح ) , يا حبيبتي , إن الزواج ليس كما يصوّر في الروايات ؛ إنه علاقة احترام وتفاهم في المقام الأول , وفارق السن لا يحول دون الاحترام والتفاهم … ثم إنه .. “
– ” باشا , أعرف ! .. وأنا بنت أفندي موظف بسيط , والفارق بين هذين يساوي في عملة السنين خمس عشرة سنة ! ”
– ” إن لم ترغبي في زواجه , فلا تتزوجيه , ولكنْ لا تتحدثي عن أبيكِ بهذه الطريقة ! ”
نظرَتْ إليها ( صباح ) في غضبٍ , وقالَتْ :
– ” لماذا لم تتزوجي أنتِ الأخرى باشا , بدلاً من أبي … فأصيرَ أنا بنت باشا وأتزوج شخصاً لا يكبرني بخمس عشرة سنة ! ”
كانتْ ( حميدة ) تحاول إمساكَ أعصابِها , ولكن ( صباح ) دائماً ما كانتْ تنجح في إثارة جنونِها … اليومَ يتقدم لها باشا , و للمرة الأولى تشعر ( حميدة ) أن هناك فرصة فعليّة لابنتها لترقى السلم الاجتماعي ؛ إن ابنتها تقرأ وتكتب وتجيد الكلام المزوّق ؛ فهي صالحة لحياة القصور …. ولكن الفتاة الطائشة تريد شاباً ممن تقرأ عنهم في تلك الروايات السخيفة … وتحاول الأم مرةً أخرى أن تسلك مسلكاً عقلانيًّا :
– ” لماذا لا تقابلينه بدايةً ثم تقررين فيما بعد إن كنتِ موافقة أم لا ؟ ”
– ” لسْتُ موافقةً من الآن , فما الداعي للمقابلة ؟ ”
– ” لعله يعجبكِ ؛ مع السنّ تأتي الحكمة والوقار ! ”
– ” فليتزوج مَن هي في سنّه إذاً ؛ طلباً للحكمة والوقار ! ”
لم تدْرِ ( حميدة ) ما الذي تصنعه بهذه الفتاة , فقالَتْ :
– ” على أية حالٍ لقد وافق أبوكِ ؛ فرأيكِ تحصيل حاصل , فبإمكانكِ أن تفرحي بزفافك إلى باشا , وتعيشي حياة هانئةً , أو تجعلي اعتراضاتك البلهاء حائلاً بينك وبين السعادة ؛ الخيار لكِ ! ”
– ” هذا هو الاختيار ؟! لقد اخترنا لكِ وافرحي _ رغم أنفكِ _ , أو احزني على عدم امتلاكك لأمر نفسكِ ؛ لك الخيار ! بالمناسبة إن المأذون يسأل عن موافقة العروس , وإذا قلْتُ لا فلن يتم العقد ! ”
– ” سنعقد الزواج بدون مأذون إذن ، ثم هل أنتِ من الحمق بحيث تفعلين ذلك ؟ تردّين كلمةَ أبيكِ بعد أن زوّجَكِ ممن ارتضاه لكِ ؟ “
– ” المفروض أن يكون الرضا منّي أنا ! ”
– ” وما الذي لا يرضيكِ فيه ؟ ”
– ” إنه في الخامسة والثلاثين ! ”
– ” أكنْتِ لِتَرْضَيْ به لو كان في الخامسة والعشرين ؟ ”
– ” نعم ! ”
– ” ماذا عن الثلاثين ؟ ”
– ” نحن لا نفاصل في سوق الخميس ! إن خمس عشرة سنة فارق كبيرٌ ! مهما رفعْتِ السعرَ تدريجيًّا فلن أشتري ! ”
فطنَتْ أمُّها إلى فكرةٍ مخيفةٍ فسألَتْ :
– ” هل هناك شخصٌ آخـ .. “ 
– ” لا ! لا يوجد شخصٌ آخر , أنا لا أخرج من البيتِ ؛ من أين سيأتي شخصٌ آخرُ ؟! كل ما أريده أن أتزوج شخصاً مناسبًا ؛ وليس شيخاً فانياً ! ”
– ” حدِّقي في عينيّ ! “
كانتْ ( صباح ) تكره هذه الجملة عندما تقولُها أمُّها ؛ قد تكون أمُّها أميّة أو ساذجةً حتى , ولكنّها تستطيع شمّ الكذب من أميال ؛ خصوصاً إن كانَتِ الكاذبةُ ابنتَها … رفضَتْ ( صباح ) أن تنظر إلى عيني أمِّها , فقالَتْ ( حميدة ) :
– ” إن لم يكنِ السببُ وجودَ شخصٍ آخرَ ,وليس ما تظاهرْتِ به من فارق السنّ , فما علة رفضكِ إذًا ؟ … هل تعتقدين أن إحداهنّ قد سحرَتْكِ أو عانتْكِ ؟ ”
– ” سحرَتْني حتى لا أتزوج هذا المرفّه ؟ لقد خدمَتْني إذًا ! “
– ” هذا هو السبب إذن ؛ المرفّه ! ”
– ” لا , هذا ليس السببَ ؛ إنها مجرد صفة .. ”
– ” هذا هو السبب : أنتِ تريدين شخصاً يهزّ بك السريرَ , وليس … ”
– ” أمّي !! ”
– ” هل هذا هو السبب ؟ لماذا لم تصارحيني ؟ “
نظرَتْ ( صباح ) إلى أمِّها في غضبٍ , ثم قالَتْ :
– ” حسناً ؛ أنا أريد شخصاً إذا جاء الليلُ عاملني كما تعامل فتياتُ الهوى , فإذا طلع الصباحُ صرْتُ أنا من بناتِ الناس وصار هو من أهلِ الإتيكيت ! ”
ابتسمَتْ أمُّها, ثم قالَتْ :
– ” صار من أصحاب ماذا ؟ ”
ردَّتِ الابنةُ في سخرية :
– ” الإتيكيت ؛ إنه لقب لرجال القانون في فرنسا ! ”
فأجابَتِ الأم في غبطة بمعرفة ابنتِها الواسعة :
– ” فعلاً : العلم نورٌ  ! ”
شعرَتْ ( صباح ) بالاستياء بمجرّد صدور التعليق البريء من أمِّها … ثم إن أمَّها فطَنَتْ إلى ما حدث , فقالَتْ :
– ” لا علاقة له بالقانون . أليس كذلك ؟ ”
– ” لا ! إن له علاقة بالأكل والشرب والرقص وأشياء أخرى .. “
– ” رقص ؟! ”
– ” على أية حالٍ ؛ أنا أتفهم أن والدي قد أعطى الرجل .. “
– ” الباشا ! ”
– ” ..الباشا موافقتَه , ولكني لا أرغب في أن أعيش بقية حياتي مقيّدة بقيود اللباقة وسعادتَك وسعادتِك ؛ على الأقل ليس في غرفة النوم … “
– ” سأقاطعكِ هنا لأخبركِ بخبر كان متوقّعاً أن يزهّدكِ في الباشا , ولكنْ : محاسنَ الصدفِ ! ”
– ” ماذا ؟ ”
– ” إن الباشا طلّق ثلاث زوجاتٍ من قبل ! ”
– ” أمن المفترض أن يكون هذا شيئاً جيداً ؟ ”
– ” عندما سمعْتُ بهذا الخبر للمرة الأولى قلْتُ في نفسي : فلتذهب الباشوية إلى الجحيم , ما دام الرجل مطلاقاً فلن أكون سبباً في كساد سوق ابنتي بزواجها منه ثم طلاقها بعد ذلك وزُهْدِ الرجال فيها … ثم رأيْتُ أن أسأل عن أخبارِه فعلمْتُ أن زوجاتِه الثلاث الأول كنَّ جميعاً من بنات الشأنِ أو المرفّهاتِ ؛ فكرهْنَ منه ما تمنيْتِه أنتِ , وطلبْنَ الطلاقَ  … ولو لمْ تفاتحيني أنتِ في الموضوع لفاتحْتُكِ أنا فيه ! ”
– ” ما الذي كرهْنَه بالضبطِ ؟ ”
– ” ما يصنعه رجالُنا البسطاء بنا منذ بدء الخليقة ؛ أنْ يُشْعِرَ الرجلُ المرأةَ بأنوثتِها ! ”
تورّد خدّا ( صباح ) فقرَّرَتِ الأم أن تتمادى :
– ” لا يصحّ مثلاً أن يفاجئ الرجلُ زوجتَه وهي ترتدي ملابسِها , فيصنع مثلما يصنع هؤلاء المخنّثون المتأنقون فيتنحنح ويطلب المعذرة وينسحب ، بل عليه أن يستمتع بما هو حقّه , فيقبض على هذا ويضرب على ذاك … ”
– ” أمي !!! ”
– ” أنا لا أفهم كيف يعيش هؤلاء الباشوات حياتَهم بهذه الطريقة , ولكنْ بما أنّ هذا الباشا بالذات لم يفقد عقلَه في المسائل الزوجية , ولا يزال يرغبُ فيما نرغب نحن فيه , فأنا لا أرى داعيًا لردِّه بعد أن وافق عليه أبوكِ . أليس كذلك ؟ ”
– ” حسناً … إنني لا زلْتُ بحاجةٍ إلى أن أقابلَه أولاً ! “
تجاهلَتِ الأمّ تعليق ابنتِها _ فقد أدركَتْ من نغمة كلامِها أنها قد وافقتْ سلفًا _ وأضافَتْ :
– ” وبذا يبقى لنا موضوعٌ آخرُ : لقد رفضْتِ مصارحتي بعلة رفضكِ للباشا , وظللْتِ تلفين وتدورين … ثم هزأتِ بأمِّك البسيطة غير المتعلمة وجعلْتِ الكتاكيت تدخل في القانون .. “
ضحكَتْ ( صباح ) رغمًا عنها , فأضافَتْ أمُّها :
– ” من حسن الحظ أنّ القصص التي أذاعتْها طليقاتُ زوجك المقبل قد شملَتْ شيئاً صالحاً لأن يكون عقاباً لكِ على ما فعلتِه قبل قليلٍ ! ”
نظرَتْ ( صباح ) في دهشةٍ لأمها , فأضافَتْ الأم :
– ” وفقًا لما بلغني من تلك القصص : فعندما تشغبين على زوجك في المستقبل , فإنه سيصنع بكِ آنذاكَ ما سأفعله بكِ الآن .. مع خلافٍ في الدافع بالطبعِ ؛ هو يريد منك ما يريده الرجل من زوجتِه بالإضافة لتأديبك , وأنا لا أريد سوى تأديبِك ! والآن انزعي ملابسَكِ ! ”
– ” عندما يؤدبني سيطلب مني أن أنزع ملابسي ؟ ”
– ” هل بدأ خيالُكِ في التحليق من الآن ؟ وفقاً لروايات المطلقات ؛ فإنه يصرّ على نزعِها بنفسه ”
كانتْ ( صباح ) تتمنى أن تنفرد بنفسِها لتنشغل بتصوّر المشهد , وما ينشأ عن تصّور المشهد … ولكنّ أمَّها كانتْ مصرّة على معاقبة ابنتها ” طويلة اللسان ” في التوّ ..وبدأتْ تمدّ يدَها تجاه ملابس ابنتِها , فقالتْ ( صباح ) :
– ” مهلاً .. مهلاً … دعينا نفكِّرْ عقلانيًّا في الأمر … لقد أوصلْتِ فكرتَكِ .. كان ينبغي أن أصارحَكِ … لا حاجةَ الآن لهذا العقاب ! “
– ” إن العقابَ لم يبدأ بعد يا طفلتي ! ”
كانتْ ( حميدة ) قد رفعَتْ عباءة ( صباح ) حتى وصلَ ذيلُها إلى ذراعي ( صباح ) , فأثارَتْ الحركةُ أشجاناً قديمة لديهما جميعاً … وابتسَمَتْ ( حميدة ) وهي تقول :
– ” آخر مرّة قمْتُ فيها بهذا الفعلِ , كنْتِ تشتكين من أن الماء سيكون بارداً وأنّكِ لسْتِ بحاجة للاستحمام ! … ارفعي ذراعيكِ ! “
أطاعَتِ البنتُ طلبَ أمِّها , ثمّ قرَّرَتْ أن تلعبَ الدور :
– ” ولكنّ الماء بالفعل باردٌ , وأنا أكره الاستحمام ! ”
كانتِ العبارةُ مألوفةً في أذن ( حميدة ) , ولكن الصوتَ قد تغيّر والجسد قد تغيّر ؛ وإن كانَتِ الشقاوةُ على حالِها … 
وعندما أكمَلَتْ ( حميدة ) تعريةَ ابنتِها , جرَّتْها فاسْتَجْرَرَتْ لها , فبلغا سريرَ البنتِ فجلسَتِ الأمّ وأجلسَتِ ابنتَها في حجرِها مستقبلةً الأرضَ بوجهها , وعاليةً مؤخرتُها في السماء , وقد حاكى لونُ خدّيها ما يوشك أن يتلوّن به ردفاها ..
وكانتْ ( صباح ) منشغلة بخجلها من الموقف , ولكنّ شهقة بكاءٍ قد أعادَتِ انتباهها إلى أمِّها , فأدارَتْ رأسَها لتنظر إليها , فوجدَتْها تبكي , ولم يكنْ يخفى على ( صباح ) الدافعَ , ولكنّها قالَتْ :
– ” لِنأملْ ألا يرى زوجي فيّ ما يبكيه هو الآخر ! ”
فضحكَتْ ( حميدة ) , وقرَّبَتْ يديها من بعضهما وكأنها تحاول أن توصل المعنى بالإشارة لأن الدموع تمنعها من الكلام , ففسَّرَتْ ( صباح ) حركتَها :
– ” لقد كنْتُ _في يومٍ ما_ بهذا الحجم الذي تشيرين إليه بيديكِ… هذا هو ما يبكيكِ ؟ ”
هزّتْ ( حميدة ) رأسَها قبولاً , فأضافَتْ ( صباح ) :
– ” وما زاد فيّ طولاً في تلك الفترة , زاد فيكِ عرضاً , فكلانا قد تغيّر ! ”
بعض الأشخاص لا يوجد لديهم أدنى إحساس بالمتغيّرات الخارجية وضرورة التواءم معها ؛ لقد كانت ( صباح ) معتادةً على هذه المداعبات مع أمِّها , ولكنها ستكتشف قريباً جدًّا أن هناك فارقاً بين أن تتحامق على أمِّها وهما جالستان كاسيتان يتناولان الطعام , وبين أن تفعل ذلك وهي ممددة عريانة ومؤخرتها قد صارَتْ دعوةً مفتوحةً لكفّ أمها لتقلنها درساً …
فارق ضخم بين الحالتين , فارق شديد الاحمرار وشديد الألم .. وشديد القدرة على تذكير الشخص بما فعله في كل مرة يحاول أن يجلس فيها !
**************
2- كان وشيكاً , فوقع !
___________________________________
حاولَتْ ( صباح ) أن تقنع نفسَها أنّ ما تشعر به ناشئٌ عن تصوّرِها لما سيحدث لها على يدِ زوجها , وليس ناشئاً عما تفعله بها أمُّها في هذه اللحظة !
وأيًّا يكنِ الدافعُ الفعليّ , فقد كانَتْ موشكةً على أن تنفضح …
كانَتِ الصفعاتُ التي تهيلُها أمُّها على ردفيها الرجراجين كافيةً لإحداث الألم ولكنّها ليسَتْ كافيةً لاقتصار ما تُحْدِثُهُ على الألم … لقد نشأ عنها _ بالإضافة إلى ألم الردفين _ ألمٌ فيما بينهما … وجاهدَتْ ( صباح ) لتخفي ذلك ؛ ولكنّها كانتْ تعلم في أعماقِها أنّ أمّها تعي ما يحدث تماماً …
وعلى الجانب الآخر كان تأويل ما يحدث أشقّ وأصعب على ( حميدة ) ؛ إذا كان عذر ( صباح ) فيما تجده من أحاسيس هو أنها تتشوّق لعقاب زوجها المقبل , فما هو عذر ( حميدة ) فيما تجده من أحاسيس ؟ لم تجد شيئاً تخبر به نفسَها سوى أنّها إنما تتمنّى هي الأخرى أن يصنع بها أبو ابنتِها مثلما تصنعه هي الآن بابنتِها ؛ لا شكّ أن هذا هو التفسير الدقيق لتلذّذها بما تفعله …
ثم جاءها صوتُ ابنتِها العذب :
– ” أميمتي ! أرجوكِ ! “
لم تتمالك ( حميدة ) نفسَها , كان قد مرّت سنون كثيرة بعد آخر مرة نادَتْها ابنتُها بهذا التصغير .. فتوقفَتْ عن صفعِها , ونظرَتْ إلى المؤخرة الفاتنة التي في حجْرِها , ولم تتمالك شعورَها بالفخر وهي تنظر إلى هذا الجمالِ الذي أنجبَتْه , وقالَتْ :
– ” لا تسقط التفاحةِ بعيداً عن شجرتِها “
لو لم تكن ( صباح ) قد لقِّنَتْ درساً لتوّها , لأسرعَتْ بالردّ العابثِ , ولكنّ مؤخرتَها صارَتْ لها الكلمةُ العليا فمنعَتْ لسانَها من التلفظ بما لن يعود عليها إلا بالأذى , فكفّ اللسان عن لهوِه خوفًا من بطش الردفين المحمرّين غضباً به ! ولاحظَتْ أمُّها ذلك , فقالَتْ :
– ” لا تعليقاتٍ ساخرةً ؟ ”
– ” لقد تعلَّمْتُ درسي ! ”
هذا الصوتُ ! … فكَّرَتْ ( حميدة ) أنه من الظلم أن يحمل المجتمع الأطفال على التخلي عن هذا الصوت في خطاب أمهاتهم بمجرد بلوغهم سنًّا معينًا … هي لم تشبع _ ولن تشبع _ من سماع ابنتِها تتحدث بهذا الدلال ! وربَّتَتْ على مؤخرتِها فقامَتْ هذه من رقدتِها في حجرِ أمِّها وهي تستر من جسمها أشياءَ حياءً ممّن ولدَتْها , والأمّ لا تزيد على النظر والابتسام , فقالَتِ البنتُ محرجةً  :
– ” هلّا غادرْتِ رجاءً ! حتى أرتدي ملابسي ! ”
– ” ستستطيعين ارتداءَها وحدَكِ  ؟ ”
– ” أمي !! ”
– ” حسناً , ولكنْ تذكيرٌ مهمّ : أي تجاوز آخر من هذه اللحظة حتى اللحظة التي ستنتقلين فيها إلى بيتِ زوجتِك سنتعامل معه بنفس هذه الطريقة . هل هذا واضح ؟ ”
– ” نعم , هذا واضح ! هل يمكن أن تغادري الآن , رجاءً ! ”
– ” حسنًا , ولكنْ استديري مرّةً أخيرةً حتى أتأكد من أن عقابكِ تمّ على أكمل وجه ! ”
– ” أمّي !! “
قامتِ الأم من جلستِها , فخافَتْ الابنة أن يكون هذا استفتاحاً لمزيد من العقاب , فاستدارَتْ بسرعةٍ , فابتسمَتِ الأم وفكَّرَتْ : متى كانَتْ آخرَ مرَّةٍ استجابَتْ فيها ابنتُها للأوامر بهذه السرعةِ ؟ ثم انشغلَتْ بالنظرِ إلى احمرار المؤخرة التي أدارتْها صاحبتُها لتقابلَها , وقالَتْ :
– ” ربّما لأن هذه هي المرة الأولى سنكتفي بالوصول إلى هذه الدرجة اللونية , ولكن في المستقبل توقّعي أن يكون العقابُ أشدّ .. إذا فعلْتِ ما تستحقين العقاب لأجله بالطبع “
– ” حسناً يا أميمتي ! ”
– ” حسناً يا صغيرتي , سأخرج الآن لترتدي ملابسكِ ”
وعندما خرَجَتْ الأمُّ من الغرفة لم تكنْ ( صباحُ ) محتاجةً لارتداء ملابسها لفترة طويلة من الوقت !
************
أشار إليها لتتمدد على السرير , فتوسَّلَتْ له مرةً أخرى أن يعفو , فلم يعفُ … فأطاعَتْ أمرَه … وانتظرَتْ أن يرفع رجليها أو أن يطلبَ منها رفعهما , ولكنّ الخرطومَ هوى على مؤخرتِها … لم يكنْ هذا ما سمعَتْ بأنه يحدث في السجون , ولكنّها خمّنتْ أنه نوعٌ من تخفيف العقوبة … وإن كان ما تشعر به من ألم في ردفيها لا يترادف إطلاقاً مع كلمة ” تخفيف ” …
ظلَّتْ الضرباتُ تهوي على ردفيها حتى تحولتْ صرخاتُها إلى بكاءٍ مفتوحٍ … وسمعَتْ صوتَ طرقٍ متسارعٍ على باب غرفتِها … فتوقعَتْ أن تكون أمُّها قد سمعَتْ صوتَ بكائها المرتفع , وتريد أن تعود للشفاعةِ لها … ويبدو أن أباها توقّع ذلك أيضاً , فلم يبالِ بالطرْقِ , واستمرّ في عقابِها … ثمّ عندما بدا أن العقابَ لن ينتهي أبداً … توقّفَتْ الضرباتُ , فرفعَتْ عينين حجبَتِ الدموعُ عنهما معظمَ الرؤية , ولكنها استطاعَتْ مع ذلك أن ترى أباها وهو يتوجّه بسرعة جهةَ البابِ , ثم سمعَتْ صوتَ انفتاح الباب وصراخَ أبيها :
– ” (سنيّة) ! ما الذي كنْتِ تفعلينه خلف الباب ؟ هل أنتِ من طرقَ البابَ قبل قليلٍ ؟ ”
سمعَتْ ( بهية ) صوتَ أختِها الكبرى , وهي تجيب في ذُعْرِ شَخْصٍ لا يستطيع الكذبَ من شدة الخوف :
– ” بل أمي كانَتْ هي الطارقة وقد راعها صوت بكاء ( بهيّة ) ! ثم لمّا لمْ تفتَحِ البابَ فقد ذهبَتْ للمطبخ حتى لا تسمع صوتَ الضربات والبكاء ”
– ” وما الذي كنْتِ تفعلينه خلف الباب على ركبتيكِ ؟ ”
– ” …. إمم … لقد كنْتُ أنظر من الثقب ! ”
– ” لماذا ؟ ”
– ” …. “
– ” أكنْتِ تخشين أن أقتلَ أختَكِ فأردْتِ التأكّدَ من سلامتِها ؟! “
أجابَتْ ( سنية ) غافلةً عن مغزى السؤال لفرط سعادتِها بأن وجدَتْ مخرجاً :
– ” نعم ! هذا هو السبب … “
ثم فطِنَتْ لما قالَتْه فاستدركتْ في سرعة :
– ” .. أعني : لا ! .. لا , بالطبع أنت لن تؤذيَها وتريد مصلحتَها .. “
– ” فما هو سبب تجسسك على أختكِ إذن ؟! ”
ولمّا بدا أنّ الأمورَ لن تسيرَ على ما يرام , قالَتْ _ معترفةً _ :
– ” لقد رأيْتُ ( بهيّة ) وهي تكتب تلك الورقة… المنشورَ .. وتضعه عمْدًا على مكتبكَ لتقرأه فخمّنْتُ سببَ فعلِها ذلك , وأردْتُ … “
قاطعها أبوها :
– ” مهلاً , ما هو السبب ؟ ”
– ” ….. “
– ” ( سنيّة ) ! إن لم تصارحيني في هذه اللحظة بهذا المخطّط الأحمق الذي تقوم به أختك والذي ربما كنْتِ متواطئةً معها فيه , فأقسم أن أجعلَكما أنتما الاثنتين تذوقان وقْعَ هذا الخرطوم طيلة هذا الأسبوع يوميًّا … ”
أجابَتْ ( سنيّة ) في عجلةٍ :
– ” هذا هو السبب ! ”
– ” ما هو ( هذا ) ؟؟!! ”
رأتْ ( بهيّة ) أن الأمور سائرة إلى جهة خطيرة , فتدخلَتْ , وجاءَ صوتُها ليعيد انتباه الأبِ إلى ابنته الصغرى :
– ” ما تريد ( سنيّة ) قولَه أننا نفتقد وجودَك في المنزل بسبب طول ساعات عملك , وأحياناً نتمنى أن تكون معنا في البيت زماناً أطول لتقوم بدورك معنا كأبٍ ! ”
– ” أنا لا أقصّر معكما ماديًّا , وأثني على تفوّقكما في المدرسة وفي الجامعة في كلِّ مناسبةٍ ! ”
جاء دور ( سنيّة ) لترد على أبيها :
– ” هذا هو الثواب .. ولكنْ … إمم … ”
أكملَتْ لها أختُها :
– ” ولكنّه غيرُ كافٍ , نحن بحاجة إلى من يقوّمنا إذا أخطأْنا ! ”
استعادَتْ أختُها المبادرة , فقالَتْ :
– ” وبما أن الأخطاء الطبيعية لا تصل إليك , فقد رأتْ ( بهية ) أن الأخطاء الصناعية ستكون أنجع في عودتِك للعب دور الأب والمربّي “
كان ( سالم ) في دهشة مما يسمع , وإن لم يكنْ وقعُ الكلام غريباً عليه ؛ فكأن ابنتيه تمثّلان دورَه على خشبة المسرح عندما كان في سنِّهما , وإن كانتِ المبادرةُ في حقِّه هو قد جاءتْ من أبيه إليه وليس العكسَ , فقال في هدوءٍ :
– ” هذا المنشور لم يكن معدّاً لتقع عليه عينا أحدٍ غيري . أليس كذلك يا ( بهية ) ؟ ”
– ” بلى ! ”
– ” وأنتِ يا ( سنيّة ) رأيتِه على مكتبي , فلم ترفعيه ؛ لأنكِ أنتِ الأخرى تتمنين لو كتبتِ شيئاً مماثلاً لأقتنع باستحقاقكِ للعقابِ وأعاقبكِ . فرأيْتِ ألا تحرمي أختكِ مما ترغبين فيه . أليس كذلك ؟ ”
– ” بلى ! ”
– ” حسناً , قد أكون بالفعل منشغلاً معظم الوقت بسبب طبيعة عملي , ولكن من الآن فصاعداً : في يوم الإجازة كل أسبوع ستأتيان إلى مكتبي ومعكما قائمة بكل ما تريان أنكما تستحقان العقابَ بسببه مما صنعتماه طيلة الأسبوع , وسأعاقبكما عليه … ما دام هذا ما تريدانه … وأرى أن ( بهيّة ) قد نالتْ كفايتَها من العقابِ على هذا ” المقلبِ ” ولو كان حقيقةً وليس مقلبًا لاستمر عقابُها لساعاتٍ , فقد كنْتُ أنوي أن أجعلها تذوق ما يذوقه عاثر الحظ الذي تقع منشوراتُه في قبضتِنا حتى تعلم خطورةَ فعلِها … أمَا وقد اتضح أنه مقلب فما نالتْه يكفي … بقي أن أكرِّرَ ما فعلْتُه مع أختِها الكبيرة … ( سنيّة ) ! ”
– ” أنا آسفة ! ”
– ” ذنبكِ ليس مثلَ ذنبِ أختِكِ , ولكنّك لا تزالين مذنبة باشتراكك _ولو ضمنًا _ في ” عملية المنشور ” هذه , وبتجسسك على أختكِ …. وبما أنكما ستعاقبان معاً من الآن فصاعداً , فلا معنى لخروج ( بهية ) وانتظارها في الخارج حتى أفرغ من عقابكِ , والآن انزعي ثيابكِ وتمددي على سريركِ كما ترين أختكِ تفعل “
نزعَتْ ( سنية ) ثيابَها وهي تشعر بوقع عين أختها وأبيها عليها , فتضاعف خجلُها , ثم تمددَتْ على سريرها , ودفنَتْ وجهها في مخدتِها … وانتظرَتْ وقوع الخرطوم على مؤخرتِها .. ولكنّ ما شعرَتْ بوقوعه على ردفيها لم يكنِ الخرطومَ… فالتفتت بوجهها لترى أباها واقفاً جوار سريرِها , ففسر لها :
– ” سندّخر الخرطومَ للمخالفات الجديّة … وفيما دون ذلك سيكون عقابكما بيديّ . حرفيًّا ! ”
كان أوّل ما تبادر إلى ذهن ( سنية ) هو الأسى لأختِها التي نالَتْ عقاباً أشد … ولكن بعد بضعة صفعاتٍ .. بدأتْ ( سنية ) تشك في أن هناك فارقاً بين الخرطوم وبين يد أبيها ؛ وإن كانَتْ لم تجرّب وقع الخرطوم ليكون إحساسُها ذا قيمة علميّة !
وبعد بضعة صفعاتٍ أخرى بدأ الاحمرار يغزو مؤخرتَها وينشر جنوده في كل موضع تصله يد الأب , وكانَتْ اليد تصل إلى كل ما يمكن الوصول إليه بخلاف الخرطوم محدود المساحة وصعب التحكم … ثم بعد بضعة صفعاتٍ أخرى بدأ نحيبُ ابنة العشرين في الازدياد حتى اكتسب نغمةً ثابتةً , وشعرَتْ أختُها بالأسى لها , ولكنّ انشغالَها بالألم الذي لا يزال متّقداً في عجزِها قد ألهاها عن الانشغال بمشاعر غيرِها …
ولما بلغ الأب ما نوى أن يجعله الصفعات الأخيرة زاد في قوتِها حتى بدا أن ( سنية ) ستصرخ صراخاً منكرًا لو استمر طويلاً في هذه الصفعاتِ العنيفة … ولكنّها انتهَتْ سريعاً , ثم جاء صوتُ الأب :
– ” هل تعلمْنا درسَنا ؟ ”
جاء صوتُ الابنتين جميعاً :
– ” نعم يا أبتي ! ”
فقبّل ( سالم ) جبين ( سنية ) ثم انتقل إلى أختها الصغيرة فقبّل جبينَها , ثمّ قال _في لهجة مسرحية ذكَّرَتْه بأدائه في أقسام الشرطة في جلسات التعذيب _  :
– ” من الآن فصاعداً لا جريمةَ بدون عقابٍ ”
وعلى الرغم من مسرحية العبارة , فقد تفاعلَتْ معها البنتان , واعتذرتا في تذلل وتأدب , وفكّر ( سالم ) في أنهما على الأغلب تمثّلان هذا التذلل والخضوع . ولكنّه قرر أن تكون تلك العبارة هي جمْلتَه الأخيرة , وغادر الغرفة وأغلق بابَها وراءَه , ليقابل الأمّ المندهشة مما حدث , والتي تسأل عن مصير ( سنيّة ) وعما إذا كان لحقها ما لحق بأختِها , وأرادَتْ أن تذهب لغرفة البنتين لتطمئنّ أنهما بخيرٍ , فأصرّ الأب على ألا تفعلَ , ليتركا البنتين تتعافيان مما تعرضتا له للتوّ .
وكان لدى ( سالم ) شبْهُ يقينٍ بأن البنتين _ مباشرةً بعد خروجه _ ستنخرطان _كلّ على حدة_ فيما سيخوض فيه هو وزوجته معاً فيما بعد !
***************
قال الأبُ في ميكانيكيّة رتيبة وكأن الأمرَ لا يعنيه :
– ” من النصائح القيمة للورد ( بليذن ) أن يتم العقاب في حضرة مَنْ تجاوَزَ “الغلامُ”  _واللفظ للورد _ في حقّه , واستحق العقابَ بسبب ذلك ! ”
كان ( سالم ) لا يزال مدهوشاً من رؤية أبيه له عارياً في هذا السن , ومدهوشاً من تصاعد الأحداث فجأة لتكون هذه الرؤية مقدمة لعقاب جسديّ , ولكن ذهولَه بسبب وقوف البوّاب بجوار أبيه كان يفوق أيّ شيءٍ اندهش له في حياتِه , حاول أن يقول شيئاً , ولكن الجملة الأولى كانَتْ من نصيب البوّاب :
– ” لا يوجد داعٍ يا سعادة الباشا , أنا أكثر من مسامحٍ في حق أيّ تجاوزٍ من الباشا الصغير ؛ نحن نحملكما في أعينِنا ! ”
ردّ ( سمير ) :
– ” من أخطأ يحاسَب , وكلما زاد قدْرُ المخطئ زادتْ محاسبتُه ، وإلا فإن المركز والمكانة بدلاً من أن تجعله أفضل من غيرِه ستجعله أسوا … حتى لو كنْتَ مسامحاً في حقِّكَ فأنا لسْتُ مسامحًا في صلافةِ ابني في التعامل معك , وبما أنك تطيع أمري على حسب ظني … ”
قاطعه البوّاب :
– ” نحن نخدمك بأعينِنا يا سعادة الباشا ! ”
أكمل ( سمير ) :
– ” … فإنك ستفعل ما أطلبه منك , وستشهد عقاب هذا “الغلام” , _ وتسمية غلام هذه من ابتكارات اللورد ( بليذن ) في حق كلّ من يستحقون العقاب _ .. في الواقع إذا استمرَرْتَ في الاعتذار من شهود عقابِه فسأجبرك على أن تعاقبَه بنفسِك ! ”
ردّ البوّابُ في ذعرٍ :
– ” إلا هذه يا سعادة الباشا ! ”
– ” حسناً إذن , اجلس على هذا الكرسيّ , وشاهد عقابَه , ولا تشفع له أو تعتذر له , وإذا فعلْتَ ذلك فسنخرج أنا وأنتَ بعد الفراغ من عقاب “الغلام” , وسأحبوك بربع جنيه كامل , وإن بدأت في الشفاعات والاعتذارات ومحاولة إلانة قلبي عليه , فستقوم أنت بإكمال عقابِه , ولن تحصل على أيِّ مالٍ ؛ هل هذا واضح ؟ ”
ضغط البوّاب على نفسِه , ليحملَها على طاعة الباشا الكبير _ وإنْ كانَتْ هذه الطاعةُ تفيد ضمنًا إهانةَ الباشا الصغير _ فقال :
– ” أمرك يا سعادة الباشا ! ”
ثم توجَّهَ للكرسيّ وجلس إليه …
كان ( سالم ) طيلة هذا الحوار يتمنى أن تنشق الأرض وتبلعه .. فلمّا توجّه إليه أبوه .. أبصر في جلاءٍ ما يحمله في يدِه , وسأل في توجّسٍ :
– ” فرشاة شعرٍ ؟ ”
– ” نصيحة أخرى قيّمة من اللورد ؛ في الواقع هذه فرشاة شعر المرحومة أمك ؛ حتى تعلمَ أن عقابَك واقعٌ ممن أنجبك بفرشاة شعر مَن أنجبتك , فتكف عن اعتبار نفسِك ” كبيراً ” , وتستعدّ لعقابِك دون لغطٍ “
ثم جلس الأبُ بجوار ابنِه على سريرِه … والابن لا يزال مستحييًا من أن ينظر أمامه لئلا تقع عينُه على عين البوّاب … وهو لا يدري ما الذي يخطط له أبوه بالضبط , ولا لماذا جلس … وجاءه الجوابُ في أغربِ صورةٍ ممكنة عندما تقوّس على فخذي أبيه وصار كفا يديه وقدماه طرفين للقوس وصارتْ قمةُ القوس مؤخرتَه ! وكان يدرك التفسير الذي سيسوقه أبوه , وبالفعل فقد جاءَتْ كلماتُ الباشا :
– ” نصيحة أخرى قيّمة من اللورد ! أن يعاقَبَ ” الغلامُ ” على هذه الهيئة , حتى يدرك مكانَه في هذه الدنيا ؛ عاريًا مقلوبًا تقابل مؤخرتُه الشقيّة صفعاتِ مؤدّبِه , وهو لا يملك حتى حمايةَ مؤخرتِه من الصفعات ! “
كانَتْ هذه الغرفة في هذه اللحظة تضم ثلاثة رجال تفصل بينهم عوامل السن والمكانة والثقافة , ويجمع بينهم شيءٌ واحدٌ كلّهم يتمنى ألا يعلم الآخران به !
وعندما بدأتْ فرشاةُ شعرِ ( صباح ) في إيجاع مؤخرة ابن ( صباح ) وَجَد زوجُ ( صباح ) نفسَه يتذكر المرحومةَ ؛ أو على الأقل يقنع نفسَه أنّ ما يمرّ به سببُه تذكّرُ المرحومة ! وزحزح ابنَه تدريجيًّا لِتقتربَ بطنُ الابنِ مِن ركبتَيْ الأب , لتعطي مساحةً للباشا ليتذكر المرحومةَ زوجتَه! وشعر بأن ابنَه هو الآخر يتذكّر حبيبةً له لعله قابلَها أو شيئاً من هذا القبيل , وإلّا فما هذا الذي يشعر به في جانب رجلِه ؟
وفي نفس اللحظة كان البوّاب يتمنى أن يكون من الطبقة العليا في المجتمع ؛ لا ليتمتع بمالها وثرائها ومكانتِها , ولكن ليجوز له أن يضع رجلاً على رجلٍ في حضرة هذا الباشا ؛ ليخفي ما لا يشكّ في أن الباشا وابنه كانا ليُعْدِمَاه لو نظرا تجاهه فرأياه !
ولم يكن البوّاب يعلمُ أن معاناة ( سالم ) لا ترجع بالدرجة الأولى إلى الألم الذي ينتشر في ردفيه كانتشار النار في الهشيم , بل ترجع بالدرجة الأولى إلى نفس المخاوف التي تراود البوّاب … ولكنْ _خلافاً للرجلين البالغين _ فقد كان ” الغلام ” لا يمتلك ترف أن يَسْتُر سرَّه بالملابس, وعاجلاً أو آجلاً سينتهي عقابُه ويَطْلُبُ منه والدُه القيام , وسيرى الباشا _ إن لم يكنْ قد أحسّ بالفعل _ والبوّابُ حينَها أنّ الولد كان يحتاج العقابَ لأسبابٍ بعيدة كلّ البعد عمّا تشرحه نظريّات الجريمة والعقاب في كليات القانون !
كانَتْ جلسةُ العقابِ هذه “مؤلمةً ” للجميع , وما أنِ اطمأنّ الأبُ إلى وصولِ مؤخرة ابنِه إلى درجة حرارةٍ كافيةٍ  لإنضاج الطعام عليها .. حتى قرَّر في نفسه إنهاءَ عقابِه , ولكنّه لم يدرِ ما الذي يصنعه بعد ذلك , بإمكانه أن يأمر ابنَه بالنهوض , ولكنّ الأب يحتاج إلى أن يستمر جالسًا وإلا افتضح ! ثم وجد مخرجاً غريباً , ولكنّه مَخْرَجٌ , فقال في صوتٍ تعمّد أن يجعله يبدو قاسيًا :
– ” ما الذي استحقَقْتَ العقابَ بسببه يا ( سالم ) ؟ ”
كان ( سالم ) هو الآخر قد أدرك انتهاءَ العقاب , وهيّأ نفسَه للمصيبة القادمة , ولكنّ السؤالَ فاجأه , فأجاب :
– ” لم أتحدّثْ بطريقة لائقة مع البوّاب ! ”
– ” وهل تعتقد أنّ مشاهدته لعقابِك كافيةٌ في تعويضه عن الضرر النفسانيّ الذي لحقه بسبب ما فعلْتَه ؟ ”
لم يكنِ البواب يعلم ما هو الضرر النفسانيّ بالضبط , ولكنّه أدرك ما يوشك أن يقع تماماً كما أدركه ( سالم ) , الذي اكتفى في الإجابة على أبيه بكلمة واحدة :
– ” أرجوك ! ”
– ” أرجوك ماذا ؟ ”
– ” لقد تعلَّمْتُ درسي , لا حاجةَ للمزيدِ ! ”
بدا للأب أن ابنه  _لسببٍ ما _ بحاجة للمزيد , خلافاً لما يقوله ! ولكنّ الأبَ لم يدرِ ما الذي اعتمد عليه بالضبط للوصول إلى هذه النتيجة ؛ أو على الأقلّ لم يشأ أن يصارح نفسَه بالسبب الحقيقيّ الذي اعتمد عليه للوصول إلى هذه النتيجة .. ولكنه قال في هدوءٍ :
– ” الآن ستذهب للبوّاب ليكمل عقابَكَ لأنه هو من تعرّض لسوء أدبك , وهو أحقّ بأن يجازيَك عليه ! ”
كان ما يخطّط له الأب أن ينتقل ابنُه ليعاقبَه البوّاب , وفي هذه الفترة _بمعجزةٍ ما _سيكفّ عن “التفكير في المرحومة زوجتِه” , وتنتهي “المشكلة” , ويقوم ليغادر مع البوّاب … ولكنّ ما حدث بعد ذلك خيّب كل هذه الآمال …
ما إن قام ( سالم ) حتى قام معه شيءٌ آخرُ , وظهر أمام الباشا والبوّاب أن ” الغلام ” قد صار رجلاً مكتمل الرجولة , على الأقل على المستوى الجسدي … ولكنّ هذا المشهد قد زاد من “تذكر الباشا  للمرحومة زوجته “…
ثمّ نظر ( سمير )  إلى البوّابِ _وهو يتوقع أنه سيعترض على معاقبة الباشا الصغير_ فرآه قد اكتسب جرأةً عجيبةً  إذ وَضَعَ إحدى رجليه على الأخرى  وكأنه باشا ابن باشا , وكاد ( سمير )  يعنّفه على فعلِه , ولكنّه فطن في اللحظة الأخيرة أنّ البوّابَ لا بد أنه ” يتذكر هو الآخر زوجتَه ” بنفس المنطق الذي دفعه لتذكّرِ زوجتَه!
وما إنْ توجّه ( سالم ) لمعاقبِه الجديد _ الذي تخلى عن عقد رجليه عندما اقترب منه ( سالم ) _ , حتى تخلى الفلّاحُ عن كلّ مفاهيم الطبقية والمكانة , وأمسكَ بابن الباشا إمساك صقرٍ بحمامةٍ , وألقاه على فخذيه  كما رأى الباشا يفعل , وأهوى على مؤخرتِه بيده صفعاً… وشعر ( سالم ) بكلّ شيءٍ إلا الألم .. شعر بعيني أبيه ترمقانه بينما يدُ أبيه تحاول أن تزيدَ اتساعَ بنطالِه الذي ضاق فجأةً فلم يعد يتّسع له , وشعر بوتدٍ “مجهول المصدر ” يحتكّ ببطنِه  كأنه مُمَدَّدٌ على ثعبانٍ , وشعر برجليه تتحركان جيئةً وذهوبًا على فخذ معاقبِه كأن ثَوْبَ البوّابِ قد غُمِس في العطر وهو يحاول أن يَعْلَقَ بأسفلِ بطنِه شيءٌ من هذا العطر ؛ أو على الأقل هذا هو التفسير ” المهذّب” الذي ارتضاه لِمَا يحاول أن يصنعه ..
كلّ هذا ويد البوّاب تهوي على مؤخرتِه بصفعاتٍ لو كانتْ في غير هذا السياق لعوى لها ألماً , ولكنّه في هذا السياق لا يشعر بشيءٍ من ألمِها , بل هو منشغل بـ”تعطير بطنِه” !
وعندما بدا أنّ انكشاف سرّ البواب والباشا أهونُ مما يوشكُ أن يقعَ , قرّر ( سمير ) أن ينهي عقابَ ابنِه , فطلَب من البوّاب أن يتوقف , ولكنّ هذا الأخير كان منشغلاً عن تلبية طلبِ الباشا الكبيرِ بمؤخرة الباشا الصغير , فكرّر الأبُ الطلبَ وقد رفع صوتَه , فتوقّف البوّابُ , أمّا الابن فقد خانَه فمُه وندتْ عنه صيحةُ احتجاج خافتة , ولكنّ البالغَيْنِ تجاهلاها … ثم قال ( سمير ) :
– ” أعتقد أننا قد طبقْنا نصيحة اللورد ( بليذن ) فيما يتعلق بصفع ” الغلام ” وبقيَ جزءٌ يسمّيه هو رعاية ما بعد العقاب , ولكنّي أرى _ بالنظر إلى ما نحن فيه _ أنّ هذا هو آخرُ ما نريده … وعليه فلْنَتْرُكِ ” الغلامَ ” وحيداً ليفكّرَ فيما استحقّ العقابَ بسببه , ونعودَ نحن لمشاغلِنا … ”
كانتْ هذه الدعوة الأخيرة موجّهة للبوّاب الذي لا يزال يحدق بالمؤخرة المستقرة في حجْرِه , وكأنّه يتأسف لفراقِها الوشيكِ , فلمّا أتمّ الباشا كلامَه , نبّه جزءٌ صغيرٌ متبقٍ من العقلانية في عقل البواب .. نبّه هذا الجزءُ سائر العقلِ إلى أن يتذكر أين هو ومكانةَ هذا المتمدد على حجرِه , فعاد البوّاب _ بعد التذكرة _ إلى اللين في الكلام :
– ” بالطبع يا سعادة الباشا , وأريد أن أكرّر _بما أنني انتهيْتُ من تنفيذ أوامر سعادتِكم_ أنّ الموتَ كانَ أحبَّ إليّ من فعلِ كلّ هذا , لو لم تكونوا سعادتَكم قد أمرْتُم به ! ”
كان هذا الكذبُ فجًّا , ولكنّ الجميع رضي عنه ؛ إذ ليس هذا مكانَ الصدق على الإطلاقِ , فالتقط الأب الخيطَ , وقال :
– ” بالطبع ! وأنا أيضاً كنْتُ أتمنى ألا أحتاجَ إلى مثل هذه القسوة في التعامل مع وحيدي , ولكنّ حرصي عليه أعظم من شفقتي الأبويّة ! ”
كان هذا دورُ ( سالم ) _الذي لا يزال مستقرًّا بإرادتِه في حضن البوّاب _ , فقال :
– ” وأنا كنْتُ أتمنى ألا أضطر أيًّا منكما للقيام بما تكرهانه تفانيًا من أجل تقويمي , وأعِدُ ألا أعود لمثل هذه الأفعال ! ”
ثم قام من رقدتِه وسرّه مفضوح للرجلَين , وقاما هما أيضاً وسرّهما مفضوح لمن يكلّف نفسه النظرَ إلى بنطال هذا وثوب ذاك , واستقرّ ( سالم ) على سريرِه , وقد خرج أبوه وبوّابُه معاً , وكان آخرَ ما سمِعه منهما قبل أن يبتعدا عن غرفتِه قولَ الباشا للبوّاب :
– ” هذا جنيهٌ كاملٌ جزاءَ طاعتِك ! ”
وردّ البواب :
– ” شكراً جزيلاً يا سعادة الباشا ! ولكنّ ذلك كان أغلى عندي من كل أموال الدنيا … وأعني بـ”ذلك” طاعتَكم بالطبع ! ”
فابتسم الأب والابن معاً وهما يتذكّران مشهدَه وهو مستمع بـ ” طاعة الباشا ” …
كان هذا آخر ما سمعه ( سالم ) من الرجلين في تلك الليلة , ثم افترق ( سمير ) والبوّاب بعد أن تبادلا بضعة جمل أخرى لم يسمعْها ( سالم ) , وبالرغم من أن ثلاثهم قد افترقوا مباشرةً بعد انتهاء جلسة العقابِ , فإنّ الصباح لم يطلع حتى كان كلّ واحدٍ منهم قد استدعى طيف الرجلَيْنِ الآخرَينِ ؛ ليصوِّرَ لنفسِه كلّ ما حدث في تلك الجلسة من أحداثٍ ثم يزيدُ عليها من عنده!
*********
كان ( بدر ) قد طرح أختَه أرضاً في نفس اللحظة التي فتحَتْ أمُه فيها البابَ ؛ يا لها من مصادفةٍ !
كان يعلم أن أمّه ستتنبّه إلى ما حدث عاجلاً أو آجلاً , ولكنّه قرر التمادي في الانشغال بهذه اللحظة عما بعدها , وعندما طلبت منه أن يدنو منها ليستقر في حجرها كما كانتْ تفعلُ به قبلَ أربع سنين , أطاعها بلا نقاش , وعندما بدا أن فرشاة الشعر واقعة لا محالة على ردفيه العارييْنِ , جاءه السؤالُ _ أسرع بكثيرٍ مما توقع ! _ :
– ” كيف تصادف أنك توقع أختَك أرضاً في نفس اللحظة التي أفتح فيها البابَ ؟ ثمّ لماذا لم تبدأ هي في الولولة وشكواك إليّ كما تفعل في كلّ مرة تسيء فيها إليها , _وإن كان ذلك قد توقف قبل أربع سنين لأكون محقة _ ؟ “
– ” إمم … لقد كانَتْ مصادفةً كما ذكرْتِ ! ”
وقعَتْ فرشاةُ الشعرِ على مؤخرتِه كعقابٍ على كذبِه , ولكنّ أمَّه فطنَتْ إلى أنها لو كانَتْ محقَّةً في حدسِها فهذا هو آخر شيءٍ سيدفع ابنَها للتخلي عن الكذب ! فسألَتْ في هدوءٍ :
– ” هل تعمَّدْتَ أن يتصادف طرحك لأختك أرضاً مع مجيئي من العيادة ؟ ”
جاء الردّ ملتوياً :
– ” أنا لم أفعل شيئًا مصطنعًا يؤذي ( سوسن ) ! ”
كانتْ هذه هي الإجابةُ التي توقعَتْها ( بهية ) ؛ صغيرُها الذكيّ يحاول أن يتلاعب بالكلمات حتى لا يكذب وفي نفس الوقت لا يخبرها بالإجابة ؛ إنه بسبيلِه لأن يصير في مثل ذكاءِ أمّه !
ولكنْ حتى ذلك الحين فلا يزال ذكاؤها يفوق ذكاءه بكثير , فسألَتْه :
– ” هناك شيئان وقع عليهما النفيُ في جوابِك ؛ الأول هو كون ما فعلْتَه مصطنعاً , وهو ما سألْتُ عنه , والثاني هو كون ما فعلْتَه يؤذي ( سوسن ) وهذا شيءٌ لم أسأل عنه , وبما أنّك نفيْتَ وقوعهما مجتمِعَيْنِ فأنت لم تنفِ وقوعَ ما سألْتُ عنه تماماً ؛ ولذا فسأكرّر السؤالَ في صيغةٍ أخرى : هل ما فعلْتَه كان مصطنعاً ليتوافق مع دخولي إلى البيتِ _ سواءً تأذَّتْ به ( سوسن ) أم لا _ ؟ ”
– ” في المعتاد لا يفطن أحدٌ إلى هذه الألعاب اللفظية ! “
– ” ومن تعتقد أنه أورثك هذه القدرة على الألعاب اللفظية ؟ لقد كنْتُ بطلةَ العالم فيها ! والآن : إجابةَ السؤالِ رجاءً ! “
– ” حسناً , لقد اتفقنا جميعاً على أن نرتب هذا المشهد ليتصادف مع دخولِكِ إلى المنزل ! ”
جاء الصوتُ الأنثوي من خلف الباب خافتًا :
– ” أيها الوغد ! ”
لم تتمالكْ ( بهية ) نفسَها من أن تفكّر : ( تماماً كما فعلَتْ ( سنية ) ! صدق من قال : ما أشبه البنتَ بخالتِها ! ) . ثم رفعَتْ ( بهيّةُ ) صوتَها :
– ” ( سوسن ) ! كفّي عن التجسس على أخيكِ . وافتحي الباب وادخلي “
دخلَتْ ابنة الثامنة عشرة وهي تتظاهر بالانصياع التامّ لأمّها التي فطنَتْ لأول مرة أن حبَّها لابنتها ربما قد يكون أعمى عينيها عن شقاوتِها التي تخفيها خلف قدرتِها الفائقة على التمثيل . ثم قالَتْ :
– ” ما الذي كنْتِ تفعلينه قبلَ قليلٍ ؟ ”
ردّ ( بدر ) بدلاً من أختِه :
– ” إنه لم يكنْ تجسّسًا عليّ ! “
فأجابَتِ الأمّ :
– ” صدقْتَ ؛ لأنكما اتفقْتما على أن من حقِّها أن تشاهد عقابَك من ثقب الباب , والتجسس لا يكون بموافقة المتجسَّس عليه ؛ هلا كففْتَ عن التذاكي حتى أسمع اعترافَ أختِكَ بذنبِها ؟ ”
ثم نظرَتْ ( بهيّة ) إلى ابنتِها التي إما أنها تجيد التمثيلَ إجادةً فائقةً أو أنها بالفعل على وشك أن تخبر أمَّها بكل شيءٍ , وتطلعها على الحقيقة كاملةً , فقالَتْ ( سوسن ) :
– ” لقد كان ( بدر ) يقول إنني طفلة مدللة , وأنني لم أتعرض يوماً للعقابِ على يديكِ كما فعل هو , فقلْتُ : إنّ هذا راجعٌ إلى شقاوتِه وأنني فتاةٌ مؤدبة , فقال لي : إنه مستعدّ لأن يظهر لي عمليًّا أن الأمر راجع إلى التفضيل على أساس الجنس , وأنّنا لو قمنا بنفس الفعلِ لعاقبْتِه على فعلَتِه , وصفحْتِ عني , فقلْتُ له : لم يعدْ هناك سبيلٌ لإثباتِ ذلك الآن , فقد كبرْنا ولن تعاقبي أحدَنا في هذا السنّ , فقال : إنه مستعدّ لإثبات أنه لا يزال عرضةً للعقاب حتى وهو في هذه السنّ , وسيثبتُ لي عمليًّا أيضاً هذا الأمر , ثم بعد ذلك بإمكانِنا أن نتفق على عمل ” شقيّ ” نقوم به معاً وينكشف أمرُنا معاً وسأرى حينها _ والكلام له _ كيف ستعاقبينه وحدَه وتتجاوزين عنّي ! ”
كان هذا هو دور ( بدر ) لينظر شزرًا لأختِه التي خطَتْ خطواتٍ كبيرة في الإفصاح عما حدث ….
كانت ( بهية ) تضحكُ في داخلِها من تشابه فعلهما مع ما فعلَتْه هي وأختُها في الماضي, بينما تحاول في الظاهر أن تتظاهر بالصرامة والاستياء مما فعله المراهقان , وقالَتْ وهي تجاهد الضحكَ :
– ” فوفقاً لهذا المخطط فقد كان عليّ أن أصَدِّق أن هذا الأمر غير مفتعلٍ , وأعاقب ( بدراً ) عقاباً كاملاً , فيثبت لكِ أنكما لا زلتما عرضة للعقاب , ثم فيما بعد تقومان بما يوجب العقاب فإن عاقبْتُكما معاً فلا يوجد تفضيل على أساس الجنس , وكل ما مضى في حق ( بدر ) ولم تتعرضي له أنتِ كان مستحقًّا , وإن اقتصر العقابُ عليه فأنا ظالمة ؛ أفضِّل ابنتي على ابني ! هل هذا هو الدافع وراء ما فعلْتماه ؟ ”
قال ( بدر ) :
– ” ليس بالضبط ! ”
كان هذا هو دورُ ( سوسن ) لتنظر شزراً لأخيها , وإن كانَتْ أمّهما تعلم من البداية أنّ وراءَ هذا الفعلَ ما هو أبعدُ من ” التجربة العملية لوجود تمييز على أساس الجنس في أسرة ذات عائل واحد هي الأم ” , أو أيًّا تكنْ تبريراتُ صغيرَيْها لدوافعهما …
فتوجَّهَتْ ( بهيّة ) بالسؤال لابنِها :
– ” فما هو الدافعُ بالضبطِ إذن ؟ ”
– ” هل لي أن أقْحِمَ فرويد في الموضوع ؟ ”
– ” لا ! ”
– ” حسناً , فلنجرِّبْ شيئًا آخر : لقد كان عقابُكِ لي _على الرغم من ظاهره المكروه_ يحمل في طيّاتِه اهتماماً منك بي وبمستقبلي , وأختي _التي لم تتعرض له_ تغار من اختصاصي بهذا الأمر الذي يفترض أن تفرح بعدم مقاساتِها له ! ”
– ” هذا أفضلُ من إقحام فرويد في الموضوع , وإن كنْتُ قد بدأتُ أقلق من ذكائك ! ”
كانتْ ( سوسن ) قد اعتادَتْ هذه الحوارات “الغامضة” بين أمِّها وأخيها , ولكنّ ما شد انتباهها في هذا الحوارِ هو كلام أخيها عن غيرتِها ؛ كان محقَّا في هذه الجزئية , وإن كان ما تغار بسببه ليس بالضبط هو ” إظهار الاهتمام والحرص على المستقبل ” , لقد كان شيئاً آخر لا تعتقد أن أخاها أو أمَّها لديها أدنى فكرة عنه ؛ ثم من هو فرويد بالضبط ؟! لقد سمعَتْ اسمَه من قبل !
 ثم جاءَها صوتُ أمِّها :
– ” هل أخوكِ محقّ يا ( سوسن ) ؟ هل تريدين أن أعاقبَكِ ؟ ”
– ” في الماضي : نعم ! ولكن أين السبيلُ إلى ذلك ؟ , أمّا في الحاضر : فأعتقد أنني أكبر سنًّا من أن تعاقبيني ! ”
كانتْ هذه إجابة شاردة تجيب بها التوأمُ بينما توأمُها عارٍ مستلقٍ في حجر أمه وفرشاة الشعر في يد مُعَاقِبَتِه تنتظر أن تهوي على ردفيه ! ولذا قد اقتصرَتْ ( بهيّة ) في الجواب على ابنتِها بالإشارة إلى الجسد الممدد أمام عينيها , فأجابَتِ ابنةُ الثامنة عشرة :
– ” ولكنني أكبرُ منه ! ”
– ” بساعةٍ ؟! ”
– ” هذا لا ينفي أنني أكبرُ ! ”
كان هذا دورُ ( بدر ) ليفقد أعصابَه :
– ” فهل تعنين أنه ليس أمامي سوى ساعة واحدة حتى أصل إلى السنّ الذي أكون فيه قد تجاوزْتُ مرحلة التأديبِ ؟!! ”
قالَتْ ( سوسن ) :
– ” متى قلْتُ هذا ؟! ”
تدخَّلَتِ الأمُّ , وقالَتْ :
– ” ( سوسن ) يا حبيبتي ! أنتِ _ وإن كنْتِ أكبرَ _ إلا أنك لا تزالين طفلتي الصغيرة التي ينتهي بها الحال _إن أساءَتْ_ على حجْرِ أمِّها تتلقى عقابَها ؛ وقد شارَكْتِ في هذه المسرحية المفتعلة مع أخيكِ , وهذا ذنبٌ كافٍ لحلولِ العقابِ المستحقّ لطفلتي الصغيرة. وسأفرغ لعقابك بعد عقابِ أخيكِ. هل لديكِ اعتراضٌ على ذلك ؟ “
جاء الصوتُ الخافتُ :
– ” لا ! ”
– ” حسنًا إذن ! انتظريني في غرفتِكِ ! ”
– ” لماذا لن تعاقبيني هنا ؟ ”
– ” في غرفةِ أخيكِ ؟ لأنه أخوكِ , لا يصحّ أن يراكِ في الهيئة التي سأعاقبكِ عليها ! ”
– ” ولكنّي أنا أراه في الهيئة التي تعاقبينه عليها ! ”
نظرَتْ ( بهيّة ) إلى ابنِها العاري تحت مرأى أختِه , وهمَّتْ أن تقول شيئاً , ولكنّ ( بدراً ) سبقها :
– ” المزيد من التمييز على أساس الجنس ؛ وكأنني لا أخجل من رؤية أختي لي عاريًا , بخلافِها هي ؛ ومن ثمّ فليس لي خصوصية لتُحْتَرمَ خلافاً لخصوصيّتِها المُحْتَرَمة ! ”
جاءَه صوتُ أمِّه :
– ” ( بدر ) , كفّ عن الإجابة بالنيابة عنّي ؛ لأنّ ما ذهبْتَ إليه خاطئٌ . “  
كانَتْ ( سوسن ) _على الذي يظهر_ تميل إلى تصديق تفسيرِ أخيها , فسألَتْ في حدّة :
– ” فما هو السبب إذن ؟ ”
ولمّا سمِعَتْ الأمّ حدّةَ ابنتِها الغافلةِ قرَّرَتْ ألّا تبالي بخصوصيَّتِها _ كما طلبَتْ _ , فقالَتْ :
– ” السبب أنني أتذكّر في أيِّ يومٍ من أيّام الشهر القمريّ نحن , وخلافاً لأخيكِ فلن يكون ما أنزعه عنك لأعرّيكِ مقتصراً على الملابسِ ! ”
كان هذا دورُ ( بدر ) ليحاول منْعَ نفسِه من الضحك , ولكنّه لم يستطع كبح جماحِ ضحكةٍ انفلتَتْ من شفتيه عندما قالَتْ أختُه في صوتٍ منكسرٍ :
– ” سأنتظر في غرفتي  ! ”
وعندما انغلق البابُ تاركاً الأمَّ وابنَها وحدَهما , لم تضيّعْ ( بهيّة ) وقتًا في إلهاب مؤخرةِ ( بدر ) بالفرشاة , ووصل صوتُ الصفعات والصرخاتِ إلى ( سوسن ) المتوجّهة إلى غرفتِها فأذهبَ بعضَ حرجِها الذي كانتْ تجده , وابتسمَتْ في رضا ؛ إن كان سيضحك على فطرتِها الأنثوية فلتضحكْ هي على صراخِه الطفوليّ وقد تبدّدَتْ ذكوريّتُه الزائفةُ على يد أمِّه !
وبعْدَ ضرباتٍ كثيرةٍ بفرشاةِ الشعرِ انتهَتِ المعركةُ ونتج عنها انتصارُ الاحمرار وبسطه سلطانَه على كامل الأراضي الاستهيّة , واضطرار ماءِ العين إلى الإبحار خارج القناة الدمعية الواصلة إلى الأنفِ , ليسيل في انسيابٍ على أراضٍ يابسة لم يبحِرْ بها منذ أربع سنين سابقة في مناسبة مشابهةٍ ؛ لأن الذكورَ لا يبكون إلا في حجْرِ أمّهاتِهم فمتى شبّوا عن هذا الحجْرِ امتنع في حقِّهم البكاءُ … ولكنْ إن عادوا إلى حجْرِ أمّهاتِهم عاد البكاءُ ليكون حقًّا لهم !
وقالَتِ الأمّ لابنِها الذي انشغل بالبكاء عن إدراكِ أنّ عقابَه انتهى :
– ” لا أريدُ أن أعود من يوم عملٍ طويلٍ لأجدَك أنتَ وأختُك قد جعلْتما الصالةَ مسرحاً وبدأتما في التمثيل لتريا ردَّ فعلِي , وتكشفا حقيقة ما حدث في الماضي ؛ هذه ليستْ مسرحيّة ( هاملت ) ! ”
ومن بين دموعِ المراهقِ جاءَتْ إجابتُه :
– ” هذا تشبيهٌ لا بأسَ له ! ”
فهوَتِ الفرشاةُ على مؤخرتِه مرّةً أخيرةً فعاد للنحيبِ , وقالَتْ أمّه :  
– ” ولا أريدُ أن أسمع مزيداً من التذاكي في المستقبل ؛ لقد كنْتُ أعاقبك على مثل هذه الردود المتذاكية قبل سنين , ولا أرى مانعاً من أن تكونَ سبباً في عقابِكَ الآن ؛ أيّ ردٍّ متذاكٍ آخر وستجد نفسَك مباشرةً في حجري والفرشاة قد نابَتْ عن لساني في إقناعِكَ بسخافةِ ردِّكَ . هل هذا مفهوم ؟ ”
– ” نعم , يا أمي ! ”
– ” حسناً , هل تذكر كيف كان ينتهي بك الحال في جلساتِ العقابِ هذه قبل سنين ؟ ”
– ” واقفاً في زاوية الحجرة ! ”
– ” بالفعل ! إلى الزاويةِ إذًا ! وعندما أفرغ من عقابِ أختِكَ سأعود إلى غرفتِك لأضعكَ في السرير “
قام ( بدر) مخجلاً ليتوجّه إلى الزاوية فطلبَتْ منه أمّه أن يقف أمامَها قبل أن يذهب إلى زاويتِه , ففعل , ثم سألتْه  :
– ” لماذا تضع يديك أمامَك ولا تضعُهما إلى جانبَيْكَ ؟ ”
أجاب المراهقُ العريانُ في خجلٍ :
– ” لأسبابٍ منطقيّة ! ”
– ” هل تريدني أن أقْحِمَ فرويد في الموضوع الآن؟ ”
– ” لا ! أرجوكِ ! ”
– ” حسناً , ما الذي ستفعله عندما أغادر الغرفةَ ؟ “
– ” سأقف في الزاوية وقد قابلْتُها وعقدْتُ يديّ خلفَ رأسي ”
– ” ولدٌ مطيعٌ , وما الذي لن تصنعه عندما أغادر الغرفة ولكنّك تتمنى أن تصنعه ؟ ”
– ” أمّي !! “
– ” إلى زاويتِكَ إذًا ! ”
تحرّك ( بدر ) حتى استقرّ في زاويتِه , وظلَّتْ ( بهية ) تدرس آثارَ ما فعلَتْه بمؤخرتِه لبضعة ثوانٍ , ثم قامَتْ واقفةً وفتحتِ بابَ غرفة ابنِها لتخرجَ منها , ثمّ فتحَتْ بابَ غرفةِ ابنتِها لتدخلَ إليها , فوجدَتِ الغرفةُ _ الأكثر ترتيباً بكثيرٍ _قد استقرّ على طرفِ سريرِها ملابسُ ابنتِها التي كانَتْ ترتديها وقد رتِّبَتْ في أناقة , وإلى جوارِها _ في حيث يُفْتَرَضُ أن تَجْلِسَ لتعاقبَ ابنتَها _ كانتْ هناك منشفة ممدة , ولكنّ ابنتَها لم تكنْ في الغرفةِ .. وجاءَها صوتُ طرقِ البابِ فأمرَتِ الطارقَ أن يدخلَ , فدخلَتْ ابنتُها وقد أحاطَتْ نفسَها بمنشفة أخرى , ويبدو من بلل شعرِها أنها قد استحمَّتْ للتوّ , وقالَتْ في خجلٍ :
– ” بسبب اليومِ القمريّ الذي نحن فيه … فقد استحمَمْتُ .. ووضعْتُ هذه المنشفة لتجعليها في حجرك حتى لا …. ”
قاطعَتِ الأم الروايةَ الحيِيّة لتقول في تدليلٍ :
– ” أووه يا صغيرتي . ثمّ تلومينني على أنني لم أعاقبْكِ فيما سبقَ مثلَ أخيكِ ! إنّك ملاكٌ !”
كانَ خجلُ ابنتِها الظاهر في احمرار وجنتيها وتحديقِها في الأرض فوق قدرة الأمّ على التحمّل , فدنَتْ منها واحتضنَتْها وقبّلَتْ خدّها مراراً . ثم قالتْ ( بهيّة ) :
– ” ما رأيكِ في أن تعديني بصدقٍ أنّك لن تعودي لإخفاء شيءٍ عنّي وأنّك ستكفّين عن الاستجابة لتحدّياتِ أخيكِ وتشكيكاتِه … وسأتخلى أنا عن فكرةِ عقابِكِ كما أعاقبُ أخاكِ ؟ ”
نظرَتْ إليها ( سوسن ) في خجلٍ , كأنّها تحاول حمْلَ نفسِها على قولِ شيءٍ , ولكنّها لا تستطيع قولَه .. فتذكَّرَتْ ( بهيّة ) ما كانتْ تشعر به وهي في مثلِ سنِّها , فقالَتْ :
– ” ولكنْ إنْ كنْتِ تفتقدين إلى وجود الحزْمِ في حياتكِ , وتريدين مني أن أكون مصدرَ  الحزْم كما أنني مصدرُ الحنان , فعلى الرحب والسعة .. ”
هزّتِ المراهقةُ رأسَها في لهفةٍ , ولا يزال بصرُها معلَّقًا بالأرض , فحلّتْ أمُّها منشفتَها وتركتْها تهوي على الأرضِ , ثم سارَتْ بابنتِها الخَجْلى العارية إلى السرير فجلسَتْ عليه ووضعَتِ المنشفةَ في حجرِها ثم جعلَتِ ابنتَها في نفسِ الموضع الذي كان فيه ابنُها قبل دقائق , ولمّا استقرّ بها المجلسُ , قالَتْ في حزْمٍ مفتعَلٍ :
– ” هذه أوّل مرةٍ أعاقبكِ فيها , وأرى أن الذنب ليس بهذا العِظَمِ , ولهذا سأكتفي بيدي هذه المرّة . ولكنْ في المرّاتِ القادمة توقّعي أن تكون يدي مستعينةً بفرشاة الشعر وليستْ منفردةً . هل هذا واضح يا صغيرة ؟ ”
– ” نعمْ يا أميمتي ! ”
– ” حسناً إذن ! “
لم تكنِ الضرباتُ موجعاتٍ إلى هذا الحدّ , ولكن ( سوسن ) لم يكنْ لها سابقةٌ في التعرض للعقاب على يد أمّها ولا على يدِ أبيها قبلَ وفاتِه , ولذا فقد كانَتْ تلك الصفعاتُ المتسارعاتُ سببًا في أشدّ ألمٍ مرَّتْ به في حياتِها , ولم يستغرقِ الأمرُ طويلاً حتى ارتفع صوتُ بكائها مقروناً بتعهداتِها بأن تكون ” فتاةً صغيرةً لطيفةً مطيعةً , تسمع الكلام ” , ووصلَ صوتُها إلى أخيها في زاويتِه , فأدار عينيه في محجرَيهما في سخريةٍ !  
ورأتِ الأمّ احمرار ردفِها وسمعَتْ صوتَ بكائها فقرَّرَتْ أنّ ابنتَها قد نالتْ كفايتَها , وكفّتْ عن ستْهِها , وبدأتْ في التربيتِ على مؤخرتِها وظهرِها حتى تهدأ , ثم استدعَتِ الأمّ سؤالَ الجدّ الذي سأله للأم والخالةِ قبل ثلاثين سنة وهما في موضع مشابهٍ لموضع الابنةِ , فقالَتْ :
– ” هل تعلمْنا درْسَنا ؟ ”
فأجابَتْ صغيرتُها المدلّلة من بين شهقاتِها بالبكاء :
– ” نعم , يا أميمتي ! ولن ترَيْ مني بعد ذلك إلا ما يرضيكِ .. “
فأنهضَتْها ( بهيةُ ), وعانقَتْها, وقبّلَتْ خدّيها, ثم وضعتْها عريانةً في سريرِها لتنامَ , ثم تذكّرَتْ شيئاً , فقالَتْ :
– ” ستحتاجين واحدةً أخرى . أليس كذلك ؟ ”
فأشارتْ ابنتُها في حياءٍ إلى الجانب القصيّ من السرير , فرأَتْ أمُّها أنّها قد أعدَّتْ ذلك أيضاً , وقرَّرَتْ أنه قد مضى وقتٌ طويلٌ منذ أن ألبسَتِ ابنتَها أو ابنَها واحدةً من هذه الأشياء , فأمرَتْ صغيرَتها أن ترفع رجليها في الهواء , فازداد حياءُ صغيرتِها … وعندما فرغَتْ أمّها من مهمّتِها كان منظرُ ابنة الثامنة عشرة يذوب له قلْبُ أقسى الناس , فمالَتِ الأمُّ على جبين طفلتِها وقبّلتْه , وقالت :
– ” تصبحين على خير , يا حلوة ! ”
– ” تصبحين على خيرٍ , يا أميمتي ! ”
ثم انصرفَتِ الأم للمراهق الآخر الذي لا يزال منتظراً في زاويتِه , فأخرجتْه منها ووضعَتْه في سريرِه وسألَتْه مثلَ سؤالِها لأخته فأجاب مثل إجابتِها …
وخرجَتْ من غرفتِه وهي لا تجهل ما سيفعله بمجرد خروجها , ولكنها كانتْ تجهل تماماً أنّ ” طفلتَها وصغيرتَها ” قد صنَعَتْ نفس ذلك الفعل _ مما لا علاقة له بأفعالِ الأطفال ولا الصغيراتِ _ بمجرّد خروجِ أمّها من غرفتِها وتوجّهها لغرفة أخيها !
وكلاهما لم يكنْ يخطر لهما ببالٍ أن أمّهما هي الأخرى قد لجأَتْ إلى غرفتِها لتمارس نفس الفعل , وكأنّ الأسرة كلّها قد تملّكها دافعٌ واحدٌ وإرادةٌ واحدةٌ فهي منشغلة في ممارسة فعلٍ واحدٍ تلْهِبُهُ شعلةُ ذكرياتٍ واحدةٍ لحادثةٍ حدثَتْ قبل دقائق وتضمنَتْ يداً وفرشاةَ شعرٍ ومؤخرتَين !
**************
3- أمَا وقد وقع !  
_____________________________
طلع الصباحُ ..
وأرادَ المنبّه أن ينبّه الدكتورة إلى ميعاد ذهابِها لعملِها , ولكنّه تذكّر أن اليوم هو يوم الإجازة فكفّ عن الرنين بمجرّد أن بدأ فيه , أو للدقة فإنه لم يتذكّر وحدَه , ولكنْ ما دفعه للتذكر كان تنبيهاً بسيطاً من إصبع الدكتورة الوسنانة على زرٍّ فيه !
ومرّ وقتٌ طويلٌ حتى ارتفع صوتٌ آخرُ في الغرفةِ ؛ طرقاتٌ على البابِ الذي نادراً ما يُطْرَقُ .. لأن صاحبة الغرفة تستيقظ في المعتاد قبل صغيرَيها لا بعدَهما …
كادَتْ تجيبُ الطارقَ وتطلب منه أن يدخل ؛ لكنّها تذكّرَتْ في اللحظة الأخيرة أنها لا ترتدي شيئًا بسبب نومها البارحة مرهقةً بعد صولاتٍ وجولاتٍ لمْ تحتج فيها إلى ارتداء شيءٍ … ولذا فقدْ عدّلَتْ  إجابتَها للطارق من الدخول إلى قولِها :
– ” لحظة واحدة ! ”
نَهَضَتْ مسرعةً من السرير , وارتدَتْ روبَها ثم فتحَتِ البابَ بنفسِها , فوجدَتْ ابنَها وابنتَها معاً , وهما يحملان أطباقاً فيها ما يبدو أنه إفطار , وابتسامتهما تغطي وجهيهما , سألتِ الأمّ في دهشة غير مصطنعة :
– ” هذا لي ؟ ”
أجاب ( بدر ) في حماسٍ :
– ” كنوعٍ من الشكر على الجهد المبذولِ في تربيتِنا ورعايتِنا وحدَكِ بلا شريكٍ طيلةَ هذه السنين ! ”
أضافَتْ أختُه التي لم تفطِنْ إلى التجريد الذي ذهب إليه أخوها :
– ” وبصورةٍ خاصّةٍ على ما قمتِ به البارحةَ مِن … ”
جذب أخوها كمَّ قميصِها لِينبّهها إلى أنّ ما فعلَتْه أمّهما البارحة لا يفترض أن ينتهي بشكرِهما لها , على الأقلّ ليس بهذه الفجاجة !, ولم تغفلْ أمُّه عن فعلِه , فابتسَمَتْ , بينما ( سوسن ) لا تزال لا تفهم ما يريده أخوها , وقالتِ الأمّ :
– ” وماذا عنكما , هل أفطرْتُما ؟ ”
أجابَتْ ( سوسن ) :
– ” لا تشغلي بالكِ بنا ؛ نحن لم نَعُدْ طفْلَين … لقد صنعْنا إفطارَنا قبل ساعةٍ من الآن ! ”
– ” من رآكما البارحة لشكّ في صحّة هذا النفي شكّاً كبيراً ! ”
ثمّ نظرَتْ إلى ابنِها وأضافَتْ :
– ” هل ساعدْتَ أختَك في إعداد هذا , أم تركْتَها تعدّ كل الطعامِ وحدَها ؟ ”
أجابَتِ الأختُ مدافعةً عن أخيها :
– ” لقد سخّن الخبزَ , وعَصَر العصير ! ”
فكرّر أخوها :
– ” لقد سخّنْتُ الخبزَ , وعصرْتُ العصيرَ ؛ لو كنْتُ أحْسنُ صنع شيءٍ آخرَ لفعلْتُه ! ”
ابتسَمَتْ ( بهيّة ) , ثمّ ذَهَبَ ذهْنُها إلى شيءٍ آخرَ :
– ” ذكرْتِ أنّكما أفطرْتما قبل ساعةٍ .. كم الساعة الآن ؟ 
– ” العاشرة ! ”
حدَّقَتْ الأم في ذهولٍ ؛ إنها لم تنم حتى العاشرة منذ سنين !
فأضافَتْ ابنتُها :
– ” في الواقع لقد كنا نريد أن نجعله إفطاراً إلى السرير , كما في الأفلام الأجنبية , ولكنّ ( بدر ) أقنعني ألا ندخلَ حتى نستأذن ! ”
نظرَتْ ( بهيّة ) إلى ابنتِها , وعقلُها يصوِّر لها ما كان ليحدث لو دخلا بدون استئذانٍ , ثم قالَتْ :
– ” جيّدٌ أنكِ استمعْتِ إلى نصيحةَ أخيكِ ؛ على أيّة حالٍ : ما دمْتما قد أفطرْتما , وهذا الطعامُ يبدو شهيًّا , فسأستحوذ عليه ”
وتلقَّتِ الأطباقَ من ( بدر ) و ( سوسن ) , ونقلَتْها إلى غرفتِها , ثمّ أغلقَتِ البابَ وهي تبتسم , وكأنها تمنعهما من مشاركتِها في إفطارِها ! 
ووقف المراهقان أمام باب غرفةِ أمِّهما المغلق مبتسمَيْن , ثمّ قال ( بدر ) لأختِه في خبثٍ :
– ” أرأيْتِ : لقد أحْسَنْتُ عندما أقنعْتُكِ بأن نستأذن ! ”
أجابَتْ الأختُ :
– ” لا زلْتُ لا أدري سببَ ذلك ؛ لطالما كنْتُ أدخل غرفة أمي بدون استئذان ! ”
– ” ولكنّ هذا اليوم بالذات مختلفٌ ! ”
– ” مختلفٌ في ماذا ؟ ”
– ” ما الذي فعلْتِه البارحةَ بعد أن فرغَتْ أمّكِ من عقابكِ ؟ ”
كان اندفاع الدم لوجنتيها إجابةً كافيةً , فأكمل ( بدر ) :
– ” وكذلك الحال معي , وإن كان حدسي صادقاً , ونادراً ما يخيبُ , فإن أمَّنا كانتْ هي الأخرى تقوم بنفس الشيءِ ! “
لم تجبْ ( سوسنُ ) بشيءٍ , فجاءها صوتُ أخيها العابث :
– ” هل تريدين أن تشتركي في مسرحية أخرى نستعين بها لإثباتِ صحّة ما ذهبْتُ إليه ؟ ”
ردَّتْ ( سوسن ) :
– ” لقد حذّرتني أمي من ألاعيبكَ هذه ! ”
– ” حسناً , لا داعي لأن تفعلي , ولكنّكِ لن تعرفي _ يقيناً _ ما إذا كانتْ أمّكِ تتوق لأن تعقابَنا كما نتوق لعقابِها لنا حتى توافقي على الاشتراك في المسرحية ! ”
كان الفضولُ _ على الذي يظهر _ أكبرَ من أن تدفعه المراهقة , فقالَتْ في صوتٍ مستسلمٍ :
– ” هاتِ تفاصيلَ المسرحية ! ”
– ” حسناً . إنّ الأمر بسيطٌ  ؛ كلّ ما علينا فعلُه هو أن نكْتُبَ قصَّةً حمقاءَ ونضمنها عقاباً شبيهاً بعقابِنا الذي نتعرض له , ولكننا نجعلُ من يجري العقابَ امرأةٌ غريبةٌ لا تربطها بالمعاقَبِ صلةُ قرابةٍ , ثم نصف استمتاعَها الجنسيّ بعمليّة المعاقَبَة .. ثم تذهبين بهذه القصّة _ التي تدّعين أنكِ وجدْتِها ” صدفةً ” في حاجيّاتي _ إلى أمِّك , وأنّكِ قرأتِها من باب الفضول وراعكِ ما وجدْتِه فيها ؛ فتضطر أمّكِ أن تقرأها , ثم تراقبين أنتِ ردَّ فعلِها أثناء القراءة وتستنتجين منه حقيقةَ أمْرِها … ”
– ” تبدو خطّةً جيّدةً .. متى سنكْتُبُ هذه القصّة ؟ ”
– ” لماذا تتوقعَيْنَ أني لم أكتبْها بالفعلِ ! ”
انفتح بابُ غرفةِ أمِّهما فجأة وجاءَ صوتُها هادراً , ولكنّ حدس ( بدر ) _الذي نادراً ما يخطئ _ أخبره أن هذا الغضبَ مصطنعٌ :
– ” حسناً , كلاكما قد تجاوزْتما كلَّ خطٍّ أحمرَ ممكنٍ , وستتعرضان لأشد عقوبةٍ …. ( بدر ) ! اذهبْ وائتني بتلك القصة التي ذكرْتَها حتى أرى مقدار الدناءة التي ذهب إليها فكرُكِ , وأنت يا متظاهرةً بالبراءة , ائتيني بفرشاة شعركِ , فقد انكشفَ لي تمثيلُكِ وما وراءه من مشاغبة … أتتهمانني بالتلذذ بعقابكما ؟! إلى هذا الحد ؟! ”
حاول ( بدر ) أن يمنع نفسَه من هذا السؤال العابث, ولكنّه أخفق , وسأل _وكأنّه هرّ يحاول اختلاس قطعة سمكٍ_ :
– ” هل لنا أن نُقْحِمَ فرويد في الموضوع ؟ “ 
وفي ركْنِ فمِ أمّه ارتعشَ شبحُ ابتسامةٍ لا يكاد يُرى بالعين المجرّدة , ولكنّ عيناً خبيرةً كعين ( بدر ) كانتْ قادرةً على التقاطه , وكان ذلك كافياً لإثباتِ صحة شكوك المراهق , وأنه بالفعل قد وقع على سرّ أمِّه … وجاهدَتْ ( بهيّة ) لتجيبَ في غلظة :
– ” عندما أفرغ من مؤخرتِك ستنسى من هو فرويد هذا , والآن اذهبْ وائتِ بالقصّة ! ”
جاء صوتُ المراهق مشبعاً بالشعور بالنصرِ :
– ” سؤالٌ أخيرٌ ! ”
أجابَتْ الأم في قلقٍ , وهي تحاول أن تدرك سبب انتشائه :
– ” ماذا ؟ ”
– ” لماذا تعتقدين أننا خضنا هذا الحوار بصوتٍ مرتفع على بعد سنتيمتراتٍ من باب غرفتِك , ولم نرجئه حتى نذهب إلى غرفة أحدِنا أو إلى أبعد مكان ممكن من غرفتِك ؟ ”
أسْقِطَ في يدي الأم , ونظرَتْ جهةَ ابنتِها , فرأتْ في عينيها شبح اعتذارٍ على المشاركة في مسرحية ثانية لخداع أمِّها في أقل من أربع وعشرين ساعة , وقالَتْ الابنة :
– ” آسفة يا أميمتي ! ولكنّ فضولَ المعرفة كان أقوى مني ! ”
– ” متى رتبْتما كلّ هذا ؟ ”
أجاب ( بدر ) :
– ” عندما استيقظْنا في نفس الوقتِ تقريباً , وتقابلْنا صدفةً أمام باب الحمّام وكلانا يحمل ثياباً جديدة ليرتديَها بعد أن يغتسل ؛ لقد جرّ هذا حواراً متوقعاً حول السبب المفاجئ الذي دفع كلينا للاغتسال في نفس الصباحِ , وما إذا كان له علاقة بما تعرضنا جميعاً له في الليلة الماضية , وبعد مدافعة طويلة اعترفَتْ ( سوسن ) بسرِّها , فأردْتُ طمأنتَها إلى أن جميع من في الشقة يشاركونَها هذا السرّ بما فيهم من أجْرَتِ العقابَ … ثم جرّ شيءٌ شيئًا حتى اتفَقْنا على هذه المسرحية الهاملتية لكشفِ سرّ الفرد المتبقي الذي لم يعترف بسرّه في هذا البيت ”
نظرَتْ الأمّ إلى ابنِها , وقالَتْ في استياءٍ ممزوجٍ بالإعجابِ فجاء صوتُها يتبرّأ بعضُه من بعضٍ :
– ” أنت شيطان عبقريّ ! ”
– ” بعضُ ما عندكم ! ”
– ” ما الذي ذكرْناه حول هذه الردود المتذاكية ؟ ”
قال المراهق وهو يحاول إخفاءَ لهفتِه :
– ” أنها موجِبةٌ للعقابِ ! ”
فأجابَتِ الأمّ في خبْثٍ :
– ” كان هذا قبل أن نتبادل المصارحةَ بأسرارِنا , أمّا الآن فالأمر يختلف : يوميًّا سيكون هناك عقابٌ ثابتٌ لكلٍّ منكما بدون أن تضطرا لصنع شيءٍ لتستحقاه , ولكنْ إن كانَ في اليوم السابق له إجاباتٌ متذاكية أو عصيانٌ لأوامر أو تقصيرٌ في الدراسة , فإن هذا العقاب اليومي سيتمّ إلغاؤه بصورة تلقائية , وإن كان الذنب ضخماً فربّما نلغيه لمدة يومين أو ثلاثة أو أكثر … هذا أنجع في تأديبكما على ما أعتقد … وبناءً عليه : عدْ يا ( بدرُ ) إلى غرفتِك فأنت محرومٌ من العقاب بسبب هذا الرد المتذاكي , وأنتِ يا ( سوسن ) بإمكانكِ أن تنتظريني في غرفتكِ عاريةً حتى أفرغ من إفطاري ثم أفعل بكِ ما تحبينه ”
نظرَتِ الحسناءُ إلى توأمِها فوجدَتْه يغلي استياءً , فقالَتْ وهي تجاهد الضحكَ :
– ” شكراً يا أميمتي ! هل لي أن أشفع لديكِ في أخي حتى لا تحرميه من العقابِ ؟ 
– ” الشفاعة مردودة ! وإن لم يتحرّكْ في هذه اللحظة إلى غرفتِه ويفكّر فيما تسبب في حرمانه من عقابه ويندم عليه , فسيُحْرَم من عقاب الغد كذلك ! ”
كانَتْ هذه إشارةُ الانطلاق لـ ( بدر) ليهرع إلى غرفتِه ويغلق بابَها خلفه ؛ على الأقل إن فاتَه عقابُ اليومِ فلا أقلَّ من أن يضمن عقابَ الغدِ !
أما ( سوسن ) فقد سارَتْ بخطواتٍ منتشية إلى غرفتِها ، وأغلقَتْ بابَها ، ثم تعرَّتْ وهي تصوّر لنفسِها ما يوشك أن يتعرض له جلدها البض على يد أمِّها بعد دقائق … فلم تتمالك نفسَها من أن تعضّ على شفتها في لهفة وتشوق …
أما ( بهية ) فكانَتْ لذّتُها بتناول الإفطار الشهيّ الذي صنعه ثمرتا بطنِها لذّةً مضاعفةً , لم يكنْ يقدح فيها إلا أن العقاب القادم مقتصر على إحدى الثمرتَين دون الأخرى , ولكنّها مضطرة لحمل نفسِها على تأجيل عقاب ابنِها اليوميّ حتى الغدِ , لكيلا يفسده التدليل , ويتعلم درسَه ؛ هذا هو ما يطلق عليه الحب القاسي ؛ أن تجبر نفسَك على خلافِ ما يريده مَنْ تحبّه وما تريده أنت أيضاً ؛ حتى يتعلم المحبوب درسَه , ولا يُفْسِده التدليل ؛ وهي أمّ صالحة مستعدة لمقاساة صعوبات الحب القاسي إن كان فيه مصلحةُ وليدَيها !
**********
طرقاتٌ على البابِ كأنّ صاحبَها قد تعمّد أن يأتي وقعها متوافقًا مع حركة يد الضابط الصغير صعوداً ونزولاً …
وما إن طرقَتِ الطرقاتُ مسمعَ ( سالم ) حتى كفّ عما يصنعه , واعتراه الرعبُ , وهو يحاول أن يدس رجليه في بنطال منامَتِه , بينما صوتُ أبيه يأتيه من خارج الغرفة :
– ” لماذا هذا البابُ مغلقٌ ؟ ”
لم يدْرِ ( سالم ) بم يجيبُ , ولكنّ عقلَه تولّى التفكيرَ في شيءٍ بالنيابة عنه ثم أجاب بالنيابة عنه أيضاً :
– ” لأنني خفْتُ أن يفْتَحَه أحدُ الخدم كما اعتادوا , فيقابلُهم ما لم يعتادوا رؤيتَه ! ”
فكّر ( سالم ) فيما أجاب به تلقائيًّا قبلَ قليلٍ , فوجد الجوابُ أحوج للتفسير من الفعل نفسِه , ثم فتح البابَ فطالعَتْه عينا والدِه المتسائلتين وسأله , وهو يلج إلى الغرفة :
– ” وما الذي كنْتَ تصنعه ؟ ”
طلبَ ( سالم ) من عقلِه أن يتولى الإجابةَ ما دام هو من ورّطه في هذه الورطة , فقال لسانُه من عندِه :
– ” لأنني نظرْتُ في المرآة إلى آثار عقابِ ليلة البارحة فراعني أنها لا تزال جليّة واضحةً , فأردْتُ أن أزيلَها بفركٍ أو بتهويةٍ أو بنضْحٍ بماءٍ , فخفْتُ أن يفتحَ أحدٌ الباب فيرى ذلك ! ”
فكّر ( سالم ) فيما قاله , فوجده مقبولاً إلى حدّ بعيدٍ … محرجٌ بعض الشيءِ , ولكنّه مقبولٌ … قال والده في تعاطفٍ :
– ” لقد كنْتُ أظنّك منغمساً في شيءٍ آخرَ ! على أية حالٍ : ما ذكرْتُه في الواقع يذكّرني بما قاله اللورد ( بليذن ) وكنْتُ أنوي أن أفعلَه ولكنّه بدا لي أمراً شديدَ الغرابة فعدلْتُ عن فعْلِه , ولكنْ بالنظر إلى ما ذكرْتَه للتوّ , فأنا أرى أنه مناسبٌ أشد المناسبة … انتظرْني قليلاً حتى أذهب لغرفتي وأعود ! ”
لم يكن ( سالم ) يدري أيَّ مصيبةٍ قادمةٍ ستجلبها عليه نصائح اللورد ( بليذن ) , ولكنّه تذكّر ما فعله به أبوه والبوّابُ ليلةَ البارحة , ثم حضر إلى ذهنِه ما قاله أبوه قبل قليلٍ عن ” شدة غرابة” هذه النصيحة الجديدة للورد ( بليذن ) , فوجد الذعر يسيطر عليه ؛ إن كان ما حدث البارحة أقلّ غرابةً مما يوشك أن يحدث , فما الذي يوشك أن يحدث ؟!
لم يستغرقْ ذهابُ ( سمير ) إلى غرفتِه وعودتُه كثيراً من الوقْتِ فقد دخل بعد ثوانٍ وفي يده علبةٌ غريبةُ الشكل تبدو كأنها تحوي مرهماً من مراهم الجلد , ثم أغلق البابَ خلفَه وتوجّه إلى السرير الذي شهد ملحمةَ البارحةِ , وجلس على حافتِه , وأشار إلى ابنِه ليقتربَ , ففعل , ثم أشار إليه ليتمدد في حجره , فبدا الخوفُ في عينيه , فقال الأبُ :
– ” إن كنْتَ تعتقد أن ما سأفعله مثيرٌ للخوف فأنت مخطئ , ولكن اعترافاً بالحق فإنه مثير للخجل , على الأقلّ في حقك أنت ! ”
كان ( سالم ) لا يزال يجهل ما سيحدث , ولكنه أطاع أمر أبيه , واستلقى على فخذيه وليس عليه سوى بنطال المنامة , الذي سرعان ما أنزلتْه يد أبيه إلى كعبيه كاشفاً عن كلِّ ما تحتَه , وقال الأبُ وهو يدرس تفاصيل المشهد :
– ” لقد زالَتْ معظمُ آثار العقاب , ما الذي كنْتَ تشتكي منه بالضبطِ ؟ ”
لم يكنْ ( سالم ) قد درس هذه الآثارَ أصلاً ؛ لقد كان العذر كلّه تهرّباً من الحقيقة المخجلة , فقال في توجّس :
– ” لقد بدا لي في المرآة أنها لا تزال بارزةً , لعلّ المرآة ضخّمَتْ من هذه الآثار ! ”
قال أبوه في سخرية :
– ” أو لعلّها مرآة سحرية تريك ما سيحدث وليس ما يحدث , على أية حالٍ : من الآن فصاعداً عندما أعاقبكَ فسأطبق نصائح اللورد بحرفيّتها , وهذه النصائح تشمل ما يسميه هو برعاية ما بعد العقاب , كما ترى فهذا الذي في يدي هو مرهم مخصص للدهن على مؤخرات الأطفال الأشقياء بعد الفراغ من عقوبتهم حتى لا يترك العقاب آثاراً تدوم لفترة طويلة ؛ وهو ما كنْتَ تشتكي منه , على الرغم من أنني لا أرى لشكواك محلاً من الإعراب ! ”
كاد ( سالم ) يذوب خجلاً , وقد أدرك ما ينوي والدُه صنْعَه , وسمع صوتَ فتح غطاء العلبة , ثم استقرّتِ العلبةُ على ظهره بعد أن غمس أبوه إصبعه فيها ونقل ما علق بإصبعه من المرهم إلى ردفه الأيمن ثم غمس إصبعه مرةً أخرى وكرر الفعلَ مع ردفه الأيسر ثم أغلق العبوة ووضعها إلى جانبه على السرير , وبدأ في نشر المرهم وتدليك ما نُشِرَ المرهمُ ليغطيه , فازداد خجلُ ( سالم ) , وهو يدافع رغبتَه في أن يجعل قماش بنطال أبيه نائباً عن يده فيما كانتْ تفعله عندما طرق أبوه البابَ , وعادَتْ مخاوفُه من أن يفتضح أمرُه لتشغل عقلَه , ولم يكن أبوه أفضلَ حالاً , فقد كان يعاني مما يعاني منه ابنُه , وقد بدا له أنّ علة ” تذكر المرحومة ” هذه لا يمكن أن تطّرد كل هذا الاطّراد مع رؤية ردفَي ابنِ المرحومة !
وانشغل الأب وابنُه لدقائق _بدَتْ كدهورٍ_ في ضمان التطبيق الحرفي لنصائح اللورد , فلما بدا أن المرهم قد انتقل إلى كلّ بقعة ممكنة من مؤخرة ( سالم ) , وأن الأبَ لو استمرّ في تدليك مؤخرة الابن لمزيدٍ من الوقتِ لتحوّل إلى دلّاكٍ في حمام , تجرّأ الأبُ , وسأل :
– ” هل تعتقد أنّ علينا _ نظراً لنجاعة هذا العقاب كما أشار اللورد ( بليذن ) _ أن نضمن وجود من يُوقِعُه عليك في كل لحظة تحتاج فيها إليه ؟ فأنت تعلم أنني كثيرُ الأسفارِ , ونادراً ما أكون في القصر , وأنت بحاجة كـ ” غلامٍ ” شقيّ إلى من يتولّى عقابَك حتى لا تنسى نفسَك وتظنّ أنك كبرْتَ على التقويم والتهذيب ! ”
– ” أعتقد أنّ بإمكانِكَ أن توكّل بي من يدوّن عليّ أخطائي , ثم تعاقِبُني عليها جملةً واحدةً عندما تعود من سفرِك ! ”
– ” هذا يتعارض مع نصيحة اللورد بتقريب زمن العقوبة من زمن الذنب , وبالنظر إلى أن البوّابَ قد عاقبَك بالفعلِ البارحةَ , وأبدى كفاءةً بالغةً _ وهو الذي لم يعتمد على غيرِ يده , فما بالك لو استعمل فرشاة شعرٍ أو حزامٍ ؟ _ في عقابِك , فأنا أرى أنه من المناسب أن أوكّله بإجراء العقاب عندما أغيبُ عن المنزلِ . ما رأيُك في هذا ؟ ”
كان في انقباض ردفي ( سالم ) بمجرّد سماعِه الاقتراح ما يشير إلى صحّة رأيِ ما ذهب إليه الأبُ , وأنّ البوّاب كفيلٌ بإنزال الابن المشاغب منزلتَه التي يستحقّها , فقال الأب في صرامةٍ :
– ” أعتقد أنّه لا معنى لطلب موافقتِكَ ؛ ما دمْتُ أنا أرى أنّه جديرٌ بتحمّل هذه المسئولية فهو كذلك , بالمناسبة : بما إنني مضطر للسفر غدًا , فستشهد هذه الليلةُ أولى جلساتِ عقابِك التي يتولّاها البوّابُ بالكامل ؛ وسأكون شاهداً عليها لأضمنَ أنك ستعامله بما يجب من الاحترام , وأنه لن يتوانى في بلوغ الأثر المطلوب في عقابِك ”
كان “بلوغُ البوّابِ للأثر المطلوب” قد تحقق بمجرد تخيّل الأب لمشهد ابنِه وحيداً في غرفتِه وليس عندَه غير البوّابِ , وقد عرّاه البوّابُ وقوّسه على فخديه ، وأهوى بيده على مؤخرتِه ليعاقبَه , وكانتْ نفسُ هذه الصورة المتخيلة تلحّ على عقل الابنِ كذلك , وتكاد تدفعه إلى الانفجار والافتضاح أمامَ أبيه , وهو يكبح جماحَ نفسه بمشقة وجهد جهيد , وإن كان لا يشكّ أن تحوّل تلك الصورة المتخيلة إلى حقيقة _وهو ما يبدو أنه سيحدث قريباً _ سيؤدي _ مهما حاول أن يدافع نفسَه _  إلى الانفجار في حضْنِ معاقبِه, وضياع كلّ ما تبقى له من هيبةٍ , إن كان قد تبقى له منها شيءٌ !
كانَتْ هذه الأفكار تدفع الأبَ والابنَ إلى ما لا يصحّ أن يطلع أبٌ على ابنه وهو يصنعه ولا العكس , فقرر الأب أن يخلو بنفسِه في غرفتِه ليقضي حاجتَها , وهو يعلم أن ابنَه سيفعل نفسَ الشيءِ , فقال في صوتٍ متهدّجٍ :
– ” نتقابل في جلسة عقابِ الليلة إذاً ! ”
قال الابن في صوتٍ لا يقل تهدجاً :
– ” حسناً ! ”
ثم قام الابن من اضجاعه في حضن أبيه , وقام الأب كذلك , وغادرالأبُ الغرفةَ وأغلقَ بابَها وراءَه ثم هرع إلى غرفتِه … فلمّا أغلقَ بابَها كانتْ تلك إشارةُ البدء ليغوص عقلُه غوصاً في صور متخيَّلاتٍ مستعذبَاتٍ تشمل بوّاباً وابنَ باشا وقد تبادلا المكانة والحقوق والواجباتِ , ولم يملكِ الباشا نفسَه فبدأ في حل بنطاله والانشغال بما كان ابنُه يصنعه عندما طرق بابَه قبل قليلٍ …
أمّا الابنُ فكان قد سبق أباه _ بحكم قرب خلوّه بنفسِه _ إلى التخيّل والتصوّر ؛ صوّرَتْ له نفسُه مشهدَه البارحة وقد صار فريسةً وصار البوابُ صياداً , والصياد مولعٌ أيَّ ولعٍ بفريستِه .
 ثم تصوّر ما سيقع له هذه الليلة _ على مشهدٍ من أبيه _ على يد ذلك الصياد الذي لا يبالي أنّ وليّ نعمتَه يراه وهو يكاد ينهش لحمَ ابنِه نهشاً من شدة ولعه به .
 ثمّ تصوّر ما سيحدث له على يد الصيّاد عندما يسافر أبوه وتخلو له الساحة ليصنع به كلّ ما يحبّه ؛ هل سيقتصر حينَها على عقاب اللورد ( بليذن) فقط ؟ أم سيزيد “عقوباتٍ” أخرى من عنده ؟…
ولم يمضِ كثيرٌ حتى كان الأب والابن جميعاً قد بلغا غايتَهما وفترَتْ يداهما عما كانتا تصنعانه , واستلقيا _ كلٌّ في سريره _ وهما يلهثان لهاث من قضى اليومَ في زرْعِ أرضٍ وحرْثِها …
وغير بعيدٍ عن سرير الباشا وسرير ابن الباشا , كان مَنْ يُوشِكُ أن يصيرَ المعاقِبَ الرسميّ لابن الباشا مشغولاً هو الآخر بتمني أن تتاح له الفرصةُ ليكرِّرَ بابن الباشا ما صنعه به أمام أبيه ؛ غير عالمٍ بما تقرّر بالفعل بين الباشا وابنِه … ولم يكنْ يتصوّر أن تلك الأمسية ستحمل معها تحقُّقَ كلّ أمانيه وزيادةً … ولم يكنْ يتصوّر أنه على مدار سنين قادمة ستكون مؤخرة ابن الباشا _بأمر الباشا نفسِه _ متاحةً على حجره في أيّ وقتٍ يرى فيه أن صاحبها قد فعل ما يوجب العقابَ …
 بعد تلك الأمسيّة بأيامٍ سيفكّر البواب في أنّ هذه الدنيا لم تكنِ _يومًا _ مكاناً سعيداً لِمَنْ وُلِد في مثل ظروفه, ولكنّ هذه الدنيا قد اعتذرَتْ وأخلصَتْ في الاعتذارِ بهذه الهدية الضخمة التي رمَتْها في حجره _ حرفيًّا _ , وهو راضٍ عن الدنيا وراضٍ عن هديّتِها , ومنفّسٌ عما بقي في نفسِه من سخطٍ على هذه الدنيا في صورة صفعاتٍ تهوي على تلك الهديّة الحسناءِ , فتشفي تلك الصفعاتُ نارَ صدرِه وتوقد نارًا أخرى في مكانٍ آخر من جسده في الوقت نفسِه !
**********
– ” ما الذي حدث للبنتَينِ يا ( سالم ) ؟! ما الذي صنعْتَه بابنتيّ ؟! هذا ليس معسكرًا لأمن الدولة , هذا بيتٌ تسكنه حمامتان لا تحتملان الصراخ بله الضرب ! ”
نظر ( سالم ) إلى زوجتِه الباكية , وهي تحاول تجاوزَ زوجِها لتدخل إلى غرفةِ ابنتيها لتطمئنّ عليهما , فقال ( سالم ) وهو يحاول ألا يغضب مما تتهمه به :
– ” إن الحمامتَينِ هما من طلبتا أن أفعل بهما ما فعلْتُه , هذا لم يكن عقاباً لقد كان أقربَ إلى الثوابِ ! ”
نظرَتْ له زوجتُه في ذهولٍ , وقالَتْ :
– ” هلْ جنِنْتَ : من الذي يرغبُ في مثل هذا ؟ لقد سمعْتُ بكاءَهما من وراءِ الباب , هذا بكاء من يتألم ولا يرغب في شيءٍ أكثر من انتهاء ما يسبّب ألمَه ! ”
– ” إن الأمر معقّد ؛ صدقيني أنا أعلم الناس بدوافع ابنتيّ , ولو دخلْتِ عليهما الآن , لوجدْتِ ما لا يسرّكِ ! ”
– ” سأجد ما لا يسرّني  من آثار ضربِك وقسوتِك عليهما ؟ ”
– ” بل من آثار ما تصنعانه بنفسيهما في هذه اللحظة ؛ لماذا لا تعودين للإنصاتِ إلى ما يحدث في غرفتِهما فتسمعي بنفسك ؟ ”
كانتْ الزوجة لا تزال في ذهولٍ مما يقوله زوجها , ولكنّها قرَّرَتْ أن تجيبه إلى طلبِه, وألصقَتْ أذنَها بالباب , فبلغَ مسمعَهَا صوتٌ لا شكّ في طبيعتِه , ولم تكدْ تصدّقُ أذنيها عندما تداخل ذلك الصوتُ مع صوتٍ آخر يحمل الدلالة نفسَها ؛ إن ابنتيها الصغيرتين البريئتين يقومان بأفعالٍ يصدر عنها مثلُ هذه الأصوات في حضرة بعضهما البعض ! بعد أقلّ من دقيقة من فراغ أبيهما من عقابِهما الموجِع ! ما هذه الأسرة غريبة الأطوار التي هي جزءٌ منها ؟!
ابتعدَتْ عن الباب , ونظرَتْ إلى زوجِها , وهي تطلبُ منه تفسيراً , فقال في هدوءٍ :
– ” هل لي أن أسالَكِ شيئًا : هل عاقبَكِ والدُكِ أو والدتُكِ وأنت صغيرة ؟ ”
– ” لا ! لم يسبق لي أن عوقبْتُ بهذا المعنى الذي تشير إليه , لقد كان اعتراض أبي وأمي على ما أصنعه يأتي في صورة صراخٍ وسبّ وشتمٍ ! ”
– ” هل لنا أن نصحح ذلك إذاً ؟ ”
نظرَتْ إليه زوجتُه في استغرابٍ , وقالَتْ :
– ” تريد أن تعود بالزمن لتنهى أبي وأمي عن شتمي والصراخ في وجهي ؟ ”
– ” بل أريدُ أن أطْلِعَكِ على ما أثار دهشتَكِ من رغباتِ بنتَيْكِ , لعلك تتفهمين دوافعهَما ! لنفترضْ أنك ابنتي وأنني قد عدْتُ من عملي لأجد أمَّكِ تقابلني معدّدة ما فعلْتِه ومحرّضةً لي على ضمانِ أن تندمي على ما قمْتِ به … ”
قاطعَتْه زوجتُه :
– ” هذا شعورٌ ممضٌّ , وإن لم أجرِّبْه ”
– ” بالضبط أنتِ لم تجرّبيه , ولذا فهو لم يرتبطْ لديكِ بكلّ ما يرتبط به عند مَنْ جرّبه ؛ هناك شيءٌ آخرُ غير الخوف وغير التوجس يخالط نفس المعاقَبِ في تلك اللحظة ؛ الشعورُ بأنّ هناك مَنْ يهتمّ به ويخاف أن يصدرَ عنه ما لا يليق , فهو يعاقبه حتى يحول دون حدوث ذلك …الشعورُ بأنّ لحظة العقابِ هذه ستخورُ فيها كلّ دفاعاتِه وكلّ الحوائطِ التي بناها ليستَرَ أسرارَه وآمالَه ومخاوفَه عن أعينِ الناس ؛ سيكون عارياً أمام مَنْ يعاقبه .. يجيبُ صادقاً على أسئلتِه , ويتوسّل صادقاً أن يُغْفَرَ له , ويعبّر صادقاً عن امتنانه وتقديره لوجود معاقبِه في حياتِه … الشعورُ أنّ ما يثقل صدرَه من أخطاء وتجاوزاتٍ قد عوقبَ عليه فلم يعد هناك معنىً لأن يحمل أخطاءَه وتجاوزاتِه على ظهره حتى ينقضّ ظهرُه … هذا المعنى الذي يخامر نفس المعاقَبِ يزيد كثيراً على التهديد والألم والبكاء .. إنّه شيءٌ في أعماق النفسِ رسخ هناك من زمان البشر الأوّل من قبل أن تنشأ الضوابط والأعراف وتستقرّ التابوهات والمحظورات ! “
نظرَتِ الزوجة إلى زوجِها , ثم قالَتْ :
– ” هذا يبدو شاعريًّا , ولكنّه لا يُحْدِثُ فيّ أيّ أثرٍ من أيّ نوعٍ ! ”
قال الزوجُ في يأسٍ :
– ” أعتقد أن الأمر في الجيناتِ أو شيءٌ من هذا القبيلِ , بعض الناس يرغبون في هذا الفعل أو ذاك وبعض الناس لا يرغبون فيهما ؛ ولكنّ الجميع لديه أسرارٌ ما يخشى إطلاعَ الآخرين عليها ؛ إن البشر قساةٌ عندما يخبّئون أسرارهم ويرمون مكشوفي الأسرار بالغرابة والشذوذ ! ”
كانَتْ هذه الجملةُ الأخيرةُ كأنها وقودٌ صُبّ على نارٍ في نفس الزوجة فاشتعَلَتْ , فقالَتْ :
– ” ما دمْنا في جولة المصارحة هذه , فإنني أعترف أنني على الرغم من عدم فهمي لما حدث قبل قليلٍ بينك وبينهما , إلا أنني في اللحظة التي خرجْتَ فيها من الغرفة وصوتِ بكاء ( سنيّة ) لا يزال مسموعاً من وراء البابِ , قد شعرْتُ _ كما لم أشعر من قبلُ _ بفحولة زوجي ورجولتِه , واشتدَّتْ رغبتي فيكَ ؛ ليس بسبب العقاب والضربِ وكلّ هذا , فأنا لا زلْتُ لا أفهم جاذبيّةَ هذا الأمر .. ولكنْ ما شعرْتُ به يشبه شعورَ من تحرّش بها شخصٌ صفيقٌ فسار إليه زوجُها وأوسعه ضرباً .. ثمّ ذهب بها إلى البيتِ فأوسعها حبًّا … أتعرف هذا الشعور ؟ … أنا أمّ البنتَينِ ولكنّي لا زلْتُ امرأةً رقيقةً وقد لا يطيعان أمري , ولكنْ عندما يعود أبوهما للبيتِ سيخافان من ذكوريّته القاسية فينصاعان لأوامره … فكرة الذكورية الطافحة هذه وما يقابلها من أنوثية رقيقة .. هي ما يثير فيّ شعوراً جنسيًّا لا أستطيع إنكارَه ! ”
– ” أعتقد أنني أتفهم ذلك ؛ يفترض بعد أن فرغْتُ من إثبات ذكوريّتي الطافحة المصحوبة بقسوة غير مبررة وذعر في نفوس من حولي ممن حلّ عليه غضبي … يفترض بي بعد ذلك أن أفرغ لأميرتي التي تعتصم بقوّتي من هول الأخطار المحيطة بها في العالم الخارجي , فأوسعها حبًّا كما قلْتِ . أليس كذلك ؟ ”
هزّتْ زوجتُه رأسَها في موافقةٍ , فأدناها منه وقبّل فمَها قبلةً رقيقةً , فغاصَتْ في حضنه , وقال :
– ” إلى السريرِ , يا أميرة ! ”
ابتسمَتْ في عذوبةٍ , وقالَتْ :
– ” الطريق طويلة , وقدماي لا تقويان على ما تقوى عليه قدماك القويّتان ! ”
فهم دعوتَها فلبّاها , واستغرب من أنه لم يحمل زوجتَه ويذهبَ بها إلى السرير إلا مرةً واحدةً فيما سبق ؛ في ليلة زفافِهما … كان هذا تقصيراً من جانبه , وقد عزم على أن يعوّضها عنه في المستقبلِ … ثمّ عندما أودعَها في سريرِها , بدأ في نزع ثيابِه , وهو يرسم ملامح جامدةً قاسيةً على وجهه , وكأنه جندي عازم على اختراق دفاعات الأعداء , وكان لذلك أثر السحر على ما يبدو في زوجتِه التي ندَتْ عنها آهة مشتاقة خافتةً لم يسمعْها منها قبلَ ذلك … وكلّما زاد في التظاهر بالقسوة والفحولة _ من دون أن يستتبع ذلك عنفٌ في حقّها ؛ لأنها رقيقة ضعيفة لا تستطيع أن تتحمل عقاباً ولا ما دون العقاب ممن هو في مثل فحولتِه وقوّته _  كلما ازداد شوقُها وغلمتُها إليه … ومرّتْ تلك الليلة وكاملُ الأسرةِ مشغولٌ بما جدّ في حياتِهِ …
وعندما اجتمع أربعتُهم على مائدة الإفطار في صباح اليوم التالي , كانَتِ الأم أكثر تفهّماً لمشاعر ابنتيها اللتين تتبادلان النظراتِ وكأنّ كليهما تحاول حثّ الأخرى لتفتح الموضوع , فعاجلَتْهما أمّهما وقالتْ :
– ” لقد أخبرني أبوكما بما حدث , وباستحقاقكما لعقابٍ أسبوعيّ في يوم إجازتِه على ما تقترفانه في ذلك الأسبوع , وأريد أن أؤكد على أنّ أمر أبيكما نافذٌ في هذا البيتِ , وأنه يستحسن بكما أن تكونا مطيعتَيْن في حال غيابِه  حتى لا أرفع شكوى على أيٍّ منكما له , وأنتما تعلمان ما سيحدث حينها ! ”
قالَتْ البنتان في صوتٍ واحدٍ :
– ” بالطبع يا أمي ! ”
فابتسم الأبُ , وقال _ وكأنه يرسي أركان النظام الهرميّ في البيت _ :
– ” عندما أغيب عن البيتِ لعمل أو غيرِه فسيتضاعف العقاب ضعفَين على أيّ ذنب ترتكبانه حالَ غيابي وتخبرني به أمُّكما فيما بعد, حتى لا تتجرّءا على عصيان أمْرِ أمِّكما في غيبتي . هل هذا مفهوم ؟ ”
– ” نعم يا أبي ! ”
– ” نعم يا أبي ! ”
نظرَتِ الأم إلى خضوعِ ابنتيها المفاجئ الذي لم تعتدْه من قبلُ , وبدا لها أنّ فكرةَ العقابَ هذه لا تبدو بهذا السوءِ , ما دام هذا من آثارِها , ولكنّ ما كان يشغلها أكثر هو تصوّر ما سيجري بينها وبين هذا الأب ” مسموع الكلمة , عظيم المهابة ” عندما يختليان معاً في تلك الليلة !
أما البنتان فقد كانتا أيضاً متشوقتَين إلى ما سيجري لهما على يد هذا الأب ” شديد البطش , دقيق المحاسبة ” عندما يفرغ لمؤخرتَيهما في ذلك اليوم من الأسبوع !
وأما الأب فقد كان لا يدري إلى أي الجهتَين هو أشوقُ ؛ إلّا أن للجهة الأخيرة اتصالاً أمسّ بما اعتاد هو أن يشتاق إليه في شبابه , وإن كان الآن قد صار على الجانب الآخر من العملة … أما الجهة الأولى فقد كانَ لها جدّة , ولكل جديد لذّة .. وعلى أية حالٍ فما الداعي إلى المفاضلة بين أمرَيْنِ كلاهما متاحٌ , وكلاهما متشوّقٌ له من قِبَلِ الفاعل والمفعول به !
**********
– ” ألا زالَتْ معترضةً ؟ ”
– ” لقد زال اعتراضُها بالكليّة , وستقابل الباشا عندما يحضر , وإن كان لحدس الأم أن يعلن رأيَه , فأنا أرى أنها ستقبله زوجاً “
– ” متى جدّ كلّ هذا ؟ آخرُ ما أبلغتِني به أنها مستاءة من كِبَرِ سنّه ! ”
– ” لقد كان كِبَرُ السنّ هذا رمزاً لشيءٍ آخرَ أكّدْتُ لها انتفاءَه في حق الباشا , فزالَ اعتراضُها بالكليّة ”
– ” ما الذي كان يرمز إليه كِبَرُ السنّ ؟ ”
على الرغم من زواجها من هذا الرجل لسنين طويلة إلا أنها لا تزال تخجل من مفاتحتِه في هذه الأمور , فقالَتْ :
– ” هذه أمورٌ نسائيّة , وقد حُلَّتْ . فلا تشغلْ بالَكَ بها ! ”
– ” (حميدة) ! أنتِ دائماً ما تعتقدين أنك قادرة على القيام بشئون هذا البيتِ والتصرف من تلقاء نفسِكِ , وأنا في المعتاد أتغاضى عن ذلك , ولكنّ الأمرَ في هذه المرة عظيمٌ , ولا أريد أنْ نضربَ ميعاداً لمقابلة الباشا ثم أفاجأ أن البنتَ لا تزال رافضةً وتفضحنا أمام عليةَ القومِ ! ”
كانَتْ الأمّ لا تزال تتذكر عقابَها لابنتِها , ثم جاء استفتاحُ كلامِ زوجِها فكان كفيلاً لانشغال الأم عن تمامِه , إذ قد تعلق قلبُها وعقلُها وجسْمُها بقوله ( وأنا في المعتاد أتغاضى عن ذلك ) , وما تَحْمِلُه هذه الجملة من وعودٍ تتمنى تحقُّقَها , فقالَتْ له في دلالٍ :
– ” لنفرضْ أنّ خوفَك في محلّه ، وأنني أخطأتُ التقديرَ وتسببْتُ في فضيحتنا أمام علية القوم . ثم ماذا ؟ ”
– ” ثم ستكون هذه مصيبةٌ , من الأفضل أن نعْلَمَ مِن الآن أنها رافضة لنلغي الموضوع ! ”
كان الحوار يذهب مرّةً أخرى بعيداً عن الجهة التي تريده أن يذهب إليها , فقالَتْ :
– ” ولكنّ هذه المصيبة ستكون حينها ذنبَك أنت دون سواك ! ”
– ” كيف هذا يا امرأة ؟! ”
– ” لأنك _كما قلْتَ_ قد عوّدْتَني أن أستقلّ بشئونِ البيتِ وأن أفعلَ ما يحلو لي حتى استقر عندي أنني لا رقيبَ عليّ يراجعني فيما أفعله ويعاقبني إذا استحققْتُ العقوبةَ , فإذا تسبّبَ سوءُ تقديري في هذه المصيبة , فأنت من جرّأني على فعل ما يحلو لي  من البداية ”
كان زوجها لا يزال غافلاً عما تلمّح إليه , فقال :
– ” هل البنت موافقة أم لا ؟ سؤالٌ بسيطٌ ! ”
– ” البنتُ موافقةُ ! ”
– ” حسناً إذن !  بإمكاننا الآن أن نستمر في لعبة الأحاجيّ هذه ما دمْنا قد تأكّدْنا من أنّ البنتَ موافقة … ما الذي تلمّحين إليه بالضبط ؟ “
– ” لقد كانَتِ البنتُ تحسب أن الباشا من هؤلاء المتخشّبين الذين لا يلبّون حاجاتِ زوجاتهم , ولكنّها سعيدة الحظّ فقد تأكّد أنه _خلافاً لما يوحي به مركزه _ ابنَ بلدٍ عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع زوجتِه ! ”
– ” وما الفارق بين ابن البلد والمتخشّب في هذا الأمر ؟ ”
– ” المتخشّب يظل يسأل زوجتَه في بلادة: وما الفارق بين هذا وهذا ؟ , وما الذي تلمحين إليه؟ .. أمّا ابن البلد فيجعل زوجتَه في حجره ثم يسألها في تبجح : هل هذا هو الفارق ؟ أم هل هذا هو الفارق ؟ بينما يداه تنوبان عن اللسان في إتمام السؤال ! ”
كانتْ هذه صراحةً لا تترك شكّاً لذي شكّ , ولكنّ الزوجَ أصرّ على موقفه المتباله , وقال :
– ” هل هذا تلميحٌ إليّ ؟ ”
انفجَرَتْ ( حميدة ) :
– ” بل هذا تصريحٌ بخيبتِك ؛ كم مرةً جئتُك بالأكل مالحاً أو محروقاً وبثيابِك متسخةً أو مجعّدةً . حتى تغضبَ ، فيستفزّك الغضبُ فتعاقبَ ، ولا تجد عقاباً ناجعاً غير الضرب فتضرب ؛ ولكنّ الجسد الذي تضربه أنت كذلك تشتهيه فيشترك الغضبُ مع الشهوة في مسّ جسدي وتأديبِه ؛ هل تريد تصريحاً أكثر من ذلك ؟ أنا أريدك أن تعرّيني وتجعلني في حجرك وتوسع مؤخرتي صفعاً حتى يحمرّ ردفاي ويبتلّ حجْرُك من فرط شهوتي ؛ أتريد مزيداً من التصريح ؟ ”
– ” أعتقد أنّ هذا كافٍ ! ”
– ” ثم ؟ ”
– ” ثمّ إن الذي على البرّ عوّامٌ . لو ضربْتُكِ كما طلبْتِ لطلبْتِ الطلاقَ وبكيْتِ عند أبيكِ ”
– ” يا رجل ! أأنت أعلم بي من نفسي ؟! لو ضربتني كما طلبْتُ لأكببْتُ على رجليكَ أقبّلهما ! ”
– ” كلام فارغٌ ! ”
– ” بل كلامٌ ملآنُ , ولكنّ الفارغَ مَنْ لا يقدر على تنفيذه ! ”
– ” كفّي عن التعريض بسبّي وإلا رميْتُ عليكِ يمينَ الطلاق ! ”
كان هذا هو ما يلجأ إليه زوجُها لينهاها عن تماديها في الشغب عليه ؛ بينما هي تمنّي نفسَها أن ينتهي هذا الشغبُ إلى شيءٍ آخرَ تتوق إليه , فلا تكفّ عن شغبِها , ولكنّ هذه هي المرة الأولى التي تصارحه فيها برغباتِها بهذا الجلاء , ثمّ هو يردّها هذا الردَّ المنكرَ …
وعلى الرغمِ منها شعرَتْ بغيرة هائلةٍ تجاه ابنتِها التي توشك أن تصير زوجةً لمن سيبلّغها مما تتمنى هي أن تبلغه مع زوجِها .. نظرَتْ إليه في غيظٍ , فقال :
– ” حسناً ! لا داعي للغضبِ لأنني هددْتُ بتطليقكِ , ولكنّكِ أنتِ من يستفزني ويقول كلاماً لا معنى له ؛ تريدين أن أضربَكِ ؟! وهل يريد أحدٌ الضربَ ؟! اعقلي يا امرأة ! ”
حاولَتْ منع الدموعِ من الانحدار من عينيها , ولمّا بدا أنّها عاجزةٌ عن ذلك , قامَتْ مسرعةً لتخرج من الغرفة وقد سالتْ دموعها على خدَّيْها ؛ عزاؤها الوحيد أن ابنتَها لن تتعرض لمثل ما تتعرض هي له الآن ؛ إنْ فاتَها ما تطمح فيه فلا أقلّ منْ أنْ تقرّ عيناً بأنّ ابنتَها ستكون أسعد حظًّا منها …
ثمّ فكّرَتْ مرةً أخرى في الأمر فوجدَتِ الفكرةَ غريبةً , ووجدَتْ زوجَها معذوراً بعضَ الشيءِ , من يتصوّر _ إن لم يكن يَجِدُ مثل ما تجده هي وابنتُها من رغبة _ أنّ زوجاً مؤدبًا رفيقاً لا يضرب امرأتَه سيكون وبالاً , وأن زوجاً ماجناً لا يكفّ عن صَفْعِ ردفي امرأتِه سيكون نعمةً ؟!
ثمّ خطرَتْ لها خاطرةٌ مخيفةٌ : ماذا إذا كانَتْ ابنتُها قد ورثَتْ هذه الرغبةَ عنها ؟ وهل معنى هذا أنّ نسلَها ونسلَ ابنتِها ستسمرّ فيهم هذه الصفة ؟ ولكن هل هذه الصفة شيءٌ مذمومٌ أم محمودٌ ؟ لو كان الأمر مثلَ حالِ ابنتِها التي تبدو موشكةً على أن تنال رغباتِها وتزفّ إلى زوجٍ يرغب فيما ترغب فيه , فالأمر لا يبدو بهذه الخطورة , ولكنْ ماذا عمّن ينتهي بهم الحالُ من أحفادِها إلى مثل ما هي فيه ؟ يرغبون ولا يستطيعون إشباع رغباتِهم ؛ كانتْ تعرفُ هذا الشعورَ معرفةً شخصيّةً ولا تتمنّاه لأعدى أعدائها …
ومن أعماقِ أعماقِها تمنّتْ ألّا يتعرّض أحدٌ من أبناء بنتِها إلى مثل ما تعرّضَتْ هي له ؛ أن يجدوا جميعاً مَنْ يهيلُ الصفعاتِ على أستاههم كلّما تمنّوا ذلك ؛ ألا يبيتَ أحدُهم بمؤخرةٍ معافاةٍ من الضربِ وقد اشتاق إلى أن تُضْرَبَ ؛ إذا كان أحفادُها يشعرون بنفس الرغبة التي تشعر هي بها فسيكون تحقّقُ هذه الأمنيّة من أكبر أسباب سعادتِهم فيما بعد … ومن أعماق أعماقها تمنّتْ مرةً أخرى أن تتحق تلك الأمنية … وأغمضَتْ عينيها .. وفي السماء الصافية _التي حجبَها عنْ عيني حميدة سقفُ المنزل_ مرَّ شهابٌ متّقدٌ لامعٌ كأنّه كان ينتظر انعقاد الأمنية ليخترق في تلك اللحظة غلافَ كوكبنا الجويّ !
وكُتِبَ في تلك الليلةِ لأمنيّة المرأة الأميّة البسيطة أن تتحقَّق !
وكُتِبَ لأجيالٍ من أحفادها أن ينعموا بما حُرِمَتْ هي منه !
________________

قصة : السَّتِهُ ! ( م / ف )


قصة : السَّتِهُ !  ( م / ف )
– بضعة تنويهات :
تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .
تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين رجال ونساء , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .
تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب من أن يكون ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ
فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 
تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .
فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
– اقتباسان :

الاقتباس الأول : مِنْ قاموس (لسان العرب) لابن منظور ( 1232 – 1311 م )  في مادّة (س ت ه) :

( …

 والسَّتَهُ: عِظَمُ الاسْتِ.

والسَّتَهُ: مصدر الأَسْتَهِ، وهوالضَّخْمُ الاسْتِ.

ورجل أَسْتَهُ: عظيم الاسْتِ

بَيِّنُ السَّتَهِ إذا كان كبير العَجُز، والسُّتاهِيُّ والسُّتْهُم مثله.

( وقال ) الجوهري: والمرأَة سَتْهاءُ وسُتْهُمٌ، والميم زائدة،

وإذا نسبْتَ إلى الاسْتِ قلْتَ : سَتَهِيٌّ، بالتحريك، وإن شئت اسْتِيٌّ ؛ ترَكْتَه على حاله ،

وسَتِهٌ أَيضاً_ بكسر التاء_ كما قالوا حَرِحٌ. قال ابن بري: رجل

حَرِحٌ أَي مُلازمٌ للأَحْراحِ ( جَمْعُ حِرٍ : فَرْجُ المرأة ) ، وسَتِهٌ : مُلازم للأَسْتاهِ.

قال ( الجوهريّ ) : والسَّيْتَهِيُّ الذي يتخلَّفُ خَلْفَ القومِ فينظرَ في أَسْتاهِهم؛ قالت العامرية:

لقد رأَيتُ رجلاً دُهْرِيًّا   ||      يَمْشِي وَراءَ القومِ سَيْتَهِيًّا

ودُهْرِيٌّ: منسوب إلى بني دَهْرٍ بَطْن من كلب.

والسَّتِهُ: الطالبُ للاسْتِ، وهو على النسب، كما يقال رجل حَرِحٌ. قال ابن سيده: التمثيل لسيبويه.

…..

وسَتَهْتُه أَسْتَهُه سَتْهاً: ضَرَبْتُ اسْتَه.

 …. )

 الاقتباس الثاني : من كتاب (الساق على الساق في ما هو الفارياق ) طبعة سنة 1855 ميلاديًا بباريس , لمؤلفه فارس يوسف الشدياق ( 1804 – 1887 م ) :

 ( …. فلمّا حانَ الرقادُ , اضطجَعَتْ في الفراش , وأدارَتْ وجْهَها إلى وجه الحائط ؛ وهذا هو المقصود من هذا الفصل ؛ تنبيهًا للناس على أن هذه العادة هي من جملة العادات التي أخطأوا استعمالَها ؛ إذ ليس في الإدبارِ شيءٌ يدُلّ على الغيظ , بل الإقبال هو المظنّة له ؛ فإنّ المرأة إذا واجهَتْ زوجَها عند الاضطجاع , وقطّبت وجهها في

وجهه وزوت ما بين حاجبيها، أو شمخت , أو سدّت منخريها أو غمضت عينيها كيلا تشمّ رائحتَه  وتبْصِرَ سحنتَه , أو غطّتهما بيدها أو بكمها أو منديل كان ذلك إشارةً إلى غيظٍ .

فأمّا في تولية الدبر فلا علامة تدل عليه . فإن قلْتَ : ( إنها إذا واجهَتْه ربما غثَتْ نفسُها من نَفَسِه ؛ إذ الرائحةُ الكريهة لا بدّ وأنْ تُفْعِمَ المناخِرَ _وإن سُدَّتْ_  فلا محيصَ عنه إلا بالإدبار) , قُلْتُ :

(الأولى أن تستلقي فيندفع المحذور ).

 وبعدُ , فإنّ الدُّبُرَ هي من الأشياء التي طالما عُنِيَ الناسُ بتفخيمها وتكبيرها وتعظيمها حسًّا ومعنى :

أمّا حسًّا فلأنهم اتخذوا لها الزناجب والمنافج والمرافد والرفائع والأعاجيز والغلائل والمرافق والعُظامات والحشايا والأضاخيم والمصادغ ؛ اجتذاباً لقلوب الناظرين وفتنة لعقول العاشقين. فكيف يكون شيء واحد مستعملاً وسيلة للرضا والغضب معاً ؟! فهو خُلْفٌ بيِّنٌ..

وأمّا معنى , فلأن العلماء والأدباء وسادتَنا الشعراء ما زالوا يتغزلون بها ويتنافسون في عَرْضِها وسِعَتِها، حتى إن بعضَهم قال :

من رأى مثل حِبّتي   ||      تُشْبِهُ البدْرَ إذ بدا

يدخلُ _اليومَ_ خِصْرُها     ||    ثمّ أردافُها غدًا

وقال عمر بن كلثوم :

ومأكمةً يَضِيقُ البابُ عنها    |||     وخِصْرًا قد جُننْتُ به جنونا

ولقائلٍ هنا أن يقول : إن الشاعرَ لم يصِفِ الخصْرَ إلا بكونه مُوجِباً لجنونه. وإن الإشارة إلى كونه نحيلاً _بناءً على جنون الناس به إذا كان كذلك _ غيرُ ناصّةٍ .وأحرى أن يكون هذا المفهوم الضمنيّ جاريًا على وصف كل عضو. إذ لو قال : “ومأكمةٍ جنِنْتُ بها جنونًا”  لعُلِمَ بالبديهة أنها تملأ الباب ويفضْلُ منها شيءٌ , ويا ليت شعري هل الألف واللام للعهد الجنسي أو الذهني؟ وهل الإمام الزوزنيّ تعرّض لشرح ذلك ؟

 ثم إنه من أهّم ما يشْغَلُ بالَ المرأة ويُسْهِرُهاالليالي هو أن تَفْتِنَ ناظِرَها ؛ بتفخيم ذلك الموضع الرفيع العالي.

وربّما لهِيَتْ عن وجهها وسائر جسدها وغادرَتْهُ بلا زينةٍ من فَرْطِ اشتغالِها به , ولو تضمّرَ وجهُهَا , وذَوَتْ غضاضةُ بدَنِها لِمَرَضٍ أو كَبَرٍ فقلّ اعتمادُها على محاسنِها لم تبرَحْ معتمدةً عليه ومتعهدةً له.

فهو رأسُ مال الخلْبِ والتشويقِ . وما من امرأة إلا وتتمنى أن يكون لها عينٌ في قفاها لتكونَ ناظرةً إليه ومتعهدةً له دائمًا.

ولقد يهونُ عليها أن تقف ساعة أو تمشي ساعتين أو ترقص ثلاثاً ولا أن تقعد هنيهةً خشيةً مِنْ أن يخْشَانَّ أو يضمر.

وإنها حين تنظر إلى عِطْفِها وهي ماشيةٌ أو راقصةٌ فما هو إلا رمْزٌ إلى ما ورائه.

وإنّ تَهَدْكُرَها وتَبَهْكُنَها هما أنشَبُ مصلاةٍ يعلَقُ بها قلبُ الرجل.

وذلك لأنها تعلم أن الحكمة الخالقية رسَمَتْ _من الأزل_ بأن تكون كثْرةُ اللحم والشحم في ذلك الموضع _ بالنسبة إلى سائر البدن لا بالنسبة إلى دكاكين اللحامين_ شائقةً للملوك والسلاطين والأمراء والقضاة والأئمة والقسيسين والأحبار والموابذة والهرابذة

والعلماء والبلغاء والخطباء والأدباء والشعراء والعطارين والصيادلة والعازفين بآلات الطرب ولسائر الناس , لا لأنهم يتخذون من لحمِه كبابًا أو من شحمه إِهالة, أو يستصبحون عليه,

أو يتخذون من جلده كُوْبة. ولكن ملْأً لعيونهم وشرحاً لصدورهم. فإن عين ابن آدم _ مع كونِها ضيّقةً_ لا يملؤها ما هو أوسع منها وأكبر بألف مرة. وإشعارا لهم بأن حكمتهم في هذه الدنيا وتنطّسَهم وعزهم ومجدهم _ وإن علَتْ على الأطواد الشامخة والجبال الشاهقة _ فما هي إلا سافلة عن حضيض هذا الموضع .

ألاَ وإنها تعلم إنك إذا أجْلَسْتَ _ مثلًا_ أحدَ هؤلاء الأعزة الكرام أمام بعض المناصع على سرير مذهب, وضرَبْتَ عليه قبّة ممّوهة

مزخرفة منمنمة منقشة مزوقة مكسوة بالحرير والديباج ومكللة بالزهور والرياحين , استنكف أن يقعد هناك نصْفَ ساعة , على أنه لا يستنكف أن يقعد عامّةَ نهارِه وليلِه لذلك المقام المنيف _ وهو حاسرُ الرأسِ، مشعث الشعر، حافي الرجل، فاغر الفم , مندلع

اللسان، سائل اللعاب, محملق العينين، مشمر الذيل، شابح الذراعين معوجّ العنق , مؤلّل الأذنين، في أقبح هيئة يمكن للإنسان أن يتصورها في حق ذي مقام_ , حتى لو سمع نأمة من هناك لظن أن السلطان قد بعث إليه بآلات الملاهي يهنئه على هذا الفوز العظيم، والمغنم العميم، وتصوّرَ في باله أن صوت العود لم يكن بأشجى من غيره إلا لكون هذه الآلة قد صنعت على مثال شطر ذلك الموضع ولو كان كالشطرين لسُمع له منطقٌ بإعراب. وأنَّ شكل القبة مأخوذ منه. ورائحة الندّ تروى عنه، وأنّ العرَبَ من زيادة شغفهم به ألحقوا

حروفه بالأفعال السداسية الدالّة على طلب الفعل أو التي يعتبر فيها الشيء كونه على حالٍ مَا من الأحوال. وأن فردسة صدور الرجال وعرض ظهورهم لا تجدي نفعاً مع عرضه. وأنّ المعالي في السَّراة متى تلُحْ لهم ذاتُ تأكيمٍ يَعُدْنَ مسافلًا، وأنّ هذه الحقيبة _مع ثقلها ,

سواءً كانتْ حاملةً كما ذهب إليه بعض الشعراء، أو كانت محمولة كما هو في الواقع _ فليس ثقْلُها إلا كثقل كيسِ ذهبٍ على حامله. وأنها أسخن الأعضاء جميعاً في الشتاء إذ لا تحتاج إلى تدفئة وأبردُها في الصيف. وأنّها _مع كونِها أوّلَ ماسٍّ للأرض عند القعود _ فلا تزالُ أنْعَمَ من الخدين , وأملس من اللديدين، فلهذا كانَتْ لذّةُ تقبيلِها للمقبّل العذريّ أعظمَ من لذّةِ تقبيل الذقن والأنف والعين والجبين. وأنّ الناس يبتذلون لها أسماءَ الملوك والسلاطين، وذوي السيادة والمعالي وأئمة الدين. وعند قومٍ _أقول وأستغفر الله_ تذالُ لها الأسماءُ الحسنى، على أنَّ تسبيحَهم كل يوم أن يقولوا ربنا تقدّس اسمك.

ألا وإنها تعلم أن كثيراً من البهائم أعقل من الناس أو أسعد حالاً من أصل الفطرة ؛ فإنّ الذَّكَرَ من الحيوان غير الناطق لا يهيج على

هبرتين من اللحم في أنثاه _ مع احتوائهما على القبل والدبر_ إلا في وقت معلوم, وهذا الذكر من الحيوان الناطق لا يزال هائجاً عليهما مزبداً لاغماً راغياً متزغّماً هادراً محمحماً مبقبقاً مقبقبًا زاغداً مُلْعباً جالباً لاجباً وربما جنّ أيضاً. وما ذلك إلا لمجرد وَهْمٍ ؛ أنهما

بأهدافهما تعينانه على خسق الهدف من قُبُلٍ . وإلا فما سبب هذا الجنون؟

 نعم , وتعلم أيضاً أن هذا الموضع _ مع كونه في حيّز الجسم الأسفل _ فهو موازٍ لخط الرأس ارتفاعاً ؛ إشارةً إلى أنّ تسَفُّلَه لا يحُطُّ من قدره ورفعته. حتى لو فُرِضَ أنه جُعِلَ عند الرِّجْلَينِ لبقيت له هذه المنزلةُ والاعتبارُ بعينه.

حتى إنّ بعض النساء يرين أن كشفه أوْلى من كشف الفم لأنه أقلُّ أذىً منه ؛ إذْ لم يُعْلَمْ _إلى الآن_ أنّ أحداً قُتل بفَلْتَةٍ منه , فأمّا فلتاتُ اللسان القتّالة فلا تعدُّ ولا تحصى.

وبُناءً على ذلك كنَّ يتعمّدن الخروج في اليوم الراحِ ( يومٌ راحٌ : شديد الريح )  , وهو عندهنَّ من الأعياد المباركة.

وبعضُهُنَّ يرَيْنَ أنه جديرٌ بالحلي والزينة والتنقيشِ _ سواءً كان ظاهرًا أو مستورًا_ .

قال بعض السّتاهيين :

يا سائلي عن أيِّ جزْ         ءٍ في المليحِ أجملُ

لقد روى أستاذُنا :        (نِصْفُ الجَمَال الكَفَلُ )

قال : وذلك لاشتماله على أشكال كثيرة، لأنك إذا اعتبرت ذروة الرانفة وَحْدَها ظَهَرَ لك الشكلُ المخروطُ ، وإذا اعتبرْتَها مزدوجة بالأخرى تبيَّنَ لك نصْفُ دائرة أو شكلٌ هلاليّ ، وإذا نظرْتَ مِن نقطة العيسب إلى غاية ما يوازيها من سطح الشق الواحد بدا لك المستوى أو المسَطَّحُ، أو منه إلى ما دون ذلك قابلك المقبّبُ والخطّ المنحني، وإذا اعتبرته مع الأكباب واجهَك المجوَّف وهلمّ جرًّا. وليس من سائر أعضاء البدن من الأشكال ما لهذا.

 قلْتُ :  ما أشْوقَ قولَ الشيخ ناصيف اليازجيّ الأديبَ المشهورَ :

وتموّجَتْ أردافُها فأخو الهوى   ||      بين اضطراب الموجتَينِ غريقُ

ثم إنّ الظاهِرَ مِنْ وجودِ اسْمِ المرفدِ في لغتنا هذه الجليلة ، ومِن قول صاحب القاموس : ( المخدّم : رباط السراويل عند أسفل رجل المرأة) أنَّ لباسَ نساء العرب قديماً كان كلباس نساء الشام الآن. أو لعلّه كان خاصّاً بالحواريات ، غير أن قول المتنبي : (وأعِفّ عمّا في

سراويلاتها) يفيدُ التعميم ، بناءً على تغزّلَه بالبادياتِ , كما أشار إليه بقوله : ( وفي البداوة حسْنٌ غيرُ مجلوبِ ) _ وقد تقدَّم _ .

 قال القاموس : ( الدُّبُرُ _بالضم وبضمتين_ : نقيض القُبُل , ومِن كلِّ شيءٍ عقبُه ومؤخِّرُه – والاست والظهر ) قلْتُ : أسماء حروف هذه اللفظة لها معانٍ . وهذه الحروف كيفما قلّبْتَهَا ظَهَرَ لك منها أيضاً معنى ، وكذا إذا جمعْتَ بين كل حرفين منها، وعدُدُها بحساب الجُمّلِ مزدوجٌ ؛ إشارةً إلى ازدواج الجهتين ، كما أن الضمتين إشارة إلى الثقل والرزانة. ومادتها من أغرز الموادّ، وهل وضْعُها مؤخّرٌ عن المؤخّر أو متقدمٌ عليه ؟ أو اشتقاقُها من قولهم جئتُك دُبُرَ الشهرِ أيْ آخرَه أو اشتقاق هذا منها ؟ خلافٌ . والظاهِرُ أنّ الأمور المعنوية الاعتبارية مشْتقةٌ من الحسِّية , وبَقِيَ الخلافُ في اشتقاقها من عَقِبِ الشيء، وقد ورد في القرآن  ولّوا الأدبار ، وأنْكَرَها المُطْرانُ أتاسيوس التوتنجي في كتاب الحكّاكّة في الركاكة .

واعلمْ أنّ العرب قد وضعت للدبر ما ينيف على تسعين لفظة ما بين اسم ولقب وكنية. فمن أسمائها ما تقدم في ( إثارة الرياح  ) ومن بعْضِ كُناها أمّ سُوَيد وأمّ العِزْم وأمّ خنَّوْر. فلولا أنهم أنزلوها منزل الأسد والسيف والخمر في البأس الفتك والإسكار لما خصّوها بذلك.

لا يَرِدُ هنا ما قاله ذلك الأعرابي في السنّور : ( لعنه الله ما أكثر أسماءه وأقّل ثمنه) ,  فإنّا نقول : إنّ قلة ثمن الحيوان لكثرة

وجوده لا يقدح في قيمته ومنافعه. وإن كثرة أسمائه هي مِنْ حَمْلِ النظيرِ على النظير لحصول المشابهة بينه وبين أمّ أمّ سويد ؛ من جهة أن السنّور هو من الحيوانات الكثيرة النتاج , ومِنْ

طبعِه اللعبُ والهِراش , وإن يكُنْ يعْقُبُه _غيرَ مرّةٍ_ خدْشٌ وإدماء ,  وخمش وإصماء , وحمش وإعماء. وله تحمّلٌ على المكاره والأذى حتى قيل إن له سبعة أرواح . ولا يعجزه صعود شرف ولا هبوط , هوة. وإنه إذا شمّ رائحة شيء أعجبه من الطعام تسلَّقَ على الجدار

ودَخَلَ أضْيَقَ مكانٍ حتى يظفر به. وأنه إذا مرَّتْ عليه يدٌ نفَّش ذنبه واخذ في خرخرة وهينمة تُفْصِحُ عن رضاه باللمس. ومن طبعه أيضاً النظافة والأكل خفوة ؛ حياءً أو خوفاً .

فإن أبَيْتَ إلّا المشاحّة _ كما هو دأبك من أول هذا الكتاب_ بأنْ قُلْتَ : ما بال أسماء الداهية والعجوز إذاً كثيرةً وأسماءِ الشمس والقمر قليلةً إذا كانت التسمية مبنيّة على جلالة المسمى أو نفعه ؟  قلْتُ : أما كثرة أسماء العجوز فباعتبار أنها كانت صبيّة أو أنها تكون

ذريعةً لها. وأما الداهية فباعتبار خشْيَتِها. والإجلال قد يكون عن خشية كما يكون عن مِقَةٍ. فأما الشمس والقمر فأسماؤها كثيرة جداً غير إنها لم تشتهر عندنا وليس ذلك بأوّل ظلم فعله الناس في حق اللغة _ كما بيَّنْتُه في كتاب آخر_ .

ثم هذه جملة الأسماء والصفات التي وُضِعَتْ لأمّ أمّ سويد . وقد بذلْتُ الجُهْدَ في استقرائها , وهي:

 الأثيثة الخبنْداة الراجح الرَّجاح الرَّداح الدُلَخة البهَيْر الشَوْترة العَجِزة العَجْزاء والمُعجَّزة الدَّهاس الدَهساء البَوْصاء اللفَّاء

الركراكة الزكزاكة الوكواكة الضِبرك الضنَّاك العَضنَّك الوَرْكاء الوَركانة الثَّقال الجزلة السجلاء المكفال الهركولة المؤكَّمة الألياء الأليانة .

ومن الغريب أن صاحب القاموس ذَكَرَ الأستهَ والسّتاهي ولم يتكرم علينا بمؤنثهما فأنا أثبَتُّهما هنا عن إذنه .

ومن ذلك : نفج الحقيبة , ذات الأهداف , ذات التأكيم , ذات الرضراض , مِنْ نِسْوَةٍ بلاخٍ , ولك أن تقول بَلخاء ؛ وإن لم يذكرْها

الفيروز أبادي إلا بمعنى الحمقاء.

هذا ما عدا ما يشير إلى هذه الغبطة والسعادة من الألفاظ إشارةً صريحةً نحو :

الجعباء : الضخمة الكبيرة.

الجَلَنْباء : السمينة وكذا الخُنضبة والخَضْعَبة والكبْكابة والحوثاء والوَعثة.

الخِدَبّة : الضخمة.

الدِخْدبة : المكتنزة.

السَرْهَبَة : الجسيمة.

الطُباخيَّة : الشابة المكتنزة.

اللبُاخيَّة : اللحمية وكذا الدعِكاية.

المُبرْندة : الكثيرة اللحم ومثلها الهُدكورة.

الثَأدة : المكتنزة الكثيرة اللحم.

الثَهْمَد : السمينة العظيمة.

الرَجْراجة : التي يترجرج عليها لحمها.

الضَّمْعَج : المرأة الضخمة التامة.

البَيْدَج : البادن وكذا البَلْدج.

الدَّحوح : العظيمة.

الدُمْلحة : الضخمة التارة.

الصَلدحة : العريضة.

البيدحة : التارّة.

المُرمورة : الناعمة الرجراجة.

الدخوص : الممتلئة شحما.

الرَّضراضة : الرجراجة.

البلِز : الضخمة.

الدَحملة : الضخمة التارة.

الدُمحلة : السمينة ومثلها الجَمُول.

الرَّبلة : العظيمة الرَبَلات.

القِصاف : العظيمة.

المُزنَّرة : الطويلة الجسيمة.

المُلعَّظة : السمينة الطويلة الجسيمة.

الهَيْكَلة : العظيمة.

الضُناكة : الصُلبة المغصوبة اللحم.

الكِناز : الكثيرة اللحم الصلبة.

المُنِزّزة : المتصلبة المتشددة.

المُلزّزة : المجتمعة الخلق الشديدة الأسر.

الخَنْضَرف : الضخمة اللحيمة الكبيرة الثديين.

القَهْبَلِس : المرأة الضخمة ومثلها المُثْخنة.

الشخيصة : الجسيمة.

الدَّيَّاصة : اللحيمة القصيرة.

العانك : السمينة.

العَبِيلة : الغليظة.

المألة : السمينة الضخمة.

الوَرِهة : وَرِهَتِ المرأةُ : كَثُرَ شحْمُها.

وخَظية بظية : سمينة مكتنزة.

وغيرُ ذلك مما لا يمكن استقصاؤه. فهل لِجنابِ مولانا القاضي المكرّم ولأميرنا المعظّم نِصْفُ هذه الأسماء والنعوت؟!

 انتهى البرهان على الخطأ في استعمال هذه العادة. )

*************
– القصة :
مقدمة
يقول السادةُ الأطباء إنّ كلَّ ما يشعر به الإنسان وما يفكّر فيه وما يعلمه عن نفسه وعما سواه يمكن ترجمتُه إلى تسلسل من النبضات العصبية ( الكهربائية ) وما ينتج عنها من أثرٍ في البروتينات التي تقع في خلايا المخ …
تخيّل عالَماً لا تحتاج فيه إلى قضاء آلاف الساعات في استظهار المعلومات التي تحتاجها لإتقان عملٍ ما أو لاستيعاب مجال علميّ ما … تخيَّلْ عالماً تكون فيه هذه المعلومات قابلة للنقل بكلّيّتِها في ثوانٍ معدودةٍ لتستقرّ في ذهنك كما لو كنْتَ قد قضيْتَ أعواماً في تحصيلِها …
تخيّل عالماً يمكن فيه أن تعيش تجربةً ما _ تستغرق عُمْراً أو أعماراً _ في أيام معدوداتٍ  ؛… بإمكانك أن تكون عالمَ ذرّة اليوم وذوّاقة في شركة نبيذٍ غداً , وجرّاح أعصابٍ في اليومِ الذي يليه , ومصمم برمجياتٍ بعد ذلك …
تخيّلْ أن هذه الخيارات المتاحة ليسَتْ سمة ” عالَمٍ ” بأكمله , وإنما هي خياراتٌ متاحةُ لقلة قليلة تعيش في عالمِك الذي لا تزال هذه الفكرةُ خيالاً علميًّا بالنسبة لأهله …
تخيَّل أن هذه القلة القليلة قد استأثرَتْ بتلك التكنولوجيا … قلةٌ من سكان هذا العالم بإمكانهم أن يعيشوا أي تجربة وأن يدركوا أي معرفة وأن يمحوا أي ذكرى سيئة وأن يحظَوا بأي ذكرى سعيدة ….
قلّةٌ قليلةٌ لديها كلُّ شيءٍ في عالمٍ لا تحظى فيه الأغلبية بأي شيءٍ ؛ بإمكانِك أن تتخيل نظرية المؤامرة التي سيغوص فيها الشخص العاديّ لو ألمّ بأطراف تلك القصة  !
*************
(1)
 أنت نجيبٌ , يا ( نجيب )
لمْ يَكُنْ قد نَطَقَ بالسؤال بعْدُ …
كان يعرض المعلومة , وبدأتْ ابتسامتُه في الظهورِ … فحزرْتُ في جزءٍ من الثانية أنه ينوي سؤالَنا في شيءٍ ما ويستبعد أن يجيب أحدُنا إجابةً صحيحة , ثم لم أكتفِ بذلك حتى حزرْتُ ماهية السؤال , ثم لم أكتفِ بذلك حتى أعددْتُ إجابةً وافية شافيةً في ذهني ؛ كل ذلك في أقلَّ من ثانية ..
وعندها بدا الغضبُ واضحاً على ملامحه ؛ لأنني رفعْتُ يدي وهو لا يزال يشرح , ولم يسأل عن شيءٍ ( بعدُ ) … فعلى الأغلب ما أريده هو مقاطعتُه أو أنني أطلب الذهابَ لدورة المياه أو شيئاً من هذا القبيل ….
ثم رأى أن يشير إليّ بالحديثِ , فقمْتُ من مكاني كأني كنْتُ على زنبركٍ منضغطٍ .. فما إن أشار إليّ حتى قمْتُ وتحدثْتُ وأجبْتُ على السؤال الذي لمّا يطرحْ بعدُ ..
وحلَّتْ ملامحُ الرضا والإعجاب محلّ ملامح الغضب على وجهه ؛ وكأنه لا يصدِّق أن يكون أحد طلّابه بهذا الذكاء ؛ أن يكون مستعداً لحمل الشعلة في هذا السن المبكِّر ؛ هكذا هم أساتذة الجامعات ؛ إن أخطأتَ فلجهلك وغبائك , وإن أحسنْتَ فلعبقريّته وذكائه …أما ( زملاء الفرقة ) فقد بدا الحسدُ والحقدُ جليًّا عليهم ؛ هذا بالضبط هو ما أرغب فيه أكثر من أيّ شيءٍ آخر ؛ إعجاب الرئيسِ وحقدُ المرءوسِ : هذه هي خلطة السعادة !
أشار إليّ لأجلسَ ثم تذكَّر شيئاً :
– “ما هو اسمك ؟”
أجبْتُ والسرور بادٍ على محيّاي _ هذا ليس من نوعية الدكاترة التي تسأل عن اسم زملائها , بله طلابها _ :
– “( نجيب ) يا دكتور ! “
– “صفّقوا لزميلكم ( نجيب ) , يا أولاد ! “
هذا كثيرٌ , هذا كثيرٌ جداً ؛ هذه ليسَتْ مدرسة ابتدائية … ثمّ إن هذا شخصٌ لن أستغرب إن لم يكنْ يعلم أسماء أحفاده , بل ربما لا يعلم أسماء أبنائه أيضاً … أن يسألني عن اسمي ثم يطلب أن يصَفَّق لي !!
ثمّ … هل سمعْتَ تصفيقاً حاقداً من قبل , كُلُّ ارتطامِ كفٍّ بكفٍّ يحكي صوتَ شخصٍ يفرغ شحنة غضبه وحِقْدِه في يديه ؛ هؤلاء الأوغاد يوشك أن يخضرّ لونهم حسداً ؛ إنني في الجنة !
وكأنّ هذا لا يكفي فقد طلبَ مني أن ألقاه بعد المحاضرة في مكتبِه ؛ لماذا ؟
وعندما انتهَتِ المحاضرةُ وسار دكتور ( سلمان ) خارجاً من القاعة _ دون أن يلتفتَ إليّ_ بدأتْ أقلق ؛ هل كان يهزأ بي عندما طلب التصفيق لي وواعدني أن ألقاه في مكتبِه ؛ في النهاية لقد قاطعْتُه _ تقريبًا _ حتى أجيب على سؤالٍ لم يسألْه بعدُ , أو لعلّه لم يكنْ ينوي أن يسألَه أصلاً  وصوّرَتْ لي نفسي أنه يريد سؤالَه وأنه معجبٌ بي لإجابتي على السؤال قبل أن يُسْأل … غزاني الرعْبُ عندما طرأتْ لي تلك الفكرة ؛ أن يكون _ هو والطلابُ _ قد هزأوا بي وأنا _ من فرط كبريائي _ لم أفطنْ لذلك !
ثمّ حاولْتُ أن أكون عقلانيًّا , وأن أفسّر الأمر منطقيًّا : إنني أرغبُ في أن يعرفَ الناسُ لي عبقريّتي واجتهادي , هذه حقيقة . ولكني في المعتاد أطلب هذا الاعتراف فلا أناله , لذا فقد اعتدْتُ أن أطلبَ أكثر مما يمنح لي .. والآن لمّا بدا أن الأمر انعكس , وأن هذا الرجل _ هذا العبقريّ _ يريد أن يمنحني أكثر مما طلبْتُ … تصوَّرْتُ أن هناك شيئاً ليس في مكانِه , وأن هذه لا بدّ أن تكون مزحة , وأنه يهزأ بي ؛ ولكن لنكنْ واقعيِّين : لو كانتْ هناك شبهةٌ … مجرّد شبهة .. في أنني أسأْتُ إلى ذلك الدكتور لعلمْتُ ذلك في التوّ واللحظة , لقد سبّ ابنة أحد الدكاترة سباباً سوقيًّا في يومٍ ما لأنها جرؤتْ وقالتْ له أنها لم تفهم شرْحَه , هذا ليس من نوعيّة الأشخاص الذين (يعرّضون) باستيائهم …
رجعَتْ إليّ ثقتي في نفسي , وقلْت : أنت نجيب , يا ( نجيب ) … إذا اعتاد الناسُ تجاهلَ ذكائك بسبب سنِّك أو بسبب (اسمِك) فإن هذا خطأ _حتى لو كان شائعاً _, فإذا فطن أحدُهم _ متأخرًا _ إلى ذكائك , فهذا هو الصوابُ ؛ إن إدمان الخطأ لا يجعله صواباً , فكفَّ عن الوسوسة  
عادَتْ إليّ بعضُ الثقة في نفسي وانطلقْتُ لأقابلَه في مكتبِه , فوجدْتُه في انتظاري … أشار إليّ لأجلسَ ثم فطنَ إلى أن الباب مفتوحٌ فطلبَ مني إغلاقَه أولاً ثم أن أجلسَ فيما بعد …
داخلني شيءٌ من الخوفِ ؛ إن هذه الأبوابَ نادراً ما تغلقُ … على أيّة حالٍ أغلقْتُ البابَ وجلسْتُ على الكرسيّ المقابل له , فقال :
– ” أنت شخص ذكيّ , بعيداً عن كونِك طالباً مجتهداً أم لا …”
قاطعْتُه :
– ” إنني أولُ الدفعة ! ”
قال _ وهو لا يخفي تململه _ :
– ” أنا لم أقابلْ أوّل دفعةٍ ليس حماراً من قبل , وأنت استثناءٌ يثبتُ القاعدة , ما أردْتُ قولَه أنني مهتمّ بذكائك وليس بـ” تحصيلِك العلميّ ” , على أيّة حالٍ , حتى لا أطيل : هل تؤمن بنظرية المؤامرة ؟ ”
نظرْتُ إليه في استغرابٍ ؛ إنه يبدو أكثر ذكاءً من أن يؤمن بنظريات المؤامرة , وحاولْتُ أن أكون دبلوماسيًّا فقلْتُ :
– ” إن وجود مصالح متعارضة لأشخاص ذوي أموال طائلة ومنظمات ذات إمكانات ضخمة قد ينتج عنه إلى حدٍّ ما … ”
قاطعَني ,وهو يحاول جاهداً _على ما يظهر_ ألّا يسبّني :
– ” لو كان المطلوبُ أن تستحمق لطلبْتُ منك أن تستحمق ؛ إنما كان سؤالي تمهيدٌ لما بعده عندما تجيب عليه بـ ( لا ) ”
ابتسَمْتُ رغماً عني , وقلْتُ :
– ” فالجوابُ هو (لا) إذن ؛ أنا لا أؤمن بنظريات المؤامرة ! ”
– ” بالطبع إنك لا تفعل , وكذلك أنا لا أفعل , ولكنّ بعض الأغنياء الحمقى الذين يؤمنون بها , يرغبون في ” تجنيد ” من هم أمثالُنا من الأذكياء ؛ أنا لسْتُ بحاجة إلى مالِهم كما أنني لا أحتمل أن أخضع لاختباراتٍ لـ (قياس ذكائي ) ؛ إن مَنْ هو مثلي لا يُخْتَبَرُ . على أيّة حالٍ عندما رأوا رفضي للتعاون معهم طلبوا منّي بدلاً من ذلك أن أوصي طلابي فائقي الذكاء بالذهاب إليهم , وهو ما هزأْتُ به ؛ لأن طلابي فائقو الغباء أولاً … ثمّ حتى لو كانوا أذكياءَ , فلماذا أتعاون معهم … كان هذا قبْلَ أن أكتشف أن بإمكانِهم التدخّل في أشياء كثيرة مهمة بالنسبة لي ؛ على سبيل المثال : رئاسة القسم التي حصلْتُ عليها هذا العامَ … هذا ليس موضوعَنا : المهمّ أنني ” وافقْتُ ” على أن أدلّ مَن ألتمس فيه مخايلَ العبقرية من طلابي عليهم ؛ وأنت مِنْ هؤلاء .. في الواقع : أنت هؤلاء ؛ إن البقيّة حمير … هذه هي بطاقتُهم .. ”
– ” ولكنْ أليسَ في هذا تسليمٌ بنظرية المؤامرة إلى حدٍّ ما ؛ تدخّلهم في اختيار رئيس قسم ؟ ”
نظر إليّ , وكأنه ندم على أن منحني وقتَه , ثمّ قال :
– ” إن فرّاشَ الكلية يساهم في اختيار رؤساء الأقسام , لو كانتْ هذه هي نظريّات المؤامرة لكان أيّ موظف مصري في أي مصلحة حكومية هو ضابطَ مخابراتٍ   … على أية حالٍ ما أريد قوله هو أن تذهب إليهم 
كان هذا طردًا صريحًا , ولكنّي كنْتُ لا أزال مبتسمًا من كلامِه … عميقاً _ في حيث لا يطّلع على سرّي أحدٌ _ أنا معجبٌ بهذا الرجل … شكرْتُه فتمتم بشيءٍ ما في مللٍ , فازدادَتْ ابتسامتي اتساعاً وغادرْتُ مكتبَه …
ثمّ بدأْتُ أفكِّرُ في كلامِه …. “لا أحتمل أن أخضع لاختباراتٍ لقياس ذكائي “… لم أكنْ قد خضعْتُ لاختبار قياس ذكاءٍ من قبل , على الأقل لا شيءَ رسميًا … ثم نظرْتُ في البطاقة فوجدْتُ العنوانَ غريباً أيضاً … هذا حيٌّ شعبيٌّ .. هل بلغ ولَعُ هؤلاء الحمقى بنظريّات المؤامرة إلى درجة وضعِ مقرِّهم في حيٍّ شعبيٍّ من أجل التمويه ؟
ولا أدري لماذا , ولكني عزمْتُ على التوجّه لـ ( مقرّهم ) بمجرد انتهاء المحاضرات , لماذا أؤخّر الأمر إلى الغد , وهم لم يحدّدوا موعداً ؟ فلنفرغْ من هذا بأسرع ما يمكن…
***********
(2)
هذا غريب !
وصلْتُ إلى العنوان ؛ هذا ليس مقرًّا لمنظمة مؤامراتيّة تجنّد العباقرة وتغيّر تاريخ العالم ؛ هذا بيتٌ من لبِنٍ وقش !
أكاد أقسم أنني سمعْتُ صوتَ داجنٍ من داخل تلك العشة … ولم يكن ذلك وهماً , فسرعان ما خرجَ ديكٌ تتبعه دجاجاتٌ من الباب المفتوح لتركض حول قدميّ … ثم تبِعها رجلٌ أربعينيّ يظهر من ملابسِه أنه من سكّان العشّة …
نظر تجاهي مستغرباً من منظري .. ثم قال في هدوءٍ _ كأنه فطِن إلى أمري _  :
– ” إنهم بانتظارِك ! “
ثم سار في طريقِه , وكأنّ الأمر لا يعنيه …
ظللْتُ متسمِّرًا في مكاني لثوانٍ أفكّر فيما قاله , ثمّ عزمْتُ على الدخولِ … فوجدْتُ الداخل كما تصوَّرْتُه من الخارج ؛ مجموعة من الحجرات الطينية وأرضية غير مستوية ودجاجات تتناثر هنا وهناك ؛ عشّة… واسعة بشكلٍ مريبٍ … ولكنّها عشّة …
لذلك فقد جفلْتُ عندما جاء الصوتُ من لا مكانٍ يقول :
– ” الحجرة المقابلة لك , افتح بابَها ! “
حاولْتُ أن أخمّن مصدر الصوتِ , ولكني لم أجد مكاناً مناسبًا لزرع مايكرفون … ثم إن الصوتَ كان عديمَ المصدرِ , وكأنه صادر عن سماعة أذنٍ …
توجَّهْتُ إلى الحجرة , وحرَّكْتُ بابَها الخشبيّ , فانفتح …
كانَتِ الحجرةُ خاليةً من أي شيءٍ سوى مقبضٍ مثبّتٍ في الأرض .. كأنه مُعَدٌّ ليُرْبَطَ به حبلٌ أو ما يشبه … أو أنه _ كما خمَّنْتُ _ يفتح طاقةً إلى ممرّ سريّ تحت الأرض … هذا يبدو تفسيرًا عقلانيًّا للأمر كلِّه …
كان الصوتُ على وشْكِ إعطاء الأمر التالي , ولكنّه انقطع بعد بدئه بثانية :
– ” هناك مقبـ … حسناً ! ”
كنْتُ قد رفعْتُ المقبض فارتفع … وبدَتْ لي درجاتُ سلّمٍ شبه بلّوريّ .. لا تتناسبُ فخامتُه مع صوتُ الدجاجاتِ الذي لا يزال يصلني من خارج الحجرة … إن كان هؤلاء يريدون إبهاري فقد نجحوا !
نزلْتُ السلّم , وبدأتْ معالم الطابق الأرضيّ تتضح لي … ممرّاتٍ شديدة الفخامة … شديدة الضيق … تتقاطع كأنها متاهة …
سرْتُ على غير هدى متوقعًا أن أصل إلى شيءٍ , ولكن بعد لحظاتٍ فطنْتُ إلى أنني قد تهْتُ , فتوقفْتُ مكاني , ثم ارتفع صوتُ قَرْعِ حذاءٍ في أحد الممرات خلفي .. فيمَّمْتُ وجهي شطر الصوتِ لأجد صاحبتَه مقبلةً عليّ ..حسناء في مقتبل الشباب ترتدي بزة كاملةً , وقد أسبلَتْ شعرَها وراءها , فبدَتْ كأنها خارجة من إعلان تلفازيّ لشركة توظيف … إلا أنها _ خلافاً لفتيات الإعلانات _ لم تكن تبتسم .. بل كانتْ أقرب إلى العبوس , أو الجدّيّة ….
مدَّتْ يدَها إليّ , فصافحْتُها , ثم قالتْ :
– ” لقد كنّا بانتظارِك ! “
– ” إنّ الدكتور لم يسمِّ موعداً , لقد كان من الممكن أن أرجئ المجيء للغد .. فلماذا كنتم بانتظاري ؟ ”
ابتسمَتْ ابتسامةً خفيفةً , ثم أشارَتْ بيدِها لأتبعها , فسرْتُ إلى جوارِها بدلاً من أن أمشي خلفَها , ولكنّ ضيق الممرّ قد جعل ذلك مستحيلاً تقريباً , فقالتْ في ضيق :
– ” إن كنْتَ تعرف إلى أين نتّجه , فتقدَّمْني ! ”
– ” أنا لا أسير خلفَ نساءٍ ! ”
– ” عداءً للمرأة ؟ “
– ” بل على النقيض من ذلك ! ”
كانتْ إجابتُها مخيفةً :
– ” نحن نعلم ذلك , على أيّة حالٍ إن كنْتَ لن تزيد على النظر , فأنا لا أبالي .. ”
ثم سارَتْ أمامي …
وكأنني كنْتُ مخدَّراً وأعادتْني جملتُها تلك إلى الواقع , فبدأتُ أفكّر : كيف استطاع هؤلاء بناءَ كلِّ هذا في هذا الحيّ الشعبي , كيف علموا بمجيئي وانتظروني , كيف علموا بـ” ذلك ” … لوهلةٍ بدا لي أن الأمر لا يزيد على محاولة إبهارٍ منهم ؛ تتطلّبُ أموالاً طائلةً , ولكن ليس وراءَها شيءٌ أعمقُ من ذلك … أمّا الآن فيبدو أنهم _ بالفعل _ يملكون شيئاً يجعل منهم جماعةً مختارةً متمايزةً عن بقية الناس ؛ كان هذا مخيفاً …
ألهاني استغراقي في تلك الأفكار عن اتّباعها ؛ بل حتى عن ” النظر ” , وانتبهْتُ إلى فرقعة أصابعِها _ وقد التفتَتْ نحوي _ , ثم قالتْ :
– ” سنجيب على أسئلتِكَ هذه كلّها فيما بعد , ولكن عليكَ أن تتبعني أوّلاً ”
خطرَتْ لي خاطرةٌ كنتُ لأعدّها سخيفةً في غير هذا الموطن , ولكن بعد ما رأيْتُه وما سمعْتُه للتوّ بدَتْ واقعيّةً للغاية , فسألْتُها :
– ” هل تعلمون فيم أفكر ؟ ”
هذه المرّة ابتسَمَتْ ابتسامةً عريضةً , ثم قالتْ :
– ” هل تعتقد أنني من الذكاء بحيث أتوقع بنسبة مئة في المئة ما تفكر فيه ؟  
– ” ليس هذا ما قصدْتُه ! ”
– ” فالجواب إذن هو : لا ! أنا لا أعرف ما تفكّر فيه … ولكنّنا نأملُ أن تساعدَنا في ذلك ”
– ” بأن أخبرَكم بما أفكّر فيه ؟ ”
– ” حسناً , دعْنا لا نستبقْ الأحداثَ .. هلّا سرْتَ معي رجاءً ”
هذه المرّة تبعْتُها … وبذلْتُ جهداً خرافيًّا _ كنْتُ معتاداً على بذلِه _ حتى أبقي نظري معلّقاً بالسقفِ …
كانتْ كل الممراتِ متشابهةً , ولكنّها وقفَتْ أمام إحدى اللوحاتِ المتماثلة التي تزدان بها جنباتُ الممرّات , ووضعَتْ كفَّها عليها … فتحرّك ضوءٌ تحت يدها وكأنه جهازٌ لمسح البصماتِ … ثم رفعَتْ يدَها عن اللوحة … فبدأَ الجدار المقابلُ للوحة في الانزياح إلى الداخل قليلاً ثم الانسياب جانبيًّا , كاشفاً عن حجرةٍ واسعةٍ خلفَه …
كان المشهد في تلك الحجرة أقربَ إلى ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن جماعة سريّة نخبويّة تستحوذْ على تكنولوجيا متقدمة ؛ عشرة أفراد بينهم امرأتان … جميعُهم طاعنٌ في السنّ … يرتدون ثياباً ناصعة البياض , مطرزة بنقوش ذهبيّة , أشْبَهَ شيءٍ بما كان يرتديه أثرياءُ الفراعنة في إحدى الأسر ..وهم جالسون إلى طاولة يبدو أنها تحتوي شاشاتٍ تحت زجاج سطحها , أو أنها كلّها جهاز حاسبٍ ضخم فهي تحلّل المعلومات وتعرضها على الجالسين …
رفع أحدُهم عينَه إلى الفتاة التي قادتني إلى الحجرة , وأشارَ إليها فانصرفَتْ , وانغلق البابُ وراءها .. 
عادَ الصمْتُ ليخيّم على الجلوس .. ولم يبدُ أن أحدَهم يستشعر الحاجةَ لأن يقول شيئاً , وكأنهم اعتادوا أن يجلسوا ساكتين في حضرةِ بعضهم البعض … ولكني لم أعتَدْ ذلك , فبادرْتُ بالقول :
– ” لقد كنْتُ أتوقّع أن تكون هناك اختبارات ما … لِيُبْنَى عليها ما إذا كنْتُم ستضمونني إليكم “
ظلوا صامتين لثوانٍ قبل أن تجيبَ إحدى المرأتين, ويبدو أنها كبيرتُهم ( لأنها بمجرّد أن بدأتْ في الكلام توجَّهَتْ أبصارُهم إليها في مهابة , وكأنها كاهنة في معبد وثني )  :
– ” لا حاجةَ للاختبارات “
حسناً ؛ إذا لم تكنْ هناك حاجة لاختباراتٍ فإما  أنني قد قُبِلْتُ بالفعل , أو أنني قد رُفِضْتُ بالفعل , فليخبروني بقرارِهم إذاً … ظلَلْتُ أنتظر أن يضيف أحدُهم شيئاً , ولكن الصمتَ كان سيّد الموقف , فاضطررْتُ مرةً أخرى للكلام :
– ” هل يعني هذا أنني أصبَحْتُ عضواً ؟ ”
ظلّوا على صمْتِهم , فبدأتُ أضيق ذرعاً , وقلْتُ :
– ” حسناً , أعتذر على إضاعة وقتِكم , هلّا سمحتم لي بالمغادرة , رجاءً ! “
هنا جاءَتْ الإجابة مباشرةً من الكبيرة, قالَتْ :
– ” لا يُسْمَحُ لأحدٍ بالمغادرة وهو يعلم مَنْ نحن ”
آه .. هكذا إذاً , هذا الأمر سينتهي بقتلي حفاظاً على سريّة هويّتِهم أو أيًّا يكن , ولكني لا أعلم عنهم شيئاً سوى ملامحِهم , ولكن منْ يهتمّ ؟  …. كان أولُ ما تبادر إلى ذهني أن أركض هارباً , ولكن إلى أين ؟ لقد اختفى الباب , وأنا لا أعرف كيف فتحَتْه تلك الفتاة عندما غادرَتْ , بدا لي حينَها أنه فُتِحَ من تلقاء نفسه , أو لعلّ هذه الطاولة/ الحاسوب فيها خيارٌ يسمح بفتح الباب …
عادَتْ زعيمتُهم للكلام :
– ” لا داعي للخوف , ما عنيْتُه هو أنّ مَن يرانا إما أن يكون عضواً , وفي تلك الحالة فهو يعيش هنا . وإما ألا يكون  عضواً , وفي تلك الحالة فإننا نضمن قبل مغادرتِه أن ينسى كلَّ ما رآه ! ”
– ” كيف تضمنون أنه سينسى كلّ ما رآه ؟ ”
تجاهلَتْ سؤالي , وقالتْ :
– ” عندما قلْتُ أنه لا حاجة للاختباراتِ فإنني كنْتُ أشيرُ إلى أن كل ما نحتاجه هو أن تضع تلك الخوذة على رأسِك لبضعة ثوانٍ , ثم سنخبرُك بعدها إن كنْتَ ستقبلُ أم لا ”
خوذة ؟ … نظرْتُ إلى اتجاه يدِها فلمْ أرَ خوذة .. بل وجدْتُ غطاء رأسٍ جلديّ موضوع على طاولة صغيرة في زاوية الحجرة , وليس موصولاً به أي أسلاكٍ … نظرْتُ إليها في عدم تصديقٍ , ولكنّ ملامحَها لم تشِ بأي رغبةٍ في الهزل , فقررْتُ أن أجرّبَ حظي ..
سرْتُ إلى الطاولةِ الصغيرة ووضعْتُ غطاء الرأس على رأسي , فأحاط برأسي وغطى عيني حتى أرنبة أنفي , وأذني حتى جانب عنقي ؛ أنا لا أعتقد أن رأسي بهذا الصغر , بل على النقيض من ذلك ؛ لقد كان حجم جمجتي ضخماً للغاية , حتى إن أحد الأطباء أراد التأكد من أنها ليسَتْ حالة مرضية… فهذه ” الخوذة ” صمّمَتْ لتغطي العينين والأذنين إذاً …
قبل أن يحدث أي شيءٍ جاءني صوتُ المرأة مرةً أخرى :
– ” هذا كافٍ ؛ انزع الخوذة ! ”
لو كان هذا أحد برامج الكاميرا الخفيّة , فسأنفجر غيظاً … ولكنّي لم أتصوّرْ أن برنامجاً ما يدفع كلّ هذه الأموال ويمتلك كل هذه التكنولوجيا من أجل خداع الناس … ولذلك فقد أطعْتُها , ونزعْتُ ” الخوذة ” …. ابتسمتْ لي ( كان هذا حدثًا على الذي يظهر , فقد نظر إليها أحد زملائها/ أتباعِها في دهشة ) , ثم قالَتْ :
– ” مسرورون بانضمامك إلينا , ستعود ( نور ) لتريَك غرفتَك , وستفسّر لك ما حدث وماهيّة ما أنت فيه ”
كنْتُ بحاجة إلى تفسير ما حدث , ولكني لم أكنْ أرغبُ في أن تفعلَ ( نور ) ذلك , إن لديّ مشكلة قديمة في التعامل مع الفتيات الحسناوات ؛ نقطة ضعف إن صحَّتِ العبارة …
لم تمهلْني ( نور ) كثيراً حتى فتحَتِ البابَ _ أو الجدار , أو أيًّا يكن _ , وانحنَتْ للجالسين على الطاولة , وأشارَتْ إليّ لأتبعهَا , وما إن خرجْنا من الحجرة حتى بادرْتُها بالسؤال :
– ” لقد ذكرَتْ تلك السيدة التي يبدو أنها الكبيرة ….”
– ” ( واحد ) ”
– ” واحد ماذا ؟ ”
– ” اسم تلك السيدة ( واحد ) , إن الجميع يسمّى حسبَ مكانتِه في الترتيب الهرمي هنا , بما أنك قد صرْتَ منّا الآن , فعليكَ أن تعرفَ ذلك .. “
– ” ولماذا اسمُكِ ( نور) إذًا ؟ ”
– ” من حق ( واحد ) أن تسمينا بأسماء ميلادِنا إن شاءَتْ , ولكننا لا نسمي أنفسَنا بها ؛ إن اسمي _ بالنسبة لك _ هو ( اثنان وتسعون ) ”
– ” هذا يبدو سخيفاً , على أية حال … ( واحد ) قالَتْ إن مَنْ يُقْبَل كعضوٍ لا يخرج للخارج , ما الذي عنَتْه بذلك ؟ هل يُطْلبُ مني التخلي عن دراستي وأسرتي من أجل الانضمام إلى هذا الشيء ؟! “ 
– ” يبدو أنك لم تستوعبْ بعدُ حجم هذه المنظمة التي صرْتَ جزءاً منها .. ”
كنّا قد وصلْنا إلى إحدى اللوحاتِ المتماثلة في أحد الممرّات المتماثلة , ولكن ( نور) قد وقفَتْ أمامَها , فتوقَّعْتُ أن تكون غرفتي خلف هذا الجدار أو ذاك , وبالفعل فقد وضعَتْ يدها على اللوحة فمر المستشعر الضوئي تحت أصابِعها , ولكن الجدار لم يتحرك , فأشارَتْ إليّ أن أضع يدي على اللوحة كذلك , ففعلْتُ , وهنا بدأ الجدار في الانزياح والانسياب ليكشف لي عما يبدو أنه غرفتي …
دخلَتْ ( نور) أولاً , وجلسَتْ على حافّة السرير الوثير الذي يتوسّط الحجرة , وأشارَتْ إليّ لأجلس على الأريكة المقابلة لها , ففعلْتُ , ثم التقطَتْ نفسًا عميقاً , وكأنها تهيّئ نفسَها لما توشك أن تقوله :
– ” حسناً , فلنبدأ من البداية : قبل سنين طويلة , حدث أنْ أسِّسَتْ جمعيةٌ غير ربحية تهدف إلى توفير التمويل اللازم للأبحاث غير التقليدية في الذكاء الاصطناعي … كانَتْ الأبحاث التقليدية في ذلك المجال نادرة وعسيرة في تلك الفترة, فكانتْ مقصورةً على كبريات المراكز البحثية في العالم , كما أنها تتطلب تمويلاً ضخماً , لذا فقد رأى القائمون على هذه المنظمة _ مراعاةً للإمكانيات المحدودة , وطلباً للتميز عن تلك المراكز الكبرى _ أن يموّلوا الأبحاث غير التقليدية ….
وبالطبع فقد كانَتْ هذه فكرة فاشلة إلى حدٍّ بعيدٍ , وفقدَتْ المنظمة مصداقيّتَها لدى المتبرّعين والمساهمين , وكانتْ على وشك إيقافِ نشاطِها …ثم تغيّر كل شيءٍ عندما دخلَتْ ( واحد ) في الصورة , كخريجة علوم شابة.. “
– ” شابّة ؟ لا بد أن هذا كان قبل الحرب العالمية الثانية ! ”
ابتسمَتْ ( نور) , وقالَتْ :
– ” على أية حالٍ … استطاعَتْ ( واحد ) الوصول إلى نتائج مبهرة , ولكنّ المتخصصين في مجال الحاسب ( وكان مجالاً وليدًا آنذاك ) لم يقتنعوا بأهميّة ما وصلَتْ إليه , وفي النهاية فقد أعلَنَتْ المنظمة وقف نشاطِها … واضطرَتْ ( واحد ) إلى البحث عن مموّلين جدد … ولكنّها لم تنتهِ إلى شيءٍ … كانَتْ هذه هي السبعينات , ومن المستحيل أن تحصل شابّة في منتصف العشرينات على تمويل أو اعتراف من أي جهة , في الواقع لقد كانتْ الضغوطُ عليها لتتزوج وتتفرغ إلى أسرتِها أكبرَ من قدرتِها على التحمّل , لذا فقد قرَّرَتْ أن تهاجر إلى الولايات المتحدة… وكان ذلك من حسن حظ الجميع , فسرعان ما استطاعَتْ الحصول على وظيفة جيدة في شركة مرموقة , ثم عرضَتْ نتائج أبحاثِها على بعض زملائها فقرروا أن يشاركوها بحثَها , وأن يكون تمويلهم ذاتيًّا ؛ عشرة أفراد ؛ ثمانية شباب وشابّتان … لقد رأيْتَهم قبل قليل في تلك الحجرة “
هذا يفسّر لماذا ظل البقيّة صامتين كأنهم لا يفهمون ما أقوله …
عادَتْ ( نور ) للسرد :
– ” وحتى لا نخوض في التفاصيل … فبعد عقودٍ من العمل المضني وصلوا إلى ما يمكن أن نقول إنه نقطة فاصلة في تاريخ الحضارة البشريّة , ولكن خوفهم من أن يُسَاءَ استغلالُ اختراعَهم حملَهم على الحفاظ على سرّيّتِه , هذا صعبٌ في الولايات المتحدة . ولكن في مصر , من السهل _ عندما ترشو الأشخاص المناسبين _ أن تُبْقي أيَّ شيءٍ بعيداً عن الأوراق الرسمية , ولذلك فقد عادَتْ ( واحد ) قبل بضعة سنين إلى بلدها الأم , وبدأتْ في تحويل هذه الجماعة البحثية إلى منظمة سرّية ذات مصالح متشعبة , ونظام سرّي يذكّر بصورة الجماعات الماسونيّة في فكر أصحاب نظرية المؤامرة ”
– ” ما هو هذا الاختراع الذي سيغير تاريخ البشرية , والتي تخشى ( واحد ) من استغلاله ؟ ”
– ” لقد سألْتني : إذا كنْتُ أعرف ما تفّكر فيه . أنا لا أفعل , ولكنّ هذا الاختراع يفعل … لقد كان الهدف النهائيّ لأبحاث ( واحد ) هو الوصول إلى ذكاء اصطناعي يفوق قدرةَ البشر الذهنية … ولكن ما وصلَتْ إليه كان استغلال الذكاء البشريّ بدلاً من محاكاته أو التفوق عليه .. “
– ” استغلال ؟ ”
– ” تماماً كما يحدثُ في الغش في الامتحانات , بدلاً من إجهاد نفسك في المذاكرة , تستغل مذاكرة شخص آخر … أو أشخاص آخرين للدقة ”
– ” ما الذي يفعله هذا الاختراع بالضبط ؟ ”
– ” إنه يعرف ما تختزنه ذاكرتُك _ حتى لو كنْتَ على مستوى وعيِكَ قد نسيتَه _ , ثم إنه يعرف كيف ينقل هذه الأفكار المختزنة بنفس هيئتِها إلى عقل شخصٍ آخر … وكيف يمحو فكرة ما أو يثبتها بنفس الكيفية التي تحدث بها في العالم الواقعي ؛ لنفرضْ أنّك تريد نقلَ الخبرةِ اللغويّة لمتحدّثٍ بالفرنسية كلغةٍ أمٍّ إليك , وأنت لا تفقه حرفاً من الفرنسية , فإن هذا الجهاز _ في لحظة واحدة _ سيجعلك تفهم كلَّ شيءٍ يُقَال بتلك اللغة , بنفس قدرة الشخص الأول , بل بنفس أخطائه كذلك ”
بدأتْ معالمُ الفكرة بالاتضاح في ذهني :
– ” بدلاً من بذل سنين في إدراك معارفَ ما ثم استغلالها في الوصول إلى حلول علمية للمشاكل المطروحة , فإن هذه المعارفَ ستنتقل في زمن ضئيلٍ للغاية , ولا يبقى إلا التفكير في الحل ؟ “ 
– ” بالضبط , ولكنّ الأمر أكبر من ذلك : الشخص العادي يبذل جهداً فائقاً لإدراك المعارف المختلفة , ولكنّ أحدَ الأسباب التي تجعل هذا الجهدَ فائقاً هو أنه منشغل في الوقتِ نفسِه بإشباعِ رغباته الجسدية والجنسية والعقلية والفنيّة … ومنشغلٌ بالحصول على إعجاب الآخرين ورضاهم عنه ومنشغلٌ بانتمائه لمجموعةٍ ما , والتوفيق بين ذلك وبين علاقتِه بالآخر , وهو منشغلٌ بمساهمتِه في حلِّ مشاكل مجتمعِه ودولتِه وإقليمِه وكرتِه الأرضية … إنه يستخدم العلمَ ليتغلبَ على كلِّ هذه المشاكل , ولكنه في الوقتِ نفسِه لا تتاح له الفرصة لتلقي العلوم _ بل لا تتاح له الفرصة للحياة _بالصورة الأمثل بسبب كل هذه المشاكل .. “ 
هذه هي العقدة ! قاطعْتُها قائلاً  :
– ” مخدّرات ! تريدون خلق واقع افتراضي يتلهى به الشخص عن مشاكله الفعليّة ! ”
– ” ليس بالضبط …. نعم , نحن نخلق واقعاً “افتراضيًّا” يتسبب في إطلاق هرمونات السعادة في المخ , ويجعل الشخص يرجئ _ وليس ينشغل_ عن الحل ” الفعليّ ” لتلك المشاكل … ولكنْ فكِّرْ في الأمر من زاوية عقلانية : كل المشاكل التي نعاني منها سببُها رغبتُنا في الاستمرار في الحياة , نحن نخشى أن تقف هذه المشاكل عائقاً يحول دون استمرار الجنس البشريّ , ومن ثم فإن العقل يفرز هرمونات السعادة عند تغلّبنا على تلك المشاكل , ويفرز هرمونات للكآبة عند تعرّضنا لها … ولكنّ هذا العقلَ غيرُ مقدّس , إنه جزء من الجسد ؛ الجسد الذي تهاجم خلاياه المناعية خلاياه السليمة وتدمّرها ؛ الجسد الذي تتحوّل خلاياه إلى خلايا سرطانية وتقتل الجسم ؛ الجسد الذي يرفع درجة حرارتِه ليتغلّب على الجراثيم فيقتل نفسَه … إن علينَا أن نكفّ عن تصديق مثاليّة ذلك الجسد وذلك العقل , وأن نتولى كتابة مستقبلِنا بأنفسِنا ”
– ” ولكنّ ما الدافع إلى إيجاد تلك الحلول , وإلى كتابة ذلك المستقبل ؟ عندما تضع الجائزة قبل المسابقة , فمن الذي سيتسابق ؟ الشخص الذي تطلب منه أن يساهم في التغلب على المشاكل التي تحاصره , بينما أبخرة الأفيون قد وصلَتْ به _ بالفعل _ إلى قمة درجات السعادة , هذا الشخص لن يهتم بما تطرحه عليه ! ”
– ” لا أعتقد أنك تستوعب تماماً مشكلة المخدرات تلك ؛ أزمة المخدرات تكمن في ثلاثة أشياء : الأول هو الإدمان وأعراض الانسحاب , الثاني هو الضرر الجسدي أثناء تناولِها , ثم الثالث والأخطر هو ما تشير إليه . وما نعرضه نحن يختلف عن المخدرات في كل تلك الجهات : أولاً : لا توجد أعراض انسحاب من أي نوع ؛ عند رؤية ما ترغب فيه ” افتراضيًّا “  فإن عقلُك لا تتوقف قدرتُه على إفراز كافة الهرمونات التي يفرزها في الظروف الطبيعية ؛ فلا توجد أعراض انسحاب . ثانياً : لا يوجد ضرر جسدي من أي نوع على المخ أو سائر الجسد . ثالثاً _وهو الأهم_ : إن ما نعرضه ليس انشغالاً عن الواقع , وإنما تحجيم لأثر الواقع على الشخص حتى يستطيع أن يفعل ما يشاء دون ضغوط ؛ حتى يتولى هو بنفسه تحديد الأولويات , والبدء بما يراه مناسباً .. الأمر يشبه معالجة نزلات البرد ؛ عندما يمنحك الطبيب ما يضعف المناعة  التي تسبَّبَتْ في الأعراض , وفي نفسِ الوقت  يمنحك ما يقضي على مسبّب المرض … نحن نفعل هذا : نتيح لك أن تعيش أحلامَك وتتغلب على مخاوفك وذكرياتك السيئة , وفي الوقت نفسه نمنحك المعرفة الكافية لتجعل هذه الأحلام واقعاً وتتغلب على المشاكل الواقعية التي أضنَتِ الناسَ وناءَتْ بها البشرية … الفكرة ليست في الهروب إلى الواقع الافتراضي وترك مشاكل الحياة الواقعية كما هي … وإنما الفكرة في استغلال هذا الواقع الافتراضي للتقوّي على مواجهة تلك المشاكل “
لم أكنْ مقتنعاً , من الصعب أن تقنعني بشيءٍ كهذا ؛ ويبدو أنّ ( نور ) قد فطنَتْ إلى سبب اعتراضي , فقالَتْ في حذرٍ :
– ” ما هو توجهك السياسي ؟ ”
– ” أعتقد أنكِ من الذكاء بحيث تتوقعين ذلك ! ”
– ” أقصى اليسار ؟ ”
– ” لا زالَتْ هناك خطوتان أو ثلاث حتى أصل إلى أقصى اليسار , ولكنني يساريّ بما يكفي لأستشعر الخوفَ البالغ مما تعرضونه ”
– ” هل يبدو لك أن ما “نعرضه ” هو تنويعٌ على : من عاش معذّبًا مسكينًا تتداعى عليه الكوارث ولكنه متفانٍ في إيمانه فسيحوز السعادة الأبديّة ؟ “
– ” هناك وجه شبه لا يُنْكَرُ ؛ من عاش معذَّبًا مسكينًا تتداعى عليه الكوارث ولكنه مستغرقٌ في واقعه الافتراضي , فلن يشعر بأي دافع يدفعه لتغيير ما تسبَّبَ في كونه معذّبًا مسكيناً , ومن ثم فلْيَتْرُكِ المستغِلِّينَ وشأنَهم !  
– ” حسناً , دعْنا نضعِ الأمرَ هكذا : أنت لسْتَ ملزَماً بأن تعيشَ (تجربةَ الواقع الافتراضيّ) تلك , وإذا شعرْتَ أن ما نقوم به لن ينتج عنه تحقيق الرفاهية لجموع البشرية _ في المستقبل البعيد على الأقل _ فبإمكانك أن تنسحب من المنظمة , سنمحو ذكرياتِك عنها , وكهديّة بإمكاننا أن نعوضك عن الفترة التي انشغلْتَ فيها عن دراستك بـ ” نسخة كاملة ” من المعارف الأكاديميّة التي يتلقّاها الطالبُ في كليّتك حتى مرحلة التخرّج , مباشرةً في مخك . هل هذا مقبولٌ بالنسبة لك ؟  
– ” هذا سيخلق منافسة غير شريفة بيني وبين بقية الطلبة في دفعتي ,  ولذا فإني أرفضه ! ”
– ” حسناً , بإمكانِكَ أن تعوِّضَ تلك الفترة ” يدويًّا” , وتتدارك ما فاتك ”
– ” هذه لن تكون مشكلة ؛ لأني سأمنحكم فترة تجربة صغيرة
… لن تتجاوز أسبوعاً … ثم سأرى إن كانتْ هذه ” المنظمة ” تتوافق أهدافها مع أهدافي أم لا ”
ابتسمتْ ( نور ) , ثم قالَتْ :
– ” لو سمع أحد بإلحاحي عليك ورفضك , لظنّ أننا نطلب منك خدمة ولسنا نعرض عليك واحدةً  . ولكنْ على أيّةِ حال : بإمكانكَ أن تبدأ في أي وقتٍ ترغبُ فيه … هناك حاسبٌ في هذا المكتبِ على يسارك , نعم … فيه ! فقط تعامل مع الزجاج العلويّ للمكتب على أنه شاشة … وهناك خوذة ( نحن نسميها خوذة , وإن كانتْ أشبه بغطاء الرأس ) داخل هذا الدرج , إنها لا تعمل إلا إذا قمْتَ بتفعيلِها بواسطة الحاسب/ المكتب , ستجد في الحاسب أيضاً خيارات لجلب أي شيءٍ تريده : طعام , شراب , ملابس … بنقرة زر سينتقل أيّ شيءٍ تطلبُه إلى هذا الشيء في الجدار الذي يشبه غسالة أطباق , إن النظام كلَّه مؤتمت , ولذلك لا تستحيِ من أن تعيد طلب شيءٍ أو تردّه أو تغيّره … أيّ شيءٍ آخر ؟ ”
– ” كيف أتواصل مع أحدكم ؟ ”
– ” كل شيءٍ تحتاجه في الحاسب … آه , بالمناسبة , لقد كدْتُ أنسى : هذه بطاقتُك , أبقِها معك عندما تتواجد خارج غرفتِك ؛ إنها مهمة إلى حدٍّ ما ”
نظرْتُ فيما ناولتْني إياه , فوجدْتُها أشبه ببطاقة عبورٍ , عليها اسمي _الذي صار (مئة واثنان)_ وصورتي …
رفَعْتُ عيني إليها , فقالَتْ :
– ” أراك على خير , ( مئة واثنان ) ! ”
ثم انسحبَتْ من الغرفة راجعةً القهقرى ووجهُها لي , وكأنها تذكّرني بحوارِنا الأوّل ؛ إن لديّ مشكلة , وعليّ أن أتغلبَ عليها , ولكن لا داعي لتذكيري بها كلَّ ثانية …
قبل أن تفتح الباب وتغادر , توقفَتْ لفترةٍ وقالَتْ :
– ” في الواقع الافتراضي , بإمكانك أن تصنع كلّ ما ترغب فيه بعدد لا نهائي من الفتيات ” الافتراضيّات” بدون أيّ مانع أخلاقي أو إنسانيّ … فكِّرْ في الأمر ؛ أنا لا أريد أن أغادر كل مكان يجمعني بكَ بعدكَ , أو راجعةً القهقرى , حتى لا تحدِّق في مؤخرتي ”
ثم انصرَفَتْ , تاركةً إياي في خزيي الذي سبَّبَتْه كلماتُها …
بدأَتْ فكرةُ الواقع الافتراضيّ هذه تحوز رضاي نوعاً , أنا لا أهتمّ بأن أعيشَ في منزل ضخم في جزيرة في البحر الكاريبي أتناول ما لذّ وطاب وأستمتع بالشمس والبحر والرمل , أو أيًّا يكنْ ؛ حياة الأثرياء هذه لا تعنيني … ولكن ما أشارَتْ إليه ( نور ) قبل قليلٍ يعنيني , ويعنيني جداً
عادَ عقلي يداعب الاحتمالات الممكنة ؛ أنا لم أجرِّبْ هذا ” الاختراع ” بعد , ولكن من وصف ( نور ) له  يبدو أنه شديد التقدّم … أنْ أعيش أي تجربة مع أي شخص ” افتراضي ” في أي سياق , بدون أن يكون فيما أصنعه تجاوزٌ من أي نوع لِحَقِّ إنسانٍ آخر , هذا إغراءٌ فوق قدرتي على التحمل …
نظرْتُ إلى المكتبِ وإلى الخوذة التي أخرجْتُها من الدرج ؛ ثم حسمْتُ أمري …
***************
( 3 )
لم يعد ثمة معنى للعيب
لم يكن جهاز الحاسب هذا يشبه أيّ شيءٍ رأيْتُه من قبل , ليس بذكاء البشر كما أشارتْ ( نور ) , ولكنّه متقدم للغاية , ويستطيع تفسير الأوامر الصوتية وإصدار تنبيهاتِه في صورة صوتية كذلك ؛ حتى إنك تعتقد لوهلة أنك تتعامل مع شخص عاقلٍ ؛ لم يكنْ هذا هو الاختراع الفذّ , ومع ذلك فهو _ في حدّ ذاتِه _ مثيرٌ للإعجاب …
بدأْتُ في استكشاف إمكانيّات الحاسب , ثم قرَّرْتُ أن أخطو الخطوة الكبرى وأستكشف الخوذة , وضعْتُها على رأسي فلم يحدثْ شيءٌ , ولكن صوتَ تنبيه وصلني من المكتب / الحاسب يخبرني أن أفعّل الخوذة , فتذكّرَتْ قول ( نور ) أن عليّ تفعيلَ الخوذة أولاً … ففعلْتُها …وأعدْتُ وضع الخوذة , وهنا وجدْتُها تلتصق برأسي أكثر وأكثر حتى انطبقَتْ عليه تماماً , ولم أعدْ أرى أو أسمع شيئًا مما حولي , ثم لم أعد أحسّ بشيءٍ أيضاً , فذعرْتُ , ولكنّ صوتاً رخيماً بلغ أذني قائلاً  :
– ” ( مئة واثنان ) ! , لقد اخترقَتْ مستشعراتٌ شديدةُ الدقة جمجمتَك للتوّ , ومنعَتْ إحساسك بما حولك ؛ هذا يشمل شعورك بالضغط والحرارة والجاذبية ؛ سأقومُ أنا بمراعاة كلِّ هذا , وعند وجود أي خطرٍ فسأزيل المستشعرات وستعود إلى إحساسك بما حولك لتتفادى الخطر _ وإن كان حصول أي شيءٍ غير مألوف مستبعداً _ , والهدف من هذا أن تكون أيُّ تجربة تمرّ بها واقعية تماماً . شكراً ”
بمجرّد انتهاء الرسالة بدأتْ الخيارات تتوارد أمام عيني , كان هذا يشبه أجهزة الواقع الافتراضي التي تطوّرها شركات الألعاب , ولكنّها واقعية تماماً , فكأنني أختار من قوائم ورقيّة حيّة …
كانتْ الخيارات تشمل كلَّ شيءٍ يمكن التفكير فيه ؛
( هل تريد أن تُوضَعَ هذه الجلسة في الأرشيف العام للمنظمة حتى يعود إليها الأعضاء الآخرون إذا رغبوا ؟) أجبْتُ بـ ( لا ) .
(هل تريد أن يطّلع أعضاء بعينهم على ما ستمرّ به في هذه الجلسة إذا رغبوا ؟ وإذا كانتْ الإجابة بنعم , فمن هم ؟ ) فكَّرْتُ في ( نور ) , ثم رأيْتُ أن أجيب بـ ( لا ) , ولكنّي قرَّرْتُ أن أسأل :
– ” هل هناك أعضاء آخرون يسمحون بالاطلاع على جلساتِهم ؟ ”
جاءتْني الإجابة :
– ” معظم الأعضاء يسمحون بظهور جلساتِهم _ ولكن بدون أن تقترن بأسمائهم_ ؛ من أجل أغراض الدراسة : وهذا هو السؤال التالي “
فأجبْتُ بـ ( لا ) , وجاء السؤال التالي :
( هل تسمح بأن يطلع أعضاء آخرون على محتوى هذه الجلسة _ بدون أن ترتبط باسمك _ من أجل أغراض الدراسة ؟ )
أجبْتُ بـ ( نعم ) .
واستمرَّتْ الأسئلة في التوالي , حتى وصلْتُ إلى سؤالٍ نبهني الجهاز إلى خطورتِه  :
( إلى أي مدى ترغب في أن أقرأ ذكرياتِك وأفكارِك _ بما فيها ذلك الذي استقرّ عميقاً في لا وعيِكَ _ أثناء الجلسة ؟ )
لم يكنْ هناك اختياراتٌ , ولكني أجبْتُ :
– ” اقرأ كلَّ ما تستطيع قراءتَه , سأنبهك أثناء الجلسة إذا رفضْتُ استمرارَكَ في عرضِ  شيءٍ ما ”
كانتْ هذه هي نهاية الأسئلة …
فجأةً اختفَتْ الخياراتُ , ووجدْتُني أقفُ منفرداً في شاطئٍ رحبٍ , وليس عليه أحدٌ غيري , كان يشبه أحد الشواطئ التي زرْتُها من قبل في طفولتي , ولكنّه كان خاليًّا من الناس, وكان واقعيًّا بصورة مخيفة …. إحساسي بالرمل يتسرب بين أصابع قدميّ , نسيم الهواء , صوت الموج , صفاء المياه والسماء , صوتُ خفق أجنحة النوارس , رذاذ الموج الواقع على جلدي يسهم في خفض درجة حرارته , بينما ضوء الشمس يكسبني دفئاً محبَّبًا … من أين جاءَتْ كلُّ هذه التفاصيل ؟ جاءَتْني الإجابة على شكل صوتٍ منبعثٍ من داخل رأسي :
– ” لقد قامتْ المنظمة بإدخال كمياتٍ هائلة من المعلومات تسمح بتحويل أي صورة لأيّ مكان _مهما كانَتِ الصورةُ بدائيّة _ في ذاكرة أي عضو إلى مسرح أحداثٍ حقيقيّ واقعيّ , نفس الشيء ينطبق على الأشخاص ؛ لو لم ترَ شخصاً إلا للحظة واحدة , أو حتى رأيْتَ صورتَه فقط سواءً كانتْ صورةً واقعيّة أو خرافيّة , فبإمكاني أن أحوّله إلى كائن حي تامّ ”
كنْتُ قد اخترْتُ بقاءَ صوْتِ الجهاز مصاحباً لي في هذه الجلسة , كان هذا أحد الخيارات _مع التنبيه إلى أنّ مصاحبة الصوت لي قد يضعف من الإحساس بالواقعية_ , ولكني كنْتُ مهتماً بمعرفة كلِّ تفصيلٍ ممكن , فلم أبالِ بالتأثير على الواقعية ..
جاءني صوتٌ آخر بدا مألوفاً , ولكنْ هذه المرة كان أنثويًّا ناعماً , وصادراً من ورائي :
– ” هذا الشاطئ فارغٌ تقريباً , أليس كذلك ؟ ”
التفتُّ إليها , فرأيْتُ ما كنْتُ أتوقّعه : ( نور ) , وهي ترتدي ملابس بحرٍ لو كانتْ أصغرَ من هذا قليلاً لدخلَتْ في ثقب الإبرة ؛ في الواقع , لقد كانتْ عاريةً تقريباً …
وهنا خطرَتْ لي فكرةٌ مفاجئةٌ , ففكَّرْتُ في نفسي _ مخاطبًا الجهاز _ :
– ” هذه الجلسة متاحةُ ليُطَّلَعَ عليها من قبل الأعضاء , أليس كذلك ؟ ”
جاءني صوتُ الجهاز :
– ” نعم,  ولكنها ليستْ مقترنةً باسمك ! ”
– ” أنا أريد إلغاءَ هذا الخيار , لا أريد أن يطلع على هذا أحدٌ , سواءً اقترنتْ باسمي أم لا ! ”
– ” حسناً , لقد فعلْتُ ذلك ؛ لن يطّلع على هذه الجلسةَ أحدٌ ”
جاءني الصوتُ العذبُ مرّةً أخرى :
– ” لماذا أنت شاردٌ ؟ ”
– ” لا شيءَ , لقد كنْتُ أفكِّر أنّ عليّ إنهاءَ هذا الحوار بأسرع ما يمكن , وإلا فإنني لن أقدرَ على منع نفسي من التهامِك بعينيّ 
كان هذا سخيفاً , ومحتقراً للمرأة , وآخر ما يمكن أن يصدر عني , ولكنّ المنطق يقول إنه على الرغم من الواقعية المطلقة لما أراه وأحس به , فإن هذا كلّه _ في الحقيقة _لا يزيد في شيءٍ عن فكرة تدور في ذهني , ولا يطّلع عليها أحدٌ ؛ ليس حلماً حتى , إنه مجرّد فكرة 
لذلك فقد استغربْتُ عندما انبعث فجأةً ألمٌ حادٌّ في وجنتي  , واستغرقْتُ ثوانٍ حتى أدرَكْتُ أنني قد نلْتُ أوّل صفعةٍ من فتاةٍ في حياتي _ حتى لو كان ذلك في قصة متخيلة _ , ثم قالَتْ :
– ” أنت حيوانٌ عديمُ الأخلاق ”
وانصرفَتْ مبتعدةً عني , بينما عيناي تتجنّبان الوقوع على جسدها ؛ لأن هذه الصفعة كانتْ كافيةً لتزيلَ صورتَها كمجرد فكرة خيالية , وتجعلها أقرب إلى إنسان آخر أخشى الإساءةَ إليه , وجاءني صوتُ الجهاز :
– ” إن هناك إعداداً تلقائيًّا _ من أجل جعل التجربة أكثر واقعية _ يجعل رد فعل الشخصيّات مماثلاً على قدر الإمكان لما كان ليحدث في الحياة الواقعية _ بناءً على المعلومات المتاحة في ذهن المستخدم بالطبع _ ؛ لذلك فردّ فعْلِ الشخصية كان عنيفاً ؛ هل تريدني أن ألغي هذا الإعداد , ومن ثمّ فبإمكانك أن تصنع مع الشخصيّات ما شئتَ  ؟ ”
كدْتُ أنفجر غضباً من ” ذلك الإعداد التلقائيّ ” ؛ هذه الأجهزة الإلكترونية _ مهما كانتْ متطورةً _ لن تفتأ تثير غضبي , ولكني حاولْتُ أن أبدو هادئاً , وقلْتُ _ ويدي لا تزال على خدّي _ :
– ” نعم , ألغِ هذا الإعداد , وأبقه ملغيًّا حتى إشعارٍ آخر , ورُدَّها عليّ ”
في التوّ واللحظة , توقفَتْ ( نور) عن الانصراف مبتعدةً , وعادَتْ جهتي , وعندما اقتربَتْ منّي , قالَتْ :
– ” أنا آسفة , أحياناً أنسى أننا متزوجان , وأفكّر أننا لا زلْنا في فترة الخطوبة , وأنّ عليّ أنْ أضع حدوداً وإلا ستثار حولَنا الأقاويل ”
كان هذا أفضلَ بكثيرٍ , أشرْتُ إليها بإصبعي لتقترب أكثر , فدنَتْ حتى كادَتْ تلتصق بي , ثم قلْتُ :
– ” أنتِ تخشين أن تثار الأقاويلُ بسبب ” معاكسة ” , ولا تخشين أن تثيرَها هذه الملابس ؟ ”
نظرَتْ في براءةٍ إلى جسدِها , وكأنه مكسوٌّ بثوبٍ فضفاضٍ لا غرابةَ فيه , ثم قالَتْ :
– ” ما المشكلة فيما أرتديه ؟ ”
– ” لا أعتقد أن ” أرتديه ” هو توصيف مناسب لما يحدث هنا ”
– ” هل تعتقد أنه لا يستر ما يكفي ؟ ”
– ” هل هذا علم صواريخ ؟ لماذا هذا علمُ صواريخ ؟ ”
– ” لقد اعتقدْتُ أنك منفتح , ولا تمانع أن أرتدي ما أحبّ ”
لم أدرِ كيف أجيبُها , هل أستمرّ في لعب هذا الدور ؟ ثم لماذا تبدو ردودُها شديدة اللف والدوران ؟… آه ؛ إنني _في الواقع_ من يجيبُ على نفسي ؛ هي في النهاية مجرّد صورة في ذهني أنا , وحوّلها الجهاز إلى كائن حيّ , لو أردْتُ الاستمرار في اللجاج والجدال فلن أصلَ إلي شيءٍ …
قاطعَتْ حبلَ أفكاري :
– ” ثم إننا خرجْنا من البيت سويًّا , لو كان لديكَ اعتراضٌ على ملابسي لكان من الأنسب أن تخبرني به ونحن في البيت حتى أغيِّرها .. ”
نعم , هذه هي طريقتي أنا في الجدال ؛ ابدأ بالحجة الأضعف وانتهِ بالحجة الأقوى …
فرأيْتُ أن أسلكَ سبيلاً آخرَ :
– ” أعتقد أن من حسنِ حظِّنا أن الشاطئ _ تقريباً _ قد صار ملكاً لنا, وليس فيه أحدٌ , وبالنظر إلى ما اخترتِ أن “ترتديه ” , فإني أرى أن من الأنسب أن تستمتعي بالشمس والبحر  بدون أن يعوقك عن الاستمتاع بهما كلُّ هذه الطبقات من الثياب ”
نظرَتْ إليّ وقد فطنَتْ إلى ما أعنيه , ثم قالَتْ :
– ” لا أعتقد أن القانون يسمح … ”
قاطعْتُها :
– ” لا أعتقد أن القانون يسمح بهذه الملابس أيضاً , فما دام الالتزام بالقانون ليس خياراً , فلترفعي الكلفة , وتنزعي ما عليك ”
– ” ولكن حتى لو سلمْنا أنّ كلتا الحالتين خرقٌ للقانون , فإن القاضي سيراعي في الحكم أنه في الحالة الأولى كانتْ هناك ملابس على الأقل , مما يعني أن هناك محاولة للالتزام بالقانون , ولكنْ في الحالة الثانية فالانتهاك صريحٌ ولا يحتمل التأويلَ ”
نظرْتُ إلى هذه الفتنة الواقفة أمامي , قبل دقائق كنْتُ أتحدّثُ مع ( نور ) الحقيقية , وكنْتُ أنهى نفسي بكلِّ ما أوتيت من عزم عن التملّي في محاسنِها ؛ لأن هذا لا يليق , ويخالف كلَّ ما أؤمن به … أما الآن ..عندما صار من حقّي أن أصنع ما أشاء بهذه ” الفكرة ” المتجسدة واقعاً , فإن عقلي _ عليه اللعنة _ يأبى إلا أن يحوّل هذه الفرصةَ إلى مناظرةٍ عقليّة في شوارع أثينا … هذا يكفي!
أمسكْتُ خصرَها بيدي , وألصَقْتُها بجسدي , ثم لثمْتُ فاها … هذه أول قبلة أقبّلها في حياتي ؛ ولو لم تكنْ قبلاتُ الواقع بنفس هذه اللذة , فأنا لا أريد مفارقةَ هذه الخوذة أبداً …
عندما فارقَتْ شفتاي شفتيها , قلْتُ في صرامة :
– ” انزعي هذا الشيءَ .. الآن ! ”
نظرَتْ إليّ في توسّلٍ , وكأنها تلتمس طريقاً تسلكه ينجّيها من التعرّي , فلمّا لم تجدْ , بدأتْ في حلّ ما يستر ثدييها .. أو حلمتي ثدييها للدقة , ثم كرَّرَتْ الأمر مع ما يستر ردفيها … أو ما بين ردفيها للدقة , وعندما وقفَتْ عريانةً أمامي بدا لي صحّة دفاعِها ؛ نعم , كلتا الحالتين خرقٌ للقانون , ولكنّ فتنتَها قد تضاعفَتْ مرّاتٍ بعد أن زال وهْمُ ارتدائها لملابس البحر بنزعها لكل شيءٍ …
ووجدْتني أدنيها منّي مرةً أخرى وأعود لتقبيلِها , وجالَتْ يداي قبضاً على ظهرِها حتى انتهتا إلى ردفيها , فخصّتاهما بالنصيب الأوفى من القبض , ولساني لا يزال مقيماً في فمها , وكأنه هاجر إليه وارتضى به وطنًا …
فاجأني صوتُ النحنحة المنبعثُ من خلفي , فكففْتُ عما كنْتُ فيه , ونظرْتُ في غضبٍ , فوجدْتُ ضابطاً أو حارس إنقاذ أو شيئاً بين هذين واقفاً خلفي , طويلَ القامة مفتول العضلات ويرتدي سروال بحرٍ , أعتقد أنني رأيْتُ هذا الشخص في أحد الأفلام من قبل , وأشار جهة ( نور ) ويقول :
– ” المعذرة , يا سيّدي , ولكن التعليمات مشددة بألا نسمح بوجود عراةٍ على هذا الشاطئ ”
كان وجْهُ ( نور ) قد احمرّ خجلاً , وهي تحاول ستر ما يمكن سترُه بيديها , فتفكَّرْتُ في الأمر , فوجدْتُ أن غضبي لا معنى له , في النهاية كلاهما مجرد فكرة في ذهني , فلأستغلّ هذا الموقف , فقلْتُ :
– ” لقد حاولْتُ أنْ أنهى زوجتي عن الابتذال ولبس الملابس الفاضحة بأن أجعل البديل أن تتعرّى , ولكن إن كان القانون يحول دون ذلك , فعليّ التفكيرُ في حلٍّ آخر , لأضمن أنها تعلمَتْ درسَها ولن تخرج بثيابٍ غير لائقة في المستقبل ”
قال الحارس :
– ” هل لي أن أقترح شيئاً ؟ ”
أجبْتُه _وأنا أدري إلى أين سيسير هذا الحوارُ_ :
– ” بالطبعِ ! ”
– ” إن لديّ زميلتين يشاركانني أنا وأحد زملائي الآخرين مراقبةَ هذا الشاطئ , وهما _ إن جاز لي القولُ _ صورةٌ طبقُ الأصل من شقاوة زوجتِك … ”
قاطعْتُه قائلاً :
– ” بإمكانِك أن تصنع بزوجتي نفس ما تصنعه بزميلتيك , إذا كان ذلك ناجعاً في تأديبِهما “
– ” إنني أضمن لك أنه بعد فراغي من عقابِها , ستصبح أطوعَ لك من بنانِك ”
مددْتُ يدي له مصافحاً , كأني أوقع على عقد اتفاقِنا , فصافح يدي , ثم قال :
– ” لو عدْنا إلى كابينتي , حتى نجْرِيَ العقابَ هناك .. ”
– ” بالطبع … ( نور ) ! ”
نظرْتُ إلى الحسناء التي لا تزال مشغولةً بستر نفسِها , وقد ازداد خداها احمراراً , وبدا الرعبُ على ملامِحها , وهي تتوسل لي لأعفيَها , فهزَزْتُ رأسي بالنفي وأنا أبتسم , وأشرْتُ إليها لتتبع الحارس , ولمّا بدأتْ في الحركة المتثاقلة وجاورَتْني أهويْتُ بيدي على ردفيها فطارتْ يداها لتمسكا بردفيها , ثم انتبهَتْ إلى أن ما كانتْ تحاولُ سترَه قد انكشف , فعادتْ يمناها لتغطي ثدييها , ويسراها لتقبض على ما بين رجليها , فأهويْتُ بيدي مرةً أخرى إلى ردفِها _ كأني أستحثّها لتسرع _ رغم أن خطاها كانتْ مسرعةً بما يكفي … واستمرَرْتُ طيلة الطريق إلى كابينة الحارس أسْتَهُها فتقبض على ردفيها ثم تعود لستر نفسها وأعودُ إلى ستْهِها حتّى احمرّتْ مؤخرتُها… لو لم تكنْ هذه فكرةُ متخيلةُ لكان الموتُ أحبَّ إليّ أن من أن أصنع ذلك بامرأة …
وعندما بلغْنا كابينة الحارس , وصل إلى مسامعِنا صوتُ بكاءِ امرأةٍ  … ثابتٌ كأنه موسيقى تصويرية , بينما هناك صرخاتٌ لامرأة أخرى تتناسب طرديًّا مع صوتِ صفعاتٍ لا شكّ أنها تهوي على مؤخرتِها ؛ لم يكنِ الأمرُ بحاجةٍ إلى تفسير , ولكن الحارس قال :
– ” لا شكّ أن زميلتاي قد فعلتا ما استحقّتا العقابَ لأجله , وقد تولّى زميلي الآخر عقابَهما ؛ إن كان لي أن أحدس بناءً على الصوتِ , لقلْتُ إن التي فُرِغ من عقابها هي ( سلوى ) والتي لا تزال مؤخرتُها تتلقى الصفعات هي ( أماني ) “
هنا جاءني صوتُ الجهازِ :
– ” إن الموقفَ لا يتناسب مع بيئة عربية , ولكني قمْتُ بتعريب الأسماء حتى … ”
قاطعْتُه قائلاً بصوتٍ مرتفعٍ :
– ” هذا واضح ”
نظر إليّ الحارسُ مستغرباً , فقلْتُ :
– ” أنا لا أعنيك أنت , المعذرة ”
وصل الحارس إلى باب الكابينة , وفتحه , فقابلَ عيني مشهدُ الفتاة العارية المودَعَة زاوية الكابينة وقد روَتْ مؤخرتُها القانيةُ قصّةَ ما حدث لها , أعتقد أن الحارس أشار إليها باسم ( سلوى ) … قاطع الحارسُ حبل أفكاري مصحِّحًا :
– ” حسناً لقد كنْتُ مخطئًا , إن ( أماني ) هي التي فرغ ( ماهر ) من عقابِها , و( سلوى ) هي المستلقية في حجره لتتلقى عقابَها ”    
دخل ثلاثتُنا , فدنوْتُ من ( ماهر ) , ومدَدْتُ يدي مصافحًا له , فوضع فرشاة الشعر التي كانتْ في يمينه على ظهر ( سلوى ) وصافحني , وقلْتُ له في سخرية :
– ” هذا يبدو مجهوداً فائقاً تتكلّفه من أجل ضمان بقاء زميلتيك على الطريق القويم ”
ردّ بابتسامة ساخرة , وقال :
– ” مقدار التفاني الذي نظهره نحن _ معاشرَ الرجال _ من أجل توجيه وإرشاد الجنس اللطيف , ثم لا يثمر هذا فيهنّ شيئاً “
حسناً , كانتْ هذه الذكوريّة الفاقعة فوق قدرتي على الاحتمال , حتى لو كانَتْ القصة متخيلة , فقلْتُ :
– ” لا نريد أن نشغلَك عما كنْتَ فيه .. أعتقد أن زوجتي ستنتظر حتى تشهد عقاب ( سلوى ) إلى نهايتِه , ثم بعد ذلك يأتي دورُها على يد زميلُك “
ردّ ( ماهر ) :
– ” هذه فكرة جيدة , كلّما تأخر العقابُ , كلما زادَتْ الخشيةُ منه , خاصّة إن كان تأخُّرُه مقروناً برؤية المعاقَبَة لما يوشك أن يحلّ بها ”
تدخل الحارس الآخر قائلاً :
– ” لا أعتقد أن ما يوشك أن يحل بها مماثل لما تفعله أنت بـ ( سلوى ) , بل ما يوشك أن يقع لها أكبر مما تفعله بكثيرٍ , في النهاية فإن ( سلوى ) و ( أماني ) تفضّلان أن تعاقبا على يديك ؛ لأنك أرق في عقابِهما ”
بلعَتْ ( نور ) ريقَها بصوتٍ مسموع … معها حقّ , إن كانتْ مؤخرة ( أماني ) القانية هي العقاب الأرَقّ , فما الذي يوشك أن يحدث لها ؟
ولكنّ ( ماهر ) كان له رأيٌ آخرُ :
– ” هذا كذبٌ بيّن , الجميع يعرف أن عضلاتِك هذه مجرد ديكور , إن ( سلوى ) تتمني لو كنْتَ أنتَ من سيكمل عقابَها ”
رد الحارس غاضباً :
– ” اسألْها إذاً ! ”
سأل ( ماهر ) الفتاة الممدّة على فخذيه :
– ” ( سلوى ) , هل ترغبين في أن أكمل أنا عقابَكِ أم أن يكملَه ( صخْرٌ ) ؟ “
كانتْ ( سلوى ) في حيرة مبررة ؛ إن إجابتَها ستعني أن من اختارتْه هو الأضعف , وسيبذل المُخْتارُ كلَّ جهدٍ ليثبِتَ لها خطأ ما ذهبَتْ إليه , ثم فطنَتْ إلى حلٍّ :
– ” أعتقد أنني أفضّل اختيار ما لا أعرفه بعد ؛ هل بإمكان هذا السيّد أن يكمل عقابي ؟ ”
نظر ( صخر ) إليّ , وقال :
– ” هل تريدُ أن تتولّى عقابَها ؟ ”
نظرْتُ إلى لونِ مؤخرتِها وقارنْتُه بلون مؤخرة صاحبتِها , فبدا لي أن العقاب لا يزال طويلاً وقاسيًا , فقلْتُ :
– ” أعتقد أنه ليس بوسعي أن أحمل نفسي على إيجاعها حتى تصل إلى ما وصلَتْ إليه ( أماني ) , ولكن ما دامتْ نزلَتْ على حكمي فأنا أختار أن يستمر ( ماهر ) في عقابِها , ثم تفرغ أنت لعقاب ( نور ) ”
تنفَّسَتْ ( سلوى ) الصعداء , وقد بدا أنها نجَتْ من ذلك السؤال الداهية , ثم سرْعانَ ما عادَتْ إلى النحيب , عندما التقط ( ماهر ) فرشاة الشعر المستقرة على ظهرها , ورجع إلى ستْهِهَا , لم يستغرقِ الأمر طويلاً حتى صارَتْ حمرةُ مؤخرتِها قانيةً , وعلا نحيبُها , ولكنّ الوقْتَ لا بد أنّه مرّ عليها كأنه سنون , في النهاية أمرَها ( ماهر ) أن تذهب إلى الزاوية الأخرى للغرفة وتستقرّ فيها , ففعلَتْ …
ونظرْتُ إلى ( نور ) فوجدْتُها ترتجف خوفاً … وهي ترى ( ماهر ) ينهض من الكرسيّ , ليخليه لـ ( صخر ) الذي ملأه بجسده القويّ , ثم نظر إليّ , وكأنّه يطلب مني الإذن , فأحنيتُ له رأسي موافقاً , وهنا علا صوتُه هادراً  _ لا بد أنّه لا يزال يرغبُ في إثباتِ تفوّقه على ( ماهر ) _ , وطلبَ من ( نور ) أن تقترب منه , وكأنّ هذا الصوتَ الهادرَ لا يكفي , فقد ضرب بكفّه على فخذه وكأنه يريها أين يفترض بها أن تستقرّ , ولكن صوتَ الضربة كان من الارتفاع بحيث جمّد الدمَ في عروقي أنا .. فنظرَتْ ( نور ) إليّ نظرةً أخيرةً متوسّلةً , فكاد قلبي يرقّ لها , إلا أن ( صخر ) الذي ساءه طول الوقتِ الذي استغرقتْه لتبلغ كرسيّه , قام وأمسك بيدها وطوّح بها في الهواء ثم جلس ليتلقى سقوطَها فاستقرَّتْ على فخذيه , كعصفور في مخلب نسر , وقبل أن تتأقلم  مع ما حدث هوى بيده على ردفيها كصاعقة تضرب دعصًا من رمل …
واضطرَرْتُ للتدخل ؛ حتّى وهذه شخصيّاتٌ غير حقيقية , والأمر كلّه لا وجود له إلا في عقلي, فإنّ اللون الذي استحال إليه ردف ( نور ) من ضربة واحدة , والصرخة التي ندَتْ عنها , والوحشية التي رأيْتُها في عيني ( صخر ) , كل هذا منعني من البقاء في مكاني , ولمّا رأى  ( صخر ) إقدامي عليه اعتذر , فقلْتُ له :
– ” لا بأسَ , لقد ارتكبَتْ ما تستحق العقابَ عليه , ولكني لا أعتقد أنها قتلَتْ أحداً , فتستحق كلَّ هذا , سأكمل أنا عقابَها بنفسي , هلّا ناولْتني فرشاة الشعر تلك رجاءً ! “
فسلّمني فرشاة الشعر , و( نور ) , والكرسيّ … وعليّ أن أعترفَ أن هذا الـ ( صخر) مفرط القوة بالفعل , فعلى الرغم من أني عاقبْتُ ( نور ) بفرشاة الشعر مراتٍ , واقتصر هو على يده مرةً , إلا أن كل ذي عينين يشهد أنني كنْتُ أهونَ عليها بكثيرٍ منه …
وعندما فرغْتُ من عقابِها , كان لونُ مؤخرتِها قد انتهى إلى حمرة داكنة , ولكن بالقياس إلى ( أماني ) و( سلوى ) فقد كان عقابُها هيِّنًا, وبدا الاستياء واضحاً على وجهي ( صخر ) , و( ماهر ) ، ولكنهما فكّرا أنها زوجتي أنا , وأنا حرٌّ في عقابِها …
ثم أمرْتُ ( نور ) أن تجعل أنفَها في إحدى الزاويتين الفارغتين , ففعلَتْ , وظللْتُ أرقُبُ حركةَ ردفيها صعوداً ونزولاً أثناءَ سيرِها إلى الزاوية حتى استقرَّتْ بها , فاهتزَّ استُها مرةً أخيرةً معلناً وصوله إلى محطته النهائية … كانتْ فاتنةً فتنةً فوق بشريّة .. بإمكاني أن أحدّق في استِها سنين دون أن أمَلّ …
قاطع أفكاري صوتُ الجهاز :
– ” لقد طلبْتَ مني تنبيهك بعد مرور ساعةٍ , وقد مرَّتْ ساعةٌ , هل ترغب في الاستمرار في هذه الجلسة أم تريد أن تخرج إلى الواقع ؟ ”
كنْتُ عازمًا على منع نفسي من الاستمرار في هذه الجلسات لأكثر من ساعةٍ , حتى لا أنغمس فيها أكثر مما يجب , ولكني طلبْتُ منه دقائق أخرى , ثم سألْتُه أن يزيل هذين الحارسين مباشرةً من الصورة  بدون حوارات ولا أعذار ولا تعبٍ , فَفَعَل .. في لحظة واحدةٍ تبخّرا , وصرْتُ وحيداً في غرفةٍ فيها ثلاثُ غيدٍ ممشوقاتٍ ستهماتٍ , ثم طلبْتُ من الجهاز أن يحضر مرهماً ويجعله في متناول يدي , ففعل … كان هذا أفضلَ من تكلّف السير المنطقيّ للأحداث ..
ثم دعوتهنّ بأسمائهنّ فأقبلْن , ووقفْنَ أمامي صفًّا , فطلبْتُ من ( أماني ) أن تستلقي في حجري , ولمّا بدتْ خائفةً مددْتُ يدي إلى المرهمِ لأعلمَها بما أنوي فعلَه , فذهب خوفُها , وتمددت في حجري , وبدأتُ في دهان مؤخرتِها القمراء وقد حيل بيني وبين عقلي من لين ملمسِها , ورشاقة حركتِها تحت يديّ , فلأياً بلأي ما أقنعْتُ نفسي أن أنتقل إلى ( سلوى ) , وفعلْتُ بها ما فعلْتُه بـ ( أماني ) …
ثم طلبْتُ من ( أماني ) و( سلوى ) أن ينصرفا من الكابينة , ولم يرُقْ لي أن أطلب من الجهاز أن يبخّرهما كما فعل بالرجلين , وعندما غابت عن عيني مؤخرتاهما الرجراجتان بعد أن أغلقَتِ الفتاتان البابَ وراءهما, انصرفْتُ إلى أجمل الثلاثة , والدرة البحرية المكنونة التي مازها التاجر من بين الدرر , فأشبعْتُ رغباتٍ لم أكن أتصور أن أجرؤ على أن تغادر أفكاري إلى عالم الواقع , وللدقة فهي لم تغادر إلى عالم الواقع …وإن كان كلُّ شيءٍ ينال في عالم الواقع قد نلْتُه في هذا الواقع الافتراضي من غير مشقة في التحصيل , ولا خوفٍ من التجاوز في حق بشرٍ …
ثم استلقَتْ ( نور ) في حضني على سريرٍ كان في تلك الكابينة , وقالتْ لي همسًا , وكأنها لا تقوى على رفع صوتِها بالكلام بعد ما فعلْتُه بها :
– ” لقد كان هذا رائعًا ! “
قلْتُ في سخريّة :
– ” متى يمكنني أن أراكِ مرةً أخرى ؟ ”
– ” أنا طوع أمرِكَ , فقط أخبرني متى تريد لقائي وأين , وستجدني هناك ”
لا أدري إن كان هذا استهزاءً من الجهاز , أو من عقلي , أو مجرّد مصادفة , ولكنّها _ حرفيًّا _ كما ذكرَتْ : طوع أمري … والغريب أنني لا أجد أدنى مضاضة في الاستمتاع بذلك … 

*************

( 4 )
بين الواقع والواقع

 

عندما غاردْتُ تلك الجلسة إلى الواقع , كان جدول أعمال ذلك اليوم ممتلئًا حتى التخمة ؛ الكثير من الأشياء لا زلْتُ بحاجة إلى أن أتعلمَها , الكثير من المعارف بحاجة إلى أن ” أحمّلها ” في عقلي , الكثير من الأهداف والأفكار أريد أن أستقصيَها …
لقد كانتْ ( نور ) (الحقيقية وليس الفكرة) , محقةً في قولِها : إن إشباع تلك الرغبات سيمنحني الفرصة للتفرغ لعملي وتفكيري .
وعندما قابلْتُها ( نور الحقيقية ) , كانتْ ترتدي ما بدا وكأنه أضيق بنطالٍ يمكن أن تضع نفسَها فيه , ولسْتُ بالسذاجة التي تجعلُني أعتقد أنّ قلمَها قد سقط بالفعل صدفةً , حتى تضطر للانحناء لالتقاطه , ومؤخرتُها لا تبعد سوى أشبارٍ عن وجهي ؛ … لقد كان هذا اختباراً , ولقد نجحْتُ فيه بجدارة , وبدا أنني لا أجدّ مشقّة في ألّا ألتفتَ إليها , كانتْ كأنها ليسَتْ موجودةً أمامي , وقد أحسَّتْ بعدم اهتمامي , فقالتْ :
– ” أعتقد أنك قد عملْتَ بنصيحتي ! “
– ” ولك الشكرُ عليها , في الواقع إن هناك شيئًا لا يزال يشعرني بالضيق … ”
قاطعَتْني :
– ” لا عليك ! إن الجهاز يستغل الأفكار والشخصيات الموجودة في ذهنك , وبعض هذه الشخصيات ستكون واقعية , فقط لا تخبرني بما يحدث , وأنا لا أمانع منحَك ” الحقوق الأدبية والفكرية لاستعمال علامتي التجارية “, ما دام الأمر لم يخرج إلى أرض الواقع ”
– ” هذا يزيل جانباً من المشكلة , ولكنْ … عندما خضْنا ذلك الحوارَ حول المخدّراتِ وتلك الأشياء  .. هل تعتقدين أنّ هذا ينسحب على هذا الجانب الجنسيّ أيضاً ؛ ( ليس هروباً من الواقع وإنما عوْنٌ على مواجهتِه ) 
– ” إن الجنسَ يختلف ! ”
– ” لماذا ؟ ”
– ” لأن الجنس غير مسبَّبٍ ؛ إن الجهاز يستطيع أن يبثّ في ذهنك شعورًا بالامتلاء والشبع وأن يجعلك تشعر بأنك تأكل ألذّ أكلٍ ولكنّ هذا لا يكفي , إن جسدك بحاجة إلى طاقة ؛ بحاجةٍ إلى أكلٍ فعليّ … الواقع الافتراضي لا يغني عن الواقع هنا , ونفس الشيء ينطبق على أشياء كثيرة , ولكنّ الجنس ليس من بينها ؛ ومن ثمّ فما المانع أن تقتصر في تلبية رغباتك الجنسية على الواقع الافتراضي , ما الذي سيفوتك إن لم يحدثْ ما ترغب فيه جنسيًّا على أرض الواقع ؟ ”
– ” الخصوبة والتناسل واستمرار الجنس البشري , وكل هذا … ”
– ” لو كان هذا الهدف الوحيد من ممارسة الجنس , لكانَتِ البشريّة كلها منحرفة , في الواقع معظم الممارسات الجنسية يعتبر انتهاؤها بالحمل والتناسل مخالفاً لمراد فاعليها .
لكنّ الرغبة في تصوير كل سلوك بشري على أنه مسبّب ويهدف إلى غاية سامية , قد دفع بالمنظّرين إلى تجريم الجنس وتحويله إلى تابو ومحاولة ربطه بالتناسل 
 معظمُنا هنا لا نمارس سلوكاً جنسيًّا خارج تلك الجلسات ؛ بعد فترةٍ ستعتاد على فعْلِ كلِّ ما تريده في تلك الجلسات دون أن تشعر بالذنب , ودون أنْ تشعر أنَّ ما تفعله لا بد سينعكس على علاقاتك الواقعية , ويفقدك قدرتَك على ضبطِ نفسِك “
– ” بالضبط ؛ أنا لا أريدُ أن أعيش في حضّانة خالية من الجراثيم , وأتخلى عن مناعتي , ثم أفاجأ أنَّ عليّ أنْ أخرج مرة أخرى إلى الدنيا الرحبة الملأى بالجراثيم … ”
– ” إن لنا فترات طويلة هنا ، لم يحتَجْ أحدٌ للخروج من حضّانته ؛ لن تكون استثناءً ! افعلْ في تلك الجلسات كلَّ ما يحلو لك ؛ في الواقع هناك جلسات مخزّنة من أجل الاطلاع عليها لأغراض الدراسة ؛ إذا شاهدْتَ بعضها فسترى المدى الذي نذهب إليه في تلبية رغباتِنا ؛ لم يعدْ هناك معنى للخطوط الحمراء مادام الأمر لا يؤذي أحداً  
ثم نظرَتْ إليّ طويلاً قبل أن تقول :
– ” بعيداً عن ذلك , ربما يسرُّك أن تعلم أنّ العشرة الكبار قد أثنَوا عليك كثيراً لِما أنجزْتَه في هذه الفترة القصيرة ! ”
– ” لقد كنْتُ دائماً واحداً من هؤلاء الذين يقال عنهم إنهم يجيدون الفهم ولا يحسنون الحفظ … دعي المعلومات تُسَجَّلُ تلقائياً في ذاكرتي , وسيبهركِ ما أصنعه .. “
– ” الرجل المناسب في المكان المناسب ؛ لو كانتْ لك ذاكرة حديدية لما أفادَتْك بشيءٍ هنا “
ثم ابتسمَتْ في خبثٍ , وقالَتْ :
– ” سأنصرف الآن , هل أحتاج إلى أن أرجع القهقهرى ؟ ”
ردَدْتُ عليها الابتسامةَ بمثلِها ، وقلْتُ :
– ” أمّا الآن فلا , ولكنّي أضمن لك أن جلسة الليلة ستشمل هذا السؤال , وسأجيبُ عليه _ آنذاك _ بما لا يسرّكِ ”
نظرَتْ إليّ وهي تتظاهر بالاشمئزاز , وإن ظلَّتْ مبتسمةً , وقالَتْ :
– ” إخخخ ! … من باب الفضول ليس إلّا ؛ بماذا ستجيب على نسختي الافتراضية عندما تسألك ذلك السؤال ؟ ”
– ” لا أعتقد أنني أجرؤ على إخبارِكِ ! ”
– ” بهذا السوء ؟ ”
– ” حتّى أقرِّبَ لك الصورة : فإنه لن يكون ردًّا لفظيًّا … سأقوم …. “
قاطعَتْني :
– ” حسناً , لا أريد أن أسمع أكثر من ذلك “
– ” ليس هذا ما كنْتُ أوشك أن أقولَه … بل أردْتُ أن أشيرَ إلى أن هناك خياراً ما يتيح لأعضاء معينين أن يطلعوا على جلسة محددة , إذا أردْتِ فبإمكاني أن أجعل جلسة الليلة متاحةً للعضو ( اثنان وتسعون ) ؛ ويمكنكِ أن ترَيْ بنفسِكِ ما سيحدث .. “
– ” ولماذا أريد ذلك ؟ ”
– ” كما قلْتِ : من باب الفضول لا أكثرَ … ”
تردَّدَتْ قليلاً , وكأنها تزن خياراتِها , ثم قالتْ :
– ” مبدئيًّا : موافقة …. ولكنْ رجاءً لا تفهم من هذه الموافقة أيَّ شيءٍ آخر “
أجبْتُ في سخريّة :
– ” أوه ..لقد كنْتُ أخطط ليوم زفافِنا من الآن .. شكراً على تخييب ظني ! ”
ضحَكَتْ ضحكة خافتةً , ثم فكَّرَتْ في شيءٍ :
– ” من باب المعاملة بالمثل _ ليس أكثر _ ؛ أعتقد أنني سأسْمح للعضو ( مئة واثنان ) بالاطلاع على جلستي في هذه الليلة أيضاً ؛ سأرى ما تريد صنعَه بي , وسترى ما أريد صنعَه بك .. “
لم تكَدْ تذكر ذلك حتى فطِنَتْ إلى اعترافِها , وأرادَتْ أن تتراجع , ولكنّي انتهزْتُ الفرصة , وقلْتُ:
– ” بي ؟! ”
بدأتْ حمرةُ الخجلِ تنتشر في هذين الخدّين الأسيلين ( في الواقع كانتْ هذه فرصةُ لمقارنة الواقع الافتراضيّ بالواقع , وقد دهشْتُ من نتيجة المقارنة ؛ كان الأمر لا يختلف في شيءٍ عن حمرةِ خجلِها في تلك الجلسات ؛ هذا الجهاز استثنائيٌّ ! ) , ثم قالَتْ :
– ” هذا لا يعني أيَّ شيءٍ ؛ إنني أرغب في التنويع ليس أكثر , أنت شيءٌ جديدٌ هنا , ولذا فعقلي يجرّب خياراتٍ جديدة ”
كانَتْ على حافّة الاعتراف , ولا تحتاج إلا إلى دفعة بسيطة لتتخلى عن تمنّعِها , فقلْتُ _ وأنا أصطنع الجدّيّة _ :
– ” أنا أصدقكِ ! ”
زاد احمرارُ خدَّيها , ثم قالَتْ همسًا _ وقد تخلَّتْ عن محاذيرِها _ :
– ” اليومَ : سنبدأ جلستَيْنا في الثامنة , وننهيهما في التاسعة ؛ ثم يطالع كلٌّ منا جلسة الآخر وينتهي منها في العاشرة ؛ ثم نلتقي في غرفتي بعد ذلك ؛ … لتبادل الملاحظات ليس أكثرَ ”
– ” كميّة الملاحظات التي سنتبادلُها !  سيكون الأمر أقربَ بإعدادِ بحثٍ مشترك ! ”
عضَّتْ شفتَها بأسنانِها…. ثم دنَتْ من أذني , وقالَتْ :
– ” عندما أغادر لغرفتي الآن , فبإمكانِك أن تنظر كما تشاء ؛ في الواقع إنني أرغبُ في ذلك … وسأجيب على السؤال الذي سيخطر لك حينَها مِن الآن : ليس تحتَه شيءٌ ”
– ” المعذرة , ما هو السؤ.. “
لمْ تمهلْني حتى ولَّتْ منصرفةً …
إما أن تكون الأرضية قد تحوّلَتْ إلى طينٍ موحلٍ , وإما أن تكون مشيتُها هذه متعمّدةً …
ولمّا كانتْ قد أذنَتْ لي في النظر؛ بل لقد قالَتْ إنها راغبةٌ في ذلك حتى … فقد علَّقْتُ بصري بما أرغب أكثر من أيِّ شيءٍ آخرَ في تعليق بصري به , وسرعان ما قفز السؤالُ الذي أجابَتْ عليه مسبقًا إلى ذهني : ما الذي ترتديه دون هذا البنطال ؟
والجواب كما ذكَرَتْ : ليس تحت هذا البنطال أي شيءٍ ؛ إنه من الضيقِ بحيث أرى حدود أيّ شيءٍ تحتَه لو كان موجوداً ؛ ولا حدودَ   
وعندما قارنْتُ أداء الجهاز بالأصل الواقعيّ , بدا لي لأوّل مرة عدم قدرتِه على نقل هذه الحركة الفتّانة لتلك المؤخرة المُثْقَلَة…أعتقد أن الجهاز معذورٌ ؛ هذا الذي أراه غيرُ قابلٍ للنقل ؛ إنه يُدْرَك على مستوى كموميّ ؛ أنْتَ بحاجة إلى ( نظريّة كل شيءٍ ) حتى تلمّ بأبعادِه ….
كنّا نتبادل ذلك الحوار في إحدى الممرّات , ولذا فعندما عادَتْ لغرفتتِها فقد سارَتْ مبتعدةً عني إلى أحد التقاطعات , وسرعان ما استدارَتْ لتسيرَ في واحدٍ من تلك الممرّات المتشعبة , وغاب عني ردفاها الملاصقان للبنطال …
ثم عادَتْ مرّةً أخرى للظهور من ذلك الممرّ , ومشَتْ تجاهي , فاستغربْتُ , ولكنّها لم تتوقفْ عندي , بل قالَتْ عندما حاذَتْني :
– ” نسيْتُ أنّ غرفتي من تلك الجهة … بالمناسبة : إن لعابَك … ”
وأشارَتْ إلى جانبِ فمي , فانتبهْتُ إلى أن هذه الحسناء المنظرانيّة قد سال لها لعابي حرفيًّا , ومسحْتُ فمي بجانب يدي , فغمزَتْ لي , واستمرّتْ في مشيِها المُتَبَهْكِنِ إلى الجهة الأخرى …
وتحوّل ناظراي الحديدان إلى حديدٍ , واستُها لمغناطيس ؛ هذان الردفان سيدنيانني إلى حتفي ؛ في الواقع لقد كفرْتُ بذلك الجهاز ؛ من أين له أن ينقل هذا ؟! هذا الذي أراه لا يمتُّ لدنيا البشر بصلة ؛ إنه معنىً سامٍ مطلقٌ  .. أنا مستعدٌّ أن أتخلى عن كلّ ما أملك مقابل لمس هذين الكوكبين النورانيين  _ واقعيًّا , فقد أوسعْتُهما لمسًا في جلساتٍ افتراضيّةٍ كثيرةٍ  _ …
وغاب الردفان وصاحبتُهما عن عينيّ , وغادراني في أمانيّ بأن تتاح لي الفرصة لمسّهما وعضّهما وستْهِهِما وإتيانِ كلّ فعلٍ يتصل بهما ……
لم أكنْ أعرفُ _ حينَها _ أنّ أمنيتي هذه ستتحول إلى واقع ( ليس افتراضيًّا , وإنما واقع عادي مِن المتوفّر بدون تكنولوجيا متقدمة أو غير متقدمة) في تلك الليلة , ثم في الليلة التي تليها ، ثم في الليلة التي تليهما , … في الواقع لقد استمرّتْ اجتماعاتُنا _ البحثيّة _ لليال طويلة حتى نسيْتُ العدّ ..
وإن كان لي أن أعلّق تعليقًا أخيراً على قدرة هذا الجهاز / الخوذة على محاكاة الواقع فسأقول :
 في كل النواحي التي جرَّبْتُ فيها هذا الجهاز كان مثاليًّا …يَسْهُل جدًّا أن ينسى الشخصُ أنه في واقع افتراضيّ  ويصدق أن ما يراه هو الحقيقة ….
في كلّ النواحي عدا ناحية واحدة ؛ …
 إذا كنْتَ قد سبق لك أن طالعْتَ مؤخرةً فعمة بضّة رَخْصَةً رداحاً على الحقيقة , وعرفْتَ كيف يبدو هذا الجزء الملائكيّ من الجسد … فإن هذا هو مفتاحُك للتمييز بين الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي ؛ لا يوجد واقع افتراضي _ سواءً صمَّمَتْه ( واحد ) أو صمَّمَته ( مليون ومئة ألف وواحد ) _ قادرٌ على نقل هذه الروعة وهذا الكمال وهذا الجمال بكلِّ تفاصيلِه , سيقترب ولكنه لن يبلغ نفس المرتبة …..
ستظلّ هذه الأرداف الريّانة دائماً هي نقطة تفوّقِ الطبيعة على الفنّان ..  مهما علا قَدْرُ الفنانِ وارْتَفَعَ ….
 ____________________________________________

قصة : النواسيّ ! ( إكس / م )


قصة : النواسيّ ! ( إكس / م )
بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين جماعةٍ من الذكور . وعلاقةً جنسيّةً بين أنثى وذكر على غير النهج التقليدي الذي أشار إليه الفرزدق في قوله ( وأعطيْتَ ما تعطي الحليلةُ بعلَها )  , فإن كانت هذه أو تلك تسوؤك / تسوءك, فقد نوهنا بهما . 

تنويه 3 _ وهو فرعٌ على تنويه 2 _ : من الجليّ أن كل الأفراد الذين يشاركون في أي سلوك جنسيّ في هذه القصّة وغيرِها من قصص المدوّنة قد تجاوز سنُّهم الثامنة عشرة .

 ولأن هذه القصة بالذات تشير في الجزء الخاص بالتصدير إلى نصوص من الأدب العربي القديم , ومعلومٌ أن الأدب العربي القديم كان يقصر المثلية الجنسية _ تقريباً _ على اغتصابِ القصّر الذين يشار إليهم بالمرد أو غير ذلك , وجبَ التنبيه إلى أن الكاتب ينصّ على رفضه القاطع لذلك الفكر , وأنه يرى في صواب تجريم ممارسة أي فعل ذي طبيعة جنسية يفعله شخصٌ بالغ بأيّ طفل لم يبلغ السنّ القانونيّ … وأن هذا الفعل يكون آنذاك اغتصاباً لأنه لا تتوفّر فيه الموافقة حتى لو تُوُهِّم وجودُها …

فإن كان هذا مما يسوؤك/ يسوءك , فتلك كارثة  .

تنويه 4 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 5 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

(تصديرٌ)

يُعْتَبَرُ الحسَنُ بن هانئ _ وكنيته أبو نواس _ ( 756 – 814 م )  واحداً من أشهر شعراء العصر العباسي والأدب العربي عموماً …

وقد أدَّى ولعُه بوصف الخمر والغزل الصريح إلى إكسابِه سمعةً لا تزال ممتدّةً حتى عصرِنا هذا …

ولعلّ ابن المعتزّ كان موفّقًا إلى حدٍّ بعيدٍ عندما وَصَفَ سمعتَه عند الناسِ بقوله _معقباً على إحدى القصائد الماجنة_ :

((وهذا الشعر مما ينحله العامة أبا نواس. وذلك غلط، لأن العامة الحمقى قد لهجت بأن تنسب كل شعر في المُجُون إلى أبي نواس، وكذلك تصنع في أمر مجنون بني عامر : كلُّ شعْرٍ فيه ذِكْرُ ليلى تنسبه إلى المجنون. ))

ومعلومٌ أن مجنون ليلى قد قَصَرَ ديوانَه وحياتَه كلَّها على حب ليلى , حتى اعتقد الناس أن كلَّ شعرٍ في محبوبةٍ اسمُها ليلى هو له , فإذا بلغ أبو نواس في “المجون” حدًّا يعتقد معه العامة أن كل شعرٍ ماجنٍ من نصيبه فإن هذا يوضح في جلاءٍ ما اتصف به هذا الشاعر من ” مجونٍ ” مفرطٍ .

وفي هذا التصدير سنعرض بضعة نصوصٍ من كتب لمؤلفين مختلفين , وهذه النصوص ستلقي بعض الضوء على نشأةِ ذلك الشاعر الكبير , ثم ستكون القصّةُ _ فيما بعدُ _ مستلهمةً  لهذه النصوص  .

النص الأول من كتاب طبقاتِ الشعراء لابنِ المعتز ( 861 – 908 م ) الخليفةِ العباسي حفيدِ حفيدِ هارون الرشيد _ وقد كان هارون الرشيد ممن مدحهم أبو نواس , فهذا النص كَتَبَه حفيدُ حفيدِ ممدوحِه _  , ويبيّن لنا هذا النص الطويل نسبيًّا بعضَ الصفات التي اتّسم بها والبة بن الحباب ( ؟ – 786 م )  _أستاذ أبي نواس _ , والتي تُعْتَبَرُ مدخلاً لفهم شخصية أبي نواس  :

(( أخبار والبة بن الحباب

حدَّثني عبد الكريم بن عبد الرحيم الأنباري قال: حدَّثني إسماعيل العمري قال: رأيْتُ الحسنَ بن هانئ غلاماً مع والبة بن الحباب

_صغيراً مليحاً نادراً_، يَخْدِمُه ويتصرَّف في حوائجه الخفاف .

ووالبة هو الذي أدَّب أبا نواس.

 وحدثني محمد بن الهيثم الموصلي قال: حدَّثني العامري وإبراهيم بن عقيل قالا: قال والبة : رأيت إبليس فيما يرى النائم كأنه أتاني فقال لي: ترى غلامك الحسن بن هانئ هذا؟

قلت: ما شأنه؟

 قال: إنّ له لشأنا والله لأغوينّ به أمة محمد عليه السلام، ولألقينّ

محبته في قلوبهم .

ومما يُسْتَحْسَنُ لوالبة:

أحْسَنُ من درٍّ ومرجانِ     ||    آثارُ إنسانٍ بإنسانِ

قد عَضَّه ذو حَنَقٍ مُشْفِقٌ   ||      وقلبُه ليس بغضبان

عاقَبَنَي منتقماً جُهْدَه    ||     وقد جزاني كلَّ إحسانِ

لو كان يدري أنه محسنٌ  ||      بَدَّل إحساناً بهجران

ولوالبة في المجون والفتك والخلاعة ما ليس لأحدٍ، وإنما أخذ أبو نواس ذلك عنه.

ومما رُوِيَ لوالبة في المجون:

شرِبْتُ وفاتكٌ مثلي جموحٌ ||   بـ(غمَّى) بالكئوسِ وبالبواطي

يعاطيْنا الزجاجةَ أريحيٌّ     ||    رخيمُ الدلِّ بُورِكَ من مُعَاطِي

أقول له _على طربٍ_ ألِطْنِي    ||     ولو بمُؤَاجِرٍ عِلْجٍ نباطي

فإنَّ الخمْرَ ليس تطيب إلاّ    ||     علي وَضَرِ الجنابة باللواطِ

وله أيضاً في ذلك:

قد قابلَتْنَا الكئوسُ    ||     ودابرَتْنَا النحوسُ

واليوم هرمزُ روزٍ   ||      قد عظمَتْه المجوسُ

لم تُخْطِهِ في حسابٍ   ||      وذاك مما تسُوسُ

ونحن عندَ عميدٍ      ||   قد غاب عنا البسوسُ

نُعِير كأساً , وكأساً     ||    أوصى بها جَالِنُوسُ

أنا وجيٌّ عروسٌ       ||  والكأسُ أيضاً عروسُ

يسقي العروسُ عروساً   ||      إحداهما الخندريس

حتى إذا ما انتشينا        || وهزّنا إبليسُ

رأيْتَ أعجبَ شيءٍ   ||      منّا _ونحن جلوسُ_ :

هذا يقبّلُ هذا   ||      وذاك هذا يبوسُ

وهذا الشعر مما ينحِلُه ( ينسبه ) العامةُ ( إلى ) أبا نواسٍ . وذلك غلطٌ، لأن العامةَ الحمقى قد لهَجَتْ ( اعتادتْ ) بأنْ تنسبَ كلَّ شعرٍ في المجون إلى أبي نواس، وكذلك تصنع في أمر مجنون بني عامر ؛ كلُّ شعْرٍ فيه ذِكْرُ ليلى تنسبه إلى المجنون.

وحدثني اليزيدي قال: حدَّثني أبو سلهب الشاعر قال: كان والبة بن الحباب ماجناً خليعاً. ما يبالي ما قال ولا ما صنع. وكان منزلُه في آخر زقاق لا منفذ له. فكان إذا أتاه السائلُ ( المتسوّلُ ) يسأله، يتركه حتى يطيل ( الوقوف على البابِ) ويُكْثِرُ ( الطلبَ ) ولا يجيبه ( لا يفتح له البابَ ) ، فإذا عَلِم أنه قد انصرف ومشى إلى طرف الزقاق- والزقاق طويل جداً- فتح بابه ثم ناداه، فيجيبه: لبيك لبيك، يظن أنه قد أخرج له شيئاً ( أنه سيعطيه مالاً )، ويُقْبِلُ نحوه، فإذا قَرُب منه قال: صنع الله لك ( وسّع الله عليك ) .

وحُدِّثْتُ أنّ المهدي ( الخليفة العباسي والد هارون الرشيد ) ذَكَرَه ( في مجلسه ) ذات يوم فقال: ما أشعرَه وأملح شعْرَه! وهو مع ذلك أديبٌ واسعُ الحفظ.

فقال له بعضُ مَنْ في مجلسه: ما يمنعك من منادمته؟

 قال: يمنعني من ذلك قوله :

قلْتُ لساقينا _على خلْوةٍ_ :      ||     أدْنِ _كذا_ رأسَكَ من راسِي

وادْنُ , فَضَعْ صَدْرَكَ لي _ساعةً_؛     ||    إني امْرؤٌ أنْكِحُ جُلّاسِي

فتريد أن ينكِحَنا _لا أمَّ لك_ ؟! ))

وفي مكانٍ آخرَ من الكتابِ نفسِه :

(( …. ومات والدُهم هانئُ ( أبو أبي نواس ) _ وأبو نواس صغيرٌ_ فنقلتْه أمه ( أمُّ أبي نواس )  إلى البصرة وهو ابنُ ست سنين، فأسلَمَتْه إلى الكُتَّاب، فلما ترَعْرَعَ خَرَجَ إلى الأهواز، فانقطع إلى والبة بن الحباب الشاعر، وكان والبةُ يومئذ مقيماً بالأهواز عند ابن عمِّه النجائي وهو واليها ( كان النجائيّ والي الأهواز ) ، فأدَّبَه وخَرَّجَه.

وكان أبو نواس وضيئاً صبيحاً , فَعَشِقَه والبةُ وأعْجِبَ به، وعُنِيَ بتأديبِه حتى خرج منه ما خرج. ))

أما الجاحظ ( 780 – 869 م )  _ وهو من أئمة المعتزلة _فقد كان أكثرَ عنفاً من ابن المعتز , فقد تحدَّثَ صراحةً عن رأيِه في والبة بن الحباب فذكره في الزنادقة , فقال في كتابه (الحيوان) :

(( ذِكْرُ بعْضِ الزنادقة

وكان حمّادُ عجرد، وَحَمَّاد الرّاوية، وحمّادُ بن الزّبرقان، ويونس بن هارون، وعلي بن الخليل، ويزيد بن الفيض، وعُبادة , وجميل بن محفوظ، وقاسم، ومطيع، ووالبة بن الحباب، وأبانُ بن عبد الحميد، وعمارة بن حربية، يتواصلون وكأنهم نفس واحدة .

 وكان بشّار ينكر عليهم .

ويونس الذي زعم حمادُ عجْردٍ أنّهُ قد غَرَّ نفسه بهؤلاءِ، كانَ أشهَرَ بهذا الرّأي منهم، وقد كان كتبَ كتاباً لملك الرُّومِ في مثالب العرب وعيوب الإسلام ، بزعمه. ))

ثم نصل إلى النص الأخير والذي كتبَه أبو الفرج الأصفهاني ( 897 – 967 م ) الأموي _ حفيدُ الخلفاءِ أيضاً , فجَدُّه السادس هو الخيفة الأموي مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويّين _ في كتابه ( الأغاني ) , ويروي لنا هذه القصّة التي سينقلها عنه كتّابٌ آخرون فيما بعد بصيغ متقاربة : 

((  أخبرني عمي، قال: حدثني أحمد بن أبي طاهر قال: حدثني ابن أبي فنن، قال:

… وكان والبةُ أستاذَ أبي نواس، وعنه أخَذَ , ومنه اقتبس، قال: وكان والبة قد قَصَدَ أبا بجير الأسديَّ وهو يتولى للمنصورِ الأهوازَ، فمَدَحَه وأقامَ عنده، فألفى أبا نواس هناك وهو أمردُ ، فصَحِبَه وكان حسنَ الوجْهِ، فلم يزلْ معه .

 فيقال: إنه كَشَفَ ثوبَه _ليلةً_ فرأى حُمْرَةَ أليتَيْهِ ( رِدْفَيه ) وبياضَهما، فقَبَّلَهما , فضَرَطَ عليه أبو نواس، فقال له: لِمَ فعلت هذا ويلك؟!

 قال: لئلا يضيعَ قولُ القائلِ : ما جزاء من يُقَبِّلُ الاستَ إلا ضَرْطةٌ ! ))

بَقِي أن نشير إلى أنّ حياة أبي نواس _ من وجهة نظر بعض النقاد _ لم تكُنْ _كما شاع عنها_ حياةَ لهْوٍ وهزلٍ ومجونٍ وخلاعة …ولكنه أغرى الناسَ باعتقادِ ذلك خوفاً مِن أن يكشفوا حقيقة ما يعانيه من استياء ورفض للظلم الاجتماعيّ الواقع عليه بسبب كونِه مولًى ( ليس عربيَّ الأصل ) , وبسبب ما شاع من مظالم الحكام ورجال الدولة التي لم يستطع أن يقاومَها _ كما تملي عليه طبيعتُه العلميّة والأدبيّة _ خوفاً من أن يناله بطشُ هؤلاء الحكام , فلجأ إلى الخمر يهرب إليها وبها من همومه وعذاباتِه …

ولو جاز لنا أن نعلّق على رأي هؤلاء النقاد لقلْنا ما قاله المثل : المرْئِيّ في الرائي !

الأقربُ إلى الصحّة _ فيما نرى _ أن أبا نواس لم يكنْ بهذا التوجّه ” الرومانسيّ”  على الإطلاق , بل إن جاز اختزاله في قالبٍ ما , فهو قالب المجون والخلاعة الذي خلعه عليه الأقدمون …

وبإمكان النقاد المعاصرين أن يذمّوا نظم الحكم في تلك الفترة , أو أن يتحدثوا عن رأيهم في الطبقية الاجتماعية والعداء للأجانب في الدولة الأموية والعباسية , ولكن محاولتهم اصطناعَ حلفاء بأثر رجعيّ عن طريق ليّ أعناق النصوص وتحميلها ما لا تحمله , لن ينتج عنه أكثر من فقدانهم مصداقيَّتَهم لدى المتلقي …

وعليه فأبو نواس الحقيقي _ على الأغلبِ _ هو أقربُ إلى أبي نواس (ألف ليلة وليلة) منه إلى أبي نواس (أمل دنقل )!

*****************
– القصة :-
( 1 )
من كتابِ أبي نواس الحسن بن هانئ إلى عنان جارية الناطفي
…. وذكرْتِ أنكِ تَجِدِين من الأنس بي وعدم احتشامي ما أغراكِ بسؤالي عن شيءٍ بلغكِ عنّي ولا زال يشغل بالكِ منذ بلغكِ , وأنّه لا تزال بكِ بقيّةٌ من حياءٍ فلم تقدري على مخاطبتي به فأرسلْتِ إليّ في هذا الكتابِ سؤالَكِ عنه …
ثم إنني قلّبْتُ الكتابَ ظهراً لبطنٍ فلم أر فيه سؤالاً ولا ما يشبه السؤال , فقُلْتُ لعله لغزٌ ما .. فأطلْتُ النظر في الكتابِ فلم أنتهِ إلى شيءٍ ..
ولما ساءني أن يقتصر كتابي إليكِ على ما سبق , فإنني رأيْتُ أن أجتهد أنا في حزْرِ ما لعله قد بلغكِ عني ..
فإنّ ما بلغك لا يعدو أن يكون أحدَ شيئين : إما أن يكون صدقاً فأنا _ولا بُدَّ_ عالمُه , وإما أن يكون كذبًا لا أصلَ له , فيكون على إحدى حالتين : أنه كذبٌ شاع عني وانتشر , حتى بلغني خبرُه كما بلغ الناسَ ؛ فأنا _ وإن لم أكنْ أول من علمَه _ قد علمْتُه سماعاً عمَّنِ اختلقَه , وإما أن يكون كذبًا لم يشِع بين الناس  فلم يبلغني خبرُه , وكونه كذلك بعيدٌ ؛ لأنه بلغكِ أنتِ _ مع أنكِ لسْتِ ممن يتتبع عوراتِ الناس ( مجازاً  , وإلا فولعكِ بتتبع عوراتهم على الحقيقة لا يجهله أحدٌ ) _ فلا بد إذن من أنه خبرٌ شاع بين الناس إن صدقاً وإن كذباً .
وعليه , فما بلغَكِ معلومٌ لديّ , فلم يبقَ إلا أن أحدس ما هو ..
وقد رأيْتُ أن أستفيض في وصْفِ ما أعتقد أنه هو الذي بلغكِ عني , حتى تشفع الإطالةُ في الوصف في احتمال كون الموصوف ليس المطلوبَ لديكِ ؛ فتكوني كالتي ابتاعَتْ غير حاجتِها فلما عادَتْ إلى بيتِها قالتْ : ” ليس هذا ما قصدْتُ إلى شرائه , ولكنّه كثيرٌ عميمٌ , ففي كثرتِه _على رخص ثمنه_ ما يغني عن كونه ما أردْتُه ” , فهذه بعضُ الأخبار التي أحسب أن فيها ما بلغكِ عني ومنعَ النومَ عن عينيكِ …
 وستَرَين سوءَ ظني بكِ ؛ فليس في هذه الأخبارِ إلا ما هو مغموسٌ غمسًا بالمجون , معجونٌ عجنًا  بالخلاعة ؛ لأني لا أحسب أنّ شيئاً يشغلكِ إلا وهو من هذا الصنف ..
وسترين تبصري بالعواقب ؛ فإنني ذكرْتُ آنفاً أن ما بلغكِ قد يكون صدقاً أو كذباً , ولكني لن أبيّن أهذه الأخبار من الصدقِ أم من الكذب , حتى إذا رفعْتِ أمري إلى السلطان _ ولن تفعلي _ وجدْتُ لي مخرجاً ؛ أنني إنما أخبرْتُكِ بما بلغني أن الناس يقولونه عني , ولكني لم أفعلْ مِنْ ذلك شيئاً , وإنما هم مفترون .
وأنا أرتّب هذه الأخبار على زمان وقوعها _ حقيقةً إن كانتْ حقيقةً , أو وهماً إن كانتْ مما افتراه عليّ الناس _ ..
فأوَّلُ ما أبدأ به خبرٌ سبق وقوعُه مولدي بسنين , وذلك أن أبي كانتْ زوجتُه عاقراً لا تنجب , وكان أبي يرغب في الولد , ومع ذلك فهو فقيرٌ لا يقدر أن يتزوج غيرها , فعزم على أن يتسرى بجارية لعلها تحمل منه , وأبلغ أمي بما عزم عليه , فعظم الأمر على أمي وأقسمَتْ بالله لئنْ فَعَل فلن يجمعها به بيتٌ واحدٌ , فترك أبي ما كان عزم عليه … وساءَه أنه يموت ولا عقبَ له … وظل حزنُه يزداد يوماً بعد يوم حتى  بلغ به الحزنُ إلى أن كاد يترك الكلام ولا يردّ على الناس إلا إيماءً , فحزنَتْ أمي لحزنه وكادَتْ أن تجيبه إلى شرائه أمة لعله يُرْزَقُ منها الولدَ …
 ثم صادف أن أمي كانتْ عندها بعضُ صواحبِها ذاتَ يومٍ , فرأتْ صاحبتُها ما هي عليه من الأسى , فسألتْها عن سبب حزنها , فسكتَتْ أمّي , فلما ألحَّتْ عليها صاحبتُها أخبرَتْها بالخبرِ , فقالتْ صاحبتُها _ وكانتْ أمُّها أعلمَ أهل زمانها بالكهانة والسحر _  : إن شئتِ جمعْتُ بينكِ وبين أمي فتطرق لكِ بالحصى لتنظرَ ما يكونُ فيه ذهابُ عقمكِ , فترزقي بالولد , فسُرَّتْ أمي بذلك سروراً شديداً , فلما ذهبَتْ إلى أم صاحبتِها , ونظرَتْ تلك في أمر أمي , قالتْ لها : إني أرى أنكِ سترزقين بالولد , ولكنّ ولدكِ له خطب عظيم وستنتهي إليه رياسةُ أهل المجون والخلاعة , فلا سبيلَ إلى أن تحملي به كما تحمل النساءُ بأولادهنّ , فقالتْ لها أمي : فكيف أحمل به ؟ قالت الكاهنة : تتمنّعين على زوجكِ أياماً وأنتِ ترتدين له كلَّ يومٍ أحبَّ الثيابِ إليه وتتزينين له , حتى إذا عيلَ صبرُه واشتدَّ غضبُه واعدْتِه على أن تبلّغيه مرادَه في تلك الليلة , حتى إذا صرتما إلى مضجعكما لم تتركي شيئاً سمعْتِ أن النساء يفعلْنه مع أزواجهنّ إلا وفعلْتِه معه , ولا يمنعكِ الحياءُ عن ذلكَ وإلا فسد الأمر كلُّه , فإذا تم ذلك بلغْتِ مرادَكِ , ورزقْتِ الولدَ …
وكانتْ أمي غريرةٌ فسألَتْ الكاهنة عما تفعله النساء والرجال غير الجماع , فضحكَتْ منها وهي تحسبها تعبث , فلما رأتْ صدقَها , أقبلَتْ تقص عليها أخبار المواجن وألاعيبَهنّ وأمي تزداد خفراً وحياءً , فلما فرغَتْ من قصصها , قالتْ أمي : لا سبيل إلى فعلِ ذلك مع زوجي , وإني لأستحيي من أن أسمي أمامه الجماع باسمه , فكيف بما ذكرْتِ ؟ فقالتْ الكاهنة : لا سبيل إلى الولد إلا بالذي ذكرْتُ لكِ … فعزمَتْ أمي على فِعْلِ ما أخبرتها به الكاهنة …
وكان أبي _ رحمه الله _ قد انشغل عنها بحزنه وخوفه من أن يموت أبترَ , فلما تزيَّنتْ وارتدَتْ ما يحبّه من الثياب همّ بها , فامتنعَتْ عليه , فخرج من عندها مغضباً , فلما كان اليومُ الذي يليه تكررّ منها فعلُها وتمنعها عليه وغضبُه , وظلا كذلك أيَّاماً حتى كاد أبي يغلق عقلَه الغضبُ والرغبةُ فيها , فلما رأتْه في تلك الحال واعدَتْه أن تجيبه إلى مطلبِه تلك الليلة على أن يجيبها هو إلى مطلبها أولاً , فسكت عنه الغضبُ , وقال : وما الذي تطلبينه ؟ فجاهدَتْ نفسَها جهاداً شديداً حتى حملَتْ نفسها على أن تقول : كذا وكذا _ مما كانتْ الكاهنةُ أخبرَتْها به _ فتبسّم أبي , وقال : إن كان هذا فالأمر هيّنٌ …
وتمّ الأمر كما أرادَتْه أمّي , وحملَتْ أمّي بي في تلك الليلة بعد أن أظهرَتْ لزوجها من أنواع الخلاعة والمجون ما تعجز عنه أمجن النساء …
 فتريْن أنني  _منذ جئتُ إلى هذه الدنيا_ وأنا فرعُ الخلاعة , أو أصلها , أو قسيمها نرتد معاً إلى أصل واحد .
ولا أرى أنّ هذا هو الخبر الذي بلغكِ ؛ إذ مِن أين لكِ أن يبلغكِ هذا  وما علم به _ إن كان حقاً _ أو سمع به _ إن كان كذباً _ إلا أقل القليل  ؟!  ولكني رأيْتُ أن أبدأ به لأوّليّتِه …
فأما الخبرُ التالي فمشهورٌ , ولا أدري من أين وقع الناس عليه _ إن كان حقاً _ أو مَنْ الذي جرؤ على اختلاقه _ إن كان مفترىً _ , ويقول الخبر :
أنَّ (والبة بن الحباب) قد بلغه عني أني هجوْتُه _ وكنْتُ قد أخذت عنه الشِّعْرَ , وصحبْتُه زماناً أتعلّم منه  _ فهاله أن يكونَ جزاؤه _وقد أدّبني_ أن أهجوَه , ولكنّه نظر إلى الشعر الذي زعموا أني هجوْتُه به فرآه ركيكاً وليس من شكل شعري _ وإنْ كنْتُ لمّا أبلغْ من العمر واحداً وعشرين عاماً آنذاك _ , ولكنه رأى أن يستوثق من ذلك… فزارني في بيتٍ كنْتُ قد اكتريْتُه أنا وجماعةٌ من أصحابي المشتغلين بالأدب , ولمّا طرق الباب فتحوا له _ ولم أكنْ في البيت _ , وأدخلوه وضيّفوه شيئاً , وسألهم عما أحدثْتُه من الشعر , فرووا له قصائد كنْتُ قلْتُها بعد مفارقتي له , فتأكّد لديه أن الشعر الذي بلغه ليس من شعري ؛ لِمَا رأى من جودة شعري وقوّتِه ,
وقال لهم : إني قد بلغتْني أبياتٌ زعموا أنّه صاحبُها , فرأيْتُ أن أزوره لأسأله عنها  
فقال أحدُ أصحابي له : وما هذه الأبياتُ ؟
فتردد والبة ثم أنشدهم ما بلغه من هجائه , فضحك أحدُهم , وقال :
وإن كان (الحسن) هو مَنْ قالها فأي شيءٍ كنْتَ تفعله به ؟
فقال والبةُ : ما كنْتُ لأهجوه وهو صنيعتي , ولكني كنْتُ لأؤدّبه حتى لا يعودَ لمثلِها …
فنظر إليه _ وكان ماجنًا _ وقال : فليته هو مَنْ قال تلك الأبياتِ , ثم ليتني كنْتُ مكانَه !
فردّ عليه صاحبٌ آخرُ _ وكان أمجنَ منه _ : حتى يكونَ ماذا ؟ فليس كلام أبي أسامة إلا جعجعة بلا طحن ! ولو حضره (الحسن بن هانئ ) فلا أدري أيهما كان يعلو صاحبَه !
فلما رأى صاحبي الثالث _ وكان حيَّيًا _ ما قاله صاحباه وما يوشك أن يقع بينهما وبين (والبة) , احمرّ خجلاً , وتعلَّل بشيءٍ حتى يغادر البيتَ , ثم ذهب إلى الباب وفتحه فقابلني لدى الباب _ وكانت حمرة الخجل لا تزال في خديه _ فلم أملك نفسي أن قبّلْتُه ودخلْتُ به إلى البيتِ وأغلقْتُ البابَ … ثم رأيْتُ (والبة ) , فسألْتُه  عما جاء به , فقال :
بلغني هجاؤكَ لي , فجئْتُ لأؤدبكَ ..
وكنْتُ أحسبه يقول جدًّا , فأقبلْتُ أعتذر إليه وأقسم أني ما قلْتُ فيه شيئاً , وأنني ما كنْتُ لأجازي إحسانه بالإساءة , ونظرْتُ إلى صاحبيّ فوجدْتها يتبسّمان , فاستربْتُ بالأمر , فقال لي صاحبي الحيِّي :
لقد سألَنَا عن قصائدك التي أحدثْتَها فلما سمعها استيقن أن ما بلغه ليس من شعرك , ثم إن (سعيداً) سأله _تماجناً عليه_ : ما الذي كنْتَ لتصنعه لو كانتْ له , فلمّا أخبره تمنى أن يكون مكانك , وهزأ به ( يزيد ) _ تماجناً أيضاً _ , وقال : لو أدركْتَ الحسن لكان هو من يعلوك !
فنظرْتُ إلى ( يزيد ) غيرَ مصدّقٍ لعربدتِه , وقلْتُ لـ(والبة) :
إن للهزل مقاماً وللجدّ مقاماً , ولقد أسرف صاحباي , وإني أعتذر إليك مما قالاه , وإن شئْتَ أن تتناولَهما بالأدب فافعل ..
فنظر إليّ ( يزيد ) و ( سعيد ) نظرةً أعلم ما وراءَها , وقال ( سعيد ) :
أما وقد أرادَ ( الحسن ) أن تقع علينا عقوبتُكَ , فنحْنُ نَصْدُقُكَ خبرَه , فإنّ تلك الأبياتِ التي بلغتْكَ هو قائلُها , وقد شهدناه وهو ينظمُها وينشدها , ولا شكّ في نسبتها إليه , واسأل ( يزيداً )
فأمّن ( يزيدُ ) على كلامِه , فقال ( والبة ) :
لا أراني أقبل منكما حقًا ولا باطلاً , ولكنّ هذا الشادن الحيّي صادقٌ عندنا , فإن قال بصدقكما أدَّبْتُ ( الحسن ) , وإن قال بكذبكما أدَّبْتُكما !
فتوجَّهَتِ العيونُ إلى ( ياقوت ) , وعلِم أنه إن قال هذه غضب عليه هذان وإن قال تلك غضبْتُ عليه أنا , فسأل ( والبةَ ) أن يعفيَه , فأظهر له ( والبة ) الجدّ , وقال :
إن لم تخبرني بكون الأبيات لـ ( الحسن ) أم لا , بدأتُ بتأديبِكَ أنت قبلَهم !
فظلّ ( ياقوتُ ) على تردّده , فقام إليه ( والبةُ ) وهو يُظْهِرُ الغضبَ عليه , فلما دنا منه أنساه جمالُه ما كان ينوي فعلَه , فأطال النظرَ إليه وقد بُهِتَ , ثم حاول أن يقول شيئاً فلم يقدر , وبلغَه ضحكُ ( سعيد ) و(يزيد) هزءًا به , فأراد زجرَهما , فلم يُطِق صَرْفَ نظره عن ( ياقوت ) , ولم يقلْ شيئًا ,  فقال ( سعيد ) معابثاً :
لَعَمري لَقَد غالَبتُ نَفسي عَلى الهَوى   ***    لِتَسلى فَكانَت شَهوَةُ النَفسِ أَغلَبا
فلمّا سمع ( والبةُ ) الشعرَ , أقبل بوجهه على ( سعيد ) وقال :
لِمَن هذا ؟
فابتسم ( سعيد ) وقال :
لعلّه من شعر ( الحسن ) , ولكني لن أخبرك بكونِه كذلك أم لا … فإذ لم أفعل , أفلا يصحّ في حقي ما صحّ في حق ( ياقوت ) قبل قليل ؛ أني إذا لم أعلمْكَ بقائلِ البيت كنْتُ أوَّلَ من تبدأ بعقابه ؟
فنظر إليه ( والبة ) وقال :
فكذلك إذاً , ولكني أخشى عليك من سطوتي وشدة ضربي , ولا أريد أن أزيد في عقابك على الحدّ الذي أرتضيه , فلو كشفْتَ عن جلدِك حتى أعلم من لونِه إن كنْتَ قد نلْتَ كفايتَك ..
فلم يتمَّ ( والبة ) كلامَه حتى نزع ( سعيد ) ما عليه , ووقف أمامه عرياناً ,  ثم قال ( سعيد ) _ وقد رأى انشغال ( والبة ) بالتملي في محاسنه_ :
أأنا أملحُ عندك أم ( الحسن ) ؟ فإني لا أشك أنه سبق إليه منك نظراتٌ كثيرة فيما مضى .
فقال ( والبة ) _وقد رآها فرصةً سانحةً _ :
لا يُحْكَمُ والغريمُ غائبٌ ..
ثم أشار إليّ بأن أنزع ثيابي , ففعلْتُ , ثم جعلني أقف إلى جوار  ( سعيد ) وعيناه تتنقلان بيني وبينه , ثم قال :
لا أرى سبباً لقصْرِ الموازنة عليكما دون صاحبيكما ..
وكأنّ ( يزيدًا ) كان مترقّباً لمثل هذا القول , فتعرّى , ووقف جوارَنا , وعادَتِ العيونُ ترقب ( ياقوت ) الذي ظل واقفاً مكانَه , وقد ازداد خفراً وحياءً , فسار إليه ( والبة ) ونزع عنه ملابسَه وهو يتنفس صعداً , حتى إذا عرّاه أبقى يديه على جسده وكأنه يتمنى أن يكون عليه مزيدٌ من الثياب ليلامس جسمَه وهو ينزعها , وبدا وكأنه يريد أن يُبْعِدَ يديه عن جسم ( ياقوت ) فلا يستطيع …
ورأى ( يزيد ) ما هو فيه .. فسار إليه وأمسك بيديه , وسار به جهة وسادةٍ فأجلسَه عليها , ونحن نعجب من صنيعه , فلما استقر ( والبة ) جالساً استلقى ( يزيدُ) في حجره ,  كأنه عودٌ في حِجْرِ مغنٍّ , وعلَتِ استُه فكانتْ تقابلُ وجهَ ( والبة ) , فولّاها ( والبة ) بصرَه , ثم أهوى عليها يلثمها , ونظرْتُ إلى (ياقوت) وهو يرى فعْلَهما ,  وقد احمرّ خداه حتى حكيا الياقوت, فأمسكْتُ بيده وسرْتُ به إلى وسادة أخرى , وفعلْتُ به ما فعله ( والبةُ ) بـ ( يزيد ) , فلمّا علَتِ استُ ( ياقوت ) في حجري , أوليتها بصري , ثم لم أتمالك أن أهويْتُ إليها ألثمها … ونظر ( سعيد ) إلى ( ياقوت ) و ( يزيد ) وقد استقرّا في حجري وحجر ( والبة ) , ثم قال :
وَأُفْرِدتَ إِفرادَ الطَريدِ , وَباعَدَت    ||   إِلى النَفسِ حاجاتٌ وَهُنَّ قَريبُ
وأردْتُ أن أجيبه بشيءٍ , وكذلك بدا أن ( والبة ) يريد أن يجيز له البيتَ , ولكن انشغالَنا بغَمْرِ ما في حجرنا من الأستاه بالقبلات حال دون أن نردّ عليه بشيءٍ , فلما رأى انشغالَ كلٍّ منا بما بين يديه , قَصَدَ البابَ , وهَمّ أن يفتحه _ وهو عريان _ , فترك ( والبةُ ) ما هو فيه , وهرع إليه فأمسكه _بالكاد_ قبل أن يفتح البابَ , وقال :
ما حملك على ذلك ؟
فقال ( سعيد ) :
إني رأيْتُ كلاً منكما قد انشغل بما لديه , فأردْتُ أن أخرُجَ لأبحث عمن ينشغل بي .
فقبّله ( والبة ) , ثمّ قال  :
إني كنْتُ سأثنّي بك بعد صاحبِكَ ثم أثلّث بـ ( ياقوت )  , ولو بدأتُ بك لثنّيت بأحدهما وثلّثْتُ بالآخر , فما أعجلك على نصيبِك !
وطرق سمعي مقالتُه , فقلْتُ _ ووجهي لا يزال عند استِ ( ياقوت ) _ :
أرانا قد صرْنا ثلاثة , وعهدي بساكني هذا البيت أنّهم أربعة ؟!
فقال ( والبة ) :
إن رابعَهم قد شرِبْتُ منه حتى رويْتُ , فأنا أؤخِّره حتى أبدأ بالجديد ؛ فلكل جديد لذّةٌ !
فقلْتُ له :
صدَقْتَ ؛ لقد شرِبْتَ منه حتى رويْتَ ؛ حقيقةً لا مجازاً !
ولم يفطَن أحدٌ من أصحابي لما أردْتُه    ( ولعلّكِ أنتِ أيضاً يا ( عنان ) لا تفطنين لذلك , وإن كنْتِ أنتِ الأخرى قد شرِبْتِ من مولاكِ حتى رويْتِ , ولقد حكى لي مرّةً ما فعله بكِ … ولكن هذا خبرٌ يطول )
ولكنّ ( والبة ) فهم ما قلْتُه , وساءه أن أعلن سرّه على الناس _ حتى لو كان هؤلاء الناس عريانين مقبَّلِي الأستاه غير فاهمين لما قلْتُ _ ولكنه كان غاضباً , وأشار إليّ لأنهض , فقبّلْتُ استَ ( ياقوت ) مودعاً لها , وأزحْتُه وقمْتُ , فما أسرع ما حلّ ( سعيدُ ) محلّي على الوسادة , وجعل ( ياقوتَ ) في حجرِه , وصنع به ما كنْتُ أصنعه به , أما أنا فأدناني ( والبة ) منه حتّى عانقني , وأمرني أن أبْقِي يديّ ملتفتين حوله , ثم أمَر ( يزيد ) _ وكان لا يزال مستلقياً على الوسادة _ أن يقومَ بإزائي ويحطأ استي بيده , ففعل …
وكلما اشتدّ عليّ الألمُ من حطء ( يزيد ) لي , ازداد عناقي لـ ( والبة ) إحكاماً حتى كدْتُ أذوبَ فيه , فقبّل ( والبةُ ) صفحةَ وجهي , ثم أمر ( يزيدًا ) فتوقّف عن حطئي … ثم أدارني وأمر ( يزيداً ) أن يعتنقني كما رآه يفعل , فظنَنْتُ أنه سيحطؤني هو  , فخفْتُ , ولكنّه سار قليلاً حتى صار بإزاء ( يزيد ) , ففطن ( يزيد ) لما يريد صنعَه , وقال كالمعتذر :
وأنا ماذا صنعْتُ ؟
فقال له ( والبةُ ) :
ذكرْتَ أن وعيدي جعجعةٌ بلا طحن , ثمّ أمّنْتَ على كذبة صاحبك أن ما هجيتُ به كان من نظم ( الحسن ) , وإن شعر ( الحسن ) لا يخفى عليّ , ولكني أردْتُ اختبارَكم …
ثم التفت إلى ( سعيد ) وقال :
وإذا فرغْتُ من صاحبك فصِرْ في مكانه  ..
فرفع إليه ( سعيدُ ) عينيه كالموافق _ وأكثرُ وجهه لا يزال غائصًا في است ( ياقوت ) _ فتبسّم ( والبة ) .. ثم التفتَ إلى ( يزيد ) وشرع في حطئه , فازداد لصوقاً بي  _ ونحن عاريان _ , فلما فرغ ( والبة ) من حطئه وتوجّه إلى ( سعيد ) , سرْتُ أنا بـ ( يزيد ) إلى الوسادة التي كان ( والبة ) يجلس عليها , فأجلسْتُه مكانَ ( والبة ) , وهمَمْتُ أن أستلقي في حجره , ولكنّه أمسك بذراعيّ , ثم قرّبني إليه فعانقني جالسَين , وقد صيَّر رجليّ محيطتَيْن بخصره , وكان أطولَ مني , فتقابل وجهانا , فابتسَمْتُ له … وأشار برأسِه ؛ أن انظر وراءكَ , فالتفتّ فوجدْتُ ( والبةَ ) قد صنع بـ ( ياقوت ) مثلما صنع ( يزيد ) بي , ثم زاد على فعل ( يزيد ) فقبض على ردفَي ( ياقوت ) بيديه قبضاً شديداً , كأنه يريد أن يجعل كل ردفٍ في ناحية , ثمّ لثم فاه … و(سعيد) واقفٌ بإزائهما وهو ينظر إلينا , كأنه يشكو ما يلقاه من اشتغال ( والبةَ ) عنه بـ ( ياقوت ) , فأشرْتُ إلى ( سعيد ) أن يدنو منّا ففعل , ثم قمْتُ من مجلسي على فخذَيْ ( يزيد ) وأشرْتُ إلى ( سعيد ) أن يجلس مكاني , فلما فعل جلسْتُ بإزائه , وأهويْتُ بيدي إلى استه  , فتأوّه كالمتسائل , فقلْتُ له :
لا تنجو منها وأذوقُها أنا و( يزيد ) !
فأمّن ( يزيد ) على كلامي , فقال ( سعيد ) :
ولكنّ ( ياقوتَ ) نجا ؟
فقلْتُ له :
وما الذي فعله ( ياقوتُ ) حتى يعاقبَ لأجله  ؟
ثم أمطرْتُ ردفيه _وكان ستهماً _ بصفعاتٍ متتالياتٍ , وازدادَ رِدْفَاه تموّجاً  فاستحالتْ الصفعاتُ قبضاتٍ ولهانة , فكأن يدي قد صارتْ فماً وكانتْ تقبّل استَه فصارتْ تعضّها  … ثمّ لمّا لم يكْفِ ذلك في شفاء غلّتي تمدّدْتُ على الأرض حتى صار فمي بإزاء استِه , فلثمْتُ استَه وعضضْتُها على الحقيقة لا المجاز , و( يزيد ) لا يزال مشغولاً بوجه ( سعيد ) يلثمه ويعضه … فكنْتُ أنا أقبِّل أسفلَه و( يزيد ) يقبّل أعلاه … و(والبة ) يصنع مثل ذلك بـ (  ياقوت ) ولكن تقبيله لأسفل ( ياقوت ) على المجازِ لا الحقيقة .
وبِتْنا في أسعد ليلة وأهنئها .. ولولا أن هذا الكتابَ أبعث به إلى امرأة ” حيية , غريرة ” لأسهبْتُ في تفصيل ما انتهَتْ إليه ليلتُنا , ولكني أخشى أن تقولي : (تجاوَزَ الحدَّ وعدل عن القصْدِ ), فاكتفيت بما ذكرْتُ ..
فهذا خبرٌ ثانٍ , ولعله هو الذي بلغكِ , فإنني لا أفتأ يأتيني من مجّان العراق ومواجنه من يسألني عن هجائي لـ ( والبة ) وكيف كان ردّه عليّ , فإذا أمعنْتُ في وجه السائل أو السائلة , وكنْتُ _ كما تعلمين _ أحْسِنُ الفراسة , تبيّن لي أنه بلغه ذلك الخبر _ الذي هو صادق أو كاذبٌ كما أسَّسْنا _ فهو يسأل عنه , وإذا ردَدْتُ عليه أو عليها بردٍّ من نحو ( لم يكنْ ردُّه على هجائي أكبرَ ممّا سأرد به على سؤالك ) ثم احمرّ وجهه أو وجهها , وعلاهم البهر , وبدا أنهم يمنّون أنفسَهم الأمانيّ , لم أشكَّ في أنه بلغهم ذلك الخبرُ فشغل عليهم بالَهم _ كما شغل عليكِ بالكِ _ …
أو لعله خبرٌ آخرُ ذلك الذي بلغك , خبرٌ حدث لي عامَ أوّل _ أو افْتُرِي كذباً أنه حدث لي عام أول _  وقد بلغ القاصي والداني , فلعلّكِ ممن بلغه , وتفصيله :
أنني كنْتُ في بيتِ رجلٍ من أصحابي , وقد دعاني إلى شرابٍ وشواءٍ وليس عندنا أحدٌ , فبينما نحن في مجلسنا إذ سمِعْتُ صوتَ صراخٍ منكراً , وكأنه نادبةً تندب ميتًأ , إلا أنه صوتُ شابّ , وكان صاحبي يسمع الصوتَ فتنقبض نفْسُه , فلم أشأ أن أسألَه عنه حتى يكونَ هو من يخبرني عنه … فلم يلبثْ إلا هنيهةً _والصوتُ يعلو ويخفت _ حتى قال :
 أتدري ما هذا الصوتُ يا أبا نواس ؟
 فقلْتُ له : وما يعنيني مما يكونُ في أهل بيتِكَ , فكأني لم أسمع شيئاً  .
فقال لي : ولكني أنا قد ضقْتُ بالأمر ذرعاً , فأريد أن أخبرَكَ خبرَه .
فقلْتُ له : إذا شئتَ ..
فقال : إنني كنْتُ _ كما تعلم _ قد ضنَنْتُ بابني أن أرسلَه إلى الكتّاب , أو أن أبعث به إلى مؤدّبٍ يؤدبه . وقلْتُ في نفسي : أي شيءٍ سيجنيه من ذلك كلِّه ؟ وإنما ينتهي به الحالُ تاجراً مثلَ أبيه , وودَدَتُ أنا لو كان أبي قد اقتصر في تعليمي على مصاحبتِه في دكّانِه , بدلاً من الاشتغال بالأدب واللغة , ولم نجنِ من ورائهما شيئاً إلا التعبَ والنصبَ , إذ ليس كلُّ من يُرْسَلُ به إلى الكتاتيب يصير أبا نواس أو الجاحظ … فرأيْتُ أن بقاءه في بيتِه أصلح له , ولقد حسُنَ في عيني أنْ رأيْتُه _ وهو صبيٌّ _ لا يعاني ما تعانيه الصبية من العناء في طلب العلم والصبرِ عليه , وكنْتُ أكتفي باصطحابِه معي إلى السوق ليرى البيع والشراء ويعلم من ذلك ما يكون فيه معاشُه … فنشأ لا يعرف شيئاً من لغة أو خط أو تاريخٍ أو غيرِ ذلك إلا شيئاً من الحساب مما يحتاج إليه في سوقِه …
وكنْتُ حتى وقتٍ قريبٍ راضياً عن ذلك كلِّه , حتى جاءَ إليّ قبل شهورٍ , والحزنُ بادٍ عليه , وهو يقول :
 أدركني يا أبي ؛ فقد هلكْتُ .
فقلْتُ له : فداك نفسي , أتجد وجعاً فأرسلَ إلى الطبيب ؟
قال :  لا , ولكنّي رأيْتُ فتاةً في السوق فذهبَتْ بلبّي , واشتدّ حبُّها في قلبي , فذكرْتها لأمي ووصفْتُها لها , فقالتْ : إنه لا سبيل إلى زواجي بتلك الفتاة لأنها من المتأدبات الشواعر , ولا ترضى بأن يكون زواجها من جاهلٍ أميٍّ , فاشتدّ عليّ الحزن وفارق عيني النومُ , ورأيْتُ أن أخبرَكَ أني عازمٌ على الرحيل وعلى فراقك , فإني لا أطيق أن أقيم معها في بلدٍ واحدٍ وأنا أعلم أنه لا سبيلَ إليها .
فداخلني من الهم ما داخلني , وقلْتُ في نفسي : إنني أنا من فرّط في حق ولده , وهو يحسب أنه يُحْسِنُ له .. فأقبلْتُ عليه أترضّاه , وقلْتُ له  : ستجد في النساء من تغنيك عن هذه , ولو تسرَّيْتَ بأمةٍ تنسيك ما تجد , فإن النساء كلَّها ككلِّها , وإنما ينكر ذلك من لم يختبرِ من أمرهنّ شيئاً فهو يتوَهّم ما لا أصلَ له …. فلم يزِد على أن قال : لا ؛ لا أريد زواجاً ولا إماءً , وإنما أريد هذه , فإن لم يكن سبيلٌ إليها , فإنني سأترك تجارتك ودكانك , وأضرب في بلاد الأرض على غير هدى , فإنني لا يعنيني غيرُها …
فلمّا لم يقبل مني نصحاً , لم أجِد ما أحتال به عليه , إلا أن قلْتُ له : إن كانتْ إنما ترفض الزواج منك لجهلك علّمْناكَ , فإنك لا زلْتَ في مقتبل العمر , وما فاتك تدركه , فتنال منها مرادَكَ …
فقَبِل مني ذلك , فأرسلْتُ إلى معلّم صبيان ليعلّمه مبادئ الخط والعربية  , فلما علِم أنه إنما يُطلَبُ منه تعليم ابن ثمانية عشر عاماً , لا ابن ستة أعوامٍ  رفض , فألححْتُ عليه, فقبل على مضض , واشترط زيادةَ أجرِه , فقبِلْتِ , فلم تكن إلا أيامٌ حتى آيس ابني من أن يتعلم شيئاً على يديه , فطلب مني أن آتيه بمعلمٍ غيرِه , فقلْتُ له : وما يصنع المعلم ؟!  فإنّ طلب العلم عسيرٌ , وإن لم تحمل نفسَك عليه لم يغنِ عنك هذا المعلم أو ذاك !
فكأنّه لانَ لي , وعاد إلى معلمه  وهو عازمٌ على الاجتهاد والسهر في طلب العلم , ولكن عزيمتَه لم يطلع عليها النهارُ حتى عادَتْ شكوى وتململاً , فقلْتُ له : يا ولدي , إنني لا أجد شيئاً يصلح ليدفعك دفعاً إلى التعلّم  إلا ما كان يدفعنا نحن دفعاً إلى التعلّم , فقال لي : وما ذاك ؟ قلْتُ : أن تجعل لمعلمك من الحق في تأديبِك ما كان أهلُنا يجعلون لهم , فإذا استقرّ عندَكَ أنك متى قصَّرْتَ في شيءٍ نالك عقابُه , كان ذلك دافعاً لك على الاجتهاد … فاستغرب واستنكر أن يقع ذلك له , في سنه تلك , فقلْتُ له : إن الأمر إليك , فإن لم ترغبْ في ذلك فكما تشاء , ولكني لا أعلم شيئاً هو أنجع في حثّك على الاجتهاد من ذلك .
فوافق على مضض , وهو يمنّي نفسَه أن تكون تلك الفتاة زوجَته يوماً ما … وكأنّ الخوف من العقوبة كان كافياً في ذاته فلم يحتج معلّمه إلى أن يعاقبه بشيءٍ , بل كان يتوعّده بالضرب فيرعوي , ويجتهد في درْسِه , واستمر على اجتهاده ذلك شهوراً  حتى صار يحسن القراءة والكتابة , ويعلم بعض النحو والشعر والحِكَم  وأخبار الدول .. ووقع في نفسه أنه لم يبق على نيله درجة الرياسة في الأدب إلا قليل …
ثم كان أنّ الفتاة التي كان يمني نفسه بزواجها قد خطبها رجلٌ من ذوي الرياسة لابنه وقبلَتْ , ولو كان الأمر كذلك لهان بعض الشيء  , ولكنّ الداهية أن الابن كان أميًّا جلفاً لا علمَ له ولا أدبَ , فلما سمع ابني بذلك أصابه ما أصابه , فلا تمرّ عليه ليلةٌ دون أن ينوح ويبكي كأنه بلغه موتُ عزيزٍ , وأنا لا أدري ما الذي أصنعه له , ولكني ضقْتُ ذرعاً به وببكائه , وقد دعوْتُك هذه الليلة لآنس بك فأبى إلا أن يفسد عليّ مجلسي معك بصراخه وبكائه …
وكنْتُ أنا قد انشغلْتُ عن تصوّر عناءِ صاحبي بتصوّر مشهد ابنه _ وكنْتُ أعرف جماله _ وهو يسلّم نفسَه طوعاً ليد معلّمه , ثم صوَّرَتْ لي نفسي أني أنا معلّمه , وما كنْتُ لأصنعه به لو سنحَتْ لي تلك الفرصةُ , فلما انتهى من تمامِ كلامه , خطرَتْ لي فكرةٌ , فقلْتُ له :
أترى ابنَك _ وقد خدعه إيهامُك له أنه يطيق إدراك ما فاته ثمانية عشر عاماً في بضعة شهور , مع صعوبة التعلم في الكبر _ أتراه يصدقك إن أخبرته أنني أشفع له عند محبوبتِه تلك  _ وهي كما يقول من المشتغلات بالأدب _ وأخبرها أن زواجَها من أمي جاهل فيه زراية بحقها ومكانتِها ثم أزيد على ذلك _ فأصيرَ خطّابةً _ فأذكره عندها وأزيّن لها الزواجَ به , خاصّةً وقد صار _ بعد أن جعلْتُه راويةً لي _ من الأدباء المفلقين النابغين ؟
فنظر لي صاحبي , ثم قال _وكأنه قد سري عنه_ :
سأخبره بما قلْتَه , وأرسله إليك , ولعله يتعلل بذلك فيكون في مصاحبتِه لك ما يشغله عنها !
فاندهشْتُ من قوله , وكدْتُ أستوثق منه أنه يعي ما يقوله , ولكنّه بادرني قائلاً :
إني لا أريد أن أعلم شيئاً مما يكونُ بينكما , وحسبي أني أقول إن ابني قد صار راويةً لصاحبي … ثم أنا لم يبلغْني أكثرَ من ذلك !
فوافقْتُ , ورجعْتُ إلى بيتي وأنا أمنّي نفسي الأمانيّ , فلما كان صباح الغدِ , صدق الأبُ في وعده , ووجدْتُ ابنَه _ مستبشراً متهللاً _ واقفاً على بابي , فأدخلْتُه وأظهرْتُ عدمَ احتفالي به , ليكون ذلك أدفعَ له في طلبِ رضاي وإجابتي إلى ما أريده منه … فلمّا رآني لا أكاد أعبأ به , قال :
لعلّكَ بلغك عني من كلام أبي ما قلّل من قدرِي عندك …
فقلْتُ له :
بل الأمر على خلاف ذلك , وليس في استهتار المحبّ بنفسه في سبيل محبوبه ما يعيبُ , ولكني نظرْتُ في أمركَ وأمري , فوجدْتُك تنال مني ما تريده من التأدّب ورواية الشعر , ثم لا أنال منك شيئاً , فيكون ذلك بيعَ غبْنٍ عليّ …
فقال لي :
وما الذي أملك أن أعطيكه وأنت أشعر الناس ونديم الخلفاء ,, ومالُك أكثر من مال أبي ؟
فقلْتُ له :
تجعلُ لي في تأديبِك ما كنْتَ جعلْتَه لمعلمك ذاك الذي علّمك الخط والنحو !
فأحدّ إليّ النظر , وقال :
إنه لا يخفى عليّ مذهبُك , ولقد كنْتُ أراك تطيل النظرَ إليّ إذا رأيْتَني في مجلس أبي , فأنا أعلم ما وراء سؤالك من حاجة … والثريّا أقربُ إليك من بلوغ حاجتِك تلك …
وكنْتُ _ كما تعلمين _ من أفرس الناس , فتأملْتُ فيه , فعلِمْتُ أنه يظهر خلافَ ما يبطِنُ , فقلْتُ له :
ما أراك صادقاً فيما تقول , وما أحسبني أطلْتُ النظرَ إليكَ في مجلس أبيكَ ولا في مجلس غيره , إلا أن تكوّن تمنيْتَ ذلك فتوهّمْتَ وقوعَه وإنْ لمْ يقع …
وصدقَتْ فراستي إذ رأيْتُه يحمرّ خجلاً , وأراد أن يدفع عن نفسه فقال :
أنا بفتاتي تلك في شغلٍ عنكَ وعن غيرِك ..
فقلْتُ له :
لا شكّ في ذلك , لأن آخر عهدِك بالنساء والرجال توهمُكَ أني نظرت إليك في مجلس أبيك , فلمّا رأيْتَ تلك الفتاة أغرمْتَ بها , ولو كنْتَ قد اجتمعْتَ بمن يُنْزُلَك منزلتَك التي يبوّئكَها  جمالُك ودلالُك لانشغلْتَ به عن الأباطيل والأوهام …  
وكان خفره وحياؤه يزداد كلما ألمحْتُ إلى رغبتِه في ما يزعم أن الثريّا دون وصولي إليه .. فلمّا فرغْتُ من كلامي , أخذْتُ بأذنه , وقلْتُ كالمغضبِ :
تكلّف أباك شططاً , وتفضحه في الناس بعشقك لفلانة , وإنما دواؤك  بين رجليك ؟ ما أراني أدعك حتى أحسن أدبك ! انزع عنك ثيابك !
فنظر إليّ ونفْسُه تنازعه أن يكذّبني ويُغْلِظَ لي, فبادرْتُه , فنزعْتُ عنه ثيابَه , فلما وقف أمامي عريان أخذني من البهر ما أخذ ( والبة ) لما رأى ( ياقوت ) ؛ لملاحة جسمه , فلأياً بلأيٍ ما حملْتُ نفسي على أن ذهبْتُ به إلى السلّم فربطْتُه فيه , فأقبل يعتذر وصوته قد تهدّج ؛ لا يخفى ما وراءَه مِن شهوةٍ , فرقّ قلبي له ( ولو رأيتِه يا ( عنانُ ) بضّ المجرّد رجراج الاست , قد أوثقَتْ يداه في السلم فلا يملك أن يحول بيني وبين أن أفعل بجسمه ما شئتُ … لو رأيْتِ ذلك منه لرقّ له قلبكِ أنتِ أيضاً) . فقلْتُ له  :
قد عفوْنا عن ذنبِك ذلك , ولكنّكَ لا زلْتَ في مقام المتعلم وأنا في مقام المعلّم , وسأسألك عن أشياء فإن لم تعرف جوابَها جعلْتُ يدي سوطاً ونزلْتُ بها على استِك …
فما أسرع ما كان جوابُه :
وإن أجبْتُ عليها , فماذا ؟
فقلْتُ له :
إن أجبْتَ عليها , نزلْتُ على حكمك !
فَرَضِيَ , ثم إني سألته مسائل هيّنةً في النحو واللغة , فوجدْتُه يعرف جوابَها .. فقلْتُ له :
إن كنْتَ إنما علمْتَ ذلك كلّه في شهورٍ , فإنك لجيد الفهم شديد الحفظ  , وقد قلْتُ إني أنزل على حكمك , فأيّ شيءٍ تريد ؟
فقال _ وقد زاد صوتُه تهدّجاً _ :
أرأيْتَ الذي أوعدْتني إن لم أعرف الجوابَ ؟  فذلك الذي أريد !
فسرّني تهتّكه وخلاعتُه , ورأيْتُ فيه مخايل ماجنٍ كبيرٍ ؛ علق فتاةً في أول شبابه ثم أسلاه عنها المجونُ …. ؛ فلو لم يكنْ قليل العلم باللغة والأدب لقلْتُ إن فيه شبهاً مني !
 فحطأْتُ عَجُزَه , فاهتزّ ردفاه كأنما أودعا زئبَقاً , ولذّ لي ملمسُ جلدِه البضّ فحطأتُه ثانيةً , فأدنى استَه منّي كأنه يسأل المزيدَ , فازدَدْتُ به خبالاً , وهوَتْ يدي على استه الوثيرة مراتٍ ومراتٍ , حتى علا أنينُه ….
ثم رأيْتُ أن أعود لتعليمه فسألتُه مسائل أخرى هينةً فأجاب عليها , ثم صرْتُ إلى مسائلَ أصعب فلم يعرف جوابَها , فأخبرْتُه بالجوابِ وشرحتُه له , حتى رضيْتُ من فهمه له , ثم أعدْتُ عليه السؤال فيها فعرف أكثرها ونسي بعضَها , فقلْتُ له :
الآن استحققْتَ العقابَ , ولكني لا أدري بِمَ أعاقبك _ وقد لذّ عندك ما كنْتُ أنوي أن يكون عقابُك _؟
فقال :
إن شئتَ فاجعل عقوبتي حرماني مما لذّ عندي !
فقلْتُ :
إن ذلك لهو الرأي ..
ثم حللْتُ وثاقه , وأمرْتُه _ على كرْهٍ مني _ أن يلبس ثيابَه , ففعل , وصرنا إلى المجلس , وجاءَتْنا جاريةٌ بطعامٍ وشرابٍ فأصبْنا منه , ثم انصرف إلى بيته …
 وبقيْنا على تلك الحالةِ شهوراً ؛ يزورني فأمتحنه , فإن أحسن واجتهد نزعْتُ عنه ثيابَه وربطْتُه في السلم كما يُرْبَطُ العبدُ الآبق , وأوسعْتُ استَه صفعاً , وإن أساء وقصّر تركت عليه ثيابَه وأجلسْتُه في مجلسي كما يجلس السيد الشريف !
فهل هذا هو الخبرُ الذي بلغكِ وشَغَلك ؟ فإن عندي من هذه الأخبار كثيرًا ؛ فكأنّ حياتي موقوفة على أسباب المجون واللهو ( إن كانتْ تلك الأخبار حقًّا ) , أو كأن الناس قد عمدوا إلى كل خبرٍ ماجن أو فعل خليع فنحلوني إياه ( إن كانتْ تلك الأخبار افتراءً منهم عليّ ) …
وهذا تمام هذه الرسالة , ولكن إن كان حدسي خاطئاً , وكان ما بلغكِ خبرٌ آخرُ , فأرسلي لي بذلك , أو أخبريني به إذا اجتمعْتُ بكِ , وسأحدس أخباراً أخرى لعله يكون فيها المقصودُ …
والسلام .
***********************
( 2 )
من كتابِ عنان جارية الناطفي إلى أبي نواس الحسن بن هانئ
… حسنٌ يا ( حسن ) !
أمَّا مَا ذكرْتَ من أمرِ الخبرِ الذي سألْتُك عنه , فما أعلمَك بطويّة نفسي !
لقد كان ما بلغني عنك هو قصتُك مع ( والبة ) تلك ,  ولكنّي لم يصلْني منها إلا أقلّها فلما بلغتني كاملةً في كتابك ذلك , وتمثَّل لعيني ما وقع منك وعليك _مما لا أشك في أنه حقٌّ لا مرية فيه _  لم أملِكْ أن احتلْتُ عند مولاي حتى جلدتْني عميرتُه ؛ فلسْتَ أنت ولا ( سعيدُ ) ولا ( يزيد ) ولا غلامُ صاحبِك بأحقَّ بالجلد منّي …
فأما كونُ تلك الأخبار حقيقةً فأنا مستيقنة منه , بل هَبْها كانَتْ أخباراً مفترياتٍ فلا أراها افتراها غيرُكَ ؛ إذ ليس في الناس من يقدر على مثل هذه العربدة _ فعلاً أو تصوّرًا _ سوى أبي نواس العَلَمِ الفذّ  !
ولقد تمثلْتُ لعيني ما توهَّمْتُه مما كان من خبرِك مع أستاذِك ( والبة بن الحباب ) قبل أن تكتري دارَك تلك وتترك مصاحبتَه , فكاد عقلي أن يذهب شهوةً إلى أن أكون شهدْتُ ما بينكَ وبينه ؛ ثم إني لم أكتفِ بذلك حتى صوَّرَتْ لي نفسي أني أنا من وُكِّل إليها تعليمُك وتأديبُك ؛ فتمثّل لعيني منظرُك _ غلاماً في الثامنة عشرة _ وقد جلسْتَ أمامي تعتذر عن فعلٍ بدر منك لي , وأنا أظهر لك غضبًا عليك , وأبطن افتتاناً بجمال هيئتِك _وقد زادك حزنُك بسبب ما فعلْتَه جمالاً على جمالك_ … حتى إذا قصّر عذرُك عن إرضائي ولم يزدْني كلامُك إلا غضباً _ متظاهَرًا _ أخذْتَ في البكاء , فلا أملك نفسي أن أدْنِيَكَ منّي , وأرشف فاك…
ثم آمرُك أن تأتيني بالعصا _ التي كنْتُ أعددْتُها لتأديبِك _ , فتأخذَ في البكاء _ طمعاً أن أصفح عنكَ _ فلا أعبأ ببكائك …
ثم تأتيني بعصاك وقد نزعْتَ عنك ثيابَك _ وكنْتُ قد عوّدْتُك أن تأتيَني على تلك الهيئة إذا عزمْتُ على عقابِك _ فإذا رأيْتُ حسنَك وملاحتَك كدْتُ ألهى بجمالك عما عزَمْتُ عليه من تأديبِك … إلا أنك _ ويا ما أجملَ طاعتَك _ قد سِرْتَ من تلقاءِ نفسِك _ وبصري قد شدَّتْه محاسنُك إليها , فهو مربوطٌ بجمال جسْمِك برباطٍ خفيّ _ حتى انبطحْتَ على البساط , وجعلْتَ العصا مستقرّةً على ظهرِكَ _ كما علَّمْتُك _  . فصِرْتَ أحسن الناس في عيني ؛ أن سلّمْتَ نفسَك لي أصنع بك ما شئْتُ , مع جمالك الفائق وشبابِك النضِر ..
فإذا رأيْتُك على تلك الحالة أمسكْتُ بالعصا وهويْتُ بها على ردفيك , وكلما ازداد اضطرابُهما وارتجاجُهما  ازددْتُ بهما ولعاً وازدادَتْ ضرباتُ العصا عليهما سرعةً وقوةً , وكأني قد اعتراني طائفٌ من الشيطان فتلَّهَيْتُ عن كل شيءٍ إلا عجيزتَك القمراء , فلا أنتبه إلا وقد علا صوتُ بكائِك … فأمعن النظر في ردفيك فأراهما قد احمرّا احمراراً شديدًا , فألقي العصا من يدي وآسى لك … إلا أنني أرتابُ من قشعريرة جسدك وما يصدر عنكَ من صوتٍ خفيتٍ , ثم أفطن إلى ما أنت فيه , فأجعل يدي بينك وبين البساط ثم أقبض بها على أيرِك , فيندفق ماؤك دفقاً ( وكذلك كل شابٍّ : لا تمسّه يد امرأة في ذلك الموضع إلا واندفق ماؤه دفقاً , لا سيّما بعد أن تكون قد أوجعَتْه ضربًا من أجل تأديبه . فوارحمتا لمن وكِّلَتْ بتأديبِ الشباب : تريد أن تؤدبه وهو عقلُه بين رجليه ؛ فلا يزداد بالضرب إلا إنعاظاً ؛ فما حيلتُها فيه ؟! )
وأقول كالمغضبة :
يا لك ماجناً عربيداً ؛ أأجتهد في تأديبِك فتتخذ ذلك مطيةً تقضي بها شهوتَك ؟!  اذهبْ فأتني بالسوط ! 
فتتوسّل لي لأصفح عنك وقد سال الدمْعُ على خديكَ , فيكاد يذهبُ عقلي من جمالك _متوسلاً عذباً رقيقاً_ , فأقول لك _ وقد ذهبَ الشَّبَقُ بأكثر صوتي_ :
انطرحْ كما كنْتَ , وإن أحسنْتَ الأدب والطاعة فلعلي أستبدل بالسوطِ ما يكون أحبّ إليك وإليّ !
فتعود سيرتَك الأولى , ولا أقدر على مفارقتِك حتى ألثم ردفيك وأكعمهما كعماً , ثم أحمل نفسي حملاً على الذهاب لآتي  بالكيربيخ ( ولعلك لا تدري ما هذا , فاسأل سحاقات بغداد يخبِّرْنك ) وأتعرى من ثيابي , ثم أربط الكيربيخ على حقوي , وآمرك أن تلتفتَ إليّ لتراه , فإذا فعلْتَ أخذتْك رعدةٌ ….ثمّ ما أسرع ما تهيّأتَ لما يراد بك ؛ فعمدْتَ إلى ردفيك ففرّقْتَ بينهما ارتقاباً لما هو آتٍ , فأكاد أبول شهوةً لِما أرى من حسن انصياعك وجمال ردفَيك وما بينهما , فأصيبُ منك ما يصيبُ الرجلُ من المرأةَ ؛ قام استُك مقام حرها , وقام كيربيخي مقام أيرِه ؛ فنيكُ التصنّع مقدم على نيك الطبع … على مذهبِك في الأدب ! 
 فنبيتَ في أهنأ ليلة وأسعدِها …
وأنا لا أشكّ أن قد كان بينك وبين ( والبة ) مثلَ الذي تمنيتُ أن يكون بيني وبينك  , فلمَ لا توردُ شيئًا مما فعله بك ( حقيقةً أو افتراءً ) في كتابٍ تبعث به إليّ … فإني أخشى _إن لم تفعل_ أن أراسل ( والبةَ ) _ إن كان لا يزال حيًّا _  فيخبرني هو ( حقيقةً لا افتراءً ) بكلّ ما كان بينك وبينه …
والسلام .
______________________

قصة : (نادية) أو (سفيتلانا) ( م/ ف)


قصة : (نادية) أو (سفيتلانا) !  ( م/ ف) 
– بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين رجل وامرأة , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب من أن يكون ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 
– القصة :
_تمهيد _
لم يكنْ وقوعُ شقة (  لينين الإسكندرانيّ ) في عمارة مكتظة بالسكان في حيٍّ شعبيٍّ حائلاً يحول دون انعزاليةِ صاحبِ الشقة …
 تلك الانعزالية التي كانتْ دائمًا وقوداً لكثيرٍ من الشائعاتِ التي تداولها جيران ( لينين) عنه .
كان ( لينين ) قد احتفل بعيد ميلاده الأربعين في مايو الماضي وحيداً بلا زوجة ولا أولاد ولا أصدقاء ولا أقرباء …
وكان عيد ميلاده يصادف عيد العمال , فكم كانتْ فرحة أبيه _المناضل العمّالي _ عظيمةً عندما وُلِدَ ( لينين) في عيد العمّال.. وقرّر الأب أن يسمي ابنه بهذا الاسم : لينين ….
مما جعله مثار سخريةٍ طيلة حياتِه تقريباً …
وبين الفينة والفينة كان هناك شخصٌ ما يسمع الاسم فيبتسم , وقد يقول شيئاً ينتهي أو يبدأ بـ ( أيها الرفيق ) , أمّا البقية فكانوا يتساءلون في استغراب عن مصدر هذا الاسم  
وكان ذلك مما يزيد ( لينين ) غيظاً , فهو لم يرِدْ في حياتِه أكثر من أن يُتْرَكَ وشأنَه .. ولكن اسمَه كان دعوةً مفتوحةً لأسئلة مطوّلة أو نقاش معمّق حول الاتجاه السياسي الذي ” يُفْتَرَضُ ” أن صاحب هذا الاسم يعتنقه .  
ولذلك ما إن تخرّج ( لينين ) في كلية التربية حتى التحق بالتدريس في مدرسة ( النابغين ) , وأجَّر هذه الشقة المتواضعة , وتبنّى نظام حياةٍ يعتمد على الحد الأدنى من التفاعل مع البشر , فأثناء العام الدراسي كان لا يخرج من شقته إلا إلى المدرسة , وبمجرد مجيء الإجازات كان ينقطع بالكلية تقريباً عن المحيط البشري حولَه … وظل الأمر على هذه الحالة قريباً من عشرين عاماً , حتى كان يومُ الأحدِ الحادي والعشرين من أغسطس ! 
*******************
( 1 )
يوم الأحد الحادي والعشرين من أغسطس ..
طرقٌ على الباب …
نظر ( لينين ) من ثقبِ الباب , فلمْ يرَ أحداً ..
وأثناء نظره عاد صوتُ الطرق مجدداً , فجفل ( لينين ) من المفاجأة , وخيِّل إليه أنه سمع صوتَ ضحكة مكتومةٍ …
كان أي شخص آخر ليدفعه الغضبُ إلى فتحِ الباب ومعرفةِ صاحب الضحكة , ولكن ليس ( لينين ) الذي اكتفى بالانتقال إلى أبعد غرفةٍ عن باب الشقة وَوَضْعِ سدادتي أذن في أذنيه والعودة للقراءة …
في الواقع لو لم يكنْ ( لينين ) شديدَ التشاؤم والخوف من السلطة ويعتقد أن اسمه سيتسبب في القبض عليه في أيِّ يومٍ … لو لم يكنْ ( لينين ) يخاف من هذا لما اهتمّ بالرد على طرق الباب ولا على رنين الهاتف … ولكنه كان يخشى أن يزيد ذلك من تهمة ” مقاومة السلطات ” أو ” عدم الرد على طرق السلطات ” أو شيئاً من هذا القبيل , فلذلك كان يهرع إلى الباب إذا طرقه طارق أو يرفع السماعة مباشرة إذا ارتفع رنين الهاتف …
أما وقد تبين له أن الطارق على الأغلب هو شخصٌ لاهٍ فإنه لا يبالي بذلك البتّة …
كان ( لينين ) قد بدأ في الانغماس في القراءة عندما عاد صوتُ الطرقِ يخترق سدادتي الأذن , فعادتْ لـ ( لينين ) مخاوفُه ؛ من الذي يجرؤ على طرق الباب بهذه القوة غير السلطات ؟
حاول أن يطمئن نفسَه ففشل , فخرج مسرعاً إلى الباب وقام بفتحِه هذه المرة بدون أن ينظر في ثقب الباب ….
– ” صباحَ الخير , هل يمكنني أن أعرض عليكَ أفضل منتجاتِنا التي … ”
سكتَتْ فتاة المبيعاتِ فجأةً عندما علا صوتُ الصخبِ من خلفِها , كان ( لينين ) هو الآخر ينظر في استغرابٍ إلى الجمع المحتشد من الصبيان على السلم المؤدي للطابق الذي يحوي شقتَه … لم يكنْ أكبرُهم يتجاوز الخامسة عشرة , وقد بدأوا في الصياح الذي تحوَّل إلى معاكساتٍ فجةٍ لم تلبثْ أن تطوَّرَتْ إلى خطواتٍ مسرعةٍ تجاه فتاة المبيعاتِ التي لم تجد مخرجاً تهربُ إليه إلا البابَ المفتوحَ أمامها ….
وربما لم يكن ( لينين ) له حظّ من اسمه , ولكنه لم يكن ليتركَ فتاةً تتعرض لهؤلاء ثم لا يفعل شيئاً , ولذلك فبمجرّد دخول الفتاة للشقة أغلق الباب وراءَها , ونظر في ثقب الباب ليرى ردَّ فعلِ الصبيان ..
بدأ بعضهم ينظر إلى بعضٍ ثم قال قال أحدهم _ الذي يبدو أنه زعيم العصابة _ بصوتٍ تعمد أن يكون مرتفعاً ليصل إلى ساكنِ الشقة :
– ” نحن نشقى في الطلب وغيرنا ينال بلا تعب… دنيا! ”
لم يكن ( لينين ) متفاجئاً من لغة الصبي , فهو يعمل في التدريس ويعرف هذه النوعية , ولكن بدا له أن الموقف في مجمله غريبٌ … فهذا حيّ شعبيّ ولكنه ليس بهذه الشعبيّة … ثم إنه لا يعرف هؤلاء الصبيان في سكان العمارة ….
بدأ زملاء الصبيّ يؤمنون على قولِ صاحبِهم وعلا صياحُهم مرةً أخرى … ولا بدّ أن صياحهم هذه المرة كان شديد الارتفاع لأن باب الشقة المجاورة انفتح وخرج منه جارُ ( لينين ) _ ( سليم زيادة ) _ الصول المتقاعد مفرط الطول والعرض …. وما إن رآه الصِبْيةُ حتى ولُّوا هاربين , بينما هو يزمزم مغضباً  , ثم دخل شقته وأغلق بابَها خلْفَه …
عندما اطمأنّ ( لينين ) لرحيل الصِّبْيةِ  التفت إلى فتاة المبيعاتِ التي الواقفة خلفَه .. ثم تملّى في ملامحها مستغرباً, وقال :
– ” أنتِ تتحدثين العربية ؟ ”
– ” تعلمْتُها بالممارسة 
– ” ربما من الأفضل أن تعملي في مجال آخر , أو على الأقل تقتصرين على الأحياء الراقية “
– ” إن رئيسي في العمل قال إن فرصة اشتراء الأشخاص العزاب ساكني الأحياء الشعبية من فتاة مبيعاتٍ مرتفعة للغاية وعلينا أن نستغل ذلك 
نظر إليها ( لينين ) في دهشة , كان يعلم _ بحكم اسمه على الأقل _ أن مديري المبيعات لا تتوقف ألاعيبُهم عند حدٍّ , وأن الجنس بالذاتِ يلعب دوراً كبيراً في التسويق والدعاية والإعلان , ولكنه لم يتصور أن الأمر يصل  إلى استهداف العزّاب الفقراء بفتياتٍ لا يرون أمثالهنّ إلا في التلفاز …
ثم من أين علموا أنه عازب ؟
تجاهل أفكارَه وسألها عن شيءٍ آخر :
– ” لماذا لم تقفي أمام الباب عندما طرقتِه أولَ مرة ؟ ”
قالتْ فتاةُ المبيعاتِ وكأنها تستظهر نصًّا محفوظاً :
– ” عندما يحاول العميل معرفة الطارق عن طريق النظر في ثقب الباب ثم لا يجد أحداُ فإنه يتوقع أن من يعابثه طفْلٌ أو أحد معارفه وعندما يفتح الباب ويفاجأ بفتاةٍ حسناء فإن عامل المفاجأة يساهم في زيادة فرص اشترائه للمنتج المعروض “
هؤلاء الرأسماليون ! لسْتَ بحاجةٍ إلى أن يكون اسمُك (لينين ) لتكرههم !
 فكَّر ( لينين ) في شيءٍ يقوله , ولكن الفتاةَ بادرَتْه :
– ” هل لي أن أستغل شهامتك وأعرض عليك شراءَ منتجاتِنا فتكون قد أنقذتني من هؤلاء الفتية وساهمْتَ في زيادة مبيعاتي في الوقت نفسه ؟ ”
ابتسم ( لينين ) رغماً عنه … ما الذي يقولونه في ذلك المثل ؟ ” يموت الزمّار ويده تلعب ” أو شيءٌ من هذا القبيل ؟
ثم ردّ في هدوءٍ :
– ” أعتقد أن من أنقذكِ بشهامته هو الصول (سليم) جاري , وبإمكانكِ أن تختبري إن كانتْ شهامتُه ستمتد إلى  زيادة مبيعاتكِ , وتطرقي بابَ شقتِه , ولكني أعتقد أنه عاد للنوم , وإيقاظُه ليستْ فكرةً جيدةً ! ”
– ” هل لي أن أعرض عليكَ المنتج ثم لا تشتريه إذن ؟ إنني لن أغفر لنفسي إن لم أحاول ! ”
– ” حسناً , إن كنْتِ ولا بد فاعلة ”
فتحَتْ الفتاة الحقيبة الضخمة التي تحملها وأخرجَتْ منها ما يبدو وكأنه شاحن للهاتف المحمول , ثم بدأتْ عرضَها , فرفعَتِ الشاحنَ ثم قالتْ :
– ” هل سبق لك أن فكرْتَ في السبب الذي يجعل شواحن الهواتف المحمولة ضمن أكثر الإكسسوارات عطباً واستبدالاً ؟
نحن فعلْنا , وتوصلْنا إلى ما لم يتوصلْ إليه أحدٌ غيرُنا … “
قاطعها ( لينين ) مبتسماً , وقال :
– ” لأنكم لو توصلْتُم إلى ما توصل إليه غيرُكم لجاز أن نشتريه من غيركم ولا تستفيدون أنتم شيئاً ! ”
– ” بالضبط ! وهذا ما نحرص عليه في شركتِنا , أن تكون لنا الريادة فيستفيد عميلُنا بالحصول على أفضل خدمة ممكنة غير متاحة للآخرين , ونستفيد نحن بالحصول على ثقتِه أولاً ثم على مالِه في المرتبة الثانية …. لماذا تزدادُ ابتسامتُكَ اتساعاً , هل سبق لك العمل في مجال التسويق ؟ ”
– ” لو كنْتِ تعرفين اسمي لما سألْتِ هذا السؤال ! ”
– ” هل هناك اسمٌ يغني في الإجابة على سؤال “هل تعمل في التسويق” إلا إذا كان اسمُك (ستالين) ؟ “
– ” أخطأْتِهِ بالكاد .. ( لينين ) ! “ 
– ” هذا محالٌ , هل فيك عرقٌ روسيٌّ أو شيئاً من هذا القبيل ؟ ”
” لا أعتقد ذلك , على الأغلب فإن أجدادي من الجهتين قد شاركوا في بناء الأهرامات …. ولكن الأيدلوجيا تنقل ما لا ينقله العِرْقُ … لقد كان والدي شيوعياً ”
– ” وكذلك أنا كان والدي شيوعياً وبسبب ذلك فإنني أعمل في الشرق الأوسط في مجال التسويق ! سبب ونتيجة ..أليس كذلك ؟ ”
– ” لا أعتقد أن الرفاق في موسكو الستيناتِ كانوا ليعترضوا … ما لم يكن هذا الشاحن الذي تبيعونه أمريكياً مثلاً ! ”
– ” إنه هنديّ في الواقع , من أخطأ العالم الثاني فلا أقل من أن يقع على العالم الثالث ! ”
قاطع الحوارَ طرقٌ عنيفٌ على الباب , وعندما نظر ( لينين ) من ثقبِ الباب وجد جمعاً من الجيرانِ يتقدمهم ( سليم ) الصول المتقاعد الذي أُوْقِظَ من نومه للمرة الثانية في يوم واحدٍ … لا شك أن الأمر جلل ..
فكّر ( لينين ) في سببٍ لاجتماع هؤلاء .. ثم خطرتْ له فكرةٌ مخيفةٌ .. لقد دخلَتْ إلى شقته فتاة حسناء في منتصف العشرينات … ملامحها غير عربية … وبقيَتْ في الشقة لدقائق , وهذه عمارة مكتظة بالسكان وهؤلاء الصبية الذين رأوها تدخل …لعل بعضهم من سكان العمارة , فـ ( لينين ) لا يعرف كل سكانِها بل يراهم في المناسباتِ … ماذا إذا كانت الشائعاتُ قد وصلَتْ إلى ذلك الشيء الذي تحب الشائعاتُ أن تصل إليه ؟  من سيقتنع حينَها ” أننا كنا نتنتاقش في شواحن الهاتف المحمول ! ” …. هذا الأمر لن ينتهي على خيرٍ ….
عاد الطرقُ العنيفُ .. ففكر ( لينين ) أن أسلم الحلول أن يفتح الباب مباشرةً , لا معنى لمحاولة إخفاء ” أركان الجريمة ” , إنّ هذا سيزيد الشكوكَ بلا داعٍ …
فتح لينين الباب وبمجرد رؤية الواقفين خلفه لجارهم وبجواره الشقراء الحسناء التي لا تزال ممسكةً بشاحن الهاتف المحمول , حتى ابتدأتْ عاصفةُ الانتقاداتْ , ثم علا في وسط تلك العاصفة صوت ( سليم ) الجهوريّ صارخاً :
– ” يا أستاذ ( لينين ) هذه عمارة محترمة وسكانها محترمون , وأنت رجل تربي الأجيال .. كيف تسمح لنفسك ؟!! ”
– ” يا سيادة الصول , لقد كانتْ الآنسة تهرب من هؤلاء الصبية الذين رأيْتَهم قبل قليلٍ وكانوا يريدون ما لا تحمد عقباه , ما الذي كان يفترض بي أن أفعله ؟ ”
– ” كان يفترض أن تصرخ فيهم كما صرخْتُ فيهم , ولكن لا تسمح لامرأة أجنبية بدخول شقتك ! ”
أضافتْ إحدى الجارات المتحمسات :
– ” ثم إنك رجل عازب … وهي : بسم الله ما شاء الله ! … ثم ما الذي كانتْ تفعله على باب شقتكَ قبل أن يطاردها الشباب ؟ ”
كان هذا دورُ الفتاة لتجيبَ على أسئلتِهم :
– ” سيداتي سادتي هل لي أن أعرض عليكم أحدث منتجاتِنا التي ستوفر مالكم وجهدكم وتحوز على رضاكم ؛  هل سبق لكم أن فكَّرْتُم في السبب الذي يجعل شواحن الهواتف المحمولة ضمن أكثر الإكسسوارات عطباً واستبدالاً ؟
نحن فعلْنا , وتوصلْنا إلى ما لم يتوصلْ إليه أحدٌ غيرُنا … ”
كان هذا دور ( سليم ) ليقاطعها :
– ” كل هذه الشواحن متماثلة حتى النوع الأصلي الذي يأتي في علبة الهاتف المحمول , فقط عليكَ أن تسلم بالأمر الواقع وتشتري واحداً جديداً كل فترة ! ”
ردَّتْ الفتاة في حماسٍ :
– ” سيدي , لو كان لي أن أخترع آلة زمان , وأدعو نفسك من المستقبل _ بعد أن تستعمل شاحنَنا _ لتقنع نفسك الآن بخطأ هذه الفكرة لفعلْتُ … فكرةُ تماثلِ كل الشواحن هذه هي ما تريد الشركات المنافسة _بما فيها تلك التي تصنع الشواحن الأصلية_ أن تقنع الناس بها لتخفي إخفاقها … نحن توصلْنا إلى … “
هنا جاء دورُ الجارةِ التي لم تنسَ الموضوع الأصلي , فقالت :
– ” هل هذا هو سبب كل هذا اللغط ؟ شاحن هاتف محمول ؟! أنا لا أصدق هذه الرواية ! ”
بدأ الجيران في الانقسام ما بين مصدق ومكذب , حتى تدخّل الصولُ مرةً أخرى , وقال :
– ” أعتقد أن من حق الأستاذ ( لينين ) أن نحترم خصوصيته , ولكن من حقنا نحن أيضاً كجيران وكسكان في هذه العمارة أن نستوثق من هذه الرواية التي تزعم هذه الفتاة أنها الحقيقة … علينا أن نفتش حقيبتها تلك , لو كان ما تقوله حقيقةً فلن نجد فيها إلا منتجاتٍ معدة للبيع , ولو كانت الأخرى _ لا سمح الله _ فسنجد أشياء لا تليق تستعمل في ذلك الأمر الدنيء … الحل في تفتيش الحقيبة ! ”
بدا الذعر واضحاً على ملامح الفتاة , ولكن ( لينين ) فكر أنه ذعرٌ مبرَّرٌ : التفتيش بدون إذن …. هذا ينمّ عن كوارث أخرى في الطريق , لو لم تكن أجنبية فلربما طالبوا بكشف عذرية أيضاً …
بدأ التوتر يزداد , ولما بدا إحجامُ الرجال واضحاً عن خطف الحقيبة قسراً من يد الفتاة , فقد تكفلَتِ الجارةُ بالقيام بهذه المهمة , وانتزعتِ الحقيبةَ من يدها وبدأتْ في إخراج محتوياتِها على الملأ ؛ عدداً ضخماً من علب الشواحن…. ومحفظة ؛ وبدأتِ الجارةُ في فتحِ المحفظة فعلَا صوتُ احتجاج فتاة المبيعاتِ ولكن بلا جدوى …. ثم بدأتْ محتوياتُ المحفظة في الظهور ؛ أحمر شفاه , ومرآة , وبضعة جنيهاتٍ , وهاتف محمول , وبضعة بطاقات ليس في أيٍّ منها عنوان جهاز مخابرات أجنبي …… وواقٍ ذكريّ !
وهنا علَتْ صيحاتُ النصرِ , وكأن الجيران قد عثروا على قنبلة نووية , وأوشك أحدهم أن يتصل بالأجهزة الأمنية , ولكن آخرين أقنعوه أن هذه ليستْ تهمةً بالضبط !
ولكنْ الصول توجّه ببصرِه إلى ( لينين ) وقال :
– ” أعتقد أن الحقيقة قد ظهرتْ بجلاءٍ يا أستاذ ( لينين ) “
– ” ما الذي ظهر بجلاءٍ ؟ ”
– ” أن اجتماعك مع هذه المرأة لم يكن اجتماعاً بريئاً ”
– ” بناءً على ماذا بالضبط ؟ “
تدخلَتِ الجارةُ في حماسٍ :
– ” بناءً على إغلاقِكَ على نفسكَ باب شقة ليس فيها إلا رجل وامرأة وحدهما , ثم وجود هذا ” ورفَعَتْ يدها بالواقي الذكري ” معكما ! ”
حاولَتِ الفتاة التدخلَ , ولكن ( لينين ) كان قد ملَّ هذه اللعبة , فقرَّر أن يساير الجمع , فسأل الجارة :
– ” ليستْ هذه هي النقطة , وإنما السؤال ما الذي يجعل اجتماع رجلٍ وامرأةٍ وحدهما تهمةً في حقي وليس تهمةً في حقكِ أنتِ وزوجكِ ؟ ”
نظرَتْ إليه الجارةُ وكأنها تنظر إلى مجذوب ثم قالتْ :
– ” لأنني أنا وزوجي متزوجان ”
– ” وأنا و(ناديا) متزوجان عرفيًّا , ووالداها في سانت بطرسبرج يعلمان ذلك وأهلي أنا يعرفون ذلك فزواجنا مُشْهرٌ عند من يعنينا أمرُه , فليس ذنبي أنني لا أريد أن يعرف جيراني الطفيليّون أنني متزوجٌ من أجنبية ! ”
كانتْ ملامحُ الجيران توحي بأنهم يريدون استمرار الجدلِ وطلب القرائن , ولكن الصول _ الذي صار زعيماً للجمهرة بصورة أو بأخرى _ قرَّرَ أن هذا أمرٌ مختلفٌ عن ذاك , فقال في هدوءٍ :
– ” إن كان هذا هو الأمر فهذا حقك وليس لأي منا أن يتدخل فيه , ونحن آسفون على إزعاجكما .. “
ثم أخد الحقيبة بمحتوياتها من الجارةِ وسلّمها لـ ( لينين ) , وقال موجهاً حديثه لمن صارت ( ناديا ) رغم أنفها :
– ” المعذرة يا مدام ( نادية ) ”
ثم انصرف , فانصرف معه الجمعُ , وأغلق ( لينين ) البابَ خلفَه , فابتسمتْ “ناديا ” له وقالتْ :
– ” ناديا ؟ ”
– ” أتفضلين (ناديتشدا) ؟ إنني لم أستطع التفكير في اسمٍ آخرَ لزوجة ( لينين ) سوى زوجة ( لينين ) ! ما اسمك على أية حال ؟ ”
– ” (سفيتلانا) 
– ” حسناً يا آنسة (سفيتلانا) , بما أن هذه الملحمة قد انتهَتْ على خيرٍ , فربما ترغبين في العودة لمهمتك في إقناع زبائن آخرين بجودة شواحنكم ”
وهمّ ( لينين ) بفتح الباب , ولكن ( سفيتلانا ) بادرَتْه :
– ” مهلاً ! ألا يظن جيرانُكَ أننا متزوجان واجتمعنا بعد غيابٍ , ومن ثم فإن خروجي مباشرةً سيثير شكوكَهم في تلك الرواية ؟ ”
تصوَّر ( لينين ) منظر جاراتِه في الطابق وقد استمعن للغط , ووقفن خلف ثقوب أبوابهن في انتظار خروج أحدٍ من شقتِه … معها حقّ … ليس من الآمن أن تخرج الآن … ولكن ماذا يفعلانه إذًا ؟
استغرقه التفكير برهةً , فقالتْ ( سفيتلانا ) :
– ” هل أستطيعُ استعمالَ دورةَ المياه رجاءً ؟ “
كان ذهنُ ( لينين ) لا يزال مشغولاً بالجيران وما يعتقدون أنه يَحْدُثُ في شقته , فسأل في قلقٍ :
– ” لماذا ؟ ”
نظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في دهشة لا تخلو من استمتاع , ثم قالت ساخرةً :
– ” لأتجهز استعداداً لليلتنا الحمراء ! ” ثم هزَّتْ رأسَها في عدم تصديقٍ وأضافَتْ : ” بل لأسباب طبيعية لا علاقة لها بالجنس , هل لي .. رجاءً ؟ ”
– ” بالطبع , أنا آسف … في نهاية هذا الرواق الباب المقابل لنا .. ”
– ” شكراً ”
ما إن أغلقَتْ ( سفيتلانا ) البابَ خلفها , حتى عاد القلقُ يساور ( لينين ) … فتاة روسية .. تعمل في المبيعات … في مصر ؟! … ثم أيّ ممارسة تسمح لشخص بتعلم اللغة بهذا الإتقان ؟! ما لم يكن زملاؤها في العمل من لغويي البصرة ! …
كانتْ الشكوكُ قد وصلَتْ حداً لا يطاق , وفكر ( لينين ) في أن عليه أن يصارحها بالأمر … ثم انتبه إلى أنها تركَتْ حقيبتَها عندما توجهتْ إلى الحمام … وحاول ( لينين ) أن يمنع نفسَه , ولكن خوفَه المرضيّ من المشاكل قد دفعه إلى فتح الحقيبة ليتأكّد من صحة روايتِها … لقد فتَّشَتْ جارتُه الحقيبةَ قبل قليلٍ … ولكن الأمر يختلف عن تفتيشه هو لها ؛ فخلافًا لجارتِه فهو يعرف مبادئ الروسية !
تجاوز علب الشواحن , وذهب مباشرةً للمحفظة ثم إلى البطاقاتِ ؛ كانتْ إحداها مكتوب عليها بالعربية وتشير إلى شركةِ مبيعاتٍ بالتجزئة … هذا يطابق الرواية .. وثلاث بطاقات أخرى عليها عناوين أشخاصٍ ما بالعربية أيضاً وتتعدد وظائفُهم ما بين طبيب ومحامٍ ومقاولٍ … لم يجد كلمةً واحدةً بالروسية .. ثم تنبّه إلى أنه لم يجد أيَّ إثباتِ شخصيةٍ لها … ألا يفترض أن يوجد جوازُ سفرٍ في مكانٍ ما ؟ .. ربما أبقَتْ هذا معها .. ولكن أبقتْ هذا معها أين ؟ إن ما ترتديه شديد الضيقِ بحيث يستحيل تقريباً أن تدس جواز سفر في أحد جيوب بنطالها الملتصقِ برجليها أو قميصها الضيق والخالي من الجيوب على أية حال … شخص أجنبي يتجول في بلد بدون إثباتٍ … ربما لم يكن من الوسوسة والعداء للأجانب أن يعتقد أن وراءَها سرًّا ما …
كان ( لينين ) قد استغرق في أفكارِه فلم ينتبهْ إلى فتح باب الحمام ولا إلى انتقال ( سفيتلانا ) إلى حيث يقفُ , وكاد يهوي إلى الأرض عندما فاجأتْه يدُها التي وضعتْها على كتِفه , فالتفت إليها في ذعرٍ ليجدها مبتسمةً , وقالتْ :
– ” الفضول قتل القطة ؟ ”
– ” دعينا نأملْ أن يقتلها الفضولُ وليس امرأة مخابرات أو قاتلة محترفة لا تحمل جوازَ سفرٍ أو إثباتٍ من أي نوعٍ ! ”
لدهشتِه فقد أدخلَتْ ( سفيتلانا ) يدَها في جيب البنطال … هذا الشيءُ قابلٌ للمطِّ على الذي يظهر .. لأنه بدا للوهلة الأولى وكأن هذا الجيبَ حلية غير قابلة للاستخدام , ثم أخرَجَتْ ما بدا وكأنه جواز سفرٍ .. وسلَّمَتْه له … وجد ( لينين ) نفسَه يتناوله في لهفةٍ ليرى شعار الدولة الروسية واضحاً على الغلاف ثم بدأ في التقليبِ في أوراقِه فوجد صورتَها واسمَها وتأشيرةَ الدخولِ ….
شعر ( لينين ) بالاستياءِ البالغِ وقبل أن يعتذر وَجَدَها تقول :
– ” لقد نصحني بعضُ ” أهل الخير ” ألا أترك هذا في الحقيبة لأن السرقات شائعة هنا ؛ بدا لي أن في ذلك عنصريةً ما , فاللصوص موجودون في كل مكانٍ , ولكني أخذْتُ بالأحوطِ وصرْتُ أحمل جواز سفري في جيبي دائماً 
كان لا يزال هناك بقيةٌ من شكٍّ في ملامح ( لينين ) ففطنَتْ ( سفيتلانا ) لذلك , وقالتْ :
– ” والدي شيوعي متعصب … ولكن والدتي الكازاخية والتي تنتمي إلى أسرة عريقة من رجال الدين الإسلامي قد حرصَتْ _ حفاظاً على تقاليد أسرتِها _ أن تعلمني سرًّا مبادئ اللغة والدين … لم أهتمّ كثيراً بالدين , ولكني كنْتُ معجبةً باللغة فواصلْتُ تعلمها ذاتيًّا فيما بعد “
– ” حسناً أنا أعتقد أني مدينٌ لكِ باعتذارٍ … ولعل من الأسلم ألا تغادري وحدكِ , فهؤلاء الصبية قد يكونون في انتظاركِ في الأسفلِ , دعيني أقلكِ إلى حيث تريدين . “
– ” ماذا عن الجيرانِ ؟ “
– ” إن خروجنا جميعاً لن يطعن في روايتهم بل يؤكّدها .. سأرتدي شيئاً صالحاً للخروج ثم نذهب .. ”
– ” بمناسبة اعتذاركَ فهل لي أن أعرض عليكَ إحدى الشواحن … “
قاطعَها ( لينين ) مبتسماً :
– ” لا ! ”
ثم توجّه إلى غرفتِه ليغير ملابسه , وما إن أغلق بابه حتى التقطَتْ ( سفيتلانا ) الصف الأخير من علب الشواحن وفتحتْها لتخرج منها ما بدا أجزاءً قابلة للتركيب سرعان ما جمعتْها معاً ليظهر المنتج النهائي … مسدسٌ ! ثم فتحتْ علبةً أخرى وأخرجَتْ منها عدداً من الطلقاتِ وضعتْها في المسدس … وعندما فتح ( لينين ) البابَ وجد المسدسَ مشهراً في وجهه , نظر في ذعرٍ للمسدس ولملامح ( سفيتلانا ) التي تخشَّبَتْ حتى كأنها ليس وراءَها إنسانٌ , وسمعها تقول في هدوءٍ :
– ” لقد كان المفروض أن يتم هذا الأمر بسلاسة , ولكن على أية حالٍ, ها نحن أولاء …. عدنان عادل السعيد “
– ” من هذا ؟ ”
– ” ابن أختك ! ”
فكَّر ( لينين ) في الأمر , فوجد الاسم مألوفاً بعض الشيء … إن زوج أخته اسمه الأخير السعيد , وإن كان لا يذكر اسمَه الأول , ولكنه واثقٌ من أن ابنهما اسمه عدنان … لقد كان اسماً غير مألوفٍ ولذلك استقرّ في ذاكرتِه … ولكنه لم يرَ أختَه ولا ابنَها من سنين , إنه حتى لا يعرف سنَّه بالضبط  …فما علاقتُه بالأمر ؟
– ” وما الذي تريدينه مني ؟ “
– ” ببساطة أن تقنع زوج أختِك بأن يعمل ابنُه معنا ! ”
– ” ومن أنتم بالضبط ؟ ثم يعمل معكم ماذا ؟ على أية حال إن ظروف العمل صعبة هذه الأيام لو عرضتم عليه الأمر مباشرةً فلعله يوافق ! ”
ظلَّتْ ملامح ( سفيتلانا ) متجهمةً وقالتْ :
– ” لا أحدَ يتركُ ابنَه يعمل مع ” جهةٍ أجنبيةٍ ” بهذه البساطة , نحن نريدك أن تقنع نسيبكَ أننا مؤسسة علمية تريد صقل خبراتِ ابنِه ومواهبِه لقاء توظيفِه فيها فيما بعد ”
– ” وهل أنتم مؤسسة علمية تريد صقل خبراتِ الشباب ؟ ”
كادتْ الملامح المتجهمة أن تنفرج عن ابتسامة ولكنها لم تفعل , وأجابَتْ ( سفيتلانا ) بنفس الجمود :
– ” إن كان هذا سيجعلك تنام هادئَ البالِ .. , ثم إن ( عدنان ) _ كما يفترض أن تعرف _ ليس شابًّا ؛ إنه طفل في السابعة “
– ” وما الذي تريدونه من طفلٍ في السابعة ؟ ”
– ” لقد كشف عن قدراتِه الفذة عندما اخترق حواسبَنا قبل شهرين , ولقد عانينا الأمرّين حتى نصل إلى مكانه ونتوصل إلى هويته , والآن نرغب في تجنيده ليعمل لحسابِنا ويخترق حواسب أعدائنا “
– ” أعتقد أنكم لو عرضتم عليه مقابلاً مادياً فلن يمانع هو ولا أبوه ! ”
– ” أنت لا تفهم السوقَ يا سيد ( لينين ) , حتى الآن هذا الطفل لا يزيد ما يفعله على العبثِ غير الموجّه , ولكن لو عرضنا عليه مالاً وبدأ يستوعب هو وأسرتُه ما يمكنه أن يجنيه من وراء إمكاناتِه تلك , فسرعان ما سيتطلع إلى عروضٍ أخرى من جهاتٍ أخرى , وقد يطغى فيه الحس الوطني فيقبل عرضاً من دولتِه حتى لو كان أقل قيمةً … لا يمكننا أن نسمح بهذا ! ”
– ” فما الذي تريدونه بالضبط ؟ ”
– ” ستزور أختكَ وزوجها … سيتسغرب من زيارتِكَ له وأنت المعروف بانطوائيّتِك … ستخبره أن هناك مسابقةً من شركة دولية متخصصة في الأمان الإلكتروني  وأن مدرستُك قد أبْلِغَتْ بهذه المسابقة المعدّة من أجل اكتشاف المواهب الدفينة في مجال الحاسب الآلي لدى جميع الطلاب الذين تقل أعمارُهم عن ثمانية عشر عاماً … ستقول إن أحد أقربائك قد أسرّ لك في إحدى المناسبات أن ابن أختك هو أحد هذه المواهب الدفينة … وأنك زرْتَ زوج أختك لتعرض عليه الأمر … وستطلب منه أن تذهب بابنِه إلى مكان إعداد المسابقة … وعندها سنتولى نحن بقية الإجراءات .. ”
– ” ما الذي ستفعلونه بالطفل ؟ ”
– ” لا شيءَ ؛ إنه يرغب في اختراق الحواسب الآلية صعبة الاختراق , ونحن نرغب في اختراق حواسب آلية معينة صعبة الاختراق … سنتيح له أجهزة ذات إمكانيات عالية لتحقيق رغباتنا المشتركة .. “
– ” لو كان هذا الطفل بهذا الذكاء ألا يفترض أن يستوعب من أنتم ؟ “
– ” حتى لو فعل , فلن يصدقه أحدٌ ؛ توقع طفلاً في السابعة يقول أنه اخترق موقع جهاز مخابراتٍ ما , وعندما يسألون البالغين من أقربائه سيجيب هؤلاء بأنه كان في تدريب أعدَّتْه شركةٌ دولية لأمان الحاسب … حينها سيعتقد الجميع أن الطفل قد صدَّق أن التدريب حقيقة , وَخَلَطَ بين اللعبة والواقع ؛ لا خطر من هذه الجهة ”
– ” ولماذا أنا ؟ ”
أنزلَتْ ( سفيتلانا ) المسدس ووضعَتْه على الطاولة , ثم قالتْ :
– ” لأننا نعلم كيف نضمن ولاءَك ؛ لقد كان المسدس من أجل ضمان إنصاتِك لما أقوله , أما ضمان ولائك .. فإن هذا لم يتغير كثيراً عن أيام ( ستالين ) ”
– ” هل ستعودون لإعلان شيوعية الدولة وتضمّون إلى صفوفكم هؤلاء الراغبين في تحقيق جنة البروليتاريا على الأرض ؟ 
– ” حتى لو فعلْنا , فلا أعتقد أنك كما يوحي اسمُك ؛ أنت لستَ من هؤلاء المولعين بتحقيق ثورة البروليتاريا والقضاء على الرأسمالية … ولكن هناك شيئاً آخر أنت مولعٌ به , ولعله السبب في مقاطعتكَ للناس وعدم زواجِك حتى بلغت هذا السن ! ”
لم يكنْ ( لينين ) يرغب في التفكير حتى فيما ستقوله … لقد اكتشفوا مكان ابن أختِه الذي استطاع اختراق حاسبهم , فكيف بـ ( لينين ) الذي تعلم قبل شهرٍ واحدٍ فقط كيف يتصفح الإنترنت ؟ ..
عندما “اكتشف ” ( لينين ) الإنترنت لأول مرة دُهِش من كمِّ المعلومات التي يستطيع الوصول إليها بنقرة زر …. ثم وسوسَتْ له نفسه _ ولعل هذا ما تشير إليه ( سفيتلانا ) _ أن يرى إن كان هناك أشخاصٌ آخرون يشاركونه الرغبة في ( ذلك الشيء) … ذلك الشيء الذي أخفاه ( لينين ) عن أعين الجميع … وأبعد هو ( لينين ) عن الاجتماعياتِ ما أمكن … إنه مدينٌ بعزلتِه وانطوائيّتِه إلى حدٍّ كبيرٍ إلى ذلك الشيء .
والآن تقول هذه الحسناء التي تبدو وكأنها قد خرجتْ من فيلم سينمائي أنها تعلم ما يضمن ولاءه , وأن هناك ( شيئاً آخر) سيجعل ارتباطه بهم كارتباط الشيوعيين بالاتحاد السوفيتي … لا شك أنها تعني ما يفكر به .. جاءَه الصوتُ الصارمُ :
– ” نحن لا نقدّم في المعتاد خدماتٍ من ذلك النوع , ولكن بالنظر إلى ضخامة ما نتوقع الحصولَ عليه من ابن أختك , فإننا على استعدادٍ لتقديم استثناءاتٍ ”
ثم أخرجَتْ من الحقيبة بطاقةً وسلَّمَتْها له , نظر فيها فوجدها البطاقة التي تحمل عنوانَ المقاول , وقالتْ له :
– ” غداً اذهب إلى هذا العنوان في الرابعة عصراً, سأكون بانتظارك هناك , وسنخبرك بتفاصيل ما نطلبه منك .. أي أسئلة ؟ ”
– ” لا ! ”
– ” حسناً ! “
وحملَتْ ( سفيتلانا ) الحقيبة وتوجهَتْ إلى الباب وفتحتْه وخرجَتْ , ولم يفكر ( لينين ) في أن يصاحبَها لـ”تأمينِها ” بل على العكس إنه يرجو من أجل سلامة هؤلاء الصِبْيَةِ أن يكونوا قد انصرفوا ؛ لقد أحسنَتْ التظاهر بالضعف والرقة حتى اعتقد في البداية أنها بالفعل بحاجة لمن يحميها , أما عندما ظهرَتْ له حقيقتُها وقسوةُ ملامحِها فقد بدا له أنها أقدر على أن تحميه منه على أن يحميَها … أو لعل هذه الحالة الثانية هي التمثيل وما تظاهرَتْ به , بينما حالتُها الأولى كانتْ هي حقيقتَها ؟
 في كلتا الحالتين عندما تريد هذه الفتاة أن تُرْهبَ من أمامَها _سواءً كان ذلك تظاهراً أو حقيقة_ فإنها تنجح في ذلك …
ثم بدأ يفكَّر فيما قالتْه …
تُرى ما الذي يخفيه له لقاءُ الغدِ ؟
لا سبيل أمامَه ليعرفَ غيرُ الانتظار …
*****************************
( 2 )
يوم الاثنين الثاني والعشرين من أغسطس ..
حاولَتْ ( سفيتلانا ) أن تمنع نفسَها من التفكير فيما يوشك أن يقع , فلم تفلحْ ..
وبدأتْ تستعيدُ ذكرى لقائها بالعقيد ( أنتون بوندريوف ) قبل أيامٍ عندما أطلَعَها للمرّة الأولى على تفاصيل المهمة الموكلة إليها …
كانتْ تعلم أنه _يوماً ما _ ستضطر للقيام بمهمة من تلك المهمات , ولكنها لم تتصور أن يأتي ذلك اليوم بعد أقل من سنة على التحاقها بالخدمة …
كان ( بوندريوف ) يتحدث في ثبات عن أهمية الطفلِ وحاجتِهم لتوظيف مهاراتِه الاستثنائية بشكل عاجل مع تفاقم الأحداث العالمية وعودة العمل الاستخباراتي للواجهة … ثم تحدث في عجالة _ وكأن الأمر لا يعنيه _ عن متطلباتِ تلك العملية التي تستدعي نوعاً من التضحية من جانبِها … وردَّتْ هي في سرعةٍ أنها مستعدة للتضحية بروحِها في سبيل بلدِها , وردّ هو على حماسها بابتسامة حاول جاهداً ألا تكون ساخرةً … وعندما عادَتْ لغرفتِها وقرأَتْ تفاصيلَ المهمة فطِنَتْ لسبب ابتسامتِه الساخرة … لم تكن التضحية من ذلك النوع , لقد كانتْ تضحيةً أخرى ؛ إن عليها أن تلبي رغباتِ رجلٍ لا تعرف عنه شيئاً من أجل ضمان تعاونِه … وبدا لها الأمر غريباً ؛ لماذا لا يجبرونه على التعاونِ .. لماذا يخطبون ودَّه ؟
ثم إن هناك شيئاً آخر لا تريد ( سفيتلانا ) أن تصارح به نفسَها ؛ فهذا الشيءُ الذي يطْلَبُ منها القيامُ به لأجل بلدِها … قد تكون مستعدةً للقيام به حتى لو لم تكن بلدُها بحاجة إليه … في الواقع لو بلغَتْ صراحتُها مع نفسِها حداً فائقاً لقالَتْ إنها ترغبُ في القيام به حتى لو كان في ذلك ضررٌ يلحق ببلدِها … فهل كانتْ القياداتُ العليا على علمٍ برغباتِها تلك عندما اختارتْها لهذه المهمة ؟
هي ترجو أن تكون الإجابة بـ لا , لأنها لا تريد أن ينكشف هذا السر لأحدٍ …
قاطعَ تواردَ أفكارِها اقترابُ رجلٍ فارع القامة منتفخ العضلاتِ منها , ثم قال :
– ” كل شيءٍ جاهزٌ , عندما يأتي العميلُ سنبدأ في إخباره بمهامه ثم بعد ذلك سيأتي دورُكِ … لقد وضعْنا كاميراتٍ تغطي كاملَ الغرفةِ فلا تقلقي .. ”
نظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في ذهولٍ :
– ” كاميرات ؟ لماذا ؟ ”
– ” أوامر القيادة , لا يمكن أن نعرضكِ لهذا الخطر بدون أن نطّلع على ما يحدث في الغرفة حتى نتدخل إن دعَتِ الضرورة , كما أن المسئولين عن التدريب في الجهاز يريدون أن يحتفظوا بالواقعة مسجلةً ليطلعوا الملتحقين الجدد على مقدار التضحياتِ التي عليهم أن يقدموها فيما بعد “
كانَتْ ( سفيتلانا ) تتمنى أن تنشق الأرض وتبلعها .. ليس فقط زملاءَها هم من سيرى ما سيحدث , وإنما الأجيال القادمة كذلك !
عاد صوتُ الرجل ليقول في برودٍ :
– ” لقد رأتِ القيادة أن نضع كلمة سر لتقوليها إذا احتجْتِ إلى أن نتدخل ونوقف العملية ! وكلمة السر هي ( أوقفوا العملية ) 
– ” أعتقد أنني قادرة على حماية نفسي , شكراً “
ثم فطَنَتْ ( سفيتلانا ) إلى شيءٍ في كلامه , فسألتْه :
– ” هل سيكون ما يحدث مسجلاً بالصوت والصورة ؟ ”
– ” بالطبع ! هذه هي أوامر القيادات العليا  ” ثم ضغط على سماعة أذنه بيده , وأنصت لثوانٍ ثم قال لها : ” لقد جاء العميل , ربما عليكِ الانتقال للغرفة والاستعداد ! ”
فانتقلَتْ ( سفيتلانا ) للغرفة واستعدَّتْ ؛ وإن لم تدرِ ما الذي عليه فعلُها بالضبطِ ؛ لقد تركوا لها الحرية في اختيار ما تريده من الملابس , فقرَّرَتْ أن ترتدي فستاناً طويلاً بلا أكمامٍ مما يُرْتدى في السهراتِ , وصفَّفَتْ شعرَها ووضعَتْ مكياجها ليتناسب مع ذلك…
وحاولَتْ أن تدركَ مكانَ الكاميراتِ الموضوعة في الغرفة إلا أنها فشَلَتْ في ذلك , فقد وضعوها باحترافية شديدة , ثم إن الغرفة كانتْ ضخمةً وملأى بالأثاث والإكسسوارات مما صعَّب المهمة…
كانتْ الغرفةُ مؤثثة أثاثاً أثريًّا لعله يرجع إلى حقبة  الثلاثينات أو الأربعينات , وبالنظر إلى ما كانتْ ( سفيتلانا ) ترتديه فقد بدا وكأنها على وشْكِ تصوير مشهد في فيلم عن الحرب العالمية الثانية …
ويبدو أن التعليمات لم تكن بهذا الطول , فقد فوجئتْ ( سفيتلانا ) بالباب يُفْتَح بينما هي جالسةٌ على السرير …
وعندما دخل ( لينين ) توقَّف مكانَه مشدوهاً من منظر الغرفة ومن ( سفيتلانا ) التي بدا جمالها أخاذاً في فستانها وجلستها على السرير , وحاول أن يقول شيئاً فعجز عن ذلك , فابتسمَتْ ( سفيتلانا ) وقالتْ _ وهي تعلم أن ما تقوله مسجلٌ بالصوت والصورة _ :
– ” هل أعجبتْكَ الغرفةُ ؟ ”
– ” أعتقد أنني منشغلٌ عن الغرفةِ بمن فيها “
تخيَّلَتْ ( سفيتلانا ) منظرَ زملائها وهم يضحكون لهذا الرد , فحملَتْ نفسَها حملاً على أن تقول :
– “  هل هذا إطراءٌ لي أم إعجابٌ بالنفسِ ؟ ”
ضحك ( لينين ) وهو يقول :
– ” ملحوظةٌ جيدةٌ … ربما عليّ أن أخرج من الغرفة وأعيد تكرار هذا التعليق ليتضح ما قصدْتُه ”
قالتْ ( سفيتلانا ) في دلالٍ _ وهي تلعن من فكَّر في وضع كاميرات في الغرفة_ :
– ” وما الذي قصدْتَه ؟ “
– ” أنكِ أجملُ شيءٍ وقعَتْ عليه عيناي ”
كان هذا فوقَ قدرةِ ( سفيتلانا ) على التحمل , إنها تكاد تسمع في خيالها صوتَ القهقهة من الجالسين خلف الشاشات للفرجةِ عليها وعلى هذا العاشق الولهان  .
فقالتْ في هدوءٍ :
– ” هل يمكننا أن نكمل هذا الحوارَ في شقتِكَ ؟ ”
نظر إليها ( لينين ) في استغرابٍ , وقال :
– ” شقتي ؟ …. أعني ….لقد هنأني الجيران صباح اليومِ بزواجي الذي انتشر خبره كما تنتشر النارُ في الهشيمِ .. لقد رغبوا حتى في مقابلتِكِ فأخبرْتُهم أنكِ نائمة , لذا لا أعتقد أن هناك مشكلةً في عودتنا …. ولكنّ المكان ضيقٌ والجيرانَ قد يسمعون …. أعني أنا لا أفترض أن شيئاً سيحدث بيننا … ولكن … ”
قاطعَتْه ( سفيتلانا ) :
– ” صدقني إن كنْتَ تخشى من أن يسمعنا الجيرانُ فهذه الغرفة هي آخر مكانٍ ترغب في البقاء فيه ” ثم بدا لها أنها كشفَتْ أكثر مما ينبغي , فقالتْ : ” إن الجدران رقيقة للغاية وفي الخارج _ كما رأيتَ _ هناك خلية نحل من العاملين تنتقل طيلة الوقت هنا وهناك … دعنا نذهبْ إلى شقتكَ ! ”
– ” حسناً إذا كان هذا ما ترغبين فيه ”
– ” حسناً .. اسبقني أنت إلى سيارتِك وسألحق بك في الحال .. ”
خرج ( لينين ) وهو لا يدري إن كان أخطأ في شيءٍ .. وبدأ يفكِّر في أنه ربما غالى في هذه ” المعاكسات” لها … ولكن أليس يفترض أن بينهما اتفاقاً ما ؟ .. مهما كانَتْ عدمُ أخلاقية ذلك الاتفاق .. قد لا تكون هي راغبةً في أن يقع بينهما شيءٌ ولكنه أيضاً غير راغبٍ في أن يعمل لحسابهم … بمعنىً من المعاني فالجميع يتخلى عن مبادئه في هذه المبادلة .. 
في تلك الأثناء كانتْ ( سفيتلانا ) تخوض نقاشاً محتدًّا مع رئيسِها الذي أصر على الالتزام الحرفي بالتعليمات الصادرة من أعلى , بينما ( سفيتلانا ) تخبره أن لا سبيل إلى وقوع شيءٍ بينها وبين ” العميل ” بينما هي تعلم أن العيون تراهما وأن ما تقوم به مسجَّلٌ لتراه مزيدٌ من العيون في المستقبل …
وعندما رأى رئيسُها إصرارَها وافق على ذهابها معه , ولكنه اشترط أن يتأكّد من تمام المهمة بعد أن تعود , فسألتْه في استغراب :
– ” وكيف ستتأكد من ذلك ؟ هل تريد أن تتصل بـ ( لينين ) وتسأله عما حدث ؟ ”
– ” ( لينين ) ؟! ما علاقة ( لينين ) بمعرفة ما سيحدث ؟ “
نظرَتْ إليه لثوانٍ ثم فطنَتْ إلى أنه لا يعرف اسم “العميل” فقالتْ :
– ” العميل اسمه ( لينين ) .. ما علينا … كيف يفترض أن تعلم أنني أكملْتُ مهمتي ؟ ”
ابتسم رئيسُها في خبثٍ , وقال :
– ” لقد قرأْتُ الملفَّ , ويبدو أن ما يريد ( لينين ) أن يفعله يترك آثاراً يسهل الاطلاع عليها فيما بعد , وأنا أريد أن أرى ذلك ! ”
نظرَتْ ( سفيتلانا ) في ذهولٍ , ثم قالتْ في تحدٍّ :
– ” أتريد أن أكشف لك مؤخرتي عندما أعود ؟! هل جننْتَ ؟! ”
– ” فمن أين لي إذن أن أعرفَ أنكِ لم تتنصلي من واجباتكِ وتهددي ( لينين ) بأن يسكت وإلا …. نحن نريد شراءَ ولائه وليس تهديده ؛ التهديد قد يُضْمَنُ إزالتُه من قبل منافسينا , وحينَها ستفشل المهمة كلُّها ! ”
لم يخفَ على ( سفيتلانا ) أن الدافع وراء طلب رئيسِها ليس بهذه ” العقلانية ” التي يحاول أن يظهره بها , ولكنها قرَّرَتْ إرجاء هذه المعركة فيما بعد , فقالتْ :
– ” أنا لا أقول أنني موافقة على ذلك , ولكني تأخرْتُ وقد يثير ذلك قلقَه , سنكمل هذا الجدالَ فيما بعد ”
وانصرفَتْ ( سفيتلانا ) وهي تكاد تقسم أن عيني رئيسِها محدقة بمؤخرتِها , ولكنها لم تشأ أن تلتفتَ لتحقق مخاوفَها .. ثم فطِنَتْ أنها لا تزال ترتدي فستان السهرة … فقرَّرَتْ تأخيرَ ( لينين ) بضعة دقائق حتى تغير ثيابها وترتدي ما كانتْ ترتديه البارحة ..
وعندما وصلَتْ إلى سيارتِه استقلَّتْ المقعد المجاور له في السيارة دون أن تقول شيئًا, وملامحها لا تزال غاضبةً من حوارِها مع رئيسِها , ونظرَتْ جهةَ ( لينين ) فوجدَتْه هو الآخر باديَ الحزنِ , وقال لها :
– ” أنا آسف أنني اضطررْتُكِ لكل هذا ؛ أنا أعرف أنكِ مدفوعةٌ دفعاً للعب هذا الدور من أجل الحفاظ على وظيفتكِ , والآن عندما أنظر إلى استيائكِ بسبب ما أنتِ مقدمةٌ عليه لا أستطيع أن أسامح نفسي , بإمكاننا أن نذهب إلى شقتي حتى يقتنع رؤساؤكِ أننا فعلْنا ما يتوقعونه , ولكنني أقسم لكِ أنني لن أفعل أي شيءٍ ؛ أعني أنا لسْتُ بحاجةٍ إلى قسمٍ فأنتِ أقوى مني جسديّاً بالتأكيد … ولكن ما أٌقصده … ”
قاطعتْه ( سفيتلانا ) مبتسمةً :
– ” لا علاقة لكَ بسبب استيائي … في الواقع هذا ليس دقيقاً ؛ إنك متسبب في استيائي ولكن من طرفٍ بعيدٍ ؛ السبب المباشر هو رئيسي في العمل ”
– ” لأنه دفعكِ إلى القيامِ بما تكرهينه  
– ” من قال إنني أكرهه ؟ ”
تجمد الهواء للحظة بينهما , ثم لأول مرة منذ زمنٍ طويلٍ  _ وبدون تمثيلٍ أو ادعاءٍ _ احمرَّتْ وجنتا ( سفيتلانا ) خجلاً , وقد فطنَتْ إلى ما صرَّحَتْ به قبلَ قليلٍ , ثم رأتْ أن تتمادى فقالتْ :
– ” أنا لا أكرهه بل في الواقع أنا أرغب فيه جداً … ولكن ما جعلني أستاء … هو أنه يريد التأكد من وقوعه  
– ” كيف ؟ ”
– ” إنه يريد أن أرِيَه مؤخرتي بعد أن تفرغ من عقابها ! “
كان خداها قد صارا قرمزيين خجلاً , فقال :
– ” لا أعتقد أنني سأسمح له بهذا ؛ لا صورةَ … ولكن لا بأس بالصوتِ ”
لم تكن ( سفيتلانا ) تجهل ما يعنيه , ولكنها سألَتْ والحياء يكاد يعقد لسانَها :
– ” صوت ؟ ”
– ” بإمكانِكِ أن تتصلي به أثناء عقابكِ وأن يستمع لجزءٍ منه.  لـ ” يتأكد” من أنني عاقبْتُكِ أو ليشبع رغبتَه أو أياً يكن ما يريده ذلك المنحرف ! ”
ضحكَتْ ( سفيتلانا ) رغماً عنها , وقالتْ :
– ” هو المنحرف ؟ “
– ” بالطبع ؛ أنا أعلنْتُ قبل قليلٍ رفضي لتعريضكِ لما لا ترغبين فيه _ على الرغم من أنني سرْتُ في ذلك الطريق لفترة قبل أن أرعوي _ وأنتِ أعلنْتِ أنك ترغبين فيه , وبهذا انتفى الانحراف عني وعنكِ , بقي ذلك الوغد الذي أقحم نفسَه في الأمر رغماً عنكِ , وعليه فهو منحرف ! ”
ازداد تورد خدي ( سفيتلانا ) قبل أن تقول :
– ” ومن قال إنني مستاءة من إقحامِه نفسَه رغماً عني ؟ ”
نظر إليها ( لينين ) في ذهولٍ , وقال :
– ” مهلاً , هل أنتِ بالفعل يلذّ لكِ أن يراكِ رئيسُكِ _بعد أن عاقبْتُكِ_ مكشوفة المؤخرة ليتأكد من أنكِ نلْتِ  ما تستحقينه ؟ ”
هزَّتْ ( سفيتلانا ) رأسَها بالإيجاب , وهي قابضةٌ على شفتها السفلى بأسنانِها , فقرَّرَ ( لينين ) أن يتمادى :
– ” وهل يتوقف الأمر عند هذا الحد , أم أنكِ ترغبين في ألا يقتصر على ” التأكد ” من عقابكِ , وتتمنين أن يزيد فيه ؟ “
نظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في خجلٍ , وقالتْ بصوتٍ يُسْمع بالكاد :
– ” هذا سيكون أفضل ! ”
هزّ ( لينين ) رأسَه غيرَ مصدقٍ ؛ قبل قليل كان ينوي الاعتذار وتقريع نفسِه على أنه فكَّر في تجاوز حده , والآن يكتشف أنه غير قادر على تجاوز الحدِّ حتى لو أراد ..
استعاد ( لينين ) زمام السيطرةِ , وقال في هدوء :
– ” لماذا أردْتِ أن نذهبَ إلى شقتي ؟ ”
نظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في ذعرٍ وقد بدا لها أنه فطن للسبب , فقالتْ :
– ” بسبب رقة جدران الغرفة ! ”
– ” لا أعتقد أن هذه هي الحقيقة الكاملة …رئيسكِ في العمل أثار مشكلة ” التأكد ” من العقاب هذه بعد أن طلبْتِ أن ننتقل إلى شقتي , بما يعني أنه كان ليرى ما سيحدث لو أنه حدث في الغرفة ؛ لو كان لي أن أتوقع لقلْتُ إن هناك مرآةً سحريةً من ذلك النوع المستخدم في غرف التحقيق بإمكانِه أن يرى من ورائها ما يحدث في الغرفة بدون أن يراه من فيها , أليس كذلك ؟ ”
– ” في الواقع الأمر أسوء من ذلك , إن الغرفة مدججة بالكاميرات والمايكروفونات , وما يحدث فيها كان مسجلاً بالصوتِ والصورة ليطَّلع عليها المتدربون في الجهاز فيما بعد ”
لمعَتْ نظرة شريرة في عيني ( لينين ) وقال :
– ” حسناً , هيّا بنا !”
وفتح باب السيارة , فنظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في ذعرٍ , وقالتْ :
– ” أرجوك .. أرجوك .. إن ما يدخل في سجلاتِ الجهاز لا يخرج أبداً سيظل عقابي مسجّلاً هناك للأبد ! ”
– ” وهو المطلوبُ … الآن لا تزيدي في عقابكِ _ الذي سيبقى مسجلاً للأبد _ وكوني مطيعةً واخرجي من السيارة ! ”
نظرَتْ إليه في توسّلٍ , فقال :
– ” أتريدين أن أدعو رئيسكِ ليشارك في عقابكِ ؟ أنا واثقٌ أنه سيرى ذلك ضرورياً من أجل ضمان انسيابية العملية وتحقيقها أهدافها ! ”
فتحَتْ ( سفيتلانا ) الباب في سرعةٍ , وخرجَتْ من السيارة لتقف بجوارِها وهي تفرك يديها أمام ( لينين )  ؛ من رآها في هذه الحالة ورآها البارحة وهي تصوِّب مسدسها تجاه نفس الرجل لأقسم أن هذه امرأة أخرى …
سار ( لينين ) تجاهها , وأمسك بيدها وسار بها مرةً أخرى إلى العمارة ودخل إلى محل المقاولاتِ الضيقِ الفارغ ثم طرق البابَ الذي في مؤخر المحل , فأجابه صوتٌ متسائلٌ بالروسية .. فنظر ( لينين ) إلى ( سفيتلانا ) التي ردَّتْ بروسية حاولتْ أن تجعلها صارمةً ولكن الصرامةَ كانتْ قد تبخرَتْ في تلك السيارة , فجاءَ صوتُها رقيقاً عذباً حتى كاد الصوتُ المتسائل أن يَجْهَل صاحبتَه , ولكن الباب انفتح وحاولَتْ ( سفيتلانا ) شرحَ ما حدث , ولكن ( لينين ) تجاهل الرجل الواقف أمامه وسار _ وهو لا يزال ممسكاً بيدها تجاه الغرفة _ كان هذا المكان حصْنٌ لا يدخله أحدٌ أو ينتقل فيه من مكان إلى مكانٍ إلا بإذنٍ , ومع ذلك فقد بدا أن خوف ( سفيتلانا ) مما يوشك أن يحدثَ لها على يد ( لينين ) أكبرَ من خوفِها على ( لينين ) الأعزل الذي يتجول بسذاجة في أرض مسلحة  !
وبدا أن أحد المتواجدين على وشكِ أن يخرج مسدسه , ولكن نظرةً من رئيسِ ( سفيتلانا ) قد نهتْه عن إتمام فعلِه …
وبدا الاستمتاع واضحاً على وجه رئيسِ ( سفيتلانا ) الذي التقتْ عيناه بعيني ( لينين ) فتبادلا نظرةً تخفي وراءَها اهتماماً مشتركاً بما سيقع بعد قليلٍ للحسناء التي تجرّها يدُ ( لينين ) إلى مكان عقابِها…
وما إن دخل ( لينين ) و( سفيتلانا ) إلى الغرفة وأغلق وراءهما بابَها , حتى انتقل رئيس ( سفيتلانا ) مسرعاً إلى الشاشة التي تعرض ما تسجله الكاميرات , وابتدأ العرضُ …
صوتُ ( لينين ) الذي اكتسبَ هيبةً مفاجئةً نتيجة ما يُحْدِثُه من أثرٍ في الفتاة الواقفة أمامه … وصوتُها الذي تحول إلى مواءِ هرةٍ , ولم يعد يحتاج إلى من يترجمه من لغة إلى لغة لأنه صار ذا معنىً إنسانيًّا مشتركاً لفتاة توشك أن تعاقب وتحاول أن تجد مخرجاً من عقابِها المحتّم …
( لينين ) يشمّر قميصَه … ( سفيتلانا ) تبلع ريقها بصوتٍ مسموع … ( لينين ) يجلس على طرف السرير … ( سفيتلانا ) تنقل وزنها من رجل لأخرى … ( لينين ) يقبض على ذراعها ويدنيها إليه … ( سفيتلانا ) تعود لمواء الهرة الذي يرق له كل قلبٍ إلا قلبُ معاقبِها … ( لينين ) يحيط خصرها بيديه كأنها طفلةُ ستفقد اتزانَها إن لم تحطْ بها يدا والدِها …. ( سفيتلانا ) تضع يديها على مرفقيه وكأنها تطلبُ فعلاً ذلك الاتزان المفقود … يدا ( لينين ) تنتقل إلى زرّ بنطالها فيعلو المواءُ …. نظرةٌ واحدةٌ يوجهها ( لينين ) لفتاته تجعلها تسكتُ وتستبدل كلامها بنظرات متوسلات… زرّ البنطال يُحَلّ وتنزل سحّابة البنطال إلى نهاية مداها ثم ينزل البنطال إلى ما دون الفخذين ويحاول القميص أن يلحق به ليستر ما انكشف ولكن يقف به الحد عند أعلى الفخذين …. يميل ( لينين ) بفتاتِه فتميل معه ويستقر بها المطاف وقد اتخذتْ من فخذيه أريكة استلقَتْ عليها … ويرفع ( لينين ) ذيلَ قميصِها ليكشف ما تحته ؛ كان ردفا ( سفيتلانا ) عاريين إلا من التقاء شريطين أحدهما عرضيّ يغطي أعلى الردفين والآخر طولي يغوص بينهما , فجعل ( لينين ) إصبعَه تحت نقطة التقاء الشريطين ثم رفعهما بإصبعه ثم تركهما يصطدمان بالجلد البض تحتهما , وسأل في غضبٍ مصطنعٍ :
– ” ما هذا بالضبط ؟ … ما كان في حكم العدم فلا داعي لبقائه  
ثم نزلَتْ يدا ( لينين ) بـ(الذي في حكم العدم) إلى أن استقرّ في جوفِ بنطالها , وقال :
– ” هل لديكِ شيءٌ تقولينه قبل أن يبدأ عقابكِ ؟ ”
– ” سأكون فتاةً مؤدبةً … رجاءً لا تعاقبني ! ”
كان صوتُ هذه الغادة ليذيب أقسى القلوبِ ؛ ولكن هناك حصانة لقلوب من تضطرهم الظروف لتولي عقاب هؤلاء الغيد , وكذلك كان قلبُ ( لينين ) , الذي رفع يده وأهوى بها على الردفين الفاتنين … مراتٍ ومراتٍ … حتى بدأ لونُهما ينتقل من الابيضاض إلى التورّد … وبدا أن صاحبةَ الردفين لا ترى في عقابِها ما يسوءُ ؛ بذلك أخبرَتْ آهاتُها الكاذبة بادية التصنع … فاضطر ( لينين ) أن يلجأ إلى ما يزيد عقابَها .. ونقَّل عينيه حوله فلم يرَ شيئًا يصلح أداةً للمعاقبةِ … ويبدو أن حيرتَه قد انتقلَتْ إلى حلفائه في الخارج عن طريق الكاميراتِ فقد وجدَ البابَ يُقْرَع , ومع قرعِه علا مواءُ ( سفيتلانا ) المذعور , فقال ( لينين ) في استمتاعٍ :
– ” هل لديكِ أي فكرةٍ عن الطارق ؟ “
– ” أعتقد أنه جاء في وقتٍ غير مناسبٍ , ربما من الحكمة أن ترجئ الخروجَ إليه حتى تفرغ من عقابي ؟ ”
– ” إمممم .. هذا قولٌ حكيمٌ … ولكنْ …. ادخل ! ”
عاد المواءُ مع فتحِ الباب , وخطا إلى الداخل شابٌ وسيمٌ يحمل في يده أداةً من الجلْدِ لها مقبضٌ , واقتربَ من ( لينين ) ومن الفتاة الممدة على رجليه , فمد يده بالأداة وقال بعربية ركيكة :
– ” تحيات السيد مدير المركز ”
وقدَّم الأداة الجلدية لـ ( لينين ) الذي شكره , ثم قال الفتى لـ ( سفيتلانا ) شيئاً بالروسية فيه مواساة مصطنعة , وفَهِمَ منه ( لينين ) كلمتي : بخير , تريدين .. فخمّن أن ما قيل هو شيءٌ على غرار : هل أنتِ بخير ؟ أتريدين شيئاً ؟
وجاءَ جوابُ ( سفيتلانا ) غاضباً , ولم يفهم ( لينين ) من ردِّها شيئاً , فنظر إلى الفتى , وقال :
– ” ما الذي قالتْه ؟ ”
وردَّ الفتى :
– ” تهديدات ”
– ” تهديدات هه ؟ حسناً ثق أنني سآخذ حقَّكَ وزيادةً , في الواقع لماذا لا تجلس على ذلك الكرسيّ لترى بقية عقابِها بنفسِك , فتلك التهديدات كانتْ موجهةً إليك “
– ” لا أرجووووك .. لا تفـ ..”
كان هذا صوتُ ( سفيتلانا ) الذي قاطعَه صوتُ شقّ الأداة الجلديّة للهواء قبل أن تصل إلى هدفها الفتّان … ولم تعُدِ الآهةُ مصطنعةً … أشار ( لينين ) مرةً أخرى للفتى بأن يجلس فجلس … ثم استمر ( لينين ) في عقابِ ( سفيتلانا ) حتى بدا له أنها على مشارفِ البكاءِ … وهنا توقف سقوط الأداة الجلدية على مؤخرتِها التي صارتْ شديدةَ التورّد , وقال ( لينين ) :
– ” أيُّ تعليق على فكرة إلقاء تهديداتٍ للآخرين بينما أنتِ على فخذَيْ مَنْ يعاقبك ؟ ”
– ” أنا آسفة ! ”
– ” هل توجهين أسفكِ لي أنا ؟ ”
عادَتْ ( سفيتلانا ) لقول شيءٍ بالروسية , وإن كانتْ نغمة الأسى لا تحْوِجُ إلى ترجمة , ونظر ( لينين ) إلى الفتى فوجده يخفي ابتسامتَه ليظهر التعاطفَ معها , وقال شيئاً يبدو أنه من قبيل ” لقد غفرْتُ لكِ ! ” , فقال ( لينين ) :
– ” حسناً سأكتفي بهذا هذه المرة , بإمكانكِ أن تنهضي وترفعي بنطالكِ ”
كاد ( لينين ) يقسم أنه سمع زفرةَ استياءٍ من الحسناء الممدة على رجليه .. هل كانتْ ترغبُ في المزيد ؟
نهضَتْ من تمدّدِها وقد عاد قميصُها لستْر ما يجبُ سترُه , ولكن نزولَها بجذعها لتلتقط (الذي بحكم العدم) كان ليكشف ما يستره القميصُ , فظلَّتْ واقفةً مكانَها وهي تنظر تجاه الفتى , وكأنها تتمنى أن يخرج من الغرفة , ولم يشأ ( لينين ) أن يزيد في خزيِها , فرفع (الذي بحكم العدم) حتى غاب تحتَ ذيلِ القميص ثم رفع بنطالَها وتركَ لها عقد زرِّه ورفع سحابته , ثم قال :
– ” أعيدي هذه الأداة الجلدية لمن جاء بها ! ”
أخذَتْها ( سفيتلانا ) في خفرٍ ثم سارت بخطواتٍ متثاقلة إلى المقعد الذي يجلس عليه الفتى الذي كان يجاهد حتى لا تتحول ابتسامتُه إلى قهقهة , ومدَّتْ يدَها بها إليه , ولكن قبْلَ أن تلتقطَها يدُه هوَتْ بها على فخذِه فصرخ الفتى ألماً , وجاء صوتُ ( لينين ) مندهشاً :
– ” سفيتلانا !! ”
نظرَتْ إليه الفتاةُ اللعوبُ في براءةٍ وكأنها تتساءل عما يريده , فقال في غضبٍ :
– ” تعالي هنا ! ”
ظلَّتْ تنظر إليه في براءةٍ وطفولية بينما هي تخطو نحوَه , فلما اقتربَتْ منه , بدأ في حلِّ أزرار قميصِها , وسرعان ما هوى إلى الأرض ثم أتبعه بحمالة صدرها ثم حذائها ثم البنطال ثم (الذي في حكم العدم) حتى صارَتْ عاريةً إلا من جوربيها , ثم أمرَها أن تتمدد على السرير وتنتظر بقيةَ عقابِها … فقالتْ في طاعةٍ :
– ” كما تأمر .. ”
– ” لماذا فعلْتِ ذلك ؟ ”
– ” لأنه على ما يبدو أنك بحاجة إلى دافع حتى تعاقبني عقاباً فعلياً وتكفّ عن ألعاب الصبيان تلك ! ”
نظر إليها ( لينين ) في ذهولٍ , ثم نقل بصرَه إلى الفتى الذي بدا وكأنه يؤمن على قولِها , وخطرَتْ لـ ( لينين ) فكرة لم يكن ليجرؤ عليها لولا جرأة فتاتِه وتبجُّحُها , فقال للفتى :
– ” أنتَ من تعرّض لشقاوتِها وأنت من سيعاقبُها ”
ابتسم الفتى في جذلٍ , ونظر ( لينين ) إلى ( سفيتلانا ) فرأى في عينيها من الخوفِ ما لم يرَه من قبلُ , فكاد يتراجعُ عن عرضِه لولا أنه استغل عريَها فنظر إلى ثدييها وإلى ما بين رجليها فتيقّن أنها تريد ذلك , ولكنّه طلباً للأحوط مال على أذنيها وقال :
– ” إذا لم ترغبي ..”
فقاطعَتْه همساً :
– ” كف عن طفولتِكَ .. ”
فنظر إليها في دهشة لا تخلو من إعجابٍ ثم قال :
– ” حسناً إذن .. تمددي على السرير “
وعندما استقرَّ بها الحالُ على السرير مدّ ( لينين ) يدَه ليسلم الأداة للفتى , ولكن الفتى كان قد بدأ في حلِّ حزامِه حتى أخرجه من بنطاله وقبض عليه بيده ثم وقف على جانبِ السرير الأيسر ونزل بالحزام على مؤخرةِ زميلتِه , ففطن ( لينين ) إلى ما عنتْه بألعاب الصبيان ؛ كان أثر تلك الضربة هائلاً على مؤخرتها الحسناء , وقبْل أن يفرغ ( لينين ) من تأمل أثر الضربة كانتْ الثانيةُ قد هوتْ على مؤخرتِها , ثم لحقْتها الثالثة والرابعة والخامسة  … وكانتْ ( سفيتلانا ) قد بدأتْ في التقلقل على أرجاء السرير من أثر الضرباتِ , وعندما هوَتِ الضربة السادسة على ردفيها كانتْ من القوة بحيث دفعَتْ ( سفيتلانا ) إلى التقلبِ على ظهرها وإمساكِ ردفيها بيديها …. ولدهشة ( لينين ) فقد رأى بوضوح أثر بللٍ في وسطِ الملاءة في حيث كانت ( سفيتلانا ) ممدة قبل أن تنقلب على ظهرِها , وبدا أن الفتى قد فطن لذلك أيضاً , ولكنه كان أكثر جرأة فانحنى على السرير حتى ألصق أنفه بالبقعة الرطبة ليشمّها , ثم _ كأن هذا لا يكفي _ فقد غمس إصبعه فيها ثم وضعه في فمه … وقال شيئًا بالروسية ازداد له احمرارُ خدَّي ( سفيتلانا ) حتى كاد الدم ينفجر منهما ….
قرَّرَ ( لينين ) أن هذا فوقَ طاقتِه على التحمل … ربما في مناسباتٍ قادمة يمكنُه أن يستوعب كل هذه الأحداث , وكل هذه الجرأة … أما الآن فهو يفضل أن يتخيل هذه الأحداث على أن يراها حقيقة ؛ إنه لم يصبْ بضغطٍ ولا بسكرٍ ولا بمشاكل في القلب بعدُ , ولكنه في الأربعين وعليه أن يراعي صحتَه وألا يعرض نفسَه لكل هذه المفاجآتِ في يومٍ واحدٍ …
بدا أن ( سفيتلانا ) قد فطنَتْ إلى أن ( لينين ) على الأغلب قد عاش عقوداً دون أن يرى امرأةً عارية على أرضِ الواقع … وأنه ربما تظاهر بإمساكه بزمام المبادرة , إلا أن كل هذا جديدٌ بالنسبة له … فقالتْ :
– ” أعتقد أن السيد ( لينين ) لا يريد أن يستنفد كل الخياراتِ من أول جلسة … ويريد أن يدخر شيئاً للمراتِ القادمة , فلننهِ الأمر عند هذا الحد هذه المرة ”
سأل ( لينين ) في اندهاشٍ :
– ” مرات قادمة ؟ ”
– ” بالطبع , إن ابن أختك سيحتاج إلى وقتٍ حتى يتقن التعامل مع أجهزة أكثر تعقيداً من حاسبه البسيط , ثم بعد ذلك قد يحتاج وقتاً طويلاً حتى يخترق كل تلك الحواسب المختلفة … طيلة تلك الفترة من المفترض أن ” نشتري ولاءَكَ ” بهذه الطريقة , حتى تستمر في التعاون معنا ! ”
– ” ثم في يومٍ ما ستقطعون الوسيطَ و”تشترون ولاءَ ” ابن أختي مباشرةً ”
قالتْ ( سفيتلانا ) في عبثٍ  :
– ” حتى يبلغ النضج الجنسي ثم نكتشف أن لديه سرًّا مثل سرّك , وأنه مستعد للتعاون معنا نظير إشباع رغباته … حتى ذلك الحين  فلدينا أعواماً لا زلْنا نحتاجُكَ فيها كوسيطٍ “
ثم أضاف زميلُها بعربيّته الركيكة :
– ” وأعتقد أن ( سفيتلانا ) ليستْ بحاجة إلى دافع حتى تستمر في هذه الألعاب معك ! “
نظر ( لينين ) إلى الحسناء العارية الممددة على السرير , فرآها تهز رأسَها موافقةً على قول زميلِها , ثم أضافَتْ :
– ” كما أنك صرْتَ بصورة أو بأخرى عضواً في الفريق , لا أعتقد أنني بحاجة إلى إذن مواعدةٍ حتى ألقاك خارج نطاق العمل ! ”
جاء صوتٌ من مكبِّر صوتٍ لا يدري أحدٌ متى زُرِع في تلك الغرفة قائلاً بعربية ركيكة أيضاً :
– ” لا بد من إذن مواعدة إن كان الشخص الذي ترغبين في مواعدته ليس عضواً في الجهاز .. شكراً ”
فضحكَتْ ( سفيتلانا ) , وقالت :
– ” حسناً , ليس إلى هذا الحدِّ , ولكن على الأقل لن توجد موانعُ تحول دون منحي إذنَ مواعدة معك ”
عاد الصوتُ مرةً أخرى , وإن كان فيه رنة هزل :
– ” لا يصح لعضو الجهاز أن يتنبأ سلفاً بنتيجة إذن المواعدة … هذه جريمة تستحق العقاب ”
نظر إليها ( لينين ) فوجدها تدير عينيها استهجاناً , فخمّن السبب :
– ” ستصيرين نكتةً بين زملائك , وكلما اختلفْتِ مع أحدٍ سيذكّركِ باحتمال ( عقابكِ ) على ما فعلتِهِ , أليس كذلك ؟ ”
هزَّتْ رأسَها بالإيجاب ثم قالتْ :
– ” المشكلة أن أحداً لن يجرؤ على تنفيذ ذلك , سيظلون يذكرونني بعقابي ثم لا يعاقبني أحدٌ ! ”
تطوّع زميلُها بالقول :
– ” أنا مستعد للتنفيذ ! ”
– ” حسناً فصار لديّ معاقبان أحدهما طفلٌ لا يزيد على التربيت على مؤخرتي .. يا لسعدي ! ”
عاد الصوتُ يدوي في مكبر الصوتِ :
– ” (سفيتلانا) !  برجاء التوجه لمكتبِ المديرِ حالاً ؛ إنه يريد تصحيح تلك المعلومة التي ذكرْتِها مؤخراً عن وجود شخصين فقط مستعدين لعقابك ! “
هنا تدخل ( لينين ) في الحوار :
– ” المعذرة سيادةَ المتحدث , أعتقد أن عليّ أنا أن أصحح كَوْنَ أحدِ المعاقبين لا يزيد على التربيت على مؤخرتها , ثم بعد ذلك يمكن أنت أن تصحح كونهما اثنين فقط 
جاء صوتُ مكبر الصوت :
– ” هذا يبدو عادلاً … فلتشرعْ في ذلك إذاً … أيها الرفيق ( لينين ) ”
لم يستطع صاحب الصوتِ منعَ نفسِه من الضحكِ , كما أن ( سفيتلانا ) وزميلَها قد انفجرا ضاحكَين أيضاً , ونظر إليها ( لينين ) مغضباً فكفَّتْ عن الضحك وعادتْ لدلالِها ونظراتِها المتوسلة , وشعر زميلُها بما يدور بينهما , فقرَّرَ الانسحاب من الغرفة في هدوءٍ تاركاً ( لينين ) يكرِّرُ ما صنعه هو قبل قليل ويحلّ حزامَه من بنطالِه ثم يقبض عليه في يده , ويقول في صرامةٍ لا يدري من أين أتَتْ :
– ” لا يزيد على التربيتِ على مؤخرتِكِ هه ؟ استلقي على بطنكِ حتى أريكِ كيف يكون التربيتُ على مؤخرتك ! ”
عادَتْ نظرةُ الرعبِ لعيني ( سفيتلانا ) فلم يتمالكْ ( لينين ) نفسَه من الخروج من الدور وسؤالِها في قلق إن كانتْ توافق على ذلك , فنظرَتْ إليه في عبثٍ وقالتْ :
– ” ( لينين) يا عزيزي , أنا متفهمة أنك نشأتَ في بيئةٍ يحتاج الرجل فيها ألا يضغط على المرأة وإلا كُسِرْتَ , ولكن دعني أرِكَ شيئًا ”
قبل أن تُنْهِيَ جملتَها كان ( لينين ) قد صار في مركز إعصار من الدرجة الخامسة ؛ لم يدرِ متى قامتْ من اضطجاعها على السرير , ولا كيف سقط الحزامُ من يده , ولا كيف وجد نفسَه فجأة مُلْقًى على الكرسي ليستقر عليه وهي جالسة في حضنه وقد أحاطَتْ قدميه برجليها ومالتْ عليه لتقبله قبلةً عميقةً , ثم ابتعدَتْ بشفتيها عن فمه لتقول:
– ” عندما لا أوافق على ما تصنعه بي  فإنك ستدرك ذلك , أو إنْ كنْتَ سيء الحظ فقد لا تعيش حتى تدركه حتى ؛ ولذا أتوسل إليكَ أن تكف عن قلقِكَ الطفوليّ هذا وأن تنزل ذلك الحزام بكل ما أوتيته من قوةٍ على مؤخرتي “الرقيقة” , ولا تكفّ حتى تكل يدُك اليمنى عن استعمال الحزام فتنقله إلى اليسرى وتستمر في عقابي حتى تكلّ اليسرى أيضاً … وحينَها .. ربّما .. ربّما … سأكون نادمةً _ إلى حدٍّ ما _ على ما استحقَقْتُ العقابَ بسببه … ولكنني على الأغلبِ سأكون منشغلةً عن الندم بالاستمتاع بالعقابِ , هل هذا يزيل مخاوفَكَ ؟ ”
– ” من أين أتيتِ بالضبط ؟ ”
– ” نيشني نوفجرود ! ”
– ” هل كل النساء هكذا في نيشني نوفجرود ؟ ”
– ” لا أعتقد ! لقد حالفك الحظّ ووقعْتَ على الجوهرة الفريدة بينهنّ “
– ” بلا ريبٍ ! ”
– ” هل تريدني ممددةً على السرير ؟ ”
– ” أعتقد أنني سأجرب شيئاً آخر ! إنني أريد أن أرى وجهك الأقمر أثناء عقابكِ , هل لديكِ حلٌّ لذلك ؟ “
– ” ممددة على السرير , ولكن مرفوعة الرجلين في الهواء , دعني أرِك ! ”
ومع قولِها هذا نهضَتْ من حضنه وتوجهَتْ إلى السرير ثم استلقتْ على حافة السرير بظهرِها وجعلَتْ عدداً من الوساداتِ تحت رأسها ثم رفعتْ رجليها وباعدتْ بينهما فبدا وجهها الجميل من بين رجليها , ونظرَتْ إلى ( لينين) لتجد عينيه مثبتتين على رجليها ؛ أو على ما بينهما للدقة … فتنحنحتْ بصوتٍ مرتفع ثم قالتْ :
– ” لقد ظنَنْتُ أن الفكرة هي أنك تريد رؤية وجهي ! ”
– ” كان هذا قبل أن تُخْطَفَ منه الأضواءُ ! ”
قالتْ ( سفيتلانا ) في دلالٍ :
– ” وما الذي خطف منه الأضواءَ ؟ ”
نظر ( لينين ) إلى الشقراء الفاتنة , وعيناها تنظران إليه في رغبةٍ من بين رجليها المنفرجتَيْن  …. وكأنها قد تحوَّلَتْ إلى دعوة مفتوحة ليلتهمها النظرُ وغيرُ النظرِ .. ولكنها في الوقت نفسِه قادرة على منع ما لا تريده …. فليس مضطراً لينهى نفسَه عن فعل ما يهواه خوفاً من تجاوز حدِّه .. كان هذا  أكثرَ ما يخيفُه من علاقتِه بامرأةٍ ما ؛ ليس أن يبغضها أو أن تضايقَه , وإنما أن يفقد قدرتَه على ضبطِ نفسِه فتعجزَ هي عن ردِّه فيظلمَها ؛ كان يرى نفسَه كحيوانٍ مفترسٍ له عقل إنسان ؛ والحيوان يرغب فيما لا تريده المرأةُ والإنسان يندم على تلك الرغبةِ الحيوانية التي تسبَّبَتْ في ظلم ذلك الكائنِ الرقيقِ …. أما ما يراه الآن في هذه اللحظة من تلك الشقراء الفاتنة فكان أكثر مما يطمح فيه في امرأة ؛ مطلق الجمال ومطلق القدرة , ووجد ( لينين ) نفسَه يقول  بصوتٍ مبحوحٍ :
– ” ( سفيتلانا ) , لقد عشْتُ حياتي كلَّها أحاول ألا أقع في هوى أيّ إنسانٍ وأعتقد أنني بعد أربعين سنةً من النجاح في ذلك أنني اطمأنَنْتُ إلى أن لحظة الإخفاق لن تأتي أبداً , ولكنْ  …. ( سفيتلانا ) أعتقد أنني مغرمٌ بكِ ! “
– ” إن قولاً بهذا العاطفية يستحق أن يُذْكَرَ فيه اسمي الحقيقي ”
– ” وهو ليس ( سفيتلانا ) على ما أعتقد ؟ ”
– ” بالطبع لا , ولكنك ستسغرب , يا ( لينين ) ” وغمزَتْ بعينها ” إذا علمْتَ ما هو ! “
فكَّر ( لينين ) للحظة ثم فطن لما تقوله :
– ” (ناديا) ؟ ”
جاء الصوتُ هادراً من مكبِّر الصوت , بالروسية هذه المرة , ولكنه ابتدأ بمنادتِها بـ ( نادتشدا ) …
عندما فرغ مكبر الصوت من الصراخ نظرتْ ( سفيتلانا / ناديا ) إلى ( لينين ) وقامتْ من رقدتها على السرير وبدأَتْ في ارتداء ملابسِها ثم قالت ولا يزال العبثُ بادياً في صوتِها :
– ” يبدو أنني ارتكبْتُ خطأ جديًّا هذه المرة, سأذهب لتلقي عقابي _ الذي أرجو ألا يكون خصماً مالياً , لأن ما سوى ذلك لا يؤثر فيّ _ ثم أعود حتى تُكْمِلَ تربِيْتَكَ على مؤخرتي ”
ثم غمزَتْ له وانصرفَتْ من الغرفة وهي تُكْمِلُ عَقْدَ أزارِ قميصِها …
بينما ظل ( لينين ) وحيداً في الغرفة وهو يفكّر في أحداث الأربع والعشرين ساعة الماضية , وكلما ازداد إمعاناً في التفكير في ذكريات ذلك اليوم ازداد حبُّه لـ ( زفيتلانا ) أو ( ناديتشدا ) أو أياً يكن اسمُها ؛ تلك الغادة الشقراء ! 
_________________________________________

قصة : مُعْجَبَة ! ( ف/ ف)


قصة : مُعْجَبَة !  ( ف/ ف) 
– بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين أنثيين , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب من أن يكون ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 _ وهو فرع على تنويه 3 _ : قد لا تكون عملية العقاب نفسِها بهذا الاقترابِ من الفكرةِ الجنسيّة في هذه القصّة , ومن الجليّ رغبةُ الطرفين في القيامِ بها , ولكنّ هذه الرغبة تلتبسُ بدوافعَ نفسيةٍ أخرى بما يسمح بفتح الباب أمام التأويل , فوجبَ أن ينبِّه المؤلّفُ إلى رفضه التام والصريح لأي سلوكٍ _مهما كان تبريرُه_ يسمح فيه شخصٌ لنفسِه بتعريض الآخرين لما لا يوافقون على التعرِّض له لأي هدفٍ كان .. ويدخلُ تحتَ ذلك بالطبع الموافقةَ التي لا يملكُ معطيها سوى الموافقةِ مما ليس موافقةً على الحقيقةِ … وهذا بدهيّ ولكنّ أهميةَ الأمر أوجبَتِ التنبيهَ إليه !

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوّهنا به .

تنويه 5 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 
– القصة :
هذه الأرض القاسية !
أيُّ شيءٍ تثمره ؟!
ما جدوى الحب …
…إممم ..
 الذي لا يتبادله أحدٌ ؟
وإن كانتْ حياتي تشبه غبارًا ..
..أووه…
 يحْجُبُ إشراقةَ وردةٍ ..
فأيُّ نفعٍ فيّ ؟!
وحدَها السماءُ تعلم !
ربّاه , هذه الأرض القاسية !
نعم , يمكن أن تكون قارصة البرد !
اليومَ أنت شابٌّ..
وبعد هنيهةٍ .. أنت شيخٌ !
ولكن بينما يبكي صوتٌ ما بداخلي…
فإنني واثقةٌ أن شخصاً ما قد يجيب ندائي !
وهذه الأرض القاسية …
..أوووه ..
قد لا تكون..
..أوووه ..
 بتلك القسوة …
على الرغم من كل شيءٍ !
من أغنية “هذه الأرض القاسية ” سنة (1960 م )
لـ “داينه واشنطن ” ( 1924 – 1963 م )
(1)  : قبسٌ من ضوءٍ !
أقلُّ من ثانية استغرقتْها النبضة العصبية لتصل من أذنيّ إلى مخي ثم انفجرَتِ الدموعُ من عينيّ …
لماذا ؟!
تتداعى على مخي المشغول بالفاجعة صورٌ متلاحقة لا يوليها اهتماماً ؛ لا يهم ما يقوله الناس , لا يُهِمُّ رأيُهُم فيّ وهم يرونني باكيةً بكاءَ من لا يراها أحدٌ , لا تُهِمُّ ابتسامة الهازئات ولا تعاطف المتعاطفات ؛ لقد ماتَتْ ! هذا هو ما يهمُّ !
– ” لم أكنْ أعرفُ أنكِ تحبينها إلى هذا الحد ! “
الصوتُ يأتي من بعيدٍ , وفي خضمِّ ما أنا فيه يستغرق تحديدَ صاحبة الصوت أكثر من المعتاد , وعندما يفرغ عقلي من تحليل الصوتِ ونغمتِه والتعرف على صاحبتِه  _( منى ) أقرب صاحباتي إليّ_  فإنه يرسل إشارة شبه تلقائية لجسدي , وأجدني أعانقها وأحيطها بذراعيّ ؛ أنا بحاجة إلى مواساة ؛ لا أستطيع مواجهةَ كل هذا وحدي !
تحيطُ بي ذراعاها في تردّدٍ ؛ لا شكّ أن منظرَنا يبدو ملفتاً للأنظار . ويبدو أنها تريد مخاطبةَ ما بقي فيّ من منطقٍ  فتهمس في أذني :
– ” إنها مجرد ممثلة ! ”
تعيدني الجملةُ للواقع , فأنزاحُ بجسدي عن جسدها , وأنظر إليها بعينين تشعّان غضباً ؛ لقد تحوّل حزني إلى غضبٍ , وكان ذلك طاغياً فصار هذا مدمراً , وتحاول أن تعتذر :
– ” أنا لم أقصد أن …”
– ” حتى أنتِ ؟! شكراً على لا شيء! “
بقيةٌ من العقلانية تلحّ عليّ بأنها لا ذنبَ لها , ولكنّ ما يتملكني من الغضب قد أتى على كلِّ شيءٍ ؛ هذا ذنْبُ الجميع ..
هذا ذنب الجميع أنها ماتَتْ ؛ لماذا لم يفدونها بأنفسهم , أنا كنْتُ لأفديها بنفسي ؛ أين المكتب الذي تتقدم إليه طالبات تفدية الموتى بأنفسهن : أريد استعادة فلانة , خذني مكانها , شكراً !
ثم كيف تأتّى أنني لا أعرف بالخبر إلا من ( منى ) , أنا لا أتابع أخبار الممثلين , ولا أخبار غيرهم … باستثناء شخصٍ واحدٍ : هي ؛ حبيبتي … لا أدري ما هو المصطلح الذي يستعمله الأطباء النفسانيّون لوصف شعوري تجاهها … لا بد أنه اسم معقّد تحقيريّ على غرار اضطراب الهوس الحادّ التخيليّ غير القابل للتحقق , أو شيءٍ من هذا القبيل .. ولكن من يهتم بما يقوله هؤلاء ؟ … حتى من أهتمّ برأيِهِ رأيُه عندي محقّرٌ إنِ اعترَضَ على حبي لها …
لعشْرِ سنواتٍ شاهدْتُ كل أفلامها …قرأتُ كلَّ ما كُتِب عنها .. رأيْتُ كل صورة التقطَتْ لها … سمعْتُ كل صوْتٍ سجِّل لها .. تخيَّلْتُ كل حوارٍ يمكن أن يدور بين شخصين وجعلْتُه يدور بيننا مراتٍ ومراتٍ ومراتٍ ….
عندما غضبَتْ مني لأنني نسيْتُ عيدَ ميلادِها … لقد قرَّعْتُ نفسي على ذلك , وبكيْتُ طويلاً حتى كانتْ هي من جاءتْ إليّ وغفرَتْ لي وأعلنَتْ أن حبَّنا أقوى من أيِّ مشكلةٍ تواجهنا … لا أشكُّ أن هذا أيضاً هو ما كانتْ ستقولَه لي في “الحياة الواقعية” لو كانتْ علاقتي بها “واقعية” !
والآن يبلغني خبرُ موتِها وأنا بعيدةٌ عنها ؛ لقد ماتَتْ وهي لا تعرف من أنا !
تتدافع الدموع مرةً أخرى لتنحدر إلى قناتيها , فلا تتسع لها القناتان فتسيل على جانبي أنفي , وأشهق بصوتٍ مسموعٍ , فتلتفتُ إليّ إحدى العاملاتِ :
– ” خيراً يا دكتورة ؟ “
أحاول التماسكَ والردّ , ولكن لا سبيل إلى ذلكَ , فأتجاوزها مسرعةً إلى المكتبة ؛… لطالما تجاهلْتُ اقتناء واحدٍ من هذه الأجهزة التي تتيح لك تصفُّحَ الإنترنت وَيَسَعُهَا جيبُكَ , ولكني اليوم بحاجة ملحة إلى الإنترنتِ , والبيْتُ بعيدٌ ؛ المكتبةُ أقرب ! أول مرةٍ أدخل فيها مكتبة الكلية تكون لهذا السبب !
أدفع الجنيهاتِ على عجلٍ للموظف , أجلس إلى شاشة الحاسب … موقع الجامعة … أحاول فتْحَ صفحة محرك بحثٍ ما ولكن المؤشر لا يسمح بالكتابة في شريط العنوان ؛ لا شكّ أن هذه وسيلة لمنع التصفح “غير العلمي” في مكتبة الكلية … أحاول أن أفكِّر في طريقة للوصول إلى أيِّ موقعٍ أطّلع فيه على الخبرِ ؛ لا بد أن هناك صفحاتٍ شخصية خاصة بأساتذة الكلية في مكانٍ ما على موقع الجامعة , ربما أتاحتْ إحدى الصفحاتِ الانتقال إلى صفحة الأستاذ على موقع من مواقع التواصل الاجتماعي … أجرِّب وتنجح التجربة … لا يستغرق الأمرُ كثيراً حتى أجد الخبر في كل مكانٍ … كلماتُ التعزية تُعِيدُ الدموعَ إلى عينيّ … ولكنّ شيئاً يشدُّ انتباهي … كلمات ركيكة في منشورٍ تلقَّى تعليقاتٍ سلبيةً كثيرةً … ولكنه بعث بنبضة أمل في قلبي المنهك .. يقول المنشور :
( أنا أعرف أن كثيراً ستغضبهم الحقيقة … ولكن من المستحيل أن تكون ( جايمي جولدمان ) قد ماتَتْ في هذه السن المبكرة دون سبب واضح وتقرير طبي .. لماذا وَصَلَنَا الخبر عن مدير أعمالها وليس عن مستشفى ؟
هل للأمر علاقة بفيلمها الأخير الذي حقق أرباحاً قليلة ؟
كثيرون يتظاهرون بالوفاة من أجل تحقيق أرباح أكثر !
أنا أشم رائحة مؤامرة )
كان الكلام يحمل نغمة كراهية واضحة , ولكن الفكرة بدتْ كقارب نجاةٍ يتشبث به غريقٌ ؛ ماذا إذا كان هذا كله مزحة ؟ هل اليوم هو الأول من أبريل ؟ … لا , فنحن في أكتوبر !
ولكن لماذا ستتظاهر بالموتِ على أيةِ حالٍ ؟  إنها لا تزال في الثلاثين من عمرها ؛ ليس الحال كأنها ترغب في الاعتزال والابتعاد عن الأضواء , وحتى لو كان الأمر رغبة في الاعتزال , فلماذا التظاهر بالموت ؟!
– ” هل هذا بحثٌ علميٌّ ما ؟! “
التفتُّ إلى مصدر الصوتِ فوجدْتُ الموظف قائماً على رأسي , فقلْتُ متلعثمةً :
– ” لقد كنْتُ أبحث عن … شيءٍ ما , وانشغلْتُ … بشيءٍ ما , على أية حالٍ سأكمل هذا البحث في البيت , شكراً ”
وتركْتُهُ وقمْتُ , كان لا يزال هناك بقيّةٌ من المحاضرات ودروس عملية , ولكنني كنْتُ لا أزال متأثرةً بالخبر وعلى مشارف البكاء طيلة الوقتِ , فقرَّرْتُ العودة للبيتِ ؛ أقلّ ما أدين به لنفسي أن أتذكر هذه الفاجعة فيما بعدُ فأتذكَّر أنني تركْتُ الجامعة وعدْتُ إلى البيتِ من شدة التأثر , لو كان الميِّتُ قريباً لفعلْتُ ذلك , وهذه أقرب الناس لي !
ولكنْ ماذا إذا لم تكنْ ماتَتْ فعلاً ؟
فكَّرْتُ في الأمر فعلَتِ الابتسامة شفتيّ وعاد تنفسي إلى انتظامِهِ والفكرة تخامر عقلي وأبحث لها عن أسباب وقرائن…
 ولم أفتح باب البيتِ إلا وقد رسخ عندي أن ( جايمي جولدمان ) لم تمُتْ … وأنها لا تزال هدفي الأسمى الذي سألقاه يوماً ما مهما كلفني ذلك ! 
**************
(2) : الكثير من الضوء !
حسناً , لقد مر أسبوعٌ على ( خبر ) الوفاة , وما ابتدأ كنظرية مؤامرة يرددها الحمقى صار خبراً يستحق الذكر في صفحات الأخبار المحترمة … ليستْ محترمةً بالضبط , ولكن بالنظر إلى أن صناعة أخبار المشاهير هي صناعة تَطَفُّلٍ بالأساس فإن البحثَ عمَّا يماثلُ هيئة الإذاعة البريطانية في صفحات أخبار المشاهير ضربٌ من العبثِ , ولكن مدوِّنين كباراً قد تداولوا النظرية وحللوها , في الواقع إن أحدَهُم حتى قد اعتمد على التحليل الوافي الذي قمْتُ أنا به ولكنه لم يسمِّ المصدرَ , ولكن هذا لا يهم … المهم أن الخبر صار في كلِّ مكانٍ … أو للدقة : كل مكانٍ يهتم روادُه بسماع الإشاعاتِ , وهؤلاء كثيرٌ .
وإن كانتْ ( جايمي ) لا تزال حيّةً _ وأنا واثقةٌ من ذلك _ فقد سمعَتْ بتحليلاتنا , وربما تضطر إلى “إثباتِ موتِها ” إن صحّ التعبير … وهذا ما ننتظره جميعاً ؛ أن تبدأ الوثائق  المزورة وشهادات الزور في الظهور حتى نحللها ونظهر زيفها …
في الواقع لقد كانتْ الدفاعاتُ التي تقدم بها أنصار الموت ( هذا هو اللقب الذي نطلقه عليهم ) شديدةَ التفاهة , من نحو : إن عدم وجود صور للجنازة كان احتراماً لرغبة العائلة , أو : لا ينبغي على المحامين إطلاع الغرباء على إجراءات الميراث ونقل الملكية ! … بعبارة أخرى : هناك الكثير من الثغرات التي دفعتْ حتى أكثر الناس بعداً عن ” المشاكل ” إلى إعلان استغرابه وإبداء تساؤل ” مهذب” عن حقيقة الوفاة …
كنْتُ أنا قد تحولَتْ في تلك الفترة من معجبةٍ ولهانةٍ يتجاوزُ افتتانُها بممثلةٍ حسناءَ الحدَّ الطبيعيّ ,  إلى مبشرة بدين جديد مستعدة للموت في سبيلِ نَشْرِ دِيْنِها بين الوثنيين ؛ لا تستغربْ إذا أوقفْتُكَ في الطريق وسألتُك عما إذا كنْتَ قد سمحْتَ لـ ( جايمي جولدمان ) بتغيير حياتكِ , وقبل أن تجيب بشيءٍ , سأبدأ في شرح المذهب كلِّه _ وفي القلبِ منه خبرُ الوفاة المزعوم _ وسأشرح لك في حماسٍ كيف يجب علينا جميعاً أن نجتهد في إعلان إيماننا بحياة ( جايمي ) وأنها لا تزال ترى منشوراتِنا وتقرأ تغريداتِنا , وعندما يتأكد لها إيمانُ عددٍ كبيرٍ من الأتباع بحياتها الدائمة فستعود لنا وتَعُمّنا بالنِّعَمِ… أو بالأفلام…  أو بمجرد وجودها واحتمالية تفاعلِها معنا في الواقع الافتراضي , هذا حافزٌ كافٍ للإيمان , أليس كذلك ؟
كنْتُ في صددِ نشْرِ “تقرير” جديد أؤكد فيه نظريتي الخاصة بدوافع ( جايمي ) للاختفاء , وأرفق فيه صوراً لتغريداتٍ كثيرةٍ حوَتْ هجوماً شخصياً علي ( جايمي ) بعد فيلمها الأخير … لم يكن من الصعبِ أن تجد كثيراً من مثل هذه التغريدات الموجهة لجميع المشاهير تقريباً , ولكنني بذلْتُ جهداً فائقاً في تحليل كل كلمة في تلك التغريدات المسيئة , ومحاولة ربطِها بما يمكن أن يسمى تحليلاً نفسياً لـ(جايمي) , وما يؤذيها أكثر من غيره , وما تحرص على صَوْنِه من السخرية ولو من الغرباء , وكيف أن هؤلاء الأوغاد قد أساءوا إلى كل ما تقدِّره في هذه الحياة , حتى اضطرتْ إلى ترك الحياة ” مجازاً ” بما فيها , ليتركوها وشأنَها ..
كان التقرير أشبه ببحث علمي ؛ بمقدمة وفصول وهوامش وخاتمة ومراجع , أعتقد أن بإمكاني أن أنال درجة دكتوراة على هذا الشيء !
 وكنْتُ قد أنهيتُه قبل يومين , ولكن بسبب كونه بالإنجليزية , فقد حرصْتُ على قراءتِه قراءةً ممحصة , خوفاً من أي خطأ في التهجئة أو في الأساليب , وعندما انتهيْتُ من المراجعة الثالثة له قرَّرْتُ أن أنشره , وأرسلْتُ رابطاً بالتقرير إلى ذلك المدوّن الشهير الذي سرق إحدى تحليلاتي السابقة ؛ بإمكانه أن يسرق هذا أيضاً , المهم أن يحرك حجراً في الماء الراكد ونصل إلى نتيجة !
كان الوقتُ قد تأخّر , فمكثْتُ بضعة دقائق أتصفح الإنترنت وأحاول البحث عن جديدٍ , فلم أقع إلا على مزيد من الآراء البدهية والأسئلة الساذجة التي تتكاثر باضطراد , ولكنّ في تكاثرها ما يبشِّرُ ؛ إنه يعني زيادة عدد الأتباع الجدد الذين يتلمسون خطاهم ويطلبون العون من الراسخين من أمثالي .. قرَّرْتُ أن أخلد للنوم , ولمّا كان الوقْتُ قد تأخر , فإنني على الأغلب لن تتاح لي الفرصة عندما أستيقظ للاطلاع على شيءٍ , فسأؤجل متابعة ما أحدثه تقريري من أثرٍ إلى ما بعد العودة من الجامعة , هذا يبدو مخططاً جيداً .. نَوْمٌ , ثم ذهاب للجامعة , ثم عودة لمتابعة ما أحدثه التقرير …
أخلدْتُ إلى النومِ وعاودتْني تلك الأحلام مرةً أخرى , يمكن أن تقول إنني صرْتُ مدرَّبةً على التحكم في أحلامي _ إن جاز التعبير _  , لعشر سنين لم تخلُ ليلةٌ من حلم ما يدور حول ( جايمي) ويقتبس أحداثه مما رأيتُه أو سمعْتُه أو تخيَّلتُه في أحلام اليقظة في اليوم السابق ؛ .. لعشر سنين وأنا أعيش حياة ثلثاها خلْوٌ من تفاعل ( جايمي) باهتمامي بها , وثلثُها نتبادل فيه الكلام والغرام وأموراً غير ذلك كثيرةً …
***********
( 3 ) : شمس الظهيرة !
لم أكدْ أعي حرفاً طيلة النهار حتى انتهَتِ المحاضراتُ فانصرفْتُ راجعةً , فلما فتحْتُ بابَ الشقة عاودني النشاطُ واتقاد الذهن , وانطلقْتُ إلى الحاسبِ … وجاءني صوتُ أمي تتكلم عن الغداء أو شيءٍ من هذا القبيل … من يَهْتَمُّ ؟ .. فتحْتُ الحاسبَ فوجدْتُ العشراتِ من الرسائل وطلباتِ الصداقة … من يهتم ؟ … ذهبْتُ لصفحة المدوِّن الذي أرسلْتُ له الرابط .. وكما توقعْتُ لقد اقتبس كل ما كتبْتُه تقريباً بدون أدنى إشارةٍ لي … من يهتم ؟ … ولكن ما يهمّ كان عدد قراء تقريره المسروق .. أربعمئة ألف ويزيد ! … هذا عددٌ ضخمٌ .. هذا عدد يراه القائمون على برامج التلفاز فيطلبوا من المسئول عن الصفحة أن يستضيفوه في برامجهم … سنصل إلى الأغلبية التلفازية !
وجدْتُ قلبي يخفق في سرور , ثم انصرفْتُ إلى المهام التبشيرية ؛ عشراتٌ من التابعين الجدد يسألون عن هذا أو ذاك … أحاول الإجابة على ما أمكن منهم ..  بعض التعليقات الساخرة من بعض ثقلاء الدم … أحاول سب وشتم ما أمكن منهم … هؤلاء هم السبب في كل هذه المأساة فلو رأيْتُهُمْ رأيَ العين لارتكبْتُ جريمةً أُوْدَعُ السجنَ بسببها .
ثم كانَتِ رسالةٌ غريبةٌ توقفْتُ أمامها لحظاتٍ … حسابٌ معدٌّ حديثاً بلا أصدقاء ولا محتوى تقريباً , وأرسل لي صاحبه رسالة فيها سؤال واحد بالإنجليزية :
 (هل يمكنني أن أعرف سرَّ حماسكِ البالغ لإثبات ” تلك القضية ” ؟ )
حاولْتُ أن أحلل ما وراء السؤال , ولكن لم يكن هناك الكثير لأحلله ؛ هل هذه استفتاحية استهزاء ؟ هل هو سؤال بريء ؟ لماذا استعمل علامتي تنصيص مع ( تلك القضية ) ؟ هذا ليس سؤالاً بريئاً إذن ؟ أم أنها مجرد حرفية في النص على أن تلك القضية قد صارتْ حديثَ الناس … لو كان يريد أن يهزأ لجعل علامتي التنصيص حول ( إثبات ) .. كانتْ أجواء كتابة ذلك التقرير لا زالتْ مسيطرة عليّ , ولكني قرَّرْتُ منحه فرصة , وأجبْتُ بشكل محايد بالإنجليزية :
( أعتقد أن الدافع وراء حدوث ” هذه القضية ” يفسِّر حماسي في إثبات وقوعها ؛ عندما يصل الاضطهاد الإلكتروني بشخصٍ مشهورٍ إلى أن يضطر لتزوير موتِه , فماذا عن الأفراد العاديين؟ ؛ إن القضية تحتاج لمعالجة ! )
جاءني الرد مباشرةً :
( فالدافع أخلاقيّ محض إذن ؛ لم يكن ردُّ فعلكِ ليتغيرَ لو كان من تَمَّ اضطهادُه هو شخصاً آخر ؟ )
لم أَكُنْ أجْهَلُ الإجابةَ على هذا السؤال , ولكني فكرْتُ فيما إذا كان يجب عليّ أن أتجاهل الإفصاح عنها , أو أن أكذب حتى , ولكني رأيْتُ أن الصدق أفضل ؛ هذا الشخص لا يعرف عني شيئاً , وهذا الحساب لا يحوي ما يشير إلى هويتي الحقيقية من قريب أو بعيد , فكتبْتُ :
( هذا لا يغيِّر شيئاً .
ولكن إن كنْتَ ترغبُ في معرفة الحقيقة دون مواربةٍ ؛ فأنا مستعدة للموتِ من أجلها .
 هذا لا يعني أنني لم أكن لأعترض على تعرًّضِ أيِّ شخصٍ آخرَ للهجوم الذي تعرَّضَتْ له  قبل ” اختفائها ” )
جاء الردُّ :
( الموتُ من أجلها ؟ ) 
وجدْتني أردُّ في صدقٍ :
( هل سبق لك أن شعرْتَ بأن حياتكَ مكرّسة لشخص ما ؟… لشيءٍ ما ؟ أنا لا أعرفها معرفة شخصيةً ولكني أشعر حيالها بهذا الشعور , وليكنْ ذلك مرضاً نفسيًّا أو غيرَه , ولكنه ما أشعر به , وأنا متمسكة به )
– ( ربما لو رأيتِها على أرضِ الواقع لشفيتِ من “مرضك” )
– ( لا أعرف كيف أترجم هذه القصيدة إلى الإنجليزية , فسأكتبها كما هي _ وبإمكانك أن تترجمها آليًّا لتضحك , لأنني فعلْتُ ذلك قبل قليل وكانت النتيجة مخزية _ :
وَقَفَ الهَوى بي حَيثُ أَنتِ فَليسَ لي       مُتأخَّرٌ عَنهُ وَلا مُتَقدَّمُ
أَجِدُ المَلامةَ في هَواكِ لَذيذَةً       حُبّاً لِذكرِكِ فَليَلُمني اللُوَّمُ
أَشبَهتِ أَعدائي فَصِرتُ أُحِبُّهُم       إِذ كانَ حَظّي مِنكِ حظّي مِنهُمُ
وأَهَنتِني فأَهنتُ نَفسي جاهِداً       ما مَن يَهونُ عَليكِ مِمَّن يُكرَمُ )
– ( حسناً ما الذي تدور حوله القصيدة ؟ , لأن الترجمة الآلية بالفعل غريبة … هل أنتِ واثقة أن هذه ليستْ كلماتٍ عشوائية ؟ )
– ( إنها حول التفاني في حبِّ من لا يهتم بك أو يعاديكَ حتى , أعتقد أن فيها شيئاً من المازوخية _إن جاز التوسع في المصطلح _ , لقد قلْتَ إنني لو رأيتُها على أرض الواقع فقد أشفى من ” مرضي ” … لا أعتقد أن شيئاً بإمكانه شفائي من حبي لها , وكما يقول الشاعر في تلك القصيدة : لو قامتْ بإهانتي فبدلاً من أن أكرهَهَا .. سأهين نفسي , لأن نفسي لا تستحق أن تكرَّم إذا كانت حبيبتي لا تراها أهلاً للكرامة )
– ( هذه ليستْ مازوخية ! هذا جنون ! )
– ( لقد كَثُرَ في العرب مجانينُ الحبّ ! )
– ( هل يمكنني أن أقابلكِ ؟ )
كانتْ هذه نقلة مفاجئة في الحوار , وكِدْتُ أجيب بغلظة ثم رأيْتُ أن ألين مرة أخرى :
( أنا لا أعرف عنكَ شيئاً ! )
– ( هذا جانبٌ من التشويق , بإمكاننا أن نتقابل في أي مكان عام سأخبركِ بما سأرتديه فتعرفي من أنا , ولستِ بحاجةٍ إلى أن تخبريني من أنتِ , وإن ساءكِ ما ترين فانصرفي دون مقابلتي ! )
– ( هذا يبدو غريباً ؛ هل أنتَ متأكد من أنك لستَ عربياً ؟ )
– ( هل هذه هي الطريقة التي تتواعد بها فتيات العرب ؟! )
فطِنْتُ فجأةً إلى أن ضمائر الإنجليزية تحدّ من القدرة على معرفة جنس المخاطب أو المتكلم , هل كانتْ هذه فتاةً من البداية ؟
– ( فتيات ؟ )
وجاءني الردُّ :
( يا إلهي , لقد ظنَنْتِ أنني رجلٌ أتحرش بكِ طيلة تلك الفترة ؟)
– ( حسناً , إنكِ قد تكونين امرأة أو رجلاً , ما الذي يدريني على أية حال ؟ )
– ( هذا ينطبق عليكِ كذلك )
– ( الآن أنتِ في الصورة الكاملة لـ كيف يتواعد العرب ! )
– ( هههه ! على أية حالٍ هذه ليستْ مواعدةً ؛ إنني أرغب في رؤية شخص من ” مجانين الحب ” هؤلاء عن قرب , ليس أكثر ! )
– ( على شرطكِ السابق .. إن وجدْتُكِ رجلاً انصرفْتُ )
فجاءني ردُّها وقد أسهبَتْ فيه في وصفِ ملابسِها وشكل جسمها لأتعرف عليها , وبدا لي الوصفُ طريفاً , وكأنها تصف أزياء ( جايمي ) وجسدَها ؛… هذا على الأغلب رجلٌ إذن !
تظاهرْتُ بقبول الدعوة التي حدَّد لها يوم الغد وأنا أضمر ألا أذهب إلى ذلك المطعم الذي سماه لي ؛ هذا سيكلفه شراء وجبة غالية في مطعم شهير والانتظار طويلاً , وبما أني لم أصف شيئاً عنِّي فلعله سيحاول ” التعرفَ” على فتياتٍ كثيراتٍ يظن أنهن إياي , فيعرِّض نفسه لمواقف سخيفة ؛ هذا يبدو انتقاماً مناسباً … هؤلاء الرجال !
ونمْتُ في تلك الليلة وأنا أتصور منظرَه وهو يتلعثم ويشرح “رسالة الأمس” لإحدى الفتيات وهي ترمقه شزراً ؛….
 سأنام  قريرةَ العين هذه الليلة !
ولكن بمجرَّد أن أغمضْتُ عيناي بدأتِ الأحلامُ في التوارد على عقلي , وليس في أي منها محبوبتي , لم تكن هذه هي العادة ؛ لقد ظنَنْتُ أني بلغْتُ درجةً من التحكم في أحلامي تمكِّنُنِي من استدعاء طيفها كلما أردْتُ ؛ ما الذي حدث ؟!
أخيراً جاء الطيف مغضباً , فأقبلْتُ عليه أترضاه , فقال في دلال _ في الواقع لم تكن ( جايمي ) من مكثرات الدلال في أدوارها ولا فيما بلغني من حياتِها , ولكني هكذا أردْتُها _ : ” لا يحق لمن تركني واقفاً أو جالساً _للدقة_ ساعاتٍ في ذلك المطعم أن ينال رضاي إلا بشق الأنفس ! ” قلْتُ وأنا مذهولة : ” أي مطعم ؟ ” رد الطيفُ : ” المطعم الذي واعدْتكِ أن ألقاكِ فيه , لماذا لم تذهبي ؟ ” ثم انصرف الطيف فجأة , ومعه الحلمُ ومعه النومُ , ووجدْتني أستيقظ مذعورةً قبيل الفجر … وفقاً لعلم النفس فإن الأحلام تصوير صادق للا وعي , فهل لا وعيي يريد إخباري أن من كان يراسلني قبل قليل هو ( جايمي جولدمان ) ؛ إن هذه تفاهة , لقد أراد ذلك الرجل أن يضمن حضوري ليس إلا , حتى لو كانتْ هذه هي ( جايمي ) لما وصفَتْ نفسها بهذا الشكل الفجّ , ولكن مهلاً … لو كانتْ هذه هي ( جايمي) فقد صرَّحْتُ ليس بحبي لها فحسب , بل في تفانيّ في محبتِها … ” إنني أرغب في رؤية شخص من ” مجانين الحب ” هؤلاء عن قرب , ليس أكثر ! ” هكذا قالتْ … كل شخص يرغب أن يرى المعجبين به , وكلما زاد إعجابهم كلما أرضى ذلك غرورَه .. وإن كنْتُ محقةً في أنها زيفتْ موتها بسبب سخطها من رسائل الكارهين , فلعلها شخصية مولعة بحب النفس بمعنى من المعاني ؛ المدهش أن هذا لا ينقص من حبي لها شيئاً , ولكنها حقيقة جديرة بالاعتبار … ثم النقطة الثانية التي تثير شكوكاً ؛ ما الذي تصنعه في مصر ؟
إن مصوِّري الباباراتزي منتشرون في كل مكان في العالم , ولكن _إن لم أكن مغرقة في المحلية_ فإنني أقول إن أصعب مكان يمكن أن يمارسوا فيه عملهم هو مصر ؛ إنها آمنة هنا من أن تلتقطها عدسة مصور بينما يفترض أن تكونَ ميتةً !
كان قلبي يخفق بعنفٍ , أتكون هذه هي اللحظة التي انتظرتها عشر سنواتٍ ؟ التي تعللْتُ بأحلامي كل ليلةٍ لأخفف حدة حزني من عدم التمكن من عيشها على الحقيقة ؟ ما الذي سأخسره ؟ إن ذهبْتُ لذلك المطعم في الميعادِ و لم أجدها فسأعود ولن أخسر شيئاً , هذا يبدو آمناً …
حاولْتُ أن أعود للنوم , ولكن الترقّبَ كان يحول بين جفنيّ وبين النعاس , وبعد زمن طويل استسلمْتُ للنوم , وكانتْ هذه هي أول ليلة منذ عشر سنواتٍ أقتصر فيها على رؤيةٍ خاطفةٍ لطيف محبوبتي ؛ إن الأصل _ ولو توقعاً _ يغني عن الصورة , أليس كذلك ؟ 
***********
( 4 ) : اندماجٌ هيدروجينيّ  !
أقف على باب المطعم وأفكِّر فيما أنا مُقْدِمَةٌ عليه … أقَدِّمُ رجلاً وأؤخِّر أخرى …
وأُرِيْ عينيّ ما لم ترياه ؛ صورةَ حبيبتي وهي تستعدّ للقائي … وهي لا تعلم من أنا !  ولكِنْ تعلم حبِّي لها …
 أري عينيّ صورتَها وهي تنتقي من ملابسِها ما يوافق ما وصفَتْه لي لأعرفها بملابسِها , وكأنّ بي حاجةً لذلك !! … لو تنكَّرَتْ في زيِّ شيخ كبيرٍ لما أخطأتْها عيني  … أو كما قال الشاعر : لو بُدِّلَتْ أعلى مَنَازِلِها || سفلاً وأصْبَحَ سَفْلُهَا يَعْلُو , لعرفْتُ مَغْنَاهَا بما احْتَمَلَتْ || مني الضلوعُ لأهْلِهَا قبْلُ …
ثم أُرِي عينيّ صورتَها وهي تسبقني إلى المطعم لتنتظر قدومي عليها ..
كل هذا لي أنا ؟! ..
موتي إن شئتِ يا ( هنْد ) فقد بلغْتِ غايتكِ .. ولكنَّ الدَّهْرَ تسْنَحُ فرصُهُ بأكثرَ من ذلك , ولطالما ضنّ عليّ ولو بالقليل , فلماذا لا أنتهز الفرصة وأغتنم كل ما امتدَّتْ به يداه … لأدخلِ المطعمَ وأقابلْها وأكُنْ أولَ من أعاد حبُّها محبوبتَها من الموت ؛ لقد حاول (جلجاميش) ففشل , ونجحْتُ أنا !
أخطو في توجُّسٍ إلى داخل المطعم , فتقع عيناي عليها مباشرةً ؛ لو كان حكمي فيها غيرَ مردودٍ لقلْتُ إن جمالها على أرض الواقع يزيد مراتٍ على جمالها في الصور … الشعر الكستنائي تتهدّل خصلاتُه على جانبي هذا الوجهِ الملائكيّ … لا أعتقد أني يعتريني المللُ من إدامة النظر إليها ولو لسنواتٍ … وأرى عينيها تتوقفان عندي وقد فطنَتْ إلى وقوفي على باب المطعم فتنظر إليّ كالمتسائلة …
وعندما تراني أقف كالمذهولة _وقد انشغلْتُ بالحملقة فيها عن كل شيءٍ حولي_ يرتسم على وجهِها الفتّان ابتسامةٌ عذبةٌ فيكاد قلبي يفارق مكانَه من شدة النبض … أكنْتُ أنا سببَ ابتسامتِها ؟
تلوّح لي بيدها لأدنو من طاولتِها , فأسير نحوها بخطى متخشبة , وكأني أنا التي عدْتُ من الموت !
فلما انتهى بي الحال في المقعد المقابلِ لها , نظرَتْ لي فيما يشبه الاستغرابَ , وقالتْ والابتسامة لا تزال تَمْرَحُ في وجهها الحبيب :
– ” أنتِ تعرفين من أنا ؟! “
– ” بالطبع ! لم أتصوَّر أنني سأقابلكِ يوماً “
– ” بسبب ” الوفاة ” ؟ “
– ” ولأسباب أخرى … عندما أرسلْتِ لي تلك الرسالة ظنَنْتُكِ شخصاً يتلهّى “
– ” أيُّ رسالةٍ ؟! ”
في البداية ظنْنُتُ أنها تعبثُ , ولكنْ عندما أمعنْتُ النظرَ في ملامحها _ أو زدْتُ في الإمعان فيها للدقة _ لمْ أرَ وراءها سوى الدهشة .
إذاً فهي لم تكنِ الشخصُ الذي راسلْتُه البارحة ! …
 أنظر حولي في تساؤلٍ فأرى رجلاً يقابلُنا ظهرُه ,  يجلس إلى طاولةٍ منفرداً وهو ينظر حوله وكأنه يرتقِبُ وصول أحدٍ ؛ أيكون هذا هو صاحبي ؟ وإن كانَ فما الذي أتى بها هنا في هذا الموعد ؟!
التفتُّ إلى ( جايمي ) وقلْتُ في هدوءٍ فاجأني :
– ” اعذريني للحظة ! ”
ثم قمْتُ وتوجهْتُ إليه في خطواتٍ ثابتةٍ , وقد عزمْتُ على جلاء حقيقة الأمر , وسألْتُه في أدبٍ مصطنعٍ :
– ” المعذرة يا سيدي , ولكن هل تنتظر شخصاً بعينه ؟ “
نظر إليّ في استغرابٍ , وقال :
– ” نعم , إنني في عشاء عملٍ , وتأخَّر وصول عميلي .. هل أخدمكِ بشيءٍ ؟ ”
– ” آسفة ! … لقد ظنَنْتُكَ شخصاً آخرَ “ 
رجعْتُ لطاولة ( جايمي ) وقد ازدادَتْ حيرتي … ما الذي يحدث هنا ؟
– ” ما الذي قلْتِه لذلك الرجل ؟ ”
جاءني صوتُها وقد همَمْتُ بالجلوس , ففطنْتُ إلى غرابة الموقف وابتعدْتُ عن الكرسيّ , وأجبْتُها :
” لقد كنْتُ أشكّ في أنه هو من راسلني البارحة , ولكن اتضح لي خطأي … على أية حالٍ أعتقد أنكِ لم تكوني تنتظرين أحداً , ولذلك فلا أريد أن أضايقكِ …”
قاطعتْني في هدوءٍ :
– ” في الواقع لقد كنْتُ في انتظار مساعدتي الشخصية , هي من اقترحَتْ أن نتعشى في هذا المكان الراقي … لقد خفْتُ أن يعرفني فيه أحدٌ , ولكن يبدو أن أفلامي ليستْ بهذا الانتشارِ في بلدكِ ! ”
– ” على العكسِ إنكِ محبوبةٌ هنا جداً , ولكني أعتقد أن أحداً لا يشكّ في صحة خبر وفاتكِ , فإذا رأوك ظنوا أنه مجرد تشابهٍ …. اعذريني في السؤال : مساعدتكِ الشخصية هي من اقترَحَتْ هذا المكانَ , هل لي أن أسأل متى فعلَتْ ذلك ؟ ”
– ” في ظهر هذا اليومِ , لماذا ؟ “ 
– ” لأنني أعتقد أنها هي من راسلَتْني البارحة ! “
– ” ما موضوع مراسلة البارحة هذا ؟! 
قبل أن أجيبَ قاطعني صوتُ ( جايمي ) وهي تشير إلى شيءٍ ما ورائي :
– ” ها هي ذي ! ”
التفتُّ ورائي فرأيْتُ فتاةً في أواسط العشريناتِ تسرع الخطى نحونا , فلما بلغتْنا قالتْ وهي تلهث :
– ” المعذرة على التأخر …”
ثم صوَّبَتْ إليّ نظرة اعتذارٍ , وكأنها تتأسَّف لي بشكل شخصيّ على تأخرها , ثم أضافتْ وهي تشير إليّ  :
– ” ( جايمي ) , هذه هي أكبر معجباتكِ هنا , وقد أردْتُ أن تقابليها على أرضِ الواقع , فخطَّطْتُ لكل هذا .. لأن هذا ما تفعله المساعداتُ الشخصيّات على ما أعتقد ! ”
جاء صوتُ ( جايمي ) لا يخلو من الغضب :
– ” إنني لا أمانع أن أقابل المعجبين , ولكن بالنظر إلى أنني رسمياً متوفية , وكل هذا .. فربما كان عليكِ أن تسألي قبل أن تُقْدِمِي على ذلك ! ”
حاولْتُ أن أردَّ بشيءٍ , ولكنّ المساعدة أجابتْ :
– ” ثقي بي ! هذه ليستْ مجرَّد معجبةٍ … لنقلْ إنني أعرف عن كليكما ما لا يعرفه أحدٌ آخر … وأنه _خوفَ الخوض في أسرارٍ قد لا يرغبُ أحدٌ في مصارحة الآخرين بها_ فإن عليكما أن تثقا بي في أنكما بحاجة إلى أن تتعرفا على بعضكما البعض ! ”
نظرْتُ أنا و(جايمي) إليها في دهشة , أنا أعرف أنها تعرف عني الكثيرَ .. خصوصاً عن مشاعري تجاه ( جايمي ) , ولكن ما الذي تعرفه عنها ؟ …
لا شكّ أن الفكرةَ نفسَها قد خطرَتْ لـ ( جايمي ) …
هل قامتْ هذه المساعدة الشخصية  بدور الخاطبة ؟ ..
أم أن ما أرادتْه هو أن تزيل اكتئاب ( جايمي ) بسبب الهجوم عليها , ورأت أنه لن يزيل اكتئابَها إلا أن تقابلَ شخصاً مثلي ؛ شخصًا ( مستعدّاً  للموت من أجلها ) ؟ …
ولكنني راضيةٌ حتى بهذا .. أنا لا أهتمّ إن كانتْ لن ترى فيّ سوى معجبةٍ ما … إن كان هذا ما يرضيها , ويزيل حزنَها فأنا قانعةٌ به !
بدأ حرجُ الموقف يزداد , وشعرَتْ به المساعدة الشخصية فقالتْ وهي تنسحب :
– ” حسناً , كما قلْتُ لكما :  ثقا بي ! وإن كان لي أن أقترح فاتحةً لكسر الجليدِ بينكما , فأنا أقترح عليكِ ” .. وأشارتْ إليّ .. ” أن تخبري ( جايمي ) بالقصيدة التي قلتِها لي البارحة … حسناً , وداعاً ! ”
لم تفرغْ من كلامِها حتى كانتْ قد انصرفَتْ , فأشارَتْ إليّ ( جايمي) لأجلس , فجلسْتُ , ثم قلْتُ :
– ” أنا آسفة فعلاً على كل هذا .. أنا واثقة أن آخر ما تريدينه هو أن تتعرضي لمفاجأة كهذه  …. “
قاطعتْني قائلةً :
– ” من أين تدرين أن هذا هو آخر ما أريده ؟ “
– ” لقد ذكرْتِ ذلك في إحدى حوراتكِ ؛ أنكِ لا تحبين أن يخرج شيءٌ عن النظام المحدد الذي رسمْتِه له … حتى إنكِ لا تسمحين لأحد أن يفاجئك بعيدِ ميلادكِ وتصرِّين على تجهيز الحفل بكل تفاصيلِه بنفسكِ ”
ابتسمَتْ ( جايمي ) ابتسامة خفيفةً , وقالتْ :
– ” أنتِ تعرفين عني الكثيرَ , وأنا لا أعرف عنكِ شيئاً , ولكني أعرف أن ( كاسي ) _ هذا هو اسم مساعدتي الشخصية _ لم تكنْ لترتِّبَ كلّ هذا _مع علمِها بكرهي للمفاجآتِ_ إلا إذا كان هناك سببٌ مقنعٌ لذلك .. فسأثق بها .. بالمناسبة ما هي هذه القصيدة التي ذكرَتْها ؟ ”
– ” إنها مجرَّد قصيدة قديمة لشاعر مات قبل اثني عشر قرناً ! ”
– ” واو ! حسناً أخبريني بهذه القصيدة ! “
– ” إممم .. حسناً ! إنها قد تبدو غريبةً بعض الشيء , ولكنّ الكثير يتغير في ألف ومئتي سنة , إن الشاعر يقول  :
إن الحبَّ قد جعلني أنتهي إلى المكان الذي أنتِ فيه فلا أتجاوزه أو أحُلُّ دونه .
ولأنّ تقريعَ الناسِ لي في تفانيّ في حبي لكِ هو تقريعٌ يشتمل على ذكركِ فإنني صرْتُ أحبّ سماع تقريعهم ولومهم بسبب حبي لذكركِ .
حتى هنا يبدو الأمرُ مبالغةً مقبولةً , ولكنّه يشتطّ فيقول :
إن هناك تشابهاً بينكِ وبين أعدائي , وهذا التشابه هو أن كليكما يكرهانني , وحقّ المتشابِهَين أن يُنْزَلَا منزلةً واحدةً , ولما كنْتُ لا أستطيع كرهَكِ فقد أحبَبْتُهم !
ثم لا يكتفي بذلك فيصل إلى الذروة ويقول : 
لقد رأيْتُ نفسي من ضمْن ما تهينينه فاجتهدْتُ في إهانتِها ؛ لأنه لا كرامةَ لما لا تكرِّمينه ولو كان نفسي “
– ” في أيِّ سياقٍ بالضبطِ أرْسلْتِ هذه القصيدة لـ(كاسي) ؟ “
– ” إمم … لقد كنا نتحدث عنكِ ! “
بدَتْ الحيرةُ على ملامحها لفترةٍ ثم فطِنَتْ إلى المعنى , فبدا عليها الاستغرابُ , وسألتْ :
– ” هل أنتِ مثليّة ؟ “
لم أدرِ كيف أجيب على هذا … أنا راضيةٌ بأن يقتصر ما بيننا على مجرد المعرفة , ولكنني _ بغباءٍ _ قد لمَّحْتُ إلى ميلي لها , فقلْتُ :
– ” أنا ما تريدينه مني ؛ لو طلبْتِ أن أغيِّر ذلك وأتزوج رجلاً في الغد فسأفعل ما يرضيكِ ! ”
– ” هذه ليستْ رسالةً أرغب في نشرِها كليبرالية , ولكن تفانيكِ محبّبٌ للنفس ! “
– ” لقد خفْتُ أن أبدو غريبة الأطوار ! مثلَ هؤلاء المعجباتِ اللواتي يتعديْن على خصوصية من يُعْجَبْنَ به ! “
ابتسمَتْ في مكرٍ , وقالتْ :
– ” هل سبق لكِ أن تعديْتِ على خصوصيتي ؟ “
هزَزْتُ رأسي نافيةً وابتسامة خجلى قد تسللت إلى فمي ؛  كل تلك الصور التي أحتفظ بها والتي التقطها لها المصورون وهي لا تعلم .. إنها تعتبر اختراقاً للخصوصية على ما أعتقد .
أضافَتْ ( جايمي ) في صوتٍ عذبٍ :
– ” أنا لا أدري بالضبط ما مقدار ما تعرفه ( كاسي ) عني أو عنكِ , ولكن لِنرجُ أن يكون ما تعلمه يزيد على كوننا مثليَّتين ! ”
خفق قلبي بعنفٍ ؛ هل اقترحتْ لتوِّها …؟
وقاطعني صوتُها مرةً أخرى :
– ” لأنه لو كانتْ تعلم على سبيل المثال تاريخَ تصفحي على الإنترنتِ فحينها ستعرف _يقيناً_ سرًّا آخرَ عني , وإن كانتْ تعرف تاريخَ تصفحكِ للإنترنتِ فلعلها عثرَتْ على السرّ نفسِه ! ”
خفق قلبي بقوةٍ أكبرَ …. ثم تذكرْتُ شيئاً ؛ ( كاسي) لا يُفْتَرَضُ أن تعرف أنني أسكن هنا , وفقاً لصفحتي الشخصية التي راسَلَتْني عليها فأنا لا أقيم في مصر حتى ( لقد ظنَنْتُ أنه من الأسلم أن أجعل محل إقامتي في طرابلس , وكذلك كتبْتُ في صفحتي الشخصية )   , فمن أين عرفَتْ محلّ إقامتي حتى تضرب لي موعداً في هذا المطعم ؟
لعلها بالفعل استطاعتْ اختراق حسابي , وربما حاسبي أيضاً !
وحينَها فلن تضطر للبحث عميقاً لتَجِدَ ” ذلك السرّ ” الآخر !
مرةً أخرى يأتيني صوتُ ( جايمي ) ليؤكد صحةَ ما ذهبْتُ إليه :
– ” هل كنْتِ فتاةً شقيةً , وتجاوزْتِ الخطَّ الفاصل بين الإعجاب واختراق الخصوصية ؟ ”
لا أدري من أين أتتْني الجرأة أمام هذه الممثلة الفاتنة التي يتمنى الجميعُ نظرةً من عينيها , ولكنني قلْتُ :
– ” لو كنْتُ أعلم أنكِ ستفعلين شيئاً يزيد على الكلام لما تجاوزْتُه ! “
نظرَتْ في دهشةٍ ممزوجة بالإعجاب , ثم قالتْ:
– ” هل لديكِ مكانٌ عليكِ أن تذهبي إليه هذه الليلة ؟ ”
نعم ! لا يمكن أن أقضيَ الليلة في مكانٍ آخرَ غير بيتي , ما الذي سيقوله والداي ؟ أساساً أنا في بيت إحدى صديقاتي حاليًّا وفقَ ما يعتقدانِه , ولكنِّي أجيبُ :
– ” لا مكانَ غير الذي تريدينني فيه ! ”
الابتسامة تتّسع ويزداد مع اتساعها خفقُ قلبي , ثم تقول :
– ” لا تعتقدي أن هذا الخضوع سيخفِّفُ من عقابكِ “
– ” لو أخبرْتكِ بكلِّ ما جعلْتُكِ تفعلينه في خيالي , فلا أعتقد أن شيئاً سيخفِّف من عقابي حتى لو فديتكِ بحياتي ! “
تلك الابتسامة.. الغمّازتان … العينان الخضراوان تلمعان سروراً ورغبةً … كلُّ هذا لي أنا ! … ثم تتظاهر بالجدّ وتقول :
 – ” الآن بدأْتُ أقلق ! ما الذي فعلتُه في خيالكِ بالضبط ؟ “
– ” ما الذي لم تفعليه ؟! لو لم أكنْ معجبةً بكِ لقلْتُ إنكِ مجنونةٌ بالجنسِ ؛ كأنكِ تريدين أن أظلَّ طيلةَ اليوم في السرير ! ”
الوجه الجادّ المصطنع ينهزم أمام الابتسامة التي تعود لتضيئه فتفقدني القدرة على التنفس المنتظم , وتضيف باسمةً :
– ” أعتقد أنني معذورةٌ في ذلك , كل هذا الجمال يُفْقِدُ المرءَ لبَّه ! “
هل قالتْ ذلك ؟! ..
أعني _لأكونَ محايدةً_  فإن كل من أعرفه يصفني بالجمال…  ولكِنْ بالقياس إليها .. !
 إنها مَلَكٌ يمشي على الأرض !
وتنظرُ إليّ وقد عقدَ إطراؤها عليّ لساني , ثم ترتفع ببصرِها قليلاً وتبتسم إلى شخصٍ آخر … ألتفت لأرى من هذا … فأجد النادلَ يقول وهو يضع أطباقاً على طاولتِنا :
– ” طلبُ السيدتين ! هل آتي لكما بشيءٍ آخرَ ؟ ”
تجيب ( جايمي ) :
– ” شكراً , هذا كافٍ ! ”
– ” بالهناء والشفاء ! ”
أنظر إليها بعينين متسائلتيَن , فتقول :
– ” إنني دائماً أطلب لـ ( كاسي ) بالنيابة عنها , لقد اعتدْتُ أن أكون المسيطرةَ في العلاقةِ إن صحّ التعبير ! “
الدم يندفعُ إلى وجنتيّ , ليس خجلاً … كل ما سمعْتُه مما قالتْه كان : كاسي … العلاقة … وتوقف ذهني عن التفكير في أي شيءٍ آخرَ , وفطنتْ هي لغيرتي , فأضافتْ :
– ” العلاقة مجازاً ؛ إن ( كاسي ) لديها حبيبُها , وهي أبعد الناس عن أن تكون مثليّةً … ولكنَّ غيرتَكِ محببةٌ للنفس ! ”
– ” إن آخرَ ما تُوصَفُ به غيرتي هو أنها محببة للنفس , لقد همَمْتُ أن أقلب الطاولة بمحتوياتها على رأسكِ ! ”
نظرةُ الاستغراب الممزوجة بالإعجاب تعود لعينيها , وتلك الابتسامة التي ستتسبب في وفاتي بأزمة قلبية تعود هي الأخرى :
– ” إلى هذا الحد… ؟ “
– ” إن عشر سنواتٍ من علاقتِي بكِ فترةٌ طويلةٌ ليمرَّ إعجابكِ بأخرى مرورَ الكرامِ ! “
– ” عشر سنواتٍ ؟! متى بدأتِ في الإعجاب بي؟ .. وأنتِ في الثالثة ؟! ”
– ” التاسعة ! لقدْ أتْقَنتُ الإنجليزية في الصف الخامس الابتدائي بسببكِ . ولكنّ الفترةَ بين إعجابي بكِ في التاسعة وفهمي لما تقولينه في الحادية عشرة قد حوتْ ساعاتٍ من الحوارات التي لا أفهم أكثر ما فيها , ولكني أتابعها حرفاً بحرفٍ لأستمع إلى صوتكِ  
كنْتُ مندفعةً في جولة المصارحةِ تلك , ولكني فطنْتُ إلى ما في هذه التصريحاتِ مما يستحق أن يثير مخاوفَها من سلامتي العقلية … ولكن على العكسِ , وجدْتُ وجهها يتلألأ مشرقاً , وكأنها ترغبُ في سماع المزيدِ , فأضفْتُ :
– ” بعد ذلك بسنين طلبَتْ منَّا المدرِّسةُ في أحد الأيام كتابةَ موضوعِ تعبيرٍ عن مثلِنا الأعلى , وكتبْتُه عنكِ .. فثارتْ حفيظتُها لِتَجَرُّؤِ طالبة على جعل ممثلة أجنبية مثلَها الأعلى .. واستدعَتْ والدي إلى المدرسة وأنَّبَتْني أمامَه وأمام المديرة فقلْتُ لها _ وأبي حاضرٌ _ : انظري إلى أعظم من تحترمينه من البشرِ , ثم انظري إلى أشدّ من تحتقرينه من البشر , وتصوِّري أن الحقير يسب العظيم حتى تعرفي ما أشعر به الآن ! “
– ” ما الذي حدث بعد ذلك ؟ “
– ” لقد فُصِلْتُ من المدرسة ! واضطرَرْتُ للتسجيل في مدرسة أخرى بعيدة , ورأى والدي أن يعاقبني بأن أذهبَ إليها وأعود منها سيراً على الأقدام طيلة السنتين الباقيتين لي فيها , فكنْتُ أتوجّه إليها قبل بدء اليوم الدراسي بساعة وأعود للبيت بعد انتهائه بساعة على مدار سنتين , ولكنني لم أبالِ آنذاك ؛ لأن تلك الساعتين كانتا موعداً ثابتاً لي لأفكِّرَ فيكِ كلَّ يومٍ ! ”
– ” مثلما قال ذلك الشاعر ؟ “
– ” إلى حدٍّ ما ؛ إذا كانوا سيعاقبونني بسبِّبِ إعجابي بكِ , فالعقوبة لذيذة لأن فيها ارتباطاً بكِ ”
بدا التأثرُ جليًّا على وجهِها , وقالتْ :
– “في هذه القصةِ تفانٍ لم أكُنْ أحلمُ بأن أرى شخصاً يبلغه في سبيلي ! “
تذكرْتُ حوادثَ أخرى أكثر تفانياً من هذه , ولكنني قرَّرْتُ ألا أخبرَها بها , ولكنِّي قلْتُ _ لألطفَ الجوّ _  :
– ” إن فيها أيضاً ذكراً للعقاب وذكراً لكِ , وفي تلك الفترة كان ورودُ هاتين الفكرتين مقترنتين كثيرَ الحدوثِ في خيالي ”
رجع المرح إلى ملامحها وصوتِها وهي تسأل :
– ” اروي لي خاطرةً من خواطرِ عقلكِ آنذاك ! ”
– ” حسناً , كانتْ هناك هذه الخاطرة عن برنامج لتبادل الطلاب … من النوع الذي ينتقل فيه طالبٌ ليعيش مع أسرةٍ ما في بلد أجنبيٍّ على أن يأتيَ طالبٌ من تلك الأسرة ليعيش مع أسرةِ الطالبِ الأول ….”
قاطعَتْني قائلةً :
– ” هذه الفكرة مستخدمة بكثرة في أفلام البورنو .. “
ضحكْتُ , وقلْتُ :
– ” بالضبط ! .. على أية حالٍ ؛ سأشترك في هذا البرنامج وينتهي بي الحالُ في شقة أسرةٍ تعيش في المنزلِ المقابل لمنزلكِ في نفس الشارع! “
– ” في بفرلي هيلز ؟ “
– ” لا تهتمي بالتفاصيل , لأنني لم أهتمّ بها… بل إنني جعلْتُكِ مدرِّسةً في تلك القصة … المهمّ سأذهبُ للمدرسة التي صرْتِ تعملين بها… وسينتهي بي الحال فتاةً مشاغبةً في فصلكِ أنتِ بالذاتِ , وملاكاً في فصول المدرِّسين الآخرين , حتى إذا ما شكوْتِني إلى إدارة المدرسة استغرب الجميعُ من أن يكون ذلك الملاكُ محلّ شكوى ! ”
– ” هذه خطّة شريرة ! ”
– ” وهي تمهيدٌ لما بعدَها , لأنكِ عندما تعجزين عن أن توقعي عليّ عقوبةً بالطريقة القانونية ؛ لأن بقيّة المدرسين سيشكّون فيكِ قبل أن يشكّوا فيّ , بالإضافة لعامل الخوف من الاصطدام الثقافي والعنصرية وكل ذلك … ستضطرين إلى إيجاد عقابٍ بديلٍ .. وتنتهزين فرصة أنني أعيش في المنزل المقابلِ لكِ , وتطلبين من جيرانكِ _ الذين صرْتُ أعيشُ في منزلِهم _ أن يسمحوا لكِ بدعوتي إلى بيتكِ في إحدى الليالي لأتعرّفَ عليكِ بشكلٍ أفضل أو شيئاً من هذا القبيل , المهم … “
– ” المهم أنكِ ستصيرين في منزلي وحدَنا .. ”
– ” بالضبط ! وحينَها سأستمر في الشقاوة وفي تكسير ما تطوله يداي في منزلكِ , بما فيه تمثالُ جائزة الأوسكار الخاصِّ بكِ … “
– ” والذي لم أحصلْ عليه في أرضِ الواقع … ولم أحصلْ عليه في قصتكِ لأنني مدرسةٌ  ! “
– ” … إمم ..هذا خطأٌ تقنيٌّ بسيطٌ … أما على أرض الواقع فهذا خللٌ في عقلِ القائمين على الأكاديمية , ولذلك فقد صحَّحْتُه في قصتي .. ”
– ” قبْلَ أن تقومي بكسرِه بعد ذلك .. “
– ” إن القيمة المعنوية هي ما يهمّ , لا أعتقد أن التمثال نفسه يساوي الكثيرَ , ولكنّكِ لم تشاركيني هذا الرأيَ في تلكَ القصة , وعاقبتِني عقاباً شديداً انتهى بي باكيةً أطلب الصفحَ وأعترفُ أن دافعي إلى كل ذلك كان حبي لكِ الذي لم أدرِ كيف أعبِّرُ عنه , ثم انتقلْنا بعد ذلك لممارسةِ الجنسِ بقيةَ الليلة “
– ” وعلى أرض الواقع .. كيف انتهى بكِ الحالُ وأنتِ تتصورين تلك القصة ؟ ”
– ” إلى نفسِ ما انتهيْتُ إليه في القصة , ولكنَّ يدي قامتْ بلعب دورَكِ على أرض الواقع “
ابتسمَتْ ( جايمي ) وهي تهزُّ رأسها وكأنها لا تصدِّق جرأتي … أنا لم أكن أصدِّق جرأتي .. ثمّ أخرجَتْ من محفظتِها بعض المالِ ففطنْتُ إلى ما تهمّ بصنعه فعاجلْتها :
– ” دعيني أنا أحاسبُ , إنكِ ضيفةٌ في بلدي ! “
– ” ولكنَّكِ ضيفةٌ في غرفتي في الفندق هذه الليلةَ , ثم إنني _ بالنظر إلى ما أفصحْتِ عنه _ أوشك أن أكون مسئولةً عنكِ كمثال أعلى وكحبيبة وكمُعَاقِبةٍ عندما تستحقين العقاب ! ”
كان هذا أكثرَ من قدرتي على التحمل , وأوشكْتُ أن أقع مغشيّاً عليّ , ولكني تمالكْتُ نفسي … بل وجدْتُني أسأل في جرأةٍ عجيبةٍ :
– ” هل سأرتدي طوقاً عليه الحروفُ الأولى لاسمكِ ؟ “
علَتْ ضحكتُها حتى خشيتُ أن تَشُدَّ انتباهَ الناس , ثم قالتْ :
– ” لا بأسَ , سأشتري لكِ طوقاً في أقربِ مناسبةٍ “
ثم _ بعدَ تردُّدٍ _ غمَسَتْ إصبعَها في بقايا الطعامِ في طبقِها وأدنَتْها من فمي , فنظرْتُ حولي في خجلٍ , ولمّا لم أجد أحداً ينظر نحونا , أحطْتُ طرفَ إصبعِها بشفتي ولعقْتُه وعيناي مثبتتان بعينَيها الضاحكتَيْنِ , فقالتْ _ وإصبعها لا يزال في فمي _ :
– ” بل سأشتري لكِ طوقاً الآن ! هل تعرفينَ محلاً قريباً للمجوهراتِ ؟ ”
– ” ليسَ عليكِ أن تجعليه من المجوهراتِ ”
نظرَتْ إليّ في استياءٍ وكأني أهنْتُها ثم قالتْ :
– ” حسناً , ستعاقبين على هذا التعليق عندما نرجع للفندق , ولكن بإمكانكِ أن تخفِّفي عقابكِ بالاجتهاد في إيصالِنا إلى محل مجوهراتٍ قريبٍ ! ”
كانَتْ نبضاتُ قلبي تتسارع بصورة مخيفة , ولكني قرَّرْتُ أن أكون مطيعةً , وقمْتُ من كرسيّيَ بسرعةٍ , فابْتسمَتْ , وزادَتْ في النقود التي كانتْ تركَتْها على الطاولة ثم قامَتْ هي الأخرى من كرسيِّها , واتّجهَتْ إليّ , وجعلَتْ راحتي في راحتِها , وقالتْ همساً :
– ” سيري بنا ! ”
كانتْ هذه هي المرّة الأولى _منذ كنْتُ طفلةً _ التي أسير فيها في مكانٍ عامٍ ويدي في يد شخصٍ آخر ! ليس أيِّ شخصٍ آخر .. بل هي … هي هي !  واقعاً لا خيالًا ..
وخرجْنا من المطعمِ .. فوقَفْنا على جانبِ الطريقِ في انتظار عربة أجرةٍ … وشعرْتُ بالقلقِ ؛ فبالنظرِ إلى ما ترتديه هي وإلى إمساكها بيدي في يدها .. فلن يمرّ كثيرٌ من الوقْتِ حتى يتحرش بنا أحدهم , وبالفعل دنا شابٌّ قميء المنظر منا وهو يهمّ بقول شيءٍ , ولكن  جايمي ) أحدَّتْ إليه النظرَ , ولا أدري ما الذي رآه في عينِيها بالضبطِ ؛ ولكنّه انصرف بعيداً عنا بسرعة دون أن ينبسَ ببنتِ شفةٍ … هذه أيضاً هي أول مرة ينتهي فيها متحرِّشٌ عن تحرُّشِه بي بدون وجود “رجلٍ” ينهاه ! …
ودنَتْ منّا  سيارةُ أجرةٍ , فرفعْتُ يدي إليها لتتوقف لنا  _ويدي الأخرى لا تزال في يدِها _ , وهمَمْتُ بالاقتراب من نافذة السيارةِ لأخبرَه بوجهتِنا , ولكن ( جايمي ) التي لم تعتدْ على استئذان سيارات الأجرة قبل ركوبِها , كانتْ قد سحبَتْ يدي وفتحَتْ الباب الخلفي وأدخلَتْني ودخلَتْ بعدي , وجاء صوتُ السائق الكهل مغضباً :
– ” إلى أين ؟ ”
نظرَتْ ( جايمي ) إليّ , فقلْتُ للسائق :
– ” أقرب محل ذهبٍ لو سمحت ! “
تمتم بشيءٍ غاضبٍ ثم بدأ في القيادة … وبعدَ دقائق توقّفَ أمام محلٍّ فخمٍ للمجوهراتِ , فنظرَتْ ( جايمي ) إليّ وابتسمَتْ , ثم أخرجَتْ محفظتَها , فهممْتُ أن أعرض عليها أن أحاسبَ أنا ثم تذكرْتُ العقابَ الذي ينتظرني لسببٍ مشابهٍ فسكتُّ , وشعرَتْ ( جايمي ) بالمحاولة التي وأدْتُها قبل أن تبدأ , فزادَتْ ابتسامتُها اتساعاً …
 هذه الابتسامة الآسرة …
أعادني صوتُ السائقِ إلى الواقع :
– ” شكراً جزيلاً يا مدام ! سانك يوو ! ”
هزَّتْ له ( جايمي ) رأسَها في لطفٍ بينما هو يقبَّل ظاهرَ يده وباطنَها وفيها ورقة نقدية يبدو من لونِها أنها من فئة المئة جنيه , كدْتُ أقول شيئاً , ولكنها كانتْ قد فتحتْ البابَ وأشارَتْ إليّ لأنزل , فنزلْتُ .
ولما جاورْتُها أعادَتِ الإمساكَ بيدي , ودخلَتْ بي إلى المحل , فتوجّه إلينا البائع , فقالَتْ له ( جايمي ) بإنجليزية حرصَتْ أن تكون بطيئةً وأكّدتْ على مقاطعها :
– ” لو سمحْتَ فإننا نريد أن نرى الأطواق التي لديكم ! ”
نظر إليها البائع في دهشةٍ ثم حَرَفَ بصرَه إليّ , فقلْتُ بالعربية :
– ” هل توجد لديكم قلاداتٌ قصيرة تكاد تحيط بالعنق ؟ ”
– ” نعم , لدينا بعض الأنواع بهذه الصفة ! ”
وتوجّه إلى إحدى الرفوف فأخرج صندوقاً مكشوفاً عرض علينا محتوياتِه … كانتْ إحدى القلادات ينطبق عليها وصفُ الطوق , ونظرْتُ إلى ( جايمي ) فوجدْتُ بصرَها مثبَّتًا عليها , وقالتْ :
– ” سنأخذُ هذا ! هل يمكنكُ أن تنقش عليه بعض الحروف ؟ ”
نظر إليّ البائع مرةً أخرى فترجمْتُ ما قالتْه , فأجابَ بالإيجاب أيضاً , وعندما فرغ من نقش حرفي الجاي والجي المتتاليين , ومن جَعْلِ الطوق على مقاس عنقي , أقرضتْه ( جايمي ) الثمنَ , ولم تنتظر أن نخرج من المحل حتى أحاطَتْ الطوق في عنقي على مرأى مَن في المحل , وكأن هذا لا يكفي فقد دنتْ منِّي وقبَّلَتْه , وكأنها تعلن رضاها أو ملكيَّتها للطوق وصاحبَتِه …. كدْتُ أن أذوب خجلاً , وقد توجَّهَتْ إلينا بعضُ العيونِ … ولكني لم أكَدْ أفرغ من الانتباه لمن حولي حتى وجدْتُ يدي في يد ( جايمي ) وهي  تسحبُها إلى خارج المحل فانسحبْتُ معها , وقالتْ لي :
– ” لا اعتراضاتٍ على شرائي للطوق أو مجادلاتٍ حول من يدفع أجرةَ سيارة الأجرة … هذا جيِّدٌ ؛ لقد بدأتِ تتعلمين ! “
– ” هل هذا يعني أنني نجوْتُ من عقاب الليلة ؟ ”
حاولْتُ أن أقول ذلك في دلالٍ على قدْرِ ما يسمح به كونُنا في مكانٍ عام , وفطنَتْ ( جايمي ) إلى خوفي من عيون الناس , فقالتْ في دهاءٍ :
– ” ليس بعدُ , ولكنّ بإمكانكِ أن تصنعي شيئاً ينجيكِ من العقاب ! “
كنْتُ أدري ما ستقوله ولكنني سألْتُها على أية حالٍ , فأجابتْ ضاحكةً :
– ” يمكنكِ أن تجعلي أولَ قبلةٍ بيننا تكون في هذه اللحظة في هذا المكان , ولا تبالين بمن يرانا , وحينَها سألغي عقابكِ . ”
نظرْتُ حولي فوجدْتُ الطريق مزدحماً بالمتسوّقين ؛ هذا مكانٌ حيويّ , والعشرات يمرّون حولَنا ؛ يستحيل أن أدفع نفسي لصنع ذلك , قلْتُ لها :
– ” هذه ليستْ هوليوود , بإمكان هذا أن ينتهي بنا إلى السجن ! ”
– ” بتهمة المثلية ؟ ”
– ” بتهمة ارتكاب فعلٍ فاضحٍ في مكانٍ عامّ ! حتى لو كنْتِ رجلاً وكنْتُ امرأةً وكنّا متزوجين ؛ لا يزال هذا الفعلُ مجرَّمًا ! ”
– ” أنتِ لم تري أحداً يقبِّل أحداً في مكانٍ عامٍ , ولا حتى والديكِ ؟ ”
– ” خصوصاً والديّ , إن فكرةَ أن يقبِّل رجلٌ زوجتَه أمام أبنائهما تشبه أن تكون داخلةً في جنس المحارم هنا … في الواقع إن تقبيلكِ لهذه القلادة قبل قليلٍ قد نُحبسُ بسببه لو أبلغ أحدٌ السلطات ”
بدا قلقي يتسرّب إليها , فقالتْ في هدوءٍ :
– ” فلننتقلْ إلى الفندق إذاً , إنني متوفية والقبض عليّ قد يسبِّبُ لغطاً ! “
ابْتَسَمْتُ لها , وكررتُ  إيقافَ سيارة أجرة , وكررتْ هي الدخول دون سؤالٍ وإقراض السائق الكثير من المال , وعندما انتهينا إلى غرفتِها بالفندق أغلقَتِ البابَ ورائي ,و قالتْ في جذلٍ :
– ” الآن لا يعتبر ما سنفعله فعلاً فاضحاً في الطريق العامّ ؟ ”
– ” لو كانتْ هناك شبهةٌ بأنه سيكون فعلاً فاضحاً في مكان غير عامّ , لما سمح لكِ الفندق باصطحابي إلا بعد إثبات شهادة زواجٍ بيننا , ولكن بما أننا امرأتان فإنهم لم يطلبوا شهادة الزواج 
إن هذه الأمور مهمة للغاية هنا , بإمكان ممارسة شخصين للجنس بشكل غير مصرّحٍ به أن يتسبب في أزمة نووية أو شيء من هذا القبيل ”
– ” إنه يجعلني أشعر وكأنني من فرسان العصور الوسطى… وقد اختطَفْتُ أميرتي العذراء من قلعتها في مملكة أبيها التي ستشن حرباً عليّ دفاعاً عن شرف الأميرة المخطوفة ! ”
– ” إن الأمر ليس بهذه الرومانسيّة , ولكن شكراً على جعلي أميرةً ! “
– ” لقد جعلتِني مدرِّسةً , فوَجَبَ أن أردّ الواجبَ ! ”
نظرْتُ إليها في حياءٍ , وقلْتُ في دلالٍ بلغ غايتَه _ إذ لم يعدْ حولَنا من أتوقّاه _ :
– ” فهل تكمِلُ سيدتي تفضَّلَها ومجازاة إساءاتي بالإحسان , وتتخلى عن عقابي الذي أعترف بأني أستحقه ؟ ”
نظرَتْ إليّ بعينيها الحسناوين , وقالتْ وهي تدنو منّي :
– ” ألم أعطِكِ وسيلةً للنجاة من العقابِ فرفضتِها وبدلاً من أن تطيعيني أعطيتِني محاضرةً في عاداتِ وتقاليدِ بلدكِ ؟ ”
– ” ولكنّ ذلك كان مبرّرًا ؛ لقد كانتْ هناك مخاوفُ فعليّة كان علينا أن نحذرَ منها ! ”
– ” فلنفترضْ أنني طلبْتُ منكِ تقبيلي في دولةٍ لا تجرِّم المثلية ولا تعتبر التقبيل في مكان عامٍّ جريمةً , هل كنْتُ لتقبليني ؟ “
كانتْ محقّةً ؛ إن رفضي ليس راجعاً بالكليّة لأسباب قانونية … هناك حيائي من الناس , وهو سببٌ كافٍ لامتناعي عن ذلك الفعلِ !
حاولْتُ أن أجيبَ بشيءٍ , ولكنّ عينيّ فضحتاني , فأجابَتْ ( جايمي ) عني :
– ” أعتقد أنكِ كنْتِ لتبحثي حينَها عن عذرٍ آخرَ يبرِّرُ خجلكِ وينجيكِ من العقابِ في الوقتِ نفسِه ؛ لأن هذا ما تصنعه الفتياتُ الذكيّاتُ عندما يرين أنفسَهنّ في ورطةٍ … المشكلة أن هذا يجعلُهُنّ يعتقدْنَ أن بإمكانهنّ صنعَ ما يحلو لهنّ والإفلاتَ من المحاسبة فيما بعد … إن علينا أن نغيّرَ ذلك . أم كيف ترين ؟ ”
ومع آخر كلمةٍ وضعتْ إصبعها بين قلادتي وبين عنقي وجذبَتْني إليها .. إلى وجهِها … إلى شفتيها … ولمّا أوشكَتْ شفتاي على ملامسة شفتيها أوقفَتْ جذبي .. فأتْمَمْتُ أنا الحركة .. فخطَتْ خطوةً للخلفِ , وقالتْ في معابثةٍ :
– ” المعذرة هل ترغبين في تقبيلي ؟ ”
هزَزْتُ رأسي في حماسٍ , فقالتْ :
– ” وهل تنال الفتياتُ الشقيّات ما يرغبْن فيه أم يحرمْنَ منه ؟ ”
قلْتُ لها بصوتٍ لاهثٍ _وعيناي لا تزالان تحملقان في تَيْنِك الشفتَيْن العذبتين_ :
– ” أرجوكِ ! ”
– ” أرجوكِ ماذا ؟ ”
– ” أرجوكِ اسمحي لي بتقبيلكِ ! ”
نظرَتْ إليّ وخطةٌ ترتسم وراء عينيها وتثير هيامي بها اشتعالاً , ثم تحرَّكَتْ تجاه كرسيٍّ أمام طاولةٍ فسحبَتْه إلى منتصفِ الغرفةِ , وبدا لي أنني أدركُ ما تنوي فعلَه , ولكن بدلاً من أن تجلسَ على الكرسيِّ طلبتْ مني أنا أن أجلس عليه …
توجَّهْتُ إليه وجلسْتُ عليه , فقالتْ لي في عذوبةٍ :
– ” سأطلبُ منكِ طلباً وإذا قمْتِ به فسأقبِّلكِ ! ”
– ” أيَّ شيءٍ ! ”
– ” إن الطلبَ بسيطٌ ؛ لا تحرِّكي شيئاً من جسدكِ ! “
لم أكنْ أفهم بعدُ ما تنوي فعله , ولذا فقد صُعِقْتُ عندما ابتعدَتْ عني خطواتٍ , ثم سَلَّتْ ثوبَ السهرةٍ الذي كانتْ ترتديه لتكشفَ أنها لم تكنْ ترتدي تحتَه شيئاً … بعد عشْرِ سنواتٍ من تمني هذه اللحظة , لا أعتقد أن من الإنسانية أن تطلب مني البقاءَ في مكاني و”عدمِ تحريكِ شيءٍ من جسدي”  وأنا أراها عاريةً لأول مرةٍ في صورةٍ أو واقعٍ  ..
ولكن السادية كانتْ قد ابتدأتْ لتوِّها … فقد توجَّهَتْ إلى جهازٍ من تلك الأجهزة الحديثةِ التي لا أعرف اسمها والتي تنبعث منها الموسيقى مضخَّمةً وضغطتْ على زرٍ , فانبعثَتْ موسيقى راقصةً سريعةَ الإيقاع …
كل هذا وأنا مربوطٌ نظري بمحاسن جسدها برباطٍ غير مرئيّ … هذا ليس جمالاً بشرياً … إنها تبدو كتمثالٍ لا علاقة لمحاسنِه بالخلايا ولا الجينات ولا التغذية ولا عوامل التعرية … كأنَّها صورة مثالية للجمال الأنثوي ؛ وُجِدَتِ الصورةُ أولاً ثم تركَّبَ الجسدُ بناءً عليها … وها أنا ذي جالسةُ أتملى في كلِّ هذه المحاسنِ ولا أستطيع أن أصنع شيئاً حيالها …
دنَتْ مني حتى شعرْتُ بأنفاسِها على خدِّي , وأنا أبذل جهداً خرافيّاً حتى لا أقبِّلها أو أعانقها أو ألتهمها التهاماً … فلمّا بدا أنني موشكةٌ على الموت لأن قلبي قد نسي النبض لينشغل هو الآخر بالحملقةِ فيها , فاجأتني وفاجأتْه بحركةٍ شديدة الانسيابية انتبهْتُ في صعوبةٍ إلى أنها تتجاوب مع اللحن المنبعث من ذلك الجهاز … إنها راقصة ماهرةٌ .. لقد كنْتُ أعلم ذلك عنها … ولكني الآن أراه رأْيَ العينِ …
ثم جعلَتْ يديها تحيطان بعنقي وقد استقرتا على ظهر الكرسي , وأحاطَتْ فخذيّ برجليها ثم دنَتْ بخصرها من خصري حتى كادتْ تلامسه ثم ابتعدَتْ عنه , كل ذلك وهي لا تزال ترقص على اللحن ..
كان ثدياها يهتزّان لرقصها ولا يفصل بينهما وبين عينيّ سوى سنتيمتراتٍ … لن أستطيع التحملَ أكثر من ذلك …دنوْتُ بيديّ من ثدييها وقبل أن أقبض عليهما في راحتيّ , سمعْتُ صوتَها محذرةً :
– ” أَأْ .. أَأْ … غير مسموحٍ باللمس ! ”
– ” سأعترفُ بكلِّ ما تريدينه ؛ أنا من قتل لينكولن ! … ولكن أرجوكِ , أوقفي هذا التعذيب ! “
– ” حاولي أن تضبطي نفسكِ .. لا يزال العرضُ في بدايتِه ! ”
ومع قولِها هذا ابتعدَتْ بجسدِها حتى زالَ عطرُها من أنفي ثم مدَّتْ إحدى يديها فغطَّتْ بها حلمتيها وما أمكن من ثدييها , وغطَّتْ بالأخرى ما بين رجليها … وهي لا تزال مستمرّةً في الرقصِ , ثم قالتْ وهي تتصنّع الخجلَ _ ويا لها من ممثلةٍ  _ :
– ” هلّا نظرْتِ بعيداً رجاءً ! فأنا لا أرتدي ملابسَ ! “
قلْتُ _ وقد أعجبني الدورُ _ :
– ” إن قدرتي على التحكم في اتجاه نظري كقدرة الميت على التنفس ؛ لا سبيل أمامي سوى الحملقةِ فيكِ ؛ أنا آسفة ! ”
اقترَبَتْ في خطواتٍ جانبيةٍ راقصةٍ من الفراشِ ثم جذبَتْ ملاءَتَه الرقيقةَ وأدارَتْها حول جسدِها لتغطيَ بها نفسَها فكشفَتْ أكثر مما سترَتْ , ثم دنَتْ مني بظهرِها ورقْصُها يزداد مجونًا حتى عادَ عبيرُها يغمرُني , ثم وضَعَتْ يديها على الأرض وساقيها على جانبي الكرسيّ فصار ردفاها في مقابل ناظريّ , والملاءة ترتفع شيئاً فشيئاً كلما زادَتْ هزّ ردفيها حتى انتهتْ إلى منتصفِ مؤخرتِها وصارَتْ تكشفُ ما تحتَها وتستره في كل اهتزازةٍ مرةً أو مرتين , ثم كأن هذا لا يكفي فقد اتكأتْ على يدٍ واحدةٍ وحلَّتْ باليد الأخرى الملاءةَ وسحبَتْها إلى الأرض فانْكَشَف أمامي كلُّ شيءٍ تمنى مصورو المشاهير أن يلتقطوا لمحةً له وفشلوا … ولو كان لي أن أوجِّه لهم نصيحةً من المستقبل لقلْتُ إن أي جهدٍ بذلوه _ولو لم ينتهِ إلى شيءٍ_ هو جهْدٌ مبرّرٌ إذا كان يقصد إلى رؤية ما أراه الآن … هذا هدفٌ تنقضي الأعمارُ في طلبِه فلا يلومُها أحدٌ … لم يكنْ أمامي من سبيلٍ لمنعِ نفسي الآن من لمس جسدِها الأخّاذِ … وامتدَّتْ يداي لتغوص في ردفيها , ولكن قبْل أن أمسَّهما انتهَتِ الأغنيةُ , فقامتْ ( جايمي ) وسحبْتُ أنا يديّ في آخر لحظةٍ .. والتفتَتْ إليّ ثم قالتْ :
– ” أعتقد أنني أدين لكِ بهذا ! ”
واقتربَتْ بشفتيها من وجهي ثم انحرفَتْ بهما عن فمي وقبَّلَتْ خدي , ونظرَتْ إليّ في مكرٍ وقالتْ :
– ” لقد طلبْتِ قبلةً ووعدْتُكِ واحدةً , ولكننا لم نحدَّدْ أين ! ”
– ” هذا يكفي ! ثم يتهموننا نحن بالشقاوة ؟ تعالي هنا ! ”
ولا أدري من أين أتتني القوةُ وأنا لا أزال أرتدي طوقاً عليه حروف اسمها , إلا أن هناك حدًّا مَن تخطاه يستحق العقوبةَ حتى لو كان رأسَ السادّيين …
 قبضَتْ يدي على ذراعِها فنظرَتْ إليّ في دهشةٍ , ثم زادَتْ دهشتُها عندما سحبْتُها تجاهي وصيَّرْتُها مستلقية على رجليّ , وجاءني صوتُها لا يخلو من استمتاعٍ بغرابةِ الموقفِ :
– ” هل يمكنني أن أشير إلى أنكِ _ على الأغلبِ _ قد قرأتِ الأدوار مقلوبةً , فصنعتِ بي ما يُفْتَرضُ أن أصنعه بكِ ! ”
– ” كلا ! المكتوبُ أمامي هنا : ( وقامتْ الفتاةُ الشقيَّةُ بإخلافِ وعدِها متكئةً على التلاعب بالألفاظ فانتهى الحالُ بمؤخرتِها شديدة الاحمرار وقد تلقَّنَتْ درسا لن تنساه ) أعتقد أن هذا ينطبق عليكِ “
جاءني صوتُها ضاحكاً هذه المرّة :
– ” إن ما تصنعينه أقربُ إلى التجديفِ ! سيذهبون بكِ إلى الساحة العامة , ويَتْلُونَ في تهمكِ : وقامتْ المهرطقة بمعاقبةِ سيدتِها بالمخالفةِ لكل الأعراف والقوانين . وعندما ووجهَتْ بتهمها أصرَّتْ على منطقية ما صنعتْه… فاستحقَّتِ العقوبةَ العظمى ! ”
– ” فدعِينا نصدِّقْ على كلامهم إذاً ! ”
ثم هوَتْ يدي بصفعةٍ على ردفِها الأيمن دوى صوتُها في أرجاء الغرفةِ , وقلْتُ وأنا أتصنّع الحزمَ :
– ” بعد أن أفرغَ من عقابكِ , بإمكانكِ أن تصنعي بي ما شئتِ , في النهايةِ فأنا ملكُكِ كما تقول ” الأعرافُ والقوانين” , ولكني انتظرْتُ عشر سنواتٍ حتى أراكِ أمامي , ثم ضبطْتُ نفسي لدقائق _بَدَتْ كدهورٍ _ أمام فتنة غير بشرية … كل ذلك في لقاءِ قبلةٍ بريئةٍ ثم لم تمنحيني تلك القبلةَ , أعتقد أن هذا وضعٌ استثنائيٌّ يستدعي ما أفعله ! “
– ” حتى أكون موضوعية , فإن في كلامكِ شيئاً من المنطقية “
– ” شكراً … في المستقبل سيكون واضحاً أنكِ أنتِ مَنْ تَضَعُ الخطوطَ الحمراءَ وأنا مَنْ تَلتزِمُ بها … إلا إذا تكرَّرَ فعلٌ شديد الإجحافِ كهذا , فحينَها سنقلبُ الأوراقَ … بالإضافة إلى أن مؤخرتكِ هي أجملُ شيءٍ رأتْه عيناي , ومن الظلمِ أن أُحْرَم مِن صنعِ ما أريدُ بها بين الفينةِ والأخرى … أليس كذلك ؟ ”
ومع قولي هذا صنعْتُ ما جاهدْتُ لأمنع نفسي من صنعِه أثناء تلك الفقرة الراقصةِ , فأوسعْتُ مؤخرتَها قبلاتٍ وعضّاتٍ وأنا أقبض عليها بكلتا يديّ , فجاءني صوتُها مستمتعاً :
– ” إن كانَتْ هذه هي فكرتُكِ عن العقاب , فبإمكانكِ أن تقومي بها كلَّ يومٍ ”
ولم تتِمَّ جمْلَتَها حتى عادَتْ يدي لصفعِ مؤخرَتِها , وقلْتُ وأنا أجاهد الضحكَ :
– ” لو كنْتُ مكانكِ لكففْتُ عن العبارات الساخرة , وانتبهْتُ إلى ما تسبّب في عقابي وندمْتُ عليه ! ”
كان هذا فوقَ طاقتِها على التحمّل , فأرتْني _عمليًّا _ الفرقَ بين ما تملكه وما أتظاهر أنا بامتلاكه , وقالتْ بصوتٍ هادئ ولكنّه يخفي خلفَه جبالاً من ثقةٍ :
– ” سأنهض الآن وستنزعين عنكِ ملابسكِ وتستلقين على السرير بانتظار ما سأفعله بكِ .. هل هذا واضحٌ ؟ ”
كانتْ لا تزال مستلقيةً على رجليّ عاريةً وأنا أرتدي ثيابي كاملةً , ومؤخرتُها الحسناءُ تقابل يدي , كيف يمكن لها أن تمتلك كلَّ هذه القوة في مثلِ هذا الموضع ؟ …
قلْتُ والذعرُ يبدو في صوتي :
– ” أنا آسفةٌ .. أنا حقًّأ آسفة … أرجوكِ لا تغضبي عليّ ”
– ” أنا لا أغضبُ عليكِ أبداً .. ولكني أعتقد أن الاندماج في الدورِ قد أنساكِ الأساسيَّاتِ , وسأذكركِ بها لا أكثرَ ”
أكملَتْ نهوضَها , ووقفَتْ أمامي وأنا أكاد أرتجفُ خوفاً , فوضعَتْ يدَها على كتفي لتطمئنني , وقالتْ في هدوءٍ :
– ” إن كنْتِ ستسمرين في هذا الذعر فإنني لن أعاقبكِ اليومَ , الفكرةُ ليستْ في إثباتِ أني المسيطرة . فهذا لا يحتاج إلى إثباتٍ .. الفكرة أن تسلّمي نفسكِ لي وتطمئني إلى أنه مهما كان ما أصنعه بكِ فأنا أحرصُ عليكِ من نفسكِ … هل هذا واضحٌ ؟ ”
ذهبَ عني الخوفُ بذلك المعنى , وحلّ مكانَه خوفٌ آخرُ , وشتّان بين هذا وذاك , وعندما رأتْ ذلك في عينيّ قالتْ :
– ” الآن كما أمرْتُكِ … عاريةً على السرير! ”
– ” هل لي أن أُبْقِيَ الطوقَ رجاءً ؟ “
ابتسَمَتْ , وأمرَّتْ يدَها عليه :
– ” أنا لا أعتقد أن عليكِ نزعَه إلا في الضرورة القصوى ؛ إذا كان أمرَ حياةٍ أو موتٍ .. فيما عدا ذلك فأنت ترتدينه دائماً . “
– ” شكراً ! … لأنني لا أريد نَزْعَه أبداً “
وهنا كانَتِ القبلةُ الأولى بيننا , وأردْتُها أن تستمر إلى الأبد …
ولكنِّي تذكَّرْتُ ما أمرتْني به فقمْتُ وابتعدْتُ عنها ونزعْتُ ملابسي وأنا أنظر إلى ملامح وجهها مسرورةً بما أفعله ثم استلقيتُ على السرير , ودفَنْتُ وجهي فيه …
سمعْتُ صوتَ خطواتِها في الغرفة , ثم صوتُ دولابُ الملابس ينفتح , ثم صوتُها وهي تخطو إلى جواري …
وقالتْ في هدوءٍ :
– ” فيما بعدُ سأحدِّدُ _ في الأغلبِ _ عدداً محدَّداً من الضرباتِ وأطالبكِ بالتزام مكانكِ وإلا زدْتُ فيها … أما اليومَ فأعتقد أنَّ من الأنسب ألا أخبركِ مسبقاً بأي شيءٍ , هل تريدين كلمة أمانٍ ؟ ”
– ” لا ! ”
– ” حسناً ! هذه إجابة خاطئة , ولكني مسرورةٌ بتفانيكِ . كلمة الأمان : ستكون أيّ شيءٍ تقولينه بالعربية , ما دام كلامكِ بالإنجليزية فسأستمر في عقابكِ . هل هذا واضح ؟ ”
– ” نعم ! ”
– ” حسناً , سنبدأ الآن ! ”
سمعْتُ صوتَ الضربة أولاً ثم أحسَسْتُ بها … لم يكنْ هذا الألم قابلاً للتحمل …. ولكنّ فكرةَ أنه ناشئٌ عنها هي بالذاتِ .. قد جعلني أدفن صرختي في السرير وأبقى مكاني ..
ثم أتَتِ الضربةُ الثانيةُ … أنا لا أعتقد أن هذا حزامٌ كما ظنَنْتُ في البداية .. هذا يبدو شيئاً معدًّا خصيصاً _لا عرضاً _ لإحداث الألم … ثم لحِقَتِ الضربةُ الثالثةُ بأختيها فشعرْتُ بدموعي على وشكِ التساقطِ … كم تنوي أن تستمرَّ في هذا ؟ … الرابعةُ .. الآن بدأتِ الدموع بالسقوط .. الخامسة .. لم أستطع البقاءَ في مكاني فتقلبْتُ إلى جانبي لأفاجأ بيدها على ظهري وهي تعيدني إلى انكفائي على بطني وتثبتني في مكاني , ثم تهوي يدُها الأخرى التي تحمل ما تأكّد لي أنه ليس حزاماً _عندما رأيْتُه في تلك الثانية التي تقلَّبْتُ فيها _ بالضربات السادسة والسابعة والثامنة متلاحقاتٍ متتالياتٍ .. فشهقْتُ من الألم وانهمرَتِ الدموعُ وبدأتُ في التوسُّلِ أن تتوقفَ … ربَّما ستتوقف بعد العاشرةِ .. ولكن هل أستطيع أن أتحمل ضربتين أخريين ؟ … التاسعة …
– ” أرجوووكِ ! ”
هل كانتْ هذه عربيةً أم إنجليزيةً فإنني لم أنتبه من الألم ؟ ولكن الإجابة جاءتْني في أقل من ثانية عندما هوَتِ الضربةُ العاشرةُ بقوةٍ جعلت التسع الأولى تبدو وكأنها عبثٌ … لا أعتقد أن بإمكاني أن أتحملَ المزيدَ … حرفيًّا لن أتحملَ المزيدَ … وجاءني صوتُها :
– ” لا يبدو أنكِ قادرةٌ على تحمّل المزيدِ , ربما في المستقبل تزيد قدرتكِ على تحمل الألم .. ولكن حالياً أعتقد أننا بلغنا الحدّ الأقصى … هل أنتِ نادمةً على ما فعلْتِه ؟ ”
من وسْطِ الدموع والشهقاتِ الناتجة عن الدموعِ أجبْتُ , وكان صوتي إجابةً في حدِّ ذاتِه , ورثيْتُ لنفسي ؛ لا يفترض أن يسمعني أحدٌ وأنا أتحدث بمثل هذا الصوتِ … لا أحدَ غيرها ؛ هي من يحق لها أن تشاركني في رؤيتي وأنا بهذا الضعف … بهذه الحساسية …
وشعرْتُ بها تقتربُ مني وتجلس على حافّة السرير ثم يقتربُ فمُها من أذني :
– ” هل كنْتُ قاسيةً عليكِ ؟ “
كان في صوتِها خوفٌ حقيقيّ ؛ أردْتُ أن ألومَها على ذلك الخوفِ ولكني تفهَّمْتُ الدافعَ وراءه … ووجدتني أرتفع من استلقائي وأتكئ على ركبتيّ لأصير في مستواها وأعانقُها والدموعُ لا تزال تسيل من عينيّ :
– ” افعلي بي ما يحلو لكِ , إن القسوةَ تبدأ من حيث تنتهين , فلا يلتقيان ! ”
– ” هل فكَّرْتِ في هذا للتوّ ؟ “
ضحكْتُ من وسطِ دموعي , وقلْتُ لها :
– ” في الواقع لقد كان ذلك القولُ بالذاتِ مما فكَّرْتُ فيه أثناء قصة تبادل الطلابِ تلكَ وأنا في السادسة عشرة ! ”
ضحكَتْ في استغرابٍ , وقالتْ :
– ” هل صنعْتُ بكِ _ وأنا مدرِّسةٌ _ شيئاً يستدعي مثل ذلك القول ؟ “
– ” في الواقع لقد جعلْتُكِ في تلك القصة تبدئين عقابي بيدكِ ثم بفرشاةِ شعرٍ ثم بحزامٍ ثم بعصا خيزرانٍ , واستمرّ العقاب قريباً من ساعةٍ , ولكني أعتقد أني كنْتُ أبالغ في مقدرتي على التحمل جسدياً في تلك القصة ! ”
– ” مبالغةً عنيفةً إن جاز لي القولُ ”
كانتْ دموعي قد توقفَتْ وعاد صوتي _ جزئياً _ إلى طبيعتِه , ولكني لا زلْتُ أعانقُها , فابتعدْتُ قليلاً حتى أرى وجهها , وقلْتُ :
– ” لا أعتقد أن المبالغة كانتْ مني , ولكنّكِ استعملْتِ هذا الشيء عليّ بقوة هِرَقْل ”
ثم نظرْتُ إلى يدِها فوجدْتُ حزاماً نسائيًّا بريءَ المنظر , ما الذي جعلني أعتقد أنه شيءٌ آخر إذن ؟
ابتسمَتْ وقالتْ لي :
– ” ربما في الضربة الأخيرة , ولكني كنْتُ رقيقةً للغاية في التسع الأولى ! “
كان معها حقٌّ , هذه الضربة الأخيرة _ما لم تكنْ صاعقةً من السماء _ فإنها تشي بتفاهة التسع الأولى , وإن لم أشعر أنا بتلك التفاهةِ آنذاك !
فقلْتُ في تسليمٍ :
– ” حسناً , أعتقد أنني أنا مَنْ كان يبالغ مبالغة شديدة في تلك القصة ! ”
– ” هل تريدين أن نطبِّق تلك القصةَ بحذافيرها ؟ ”
نظرْتُ إليها في رعبٍ , ففطِنَتْ إلى ما فهِمْتُه , وقالتْ :
– ” لا أعني الجزء الخاص بالعقابِ , بل ما انتهَتْ إليه تلك الليلة ! ”
تذكَّرْتُ مخادعتَها لي في القبلة , فسألْتُ في حذرٍ :
– ” ولكنكِ أنتِ من سيلعبُ دَوْرَ نَفْسِكِ وليس يدي . أليس كذلك ؟ ”
ضحكّتْ بصوتٍ مرتفعٍ , وقالتْ :
– ” أعترفُ أني كنْتُ أنوي خداعَكِ وقولَ ذلكِ , ولكنّكِ فطِنةٌ … هذا جيدٌ ؟ ”
– ” هل هذه إجابة بالقبول أم بالرفض ؟ ”
– ” أعتقد أنه من الظلمِ لي أن أشاهدَ يدكِ تقوم بما أتمنى أنا القيامَ به ؛ أعتقد أن هذا عقابٌ لي وليس عقاباً لكِ … وما الذي أسَّسْناه قبل قليلٍ عن فكرةِ حدوثِ العقابِ لي ؟ ”
– ” أنها فكرةٌ خرافيةٌ لا يؤمن بها إلا المُهَرْطِقُونَ الذين يسْتحِقُّونَ العقوبةَ العظمى ! ”
– ” فتاةٌ مطيعةٌ ! والآن سأريكِ _بتجربةٍ عمليةٍ _ الفارق الهائل بين ما أُحْسِنُه أنا وبين ما حاولتْ يدُكِ تمثيلَه ؛  سأظهر لك الفارق بين التمثيل والحقيقة ! ”
وعندما طلعَتِ الشمسُ كانتْ ( جايمي جولدمان ) قد أثبتَتْ بما لا يدع مجالاً للشكِّ أن هناكَ بَوْناً شاسعاً  بين التمثيل والحقيقةِ ؛ عندما تصورْتُ تلك القصةَ وأنا في السادسة عشرة .. كنْتُ قد بدأت في تخيّل أحداثها في العاشرة مساءً وخلدْتُ إلى النوم بعد الفراغ منها في الحادية عشرة مساءً …. في النسخة الواقعية بدأتُ أنا و ( جايمي ) في الجانب العاطفي فقط من تلك القصة في الحادية عشرة ولم أنم إلا بعد طلوع الشمس … وأعتقد أنه في ذلك الوقتِ كان كل نزلاء الفندق قد أدركوا _سمعاً إن لم يكن رؤيةً_ وقوعَ الكثير من الأفعال الفاضحة في غرفتِنا …
نعم !
 لقد نسبْتُ الغرفةَ لكلينا , وليس لـ(جايمي) فقط !
ولكنَّ هذا هو ما تصنعه عندما تزيِّن الحروفُ الأولى لشخصٍ ما طوقاً يحيط بعنقكَ ..
إنك تعتبر نفسَك ونفسَه هَيُوْلَى واحدةً والجسمانِ صورتُها ! 
______________________________

قصة : تفكّكٌ ووحدة ! ( M-F )


قصة : تفكّكٌ ووحدة ! ( م – ف )
– بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين ذكر وأنثى , علاقتهما علاقة أستاذ جامعي بطالبتِه , فإن كانت هذه أو تلك تسوؤك / تسوءك, فقد نوهنا بهما . 

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 5 _ وهو فرعٌ على تنويه 4 _ : قد يبدو أن هذه القصة تحاول الاقتراب من المفاهيم التي تتناولها إحدى مدارس علم النفس , وهذا لا يعدو أن يكون استغلالاً لفكرةٍ ما _ بشكلٍ شديد السطحية _ من أجل دفع الأحداث بهذا الاتجاه أو ذاك ؛ ويرى المؤلف ضرورة التأكيد على خيالية العمل وبعدِه تماماً عن شبهة الواقعية أو شبهة تأسيس ما تحويه تلك القصة على أساس علمي أو أخلاقي أو اجتماعي أو غيره ..

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 
– القصة :
(1)
تفكّك !
الطبقة الأولى : دهشة
أفتح البابَ وأنتظر …
الثواني تمر متثاقلة ..
كلامُه لا يزال يدوِّي في أرجاء القاعة …
أنا مشغولة عن كلامه بحرج الموقف …
عيون الطلاب والطالبات تفارق وجهه لثوانٍ لتنظر إليّ ..
حرجي يزداد …
بدأ الحرج يصل إلى درجةٍ لا يمكنُ معها أن أستمر في هذا الموقف…
أحاول موازَنَةَ الخيارات … ولكن عقلي قد وصل درجة من التأفف والذعر لا تسمح بموازنة …
أحاول الخروج من الباب المفتوح بخطواتٍ أخطوها للخلفِ , لعله إن نظر تجاهي لا تقع عيناه على ظهري …
لم ينظرْ تجاهي حتى خرجْتُ من الباب المفتوح , وأغلقْتُه ورائي ..
أنظر في حسرة إلى الباب المغلق والصوت لا يزال يتسرب منه …
وأفكِّر في نفسي وأنا ألومها : ألم يكنْ في وسعي أن أتنحنح أو أن أطلب الإذن بالدخول …
وأحاول أن أجد عذراً لعدم صنعي ذلك فأقول : ولكنني كنْتُ لأقاطعَه حينَها …
ولكن ماذا عن التوجه لأحد الكراسي والجلوس بدون إذن ؟ …
أرجع مرةً أخرى للتبرير : ولكن ماذا إذا كان لم يشعرْ بفتحِي البابَ ؟  وحينها كان سيرى توجهي لأجلس _ وأنا لم أستأذنْه لأدخل _ فلعلَّه يغضب .
استغرقتْ أفكاري بضع ثوانٍ …
فوجئتُ بتوقف الصوتِ عن الكلام ..
صوت خطواتٍ تتجه صوبي , أو صوب الباب المغلق للدقة ..
أحاول التفكير في ذعرٍ : هل أنصرف أم أبقى ؟
هل علم بوجودي من أحد الطلاب , وظن أنه لا تزال هناك فرصة لبقائي في الخارج , فهو يَهِمُّ بفتح الباب ودعوتي للدخول ؟
أم هل أنهى محاضرتَه ويَهِمُّ بالانصراف ؟
وأرد على نفسي : إنه شديد الدقة والاحترام لمواعيده ؛ لن ينهي المحاضرة قبل ميعادها , وأنا حضرْتُ في منتصفها تقريباً , ولم يمرّ وقتٌ كافٍ لتنتهي … أم هل تراني وقفْتُ مكاني لنصف ساعة كاملة وأنا أخوض في هذه الأفكار ؟
رددْتُ على نفسي في ثقة : من المحال أن أكون قد وقفْتُ لنصف ساعة كاملة دون أن أستشعر ذلك تعباً في رجليّ أو إحساسًا بالوقت بأي طريقة أخرى !
ولكن ماذا يضرّ أن أنظر في الساعة لأتأكد ؟
أرفع ساعة يدي إلى عينيّ , فيقاطعني صوتُ مزلاج الباب وهو ينفتح ..
كيف غفلْتُ عن ذلك ؟!
أتوجّه ببصري في ذعرٍ إلى الباب المفتوح لتقع عيناي على عينَيْ المحاضر ..
ليس عيني المحاضر بالضبط ؛ عيناه وقد صَغُر عمره نحواً من خمس عشرة سنة …
لم يعد في أوائل الأربعينات , بل في أواخر العشرينات …
أعود لأتأمل وجْهَهُ فأفطن إلى خطئي …
هذا ليس المحاضر وإنما قريبٌ له ؛  أصغر من ابن وأكبر من أخ , ولكنه شديد الشبه به …
وأرى في عينه ضحكة تطل برأسها من أعماق روحه ثم يزجرها فترجع إلى مكانها في داخله ..
ويقول لي بصوتٍ لا يزال يدافع أثر الضحكة :
– ” هل هذا التيهان يلازمكِ طيلة الوقت ؟ ”
ويضيف :
” على أية حال لقد أوقفْتُ محاضرة أخي _ وبالنظر إلى أنك من طلابه فأنتِ على علم بمدى كرهه لذلك _  حتى أدعوكِ للدخول , فقد ظننْتُ _ نظراً لتيهانكِ _ أنكِ ستقفين فترةً أخرى خارج الباب تائهةً كما وقفتِ داخل المدرج ”
أحاول أن أرد بشيءٍ ولكن صوت المحاضر _أخيه _ ينبعث من الداخل :
– ” هلّا دخلْتما أو بقيتما في الخارج ؟ إن لدينا محاضرة لنُتِمّها ! ”
يشير إليّ أخوه _ الوغد _ لأسبقه في الدخول , فأفعل , وأحاول أن أتمتم بكلمات اعتذارٍ أتوجه بها إلى أخيه , ولكنها تفشل في القضاء على أمارت الضيق البادية على وجهه !
أتوجه إلى كرسيّ فارغ في أبعد مكان ممكن عن المحاضر وأجلس فيه , فيأتي الوغد إلى الكرسيّ المجاور لي ويجلس …
وأتساءل في نفسي عما يريده !
_______________________________
الطبقة الثانية : إعجاب
أفتح البابَ وأنتظر …
لا شك أن صوتَ البابِ مسموعٌ للمحاضر , لقد حاضر سنواتٍ طوالاً حتى يدركَ _ بلا وعيه _ عندما يفتح أحد الطلاب الباب وينتظرُ الإذن ..
الثواني تمر متثاقلة ..
لماذا لا يوجِّه بصري تلقائي , كلما زاد الوقت الذي أقضيه واقفةً بانتظار أن ينظر تلقائي لأستأذنه , كلما صَعُب عليّ فيما بعد أن أتكلم وأقاطعه لأستأذن , لأنه حينها سيقول _ وله الحق _ لقد شعرْتُ بوقوفكِ فترة طويلةً فلماذا لم تستأذني من البداية إن كنتِ تنوين أن تستأذني ؟
كلامُه لا يزال يدوِّي في أرجاء القاعة …
هذا ليس صوتَ شخص ينوي أن يقطع كلامه قريباً , النغمة مندفعة , والأفكار التي وراء صوته تبدو متسلسلة تسلسلاً مطرداً , هذا الموقف ذاهبٌ للأسوأ ..
أنا مشغولة عن كلامه بحرج الموقف …
ولكني لا أغفل عن التقاط بعض الكلمات والجمل : “النقطة الثالثة … ” هل اقتصر على ذكر نقطتين طيلة النصف ساعة ؟ أم أن هذه هي النقطة الثالثة من الموضوع الرابع مثلاً الذي نوقش في هذه المحاضرة …
عيون الطلاب والطالبات تفارق وجهه لثوانٍ لتنظر إليّ ..
الآن لا شكّ في أنه رآني , لو كان مشغولاً عن المحاضرة لنظر إلى الباب عندما سَمِعَ صوتَه ينفتح , ولو كان مشغولاً بالمحاضرة لانتبه إلى مفارقة عيونِ كثيرٍ من طلابه له لتَنْظُرَ _ في وقتٍ واحد أو أوقات شديدة القرب من بعضها البعض _ إلى الباب . أمَا وقد تجاهلني الآن فلا شكَّ أنه يتجاهلني عمداً .
حرجي يزداد …
لا شك أنه رأى العيون وهي تتجه نحوي , وعَلِم _من قلة الخيارات _ سببَ اتجاه عيون طلابه إلى الباب 
لماذا يتجاهلني ؟
لطالما شعرْتُ أن عينيه تنظران نحوي عمداً في المحاضرات السابقة , فسّرْتُ هذا على أنه نرجسية مني وقراءة اعتباطية ترى في الواقع ما تريده هي لا ما وَقَع فعلاً …
ولكن _في تلك المحاضرات السابقة _ عندما يفتحُ أحد الطلابِ البابَ , كان ينظر نحوَه ويشير له بيده ليدخل , وتعوّدَ بقيةُ الطلاب إذا تأخروا أن يفتحوا الباب ولا يقولوا شيئاً لئلا يقاطعوه , ما دام هو من سينظر نحوهم ويشير بيده ليدخلوا , وكذلك فعلْتُ اليومَ فلماذا لم يكرر عادته في إدخال الطلاب المتأخرين بإشارة من يده ؟
ألا تزال نرجسيةً إذا فكرْتُ أنه خصّني بهذه المعاملة دون سائر الطلاب ؟
ولكن لماذا فعل ذلك ؟
أم لعله قد طرأ له طارئٌ اليوم فمنعه من التعامل مع هذه الواقعة الاعتيادية تعاملاً عادياً ؟
أشعر أكثر بالخجل ؛ ها أنا ذي أفسر كلَّ شاردة وواردة من أفعاله تجاهي ؟
لماذا أفعل ذلك ؟
هل هذا الإفراط في التفسير يعبر عن إعجاب أحاول كتْمَه وإخفاءه حتى عن نفسي ؟
هل أنا معجبة بأستاذي ؟!
بدأ الحرج يصل إلى درجةٍ لا يمكنُ معها أن أستمر في هذا الموقف…
أحاول موازَنَةَ الخيارات … ولكن عقلي قد وصل درجة من التأفف والذعر لا تسمح بموازنة …
ماذا أفعل الآن ؟!
هل أهرب ؟
ولكن لماذا أهرب ؟
ألأنني فتحْتُ الباب فلم يؤذن لي ؟ أم لأنني بدأت أشك في سر نفسي وأخشى إن بقيْتُ في مكانٍ واحد مع من تهواه النفسُ أن يفتضح أمر نفسي ولا يخفى عليّ منه شيءٌ ؟
ربَّما عليّ أن أهربَ , ماذا إن كنْتُ من الفطنة بحيث وقعْتُ على ما يريد ( لا وعيي ) أن يظل خفيًّا مدفوناً فيّ …
أنا لا أريد أن أعالَج من عقدي النفسية , إن كان ذلك العلاج سيتضمن أن أصارح نفسي بإعجابي بهذا المحاضر بالذات ..
لطالما قارنْتُ بينه وبين القصص التي كانت أمي تخبرني بها عن أبي الذي تُوُفّيَ قبل أن أستطيع الكلامَ بعد !
كلما ذكرَتْ أمي هدوءَ أبي وصبرَه على ما يُفْقِد غيرَه صوابَه , أو رقّتَه وعطفه التي _ مع ذلك _ لم تغرِ أحداً _ولا أقربَ المقربين إليه_ أن يتجاوز معه في كلام أو في فعل , أو مثابرَتَه حتى يصل إلى هدفِه غير عابئٍ بما يعترض طريقه في سبيل ذلك … كلما ذكرتْ أمي ذلك من صفاتِ أبي _ ولعلها تبالغ _  لم أجدْ مثالاً واقعياً أتمثل فيه كل هذه الصفات على أرض الواقع بدون مبالغة إلا في هذا المحاضر بالذات  _ أو لعلي أنا التي أبالغ هذه المرة _ !
فإذا انتهيْتُ إلى أنني _ رغماً عني _ معجبةٌ به , فلعل في هذا اعترافًا بعقدة الأب المفقود من حياتي التي قرأتُ عن معاناة مَنْ نشأْن يتيماتِ الأب منها ..
أنا لا أريد أن أعترف بذلك ..
فلأهرب إذن ..
أحاول الخروج من الباب المفتوح بخطواتٍ أخطوها للخلفِ , لعله إن نظر تجاهي لا تقع عيناه على ظهري …
فهل خوفي من أن ينظر في الوقتِ غير المناسب فيراني أنصرف من محاضرتِه _ التي لم أدخلْها رسميًا حتى _ , هل خوفي هذا راجعٌ إلى رغبتي في الظهور أمامه بمظهر الطالبة المثالية , التي تحصل في مادتِه على أعلى الدرجات ولا تغيب عن شيءٍ من محاضراته _ وهذا سلوكٌ نادرُ الحدوثِ مني مع أي مادة أخرى _ ؟
أم هل خوفي هذا راجع إلى أنني أخشى أن يكره شيئاً أفعله حتى لو كان هذا الفعل من أفعال طالبة مثالية ؟
ماذا إذا قال عرضاً في محاضرة ما : إن اجتهاد طالبة ما يجعلها تتحول إلى موضوع منتهٍ في عين أستاذها , ولكن إخفاقها هو ما يجعلها مثار اهتمامه ليحاول أن يعيدها إلى الطريق القويم ؟
لو قال هذه العبارات _ فرضاً _ فهل أنا سأتفاجأ فعلاً إذا هبط مستواي في مادته ” بشكل غير مقصود ” ؟
أم إنني أعلم في داخلي أن كل ما أريده من وراء الاجتهاد في مادته هو نيل رضاه واهتمامه , فإذا لم يكنْ هذا هو الطريق لنيل اهتمامه , فلْأسلكْ غيره ؟
أعتقد أنه خيرٌ من إجابة هذه الأسئلة أن أهرب !
لم ينظرْ تجاهي حتى خرجْتُ من الباب المفتوح , وأغلقْتُه ورائي ..
أنظر في حسرة إلى الباب المغلق والصوت لا يزال يتسرب منه …
لقد هربْتُ !
ثم ماذا ؟
حسناً إن بإمكاني أن أغادر في هذه اللحظة ..
 لعله لم يرني , لعله لم يشعر حتى أن بابًا فُتِح ثم أغلق !
ستمر الأمور بسلام , منذ بداية الفصل الدراسي لم أتغيب عن محاضرة واحدة له , فهو على الأغلب لن يلحظ عدم حضوري هذه المرة  .
ولكن مهلاً .. لماذا لا يلحظ عدم حضوري ؟!
هل كانتْ فرحتُه زائفة عندما أعلن نتيجة امتحان منتصف الفصل الدراسي ووجد لأول مرة أن طالباً أو طالبة قد حقق الدرجة النهائية فيه ؟
هل كان ذلك فخراً زائفاً عندما قبض على راحتي في كلتا يديه , وقال إنه لن يقبل أن تكون أفضل طالبة لديه قانعةً بأي وظيفة أخرى غير الاستمرار في دراستها الأكاديمية بعد التخرج ؟
لقد غيَّرْتُ كل خططي لمّا قال ذلك , لقد حرصْت حتى على الاجتهاد في بقية المواد حتى أستطيع الاستمرار في ( الدراسة الأكاديمية تلك ) , فهل كان ذلك كله تمثيلاً ؟
أم أنه كان صدقاً … ثم بعد ذلك فكّر في نفسه : هذه الطالبة مستواها في بقية المواد ليس بهذه الجودة , لعل مستواها المتميز في هذه المادة راجع لسبب آخر ( غير أكاديميّ ) وسرعان ما سيزول , ربما لن ينتهي الفصل حتى تبدأ درجاتها في هذه المادة تقترب من درجاتها في المواد الأخرى , بل ربما تبدأ في التغيب عن محاضرات هذه المادة أيضاً , وتكفّ عن المجيء قبل الجميع والانصراف بعد الجميع كما تفعل الآن .
أشعر بوخزٍ كالإبر في جلدي , لو كان فكّر في مثل هذه الأفكار فقد أجبْتُه إلى ما سأل , ها أنا ذي لا أحضر متأخرةَ فحسْبُ بل أتغيب بالكلية عن إحدى محاضراته .
وأفكِّر في نفسي وأنا ألومها : ألم يكنْ في وسعي أن أتنحنح أو أن أطلب الإذن بالدخول …
وأحاول أن أجد عذراً لعدم صنعي ذلك فأقول : ولكنني كنْتُ لأقاطعَه حينَها …
ولكن ماذا عن التوجه لأحد الكراسي والجلوس بدون إذن ؟ …
أرجع مرةً أخرى للتبرير : ولكن ماذا إذا كان لم يشعرْ بفتحِي البابَ ؟  وحينها كان سيرى توجهي لأجلس _ وأنا لم أستأذنْه لأدخل _ فلعلَّه يغضب .
أو لعلني في داخلي أردْتُ أن أجرِّب ما سيحدث عندما أخيِّب ظنه للمرة الأولى …
لعلي لم أخيِّبْ ظنَّه ؛ لعله لا يهتم بي , ولم يشعر بشيء ..
ولكن حينَها فما الضرر من تخييب ظنِّه إن لم يكن هناك شيءٌ ليُخيَّب .
ولكن إن كان هناك اهتمام بي , ثم خيبْتُ ظنه عامدة أو شبه عامدة , فما السبب الذي يدفعني لذلك ؟
لعلني أريد أن أتأكد من وجود شيءٍ ما , وليكن هذا الشيء : إعجاب أستاذ بطالبته , أو فخره بمستواه التدريسي الراقي الذي أثمر إيجاباً في هذه الكائنات التي لا يثمر في صحراء عقولها الجرداء شيءٌ ..
ليكنْ أياً من هاتين فيبدو أنني قانعة به .. وأنني مستعدة لتخييب ظنه لأتأكد منه .
وأفاجأ بهذه الفكرة : مِنْ هَرَبي من الاعتراف بإعجابي به , إلى تسليمي برغبتي في التأكد من وجود اهتمام ولو راجعاً إلى ما لا عاطفة فيه ..
هذا ليس حباً حتى , إن هذه مرحلة أخطر من الحب , شيءٌ شبيهٌ بما كان ذلك الشاعر الأحمق يتحدث عنه .. ما الذي قاله : يلذّ لي أن أعلم أنكِ تسبينني لأن في هذا اعترافاً بأنني أخطر على بالكِ.. أو شيءٌ من هذا القبيل .. هل وصلْتُ إلى هذه المرحلة ؟
استغرقتْ أفكاري بضع ثوانٍ …
فوجئتُ بتوقف الصوتِ عن الكلام ..
ما الذي يحدثُ ؟
كانتْ أول خاطرةٍ خطرتْ لي : ربما تذكَّر غياب طالبة معينة , فأنزل المايكرفون وسأل بصوته العادي عن فلانة أين هي ؟
ثم رجعَ إليّ عقلي مؤنباً , فتنبهْتُ إلى سذاجة الخاطرة ..
ثم رجعْتُ إلى الواقع ..
صوت خطواتٍ تتجه صوبي , أو صوب الباب المغلق للدقة ..
أحاول التفكير في ذعرٍ : هل أنصرف أم أبقى ؟
هل علم بوجودي من أحد الطلاب , وظن أنه لا تزال هناك فرصة لبقائي في الخارج , فهو يهم بفتح الباب ودعوتي للدخول ؟
أم هل أنهى محاضرتَه ويهم بالانصراف ؟
وأرد على نفسي : إنه شديد الدقة والاحترام لمواعيده ؛ لن ينهي المحاضرة قبل ميعادها , وأنا حضرْتُ في منتصفها تقريباً , ولم يمرّ وقتٌ كافٍ لتنتهي … أم هل تراني وقفْتُ مكاني لنصف ساعة كاملة وأنا أخوض في هذه الأفكار ؟
رددْتُ على نفسي في ثقة : من المحال أن أكون قد وقفْتُ لنصف ساعة كاملة دون أن أستشعر ذلك تعباً في رجليّ أو إحساسًا بالوقت بأي طريقة أخرى !
ولكن ماذا يضرّ أن أنظر في الساعة لأتأكد ؟
أرفع ساعة يدي إلى عينيّ , فيقاطعني صوتُ مزلاج الباب وهو ينفتح ..
كيف غفلْتُ عن ذلك ؟!
استعدِّي للقاء الحبيب , ماذا إذا سألك عن علة تأخركِ وتأكد لديكِ اهتمامه بكِ _ حتى لو كان اهتماماً أكاديمياً _ ونلْتِ منيةَ نفسك ؟
ولكن ماذا إذا كانتْ الأخرى وفوجئ بوقوفِك أمام الباب ؟
لعل من المناسب أن أهرب مرة أخرى ولكن هذه المرة لا وقتَ للهرب !
أتوجّه ببصري في ذعرٍ إلى الباب المفتوح لتقع عيناي على عيني المحاضر ..
ليس عيني المحاضر بالضبط ؛ عيناه وقد صَغُر عمره نحواً من خمس عشرة سنة …
لم يعد في أوائل الأربعينات , بل في أواخر العشرينات …
أعود لأتأمل وجْهَهُ فأفطن إلى خطئي …
هذا ليس المحاضر وإنما قريبٌ له ؛  أصغر من ابن وأكبر من أخ , ولكنه شديد الشبه به …
هل كان هذا المحاضر متزوجًا طيلة الوقت ؟
إنه لا يرتدي خاتم زواج في إصبعه , فلعله مطلق إذن ؟
ثم لا بد أنه أنجب في الخامسة عشرة أو قريباً من ذلك ليكون ابنُه في هذا السن !
وأرى في عينه ضحكة تطل برأسها من أعماق روحه ثم يزجرها فترجع إلى مكانها في داخله ..
ويقول لي بصوتٍ لا يزال يدافع أثر الضحكة :
– ” هل هذا التيهان يلازمكِ طيلة الوقت ؟ ”
أفكِّر فيما قاله , ثم أفطن أنه لا بد قد رآني وأنا أقف على باب المدرج فترة لا أتكلم فيها أو أدخل , ففسّر هذا على أنه تيهان …
أندفع لأرد عليه حتى لا يعتقد أن تفكيري في سؤاله إجابةٌ بالإيجاب ..ولكنه يبادرني..
ويضيف  :
– ” على أية حال لقد أوقفْتُ محاضرة أخي _ وبالنظر إلى أنك من طلابه فأنتِ على علم بمدى كرهه لذلك _  حتى أدعوكِ للدخول , فقد ظننْتُ _ نظراً لتيهانكِ _ أنكِ ستقفين فترةً أخرى خارج الباب تائهةً كما وقفتِ داخل المدرج ”
أجد الدماء تندفع إلى وجهي .. تائهة ؟ … هذا الوغد !
وأحاول أن أرد بشيءٍ ولكن صوت المحاضر _أخيه _ ينبعث من الداخل :
– ” هلّا دخلْتما أو بقيتما في الخارج ؟ إن لدينا محاضرة لنُتِمّها ! ”
دخلتما ؟
لقد قرنني بأخيه في كلمة واحدة , هل هذا مقصود ؟
هل هي زلة فرويدية كما تسمّى ؟
هل يفكر فيّ باعتباري مشروع فرد من الأسرة بصورة أو بأخرى ؟
هل هذه القشعريرة التي تعروني ناشئة عن البرد ؟
لا يبدو أن هذا المدرج بهذه البرودة !
يشير إليّ أخوه _ الوغد _ لأسبقه في الدخول , فأفعل , وأحاول أن أتمتم بكلمات اعتذارٍ أتوجه بها إلى أخيه , ولكنها تفشل في القضاء على أمارت الضيق البادية على وجهه !
ما علة غضبه ؟
إيقاف المحاضرة ؟
إيقاف المحاضرة بسبب طالبة ما _ ويُفْتَرَضُ بالطلاب أن يحضروا من بداية المحاضرة_  ؟
إيقاف المحاضرة بسبب طالبة معيّنة يفترض بها بالذات أن تحضر من بداية المحاضرة , وإن لم تفعل فإن الانشغال بغيابها يؤدي إلى قلق المحاضر ؟
يعود عقلي مرة أخرى للتأفف من هذا التفكير الطفولي الطموح , فأضطر لأن أسكت .
أتوجه إلى كرسيّ فارغ في أبعد مكان ممكن عن المحاضر وأجلس فيه , فيأتي الوغد إلى الكرسيّ المجاور لي ويجلس …
وأتساءل في نفسي عما يريده !
____________________________
الطبقة الثالثة : قاعدة الجبل الجليدي
أفتح البابَ وأنتظر …
الثواني تمر متثاقلة ..
لقد جئتِ متأخرةً , والتأخر ذنبٌ يستوجب عقوبة , والعقوبة مرغوبة والذنب حاضر , ففيمَ التلكؤ ؟!
لقد تأخر ميعادُ استيقاظكِ على الرغمِ من إعدادكِ المنبهَ ليوقظكِ , وعندما استيقظتِ متأخرةً نصف ساعة تساءلْتِ في ذعرٍ عمن أوقف المنبه ؟!
لقد كان ذلك أنا , أو كان ذلك أنْتِ للدقة , إذ لا أُعْتَبَرُ _قانونياً ولا أخلاقياً_ شيئاً منفصلًا عنكِ .
ولكني تعلمْتُ أن أنتظر أثناء يقظتكِ ليُسْمَعَ صوتي وغالباً ما تخرسينني بعد أن يصلكِ صوتي مباشرةً ..
أما وأنتِ نائمة فالسلطان سلطاني , ولا صوت يعلو على صوتي , وإذا كنْتِ ستحرمينني من نيل مرادي وتكبتين رغباتي _ أو رغباتكِ للدقة _ فلنمهد إذاً لتحقيق تلك الرغباتِ رغم أنفكِ …
هذا الرجل الوسيم …
 إنكِ لا تسمينه رجلاً , لأنه لا يليق بطالبة في العشرين من عمرها أن تتخلى عن اللياقة وآداب الخطاب وتصف أستاذها بأنه رجل , ولكن آداب الخطاب واللياقة لا تعنيني ؛ هو رجل وأنتِ أنثى , وهذا ما يهم …
هذا الرجل الوسيم الذي ظللْتُ أبثُّ في منامكِ أحلاماً متوقدةً عنه  , فإذا استيقظْتِ نفيتِها من ذهنكِ بالكلية , فقصرْتِ تأثير ما أفعله على دنيا المناماتِ ولم تطلْ تلك الأحلام دنيا اليقظة ولو حتى كذكرى حلم …
هذا الرجل الوسيم الذي تريدين أن يبقى مقدساً محميّ الجناب حتى عن أن يُفَكَّر فيه بـ ” ما لا يليق ” , سأجعلكِ تعيشين معه ما لا يليق .
كيف ؟
 إنني لا أملك التحكم فيه بالطبع , ولكني أعلم من أمره ما لا تعلمين …
عندما ينظر إليكِ تتشككين في حقيقة نظراتِه , ولكن عندما ينظر إليكَ لا يخفى عليّ من أمره شيءٌ …
لذا يقولون صدقي حدسكِ فهو يرى ما لا ترين … لقد صدقوا .. وأنا حدسكِ !
تلك النظرات ليست نظراتِ إعجاب أستاذ بطالبة , ولا نظراتِ حرصٍ أبوي ولا شبه أبويّ ؛ هذه نظرات تريد أن تلتهم الجسد فتصدها عنه الملابس فتلتهم الملابس , فإذا ما فَطِنَ صاحبُها إلى ما تصنعه حاول أن يشدّ لجامها فجرّته بلجامه خطواتٍ فلأياً بلأيٍ ما أوقَفَهَا ..
ولا شكّ أن من يقابلني في عقله قد فطن كذلك إلى آثار إعجابكِ به التي تحاولين جاهدةً أن تخفيها وتشدي لجامها أنتِ الأخرى , فإذا كنتُ أنا هنا وهو هناك على وعيٍ بما يجري , ثم لم نستطعْ أن نُنْفِذَ الأمر إلى غايتِه برضاكما فإنّا نُنْفِذُهُ قهراً …
فقط يحتاج الأمر إلى شعلة لتضطرم النار … لقد توفرَتْ كل الظروف المهيئة لاشتعال الحريق ولم يبقَ إلا لمسة البداية …
وأنا سأتكفل بها …
كلامُه لا يزال يدوِّي في أرجاء القاعة …
أنا مشغولة عن كلامه بحرج الموقف …
ها نحن أولاءِ !
انظري إلى ملامح وجهه …
لا شكّ أنه رآكِ في مجال بصره .. تلك الرؤية التي لا تذهب مباشرةً إلى وعيه بل إلى لا وعيه ليحللها ويرسل ما يستحق إليه .. لا شكّ أن لا وعيه _ هو الآخر _ يلحّ بهذه المعلومة عليه لينصرف إليكِ , والمسكينُ يحاول أن يخادع نفسَه . وملامحُ وجهِه تفضحه …
انظري إلي ملامح وجهه…
الرجل يجاهد ليكمل كلامَه … وينهى نفسَه _ هو الآخرُ _ عن الانصراف إليكِ وترك المحاضرة ومن فيها يذهبون للجحيم …
لقد كنْتُ أحسبكِ أشد ولعاً به , فإذا هو أشدّ ولعاً بكِ !
المستقبل يبدو مشرقاً  
عيون الطلاب والطالبات تفارق وجهه لثوانٍ لتنظر إليّ ..
حرجي يزداد …
بدأ الحرج يصل إلى درجةٍ لا يمكنُ معها أن أستمر في هذا الموقف…
حسناً هذه هي اللحظة التي يكفّ فيها عن التظاهر بأنه لا يراكِ..
 ولكن ليصنعَ ماذا ؟
إنه لا يملِكُ أن يشير إليك بالدخول وكأن شيئاً لم يكن .. ليس بعد كل هذه المدافعة …
ولكن ما البديل ؟ أن يستمر في التظاهر بعدم وجودكِ حتى تنصرفي ؟
أنا لن أستطيع أن أنهاكِ عن الانصراف ولا أن أحثّكِ على الدخول بدون إذن , فما الذي سأصنعه حينها ؟
أحاول موازَنَةَ الخيارات … ولكن عقلي قد وصل درجة من التأفف والذعر لا تسمح بموازنة …
إنكِ تهمين بالمغادرة !
 عليّ أن أتدخلَ …
ماذا إذا رآكِ تحاولين الخروج ووقعتْ عيناه عليكِ حينَها وأنت لا ترينه , كيف سيكون رأيُه فيكِ آنذاك ؟
أحاول الخروج من الباب المفتوح بخطواتٍ أخطوها للخلفِ , لعله إن نظر تجاهي لا تقع عيناه على ظهري …
لم ينظرْ تجاهي حتى خرجْتُ من الباب المفتوح , وأغلقْتُه ورائي ..
الآن تنصرفين إلى البيتِ وتفشل العملية كلها ..
لا يمكنُ أن أسمح بهذا !
ليس بعد أن ظللْتُ لنصفِ ساعة كاملة أعاني الأمرَّينِ لأبقيكِ نائمة ؛ لئلا تستيقظي على عادتكِ في نفس الوقت التي تستيقظين فيه حتى في أيام الإجازات .
لقد بذلْنا الكثيرَ من الجهد لنسمح بضياع كل هذا الآن .
ما الذي تفكّرين فيه على أية حال ؟
… آه , لقد وصلتِ _ أخيراً _ إلى أنكِ معجبةٌ به ..
ولكنكِ لم تعي بعدُ أنه معجبٌ بكِ ..
فلنستغلَّ هذه الأفكار لنعيقكِ عن الهرب ..
فكّري في البدائل التي كانتْ متاحةً أمامكِ للتعامل مع هذا الموقف…
الشعور بالندم سينهاكِ عن الاهتمام برغبتكِ في الهرب وإفشال خطتي ..
أنظر في حسرة إلى الباب المغلق والصوت لا يزال يتسرب منه …
وأفكِّر في نفسي وأنا ألومها : ألم يكنْ في وسعي أن أتنحنح أو أن أطلب الإذن بالدخول …
وأحاول أن أجد عذراً لعدم صنعي ذلك فأقول : ولكنني كنْتُ لأقاطعَه حينَها …
ولكن ماذا عن التوجه لأحد الكراسي والجلوس بدون إذن ؟ …
أرجع مرةً أخرى للتبرير : ولكن ماذا إذا كان لم يشعرْ بفتحِي البابَ ؟  وحينها كان سيرى توجهي لأجلس _ وأنا لم أستأذنْه لأدخل _ فلعلَّه يغضب .
استغرقتْ أفكاري بضع ثوانٍ …
فوجئتُ بتوقف الصوتِ عن الكلام ..
صوت خطواتٍ تتجه صوبي , أو صوب الباب المغلق للدقة ..
نجحتْ الخطة , لقد أوقف المحاضرةَ لأجلكِ , وسيخرج أمام الطلبة جميعاً ليطلب منكِ الدخول ..
ولكن هذا يبدو غريباً وأكثرَ مما أردتُه ….
كل ما طمحْتُ إليه كان أن أغريكِ بالانتظار إلى نهاية المحاضرة ثم تدخلين حتى تعتذري من عدم حضوركِ ..
ولكن أن يخرج بنفسه ليعرض عليكِ الدخول …
هذا فعل مفاجئ غير مبرّر ..
أحاول التفكير في ذعرٍ : هل أنصرف أم أبقى ؟
هل علم بوجودي من أحد الطلاب , وظن أنه لا تزال هناك فرصة لبقائي في الخارج , فهو يهم بفتح الباب ودعوتي للدخول ؟
أم هل أنهى محاضرتَه ويهم بالانصراف ؟
وأرد على نفسي : إنه شديد الدقة والاحترام لمواعيده ؛ لن ينهي المحاضرة قبل ميعادها , وأنا حضرْتُ في منتصفها تقريباً , ولم يمرّ وقتٌ كافٍ لتنتهي … أم هل تراني وقفْتُ مكاني لنصف ساعة كاملة وأنا أخوض في هذه الأفكار ؟
رددْتُ على نفسي في ثقة : من المحال أن أكون قد وقفْتُ لنصف ساعة كاملة دون أن أستشعر ذلك تعباً في رجليّ أو إحساسًا بالوقت بأي طريقة أخرى !
ولكن ماذا يضرّ أن أنظر في الساعة لأتأكد ؟
أرفع ساعة يدي إلى عينيّ , فيقاطعني صوتُ مزلاج الباب وهو ينفتح ..
كيف غفلْتُ عن ذلك ؟!
حسناً إنه على وشك الخروج بنفسه إليكِ…
 قولي شيئاً على غرار إنكِ استحييْتِ من مقاطعة المحاضرة , وسيقول شيئاً على غرار إنه أحس بذلك , فاستاء من أن يكون الحييُّ محروماً والجريء غانماً فخرج بنفسه ليعطي كل ذي حياءٍ حقَّه ..
هذا سيذهب بحرج الموقف ..
ويعيدنا للمربع الأول ؛ الاعتذار بعد المحاضرة _ وبعد انصرافِ الأغلبيةِ أو الجميعِ حتى _ ..
وحينها سأحاول أن أختزن في ذاكرتكِ من حوارِكما ما يكون وقوداً يستغل فيما بعدُ في إشعال رغباتكِ الدفينة …
ستسير الأمور على ما يرام .
أتوجّه ببصري في ذعرٍ إلى الباب المفتوح لتقع عيناي على عيني المحاضر ..
ليس عيني المحاضر بالضبط ؛ عيناه وقد صَغُر عمره نحواً من خمس عشرة سنة …
لم يعد في أوائل الأربعينات , بل في أواخر العشرينات …
أعود لأتأمل وجْهَهُ فأفطن إلى خطئي …
هذا ليس المحاضر وإنما قريبٌ له ؛  أصغر من ابن وأكبر من أخ , ولكنه شديد الشبه به …
وأرى في عينه ضحكة تطل برأسها من أعماق روحه ثم يزجرها فترجع إلى مكانها في داخله ..
من هذا ؟!
ولماذا يبدو في عينيه شيءٌ من الاستمتاع بالموقف الممزوج بالعُجْبِ بالنفس الناشئ عن الاطلاع على سرٍّ لم يكن ينبغي أن يطلع عليه !
هل أَطْلَع ذلك المحاضِرُ غيرَه على سرِّ إعجابه بكِ ؟
هذا مستبعدٌ ..
كيف وهو لم يُصارحْ نفسَه بعدُ بهذا الإعجاب ؟
ولكن ماذا إذا فطِن هذا الشخصُ من تلقاء نفسِه إلى ذلك …
إن ملامحَه تشي بقرابة لا شك فيها من المحاضر ..
هل تطرق حوارُه معه في يومٍ ما إلى طالبة متفوقة يتوقع لها النبوغ ففطن هذا الرجل إلى ما وراء كلام قريبِه من إعجاب ؟
هذا ليس مستبعداً , وربما أصر بعد ذلك على الحضور معه إلى المدرج لـ ” يستمع إليه وهو يحاضر ” ..
بينما همّه الأول أن يرى الفتاة محلَّ إعجابِ قريبِه ..
لعله فكّر في نفسه : إن هؤلاء الأكاديميين _ على ظنهم أنهم أذكى الناس _ أحمق الناس في أمور القلبِ , فلنستوثق أن إحداهنّ لا تقوم بالاحتيال على قريبي , وتوقعه في شباكها طلباً لنجاح أو درجاتٍ ..
ولو كان هذا الظن صحيحاً , فإننا الآن تحت المجهر , لتُخْتَبَر مصداقيتُنا …
وأحاول أن أبثّ هذه المخاوف إليكِ , ولكن القريبَ يبادركِ ..
ويقول لي بصوتٍ لا يزال يدافع أثر الضحكة :
– ” هل هذا التيهان يلازمكِ طيلة الوقت ؟ ”
ويضيف :
” على أية حال لقد أوقفْتُ محاضرة أخي _ وبالنظر إلى أنك من طلابه فأنتِ على علم بمدى كرهه لذلك _  حتى أدعوكِ للدخول , فقد ظننْتُ _ نظراً لتيهانكِ _ أنكِ ستقفين فترةً أخرى خارج الباب تائهةً كما وقفتِ داخل المدرج ”
_على الأقل _هو لا يعتقد أنكِ مخادعة , أو نصّابة ..
أنت فقط ” تائهة ” و”حمقاء” ..
وإعجاب أخيه بكِ راجعٌ إلى هذه ” البلاهة ” التي تغري ذوي العقول بالوقوع في غرام أصحابها , لأن المتضادَّيْن يتجاذبان , كما يقال في دروس العلوم الأولية .
علينا أن نثبتَ جدارتَكِ الذهنية الآن …
ولكنكِ مشغولة بالاستياء مما قاله عن التفكير فيما قاله …
فلنرجُ أن تسير الأمور بخير ..
أحاول أن أرد بشيءٍ ولكن صوت المحاضر _أخيه _ ينبعث من الداخل :
– ” هلّا دخلْتما أو بقيتما في الخارج ؟ إن لدينا محاضرة لنُتِمّها ! ”
هذه نغمة صوتٍ تحمل ضيقاً من أي شيءٍ إلا توقفَ المحاضرة !
ولو كان لي أن أعترف بمهارتي_ التي لا شك فيها _ في تمييز العواطف من أصوات أصحابها , لقلْت إنها تحمل من الغيرة أكثر مما تحمله من التأفف !
إن المحاضر يفكِّر في أن أخاه ربما رأى من فتاتِه مثلَ ما رآه هو , وهو أقربُ منها سنًّا فهناك خطورة تستدعي التدخلَ .
هذا يعني أن الأمور قطعاً تسير بشكل جيِّد ..
يشير إليّ أخوه _ الوغد _ لأسبقه في الدخول , فأفعل , وأحاول أن أتمتم بكلمات اعتذارٍ أتوجه بها إلى أخيه , ولكنها تفشل في القضاء على أمارت الضيق البادية على وجهه !
واو … هذا رائع !
لو كان لي أن أفترض علةَ غضبه لقلْتُ إنه  يكاد يصارع أخاه على الملأ للفوز بكِ !
يخيّل إليّ أنه صار أكثر تواؤماً مع نفسه , واعترافاً بمكانكِ في قلبه ..
إن كنْتُ في شكٍّ من قبل , فلم يعد لديّ شكوكٌ الآن : أنكِ ستنالين قريباً ما أخفيتِه حتى عن نفسكِ طيلة هذه السنين …
أتوجه إلى كرسيّ فارغ في أبعد مكان ممكن عن المحاضر وأجلس فيه , فيأتي الوغد إلى الكرسيّ المجاور لي ويجلس …
وأتساءل في نفسي عما يريده !
*******************************
( 2 )
وِحْدَة !
عندما انتهَتِ المحاضرة , كنْتُ قد خلصْتُ إلى أنني ذاهبةٌ رأساً _ وليكُنْ ما يكون _ إلى المحاضر لأعتذر منه …
لقد ظل يرمقني طيلة الوقتِ بنظراتٍ غاضبة لم أفهم سببَها ..
لقد تأخرْتُ … حسناً … أنا معترفة , ولكن هل يستحق ذلك كل هذا الغضب ؟
ما الذي يريده مني ؟
أكاد أقسم أنني أرى في عينيه إعجاباً ما وراء كل هذا الغضب !
هل هذا حبٌّ متبادل ؟
ويأتيني صوتٌ من أعماقي وكأنه صوتُ شخصٍ آخر : إذا كنْتِ لم تعترفي لنفسكِ بإعجابكِ به إلا اليوم وظللْتِ مقتنعة أنكِ لا ترين فيه إلا الأبَ والقدوةَ  , فلعله هو الآخر لم يعترفْ بإعجابه بكِ بعدُ , فهو لا يزال يخفيه خلفَ وهمه بأنه لا يرى فيكِ سوى الطالبة النابغة التي لا يصح أن تتغيب عن نصف محاضرة حتى .
وأفكِّر في ذلك للحظة …
ثم تروعني الفكرة : لو كان هذا هكذا , فقد يَفْهم اعتذاري على أنه شيءٌ آخر , لعل من الأفضلِ ألّا أعتذر ..
ويفاجئني صوتُ أخيه :
– ” لا زلْتِ تائهةً ؟ ”
أجدني مندفعة بغضب لأجيبَه , ولكن للمرة الثانية يأتيني نفس الصوت من أعماقي : لا تنشغلي به .. انظري للمحاضر .. في هذه اللحظة .. الآن !
أنصرف عن الرد لأنظر إلى المحاضر , فأفاجأ به غاضباً كما لم أره من قبل !
أشعر بخوف في نفسي , ولكن فكرة تلح عليّ وكأنها كانتْ موجودةً فيّ منذ فترة : إنه يغار عليكِ من أخيه !
فكَّرْتُ للحظة في ذلك فارتسمتْ ابتسامة عابثة على شفتي ؛ يا للسذاجة , ليس إعجاباً فقط وإنما غيرة مرة واحدة !
وأرجعني للواقع ازديادُ الغضب على وجهِ المحاضر …
مرة أخرى يأتيني صوت أعماقي : إنه يظنّ أنكِ تضحكين بسبب غيرتِه عليكِ !
لم تنتهِ هذه الفكرة حتى جاء صوتُ أخيه مرة أخرى :
– ” هل بلغ بكِ التيهان إلى درجة ألا تجيبي سؤالاً عن التيهان ؟ ”
هنا دوَّى صوتُ المحاضر بعنف بالغ :
– ” (مالك)! هلّا حضرْتَ إلى هنا رجاءً ! ”
رد الأخ _ (مالك) _ في سخرية :
– ” هل ستطردني من القاعة ؟ وبعد انتهاء المحاضرة أيضاً ؟ “
نظرْتُ حولي فوجدْتُ القاعة فارغةً إلا من طالبين يفتحان الباب للخروج , فتوقفا قليلاً ليريا المشهد المضحك , ولكنَّ توجُّهَ المحاضرِ ببصره إليهما دَفَعَهُمَا للخروج .
القاعة الآن خالية إلا مني ومنه ومن أخيه …
وصوت أعماقي يعود : المسرح مهيّأ الآن .. فلم يبقَ إلا التخلص من الأخ !
أجد رغبتي في زَجْرِ هذا الصوتِ تخفتُ شيئاً فشيئاً ؛ لِمَ لا أعترف لنفسي أنني أيضاً أرغب في تهيئة هذا المسرح ؟
 أنني عشْتُ سنين طوالاً وأنا أدفن هذه الرغبة في مكانٍ لا يراه إنسٌ ولا جانّ حتى استحالَتْ وحشاً أخاف أن يلتهم كلَّ ما فيّ إن تمكّن مني ..
ولكني الآن أقترب من هذا الوحشِ وأربِّتُ على عنقه , فيتمسّح بفروه في رجليّ ؛ وينفض عنه أماراتِ الوحشية ويتحول إلى هرّ أليف وادع ..
ويتكلم صوتُ أعماقي موضحاً : كل ما يريده أن تتيحي له الفرصة ليرى النور , إنه ليس عدوّك وأنت لستِ عدوّه … ستجدين كثيرين في الخارج يعادونكما أنتما الاثنين ؛ هذا وقتُ توحيدِ الجهود لا وقتُ شقّ الصف والصراعات الداخلية .
أؤمّن على ما قاله الصوت , فيقاطع حبلَ أفكاري صوتُ المحاضر وقد فقد حدّته , وبدأ يميل إلى الهزل :
– ” حسناً إن كان ما تريده هو طردُكَ من القاعة , فأنا على استعداد لتبليغكَ مرادكَ , تفضل بتركِ بطاقتكَ والانصراف من القاعة ! ”
لا يزال صوت أخيه عابثاً وهو يرد :
– ” بطاقة ؟ “
– ” لتكنْ أيّ بطاقة شخصية _بما أنك تخرجْتَ من سنين ولم تعدْ لديكَ بطاقة جامعية _ ضعها وانصرف ! ”
– ” وماذا عنها ” وأشار إليّ ” هي من بدأتْ بالكلام معي “
نظرْتُ إليه في دهشة , وعلى الرغم من عبثية الموقف , فقد أجبْتُ في جدية :
– ” هذا كذب ! أنا لم أردّ على سؤاله حتى ! “
جاء صوتُ المحاضر متظاهراً بالغضب :
– ” لن نقضي المزيدَ من الوقتَ في تحديد مَنْ صنع ماذا , ضع بطاقتكَ على الطاولة واخرج ! “
رد ( مالك ) :
– ” ولكن هذا ظلْمٌ _ كما هو واضح _ , أنا لسْتُ طالباً حتى , ومع ذلك فإنك تخصني بالطرد , وطالبتُكَ التي يتوجب عليها احترامكَ لا ينالها عقاب ”
أهم بالرد والتعليق بأنني لم أصنع شيئاً ولكن صوتَ المحاضر يرد في جدية مصطنعة :
– ” أنت تكلمْتَ بدون إذن… “
– ” بعد انتهاء المحاضرة ! “
– ” أنت تكلمْتَ بدون إذن أثناء المحاضرة وتسبَّبْتَ في إيقافها لدقائق حتى تتبادل حواراً طويلاً معها خارج القاعة  , وأرى أن هذا كافٍ لطردِك من القاعة , ولو بعد انتهاء المحاضرة . “
نظر إليه ( مالك ) في مكْرٍ وقال :
– ” ما الذي تعتقد أنني كنْتُ أتكلم معها فيه , لقد كنْتُ أدعوها للدخول , فظلَّتْ هي تفتح أبواباً للكلام معي وكأنها تريد أن تطيل حوارَنا عمداً , فإيقاف المحاضرة لدقائق ليس ذنبي ! ”
ذعرْتُ مما قاله _ وإن كان هزلاً _ ولكني ذعرْتُ أكثر لملامح المحاضر الذي عاوده الغضبُ _ ويبدو أنه صدّق رواية أخيه _ , فقلْتُ :
– ” أقسم أن شيئاً من هذا لم يكنْ , لقد ظل يتهكّم عليّ لأنني منشغلة بكَ عن الرد على أسئلته ! ”
فطِنْتُ بعد فوات الأوان لما قلْتُه , فحاولْتُ أن أصحح موقفي _ وابتسامة ( مالك ) تتسع , وابتسامة أخيه توشك أن تتحول إلى ضحك لولا مجاهدته نفسَه _ :
– ” أعني منشغلة بالتأخر عن محاضرتِك , هذا ما عنيْتُه , لقد كنْتُ مستاءةً بسبب تأخري عن محاضرتِك … وظل هو يهزأ بي “
رجع لصوتِه بعض الجدية وهو يقول :
– ” حسناً أعتقد أن تاريخَكِ كطالبة مجتهدة , وتاريخه كأخ عابث , يرجّح قولكِ على قوله .. مرةً أخرى : رجاءً ضع بطاقتكَ وانصرف ! “
– ” أتصدق غريبة وتكذب أخاك ؟ “
– ” إنها طالبتي ؛ ليستْ غريبةً بالضبط , ثم : نعم , إنك تكثر العبثَ حتى أظنّ أنك لا تحسن الجدّ ”
– ” حسناً , أي بطاقاتي تريد ؟ “
– ” أيُّها , لا يهم , إن المسألة كلها شكلية . “
أخرج ( مالك ) بطاقة , رمقْتُها على عجل فوجدْتُ فيها رقم هاتف , لا بد أنها بطاقة التعريف به إذن , ثم أخرج قلماً وكتبَ على ظهرِها شيئاً وتوجّه بها إلى أخيه , وقال في هزل :
– ” ها هي ذي , متى يمكنني أن أستعيدها ؟ ”
– ” سأردّها لكَ غداً  
– ” حسناً لنذهبْ إذن ! ”
– ” إنني لم أنتهِ من عقابِ “زميلتكَ”  
نظر إليّ ( مالك ) وهو لا يصدِّق نفسَه , ثم رجع ببصره إلى أخيه , وقال :
– ” أعتقد أن عليّ الانصراف بعد تسليم بطاقتي , وحينها ستشرع في عقاب ” زميلتي ” , أليس كذلك ؟ ”
– ” تماماً ! ”
– ” حسناً ربما عليك أن تقرأ ما على البطاقة إذن “
ثم انصرف ( مالك ) وأخوه يقرأ ما على البطاقة , فلما رفع بصرَه إليّ قال :
– ” لقد جئتِ متأخرة , ثم وقفْتِ لثوانٍ بعد أن دخلْتِ ثم خرجْتِ وكأنكِ في محلٍّ لم يعجبْكِ ما فيه فغادرتِهِ بلا استئذان , ثم تسبَّبْتِ _بصورة أو بأخرى_ في توقف المحاضرة , أعتقد أن كل هذا يستدعي عقاباً , أم كيف ترين ؟ ”
وجدْتُني أتجاهل سؤاله وأقول _وقد ذهبَ عني كل خجل منه ومما قاله _ :
– ” ما المكتوب في البطاقة ؟ ”
– ” المعذرة ؟”
– ” ما الذي قاله أخوكَ عني ؟ “
لم أدرٍ من أين أتتْني هذه الجرأة , كنْتُ كأنني أتعرف على جانبٍ من نفسي لا عهْدَ لي به قبل اليوم .
وفاجأني أنه رمقني للحظاتٍ ثم قال في هدوء :
– ” لماذا تعتقدين أن ما كُتِبَ فيها عنكِ ؟ ”
رددْتُ في جرأة يتمناها قائدُ جيشٍ :
– ” لأنكَ طلبْتَ من أخيكَ رأيَه فيّ , فكتبَه لكَ قبل أن يخرج , أم أنني أخطأتُ في حدسي ؟ “
كان وجهه قد استغرقتْه الدهشة حتى نسي فمه مفتوحاً للحظاتٍ , قبل أن يتمالك نفسه , ويرد في صوتٍ صارمٍ :
– ” ما الذي تعتقدين أني أفعله بالضبط ؟! أنني متفرغٌ لمطاردة طالباتي وأخذ رأي الأصدقاء والأقرباء فيهن ؟! “
– ” لا أعتقد أنك من النوع الذي يفعل ذلك . بل من النوع الذي يخاف أن يعترف بإعجابه بطالبة له , ولكنّ حالَه يفضحه , وأنَّ المقرّبين منك _ وعلى رأسهم أخوك _ قد فطنوا لذلك , وأرادوا أن يستوثقوا أن مَنْ أُعْجِبْتَ بها لا تخدعكَ , فهل هذا ما قاله ؟ أنها لا تخدعك ؟ ”
نظر إليّ في ذهول ثم قال :
– ” لقد قرأْتُ ما كتبه فلمْ أدْرِ عمن يتحدث ! ولكنْ بما إنك متخصصة في معرفة النوايا _على ما يبدو_ , فلنفرض أن مَنْ عناها بـ ( تائهة ولكن لا بأس بها ! ) هي أنتِ . هذا يعني أنكِ أنت وهو قد أخطأتما الظنّ في معرفة نواياي 
كاد الخجل يفضحني , ولكني تماسكْتُ , ليس الآن وقتُ الخجل والحياء , إن زمام المبادرة بيدي ولو توقفْتُ لتوقفَ , فقلْتُ :
– ” ولكنْ قبل أن تقرأ ما فيها , كنْتُ قد عزمْتَ على ” طرد ” أخيكَ والتفرغ لمعاقبتي , فإن كانتْ قراءتي لنواياك خاطئة فما الذي كنْتَ تنوي أن تفعله ؟ ”
– ” لا شيء ! كنْتُ سألومكِ وأتمنى ألا يتكرر ذلك في المستقبل “
– ” ولماذا لم تفعلْ ذلكَ أمام أخيكَ ؟ “
– ” احتراماً لحقكِ في الخصوصية عندما أؤنبكِ , لا أحد يستحق أن يُنْتَقَدَ علناً “
– ” يُنْتَقَدَ بسبب ماذا ؟ ”
– ” بسبب أخطائه ”
– ” ما الذي أخطأتُ أنا فيه ؟ ”
بدا متردّداً , لعل صوتَ أعماقي هذا كان محقّاً , لعله لم يعترفْ حتى لنفسه بحقيقة مشاعره , ثم قال :
– ” التأخر , وإيقاف المحاضرة .. ”
– ” الكثيرات والكثيرون يتأخرون , فلم تؤنب أيًّا منهم من قبل , وتوقّفُ المحاضرة تسبَّبْتَ أنتَ به , كان بإمكانكَ أن تستمر فيها حتى أدخل “
– ” ولكن كان ليفوتكِ المزيدُ منها لو فعلْتُ ذلك “
– ” لقد فاتني نصفُها ما الذي سيضيرني لو فاتتني دقيقة أخرى؟! ”
– ” فلماذا أوقفْتُها إذاً من وجهة نظرك ؟ ”
– ” لأنكَ تريد أن تسمع ما يقوله أخوكَ لي !”
– ” ولماذا أريد ذلك ؟ ”
– ” غيرةً على الأغلب  
كان هذا وقْتُ اعترافِه إن كان ينوي أن يعترف , لو أنكر الآن  فسيستمر في الإنكار , فقال في تردد : 
– ” لنفرضْ أنكِ محقة , ماذا إذن ؟ ”
– ” أولاً في هذا اعترافٌ بذكائي وقدرتي على إدراكِ خفايا الأشياء , ولعلكَ على علمٍ بذلك , ولكني أتمنى أن تنقل هذه الفكرة إلى أخيك , الذي يظن أنني أقضي يومي مندهشةً من كل ما حولي حتى يجرّني أحدٌ ليذهبَ بي إلى السرير لأنام “
علَتْ ابتسامة على شفتيه , فنظرت إليه كالمغضبة , ثم أضفْتُ :
– ” ثانياً : ما دمْتُ محقة , فلنفرضْ أن ما قمْتُ به كان فعلاً يستحق العقوبة المغلظة , ولتُجْرِ هذه العقوبة كما تراه مناسباً ”
بدا الاستغراب على ملامحه , ثم فطِن لما وراء كلامي , فقال :
– ” إذن فقد نقضْتِ قولي في أنك فعلْتِ ما يستحق العقوبة لتثبتي أن وراء قولي ذلك إعجاباً بكِ حتى إذا ما تقرر ذلك عدْتِ للتسليم أو _للدقّة _ لتمنِّي أن يحلَّ بك عقابي , هل يبدو لكِ هذا منطقياً ؟ ”
– ” أعتقد أنه يخفي وراءه الكثيرَ من اللبس حول التعريف الجامع المانع للعقاب ! “
– ” بالضبط , لأنه لو جعلْنا ما ترجين أن أفعلَه بكِ عقاباً , فسنضطر لتعريف العقاب بأنه : كل قول أو فعل قَصَدَ إلى نهي أو تحريض المعاقب على تكرار فِعْلِه , مما ينتج عنه رضا المعاقِب أو المعاقَب أو كليهما ”
– ” هذا تعريف جامع ولكنه ليس مانعاً , إنه يشمل الثواب والعقاب فمعظم ما يفعله البشر سيشْملُه هذا التعريف “ 
– ” فكيف تعرّفينه إذن ”
– ” كل قول أو فعل قَصَد _أصالةً أو ادّعاءً _ إلى نهي المعاقَب عن تكرار فعله , ونتج عنه رضا المعاقِب وسخط المعاقَب _ أصالةً أو ادّعاءً _ ”
– ” ففي السياق الذي نحن فيه أنت ترجين أن أعاقبكِ بمعنى أن أقول لك أو أفعلَ بك ..”
قاطعْتُه :
– ” تقول لي وتفعل بي , ليس فيما أتمناه اقتصارٌ على أحدهما , ولكن إذا كنْتَ ولا بد مقتصراً فبإمكانك أن تغلق فمكَ أثناء عقابي , ولكن لا يمكنكَ أن تكفّ يدك ! العقابُ المقتصرُ على فتح الفم وكف اليد قد شبعْتُ منه في البيتِ وهو لا يعنيني ”
ابتسم ثم قال :
– ” …أن أقول لكِ وأفعلَ بك ما ينهاك _ادعاءً_ عن تكرار فعلكِ , وينتج عنه _ ادعاءً _ سخطُكِ “
– ” بالضبط ! ”
– ” ولكن ما الذي أعاقبكِ عليه ؟ “
– ” التهمة جاهزة : التأخر وإيقاف المحاضرة وهذا الكلام الفارغ … “
– ” ولكن هناكَ تهمةً أكثر واقعية بكثير ؛ طالبة تقول لأستاذها : “بإمكانكَ أن تغلق فمكَ” , و: “ما الذي قاله أخوكَ عني؟” , و”غيرةً على الأغلب ” , وتصف كلامه بأنه كلام فارغ , أعتقد أن بأيدينا ما يكفي لإحالتَكِ إلى لجنة تأديب _ لو لم أكنْ مستعداً لمعاقبتكِ بنفسي _ أم كيف ترين ؟ ”
بدأ الخوف يعتريني , ولكن شبح الابتسامة الذي لا يزال مرتسماً على شفتيه قد ذهب به , أو ذهب بأكثره للدقة , فإن البقية الباقية منه كان لها مفعول السحر في توقّد مشاعر أخرى لم أعرفْ عنها شيئاً قبل اليوم , وقلْتُ له في خجل غير مصطنع , أو أن أغلبَه غير مصطنع :
– ” أرى أن مرتكبة هذه الأفعال تستحق كل ما يقرر أستاذها أن يفعله بها , ولكن إن كان لي أن أضيف : فإنني ألتمس تخفيف العقوبة بالنظر إلى أنني لم يسبقْ لي أن استحققْتُ العقاب قبل ذلك “
– ” وهذا أدعى إلى تغليظ العقوبة لا تخفيفها ؛ لم يسبقْ لكِ السير في الطريق المعوجّ , ثم فجأة تركضين فيه بسرعة مئة ميل في الساعة , بهذا المعدل قد ينتهي بكِ الحال نهاية مأساوية , قد لا ينتهي الفصل الدراسي إلا وقد تجرأتِ على سبّ أساتذتكِ في حضرتِهم … مهلاً : لقد فعلْتِ ذلك للتوّ عندما قلْتِ أن بإمكاني أن أخرس ! “
– ” أنا لم أقل ذلك بالضبط ! ثم إن هدفي كان توضيح فكرة , وليس السبّ لذاتِه ”
– ” وها أنتِ ذي تخطين خطوة أخرى باتجاه الشقاوة المثالية ؛ فتحترفين التبريرات والاعتذارات ”
نظرْتُ إليه في توسّلٍ , ولما بدأتْ ابتسامته في الاتساع , قلْتُ في صوتٍ طفوليّ  :
– ” أنا معترفة بكل ما بدر مني , ولن أعود مرة أخرى ! “
كان هذا دورُه لينظر إليّ في توسل :
– ” لا داعي للاستعمال المفرط للقوة ؛ أنا لا أعتقد أن بإمكاني عقابَكِ لو استمررْتِ في هذا الدلال ”
تظاهرْتُ بأنني أمسح دمعةً _ لا وجودَ لها _ بقبضتي , وأني أجهش بالبكاء , فقال :
– ” أوووه .. أكل هذا جزعاً من عقابكِ ؟ لا حاجة بنا إلى ما يسوءك .. تعالي هنا “
فاقتربْتُ منه وأنا لا زلْتُ أتظاهر بالبكاء _ بينما أبتسم داخليًّا , وأهزّ رأسي _الداخليّة_ في جذل _  فلما صرْتُ قريبةً منه قام من مقعده وجلس على حافة الطاولة وأدنى جسدي منه , وهو لا يزال يكلمني كأنني طفلة :
– ” هل استقر أننا لن نعاقبَ؟ .. حسناً ! … ما الداعي إلى البكاء إذن ؟ .. هل نخاف من شيءٍ ما أو شخصٍ ما  ؟ “
أشرْتُ بإصبعي في طفوليّة إليه , فقال :
– ” أوووه .. لا داعي للخوف منّي .. أنا لن أبدأ في عقاب طفلةٍ صغيرة حتى تملَّ من لعب الدور وتضحكَ من سخافة الموقف .. ”
حاولْتُ الاستمرار في التظاهر بالبكاء , ولكن الضحكة كانت واقفة على باب شفتيّ وهي تدفعه دفعاً لينفتح , فلما آيسْتُ من منعها رفعْتُ كلتا يدي إلى فمي … ولم أفرغ من ضحكتي حتى كان قد مال بجسدي ليستقر بين رجليه وقد انحنيْتُ متكئة بيدي على الطاولة وراءه …. ونظرْتُ في قلقٍ إلى الباب , وكأنه فطِن إلى ما يقلقني فقال في هدوء :
– ” لا أدري إن كان بلغَكِ الخبر أو _الإشاعات للدقة , إذ لم يُعْتَمَدْ كخبرٍ _ عن ذلك الأستاذ الذي فَتَحَ أحدُ العمال بابَ القاعة التي كان فيها فوجده في وضع مخلٍّ مع إحدى الطالباتِ “
– ” نحن لسنا بالضبط في وضع مخلّ “
– ” وأنا لا أتحدث مجازاً , لقد حدثتْ تلك القصةُ العام الماضي وحكاها لي العاملُ شخصياً … “
– ” وما الذي جرى ؟ “
– ” لا شيء ! وهذه هي الفكرة ؛ إن كنْتَ تستطيع أن تنال ما ليس حقَّكَ , فلا أقل من أن تستمتع بحقِّك ؛ في أي لحظة ترغبين أن تغادري فيها فأنا لن أمنعكِ _ على الرغم من أني أستطيع منعكِ من التواجد في مكان أو مغادرة مكان بدون إذن وفقاً لقوانينهم _ , وإذا طلبْتِ مني درجة واحدةً زائدةً عن حقكِ فلن أعطيكِ إياها _ على الرغم من أني أستطيع أن أزيد درجاتكِ أو أنقصها كما أشاء وفقًا لقوانينهم _ , فإذا أراد أحدٌ أن يتَّهِمَنا _ وفقاً لقوانينهم _ بتجاوز ما يراه لائقاً , فهذه من الفرص النادرة التي يتوقف فيها قانونهم غريبُ الأطوار هذا عن العمل عندما يصطدم بقانون آخر من قوانينهم أكثر رسوخاً .. “
– ” وما هو القانون الأكثر رسوخاً ؟ ”
– ” (لأستاذ الكلية أن يصنع بطلابه ما يشاء !) ”
ومع قولِه هذا رَفَعَ تنورتي حتى استقرَّتْ بكاملها على ظهري , وازددْتُ غوصاً بوجهي في ساعديّ عملاً بالقاعدة الشهيرة : ما لا تراه فهو على الأغلب غير موجود . ولكن ماذا عمّا تحسه ؟ لم يكن تباعُدُ ملابسي الداخلية عن ردفيّ ثم إحساسي بنزولها حتى استقرَّتْ قرب نعليّ ناشئاً عن حركة يديّ أنا , فعن أيّ شيءٍ نشأ ؟ هذا هو وقتُ القول بالصدفة ؛ لا شكّ أن هناك انفجاراً عظيماً قد تسبّب في كل هذا .
ثم جاءني صوتُه قائلاً :
– ” أهناك مشكلة يا ( فواز ) ؟ “
جاء صوتُ العامل ( فوّاز) ليقضي على أي أملٍ في أن تكون هذه خدعةً يخدعني بها , _ ولكنني لم أسمع صوتَ الباب _ :
– ” لا مشكلة على الإطلاق يا سيدي , لقد سمعْتُ صوتًا بعد انتهاء المحاضرات فظنَنْتُ أن وراءَه طالبين يمارسان ما لا يليق , فأردْتُ أن أفتح الباب بهدوء لأفاجئهما متلبسَيْن , ولكن لم أتوقّع أن سيادتكم تواصلون العملية التعليمية بعد نهاية المحاضرات , فالمعذرة “
– ” ستستمر العملية التعليمية لبعض الوقت , فلو أغلقْتَ الباب وانصرفْتَ , بإمكانكَ أن تتركَ المفتاح , إن لديّ محاضرة في السادسة من صباح الغد سأقابلكَ حينها وأعطيه لك , حسناً ”
هذه المرة سمعْتُ الباب وهو يغلقُ , وما إن سمعْتُ ذلك حتى جاءني صوته :
– ” هل نبدأ هذه العملية التعليمية ؟ “
التفتُّ بوجهي تلقاءَه وقلْتُ  لمؤخر رأسه _لأنه هو الذي يقابلني _ :
– ” هل حدث للتو ما أظن أنه حدث ؟ ”
– ” هل رأيْتِ شيئاً ؟ “
– ” لا , ولكني سمعْتُ … “
قاطعني :
– ” لا تصدقي حتى تَرَيْ ”
ثم أهوى بيده إلى مؤخرتي فارتفع الصوت وانتشر الألم , ولم أشك أن ( فوّازاً ) قد سمع _في طريقه للخروج _ إما صوت الضربة وإما صوت صراخي بسببها , وخيّل إليّ أنني لن أستطيع الاستمرار في تلقي هذا العقاب لو استمر في صفعي بهذه القوة , ولكن الصفعة الثانية كانتْ أقلّ قوةً بكثير من الأولى , فلعله لم يردْ إلا أن يعلمني أنه لا يخاف من ( فوّاز ) ولا غيرِه أن يسمعه , خطر لي خاطر على الرغم من ألم الصفعاتِ التي لا زالتْ تهوي على ردفيّ , فقلْتُ في صعوبة :
– ” هل هذه أول مرة ؟ ”
توقف عما يقوم به , ثم سألني :
– ” أول مرة ماذا ؟ ”
– “أول مرة يسمعك فيها ( فواز) تقوم بهذا الفعل ؟ “
أخبرَتْ يدُه مؤخرتي بالجواب , فأرسلتْ لي مؤخرتي برقية بفحوى إجابته : نعم !
ثم أضاف :
– ” إن كان وراءَ سؤالكِ ” غيرةٌ على الأغلب ” , فلماذا لا تسألي نفسَكِ كـ”عالمة بالنوايا” عن ذلك ؟ ”
– ” إني أثق في أنه ليس هناك غيري , ولكني أريد أن أسمعها منكَ ”
– ” ليس هناك غيرَكِ , وما دمْنا في جولة المصارحة هذه , فأنا بحاجة إلى معرفة عنوان بيتكم , حتى تتاح لأخي الفرصة التي طالما تمناها ليمارس هوايتَه هو الآخر في ” العلم بالنوايا ” تجاه أسرتكِ بكاملها … أعتقد أنه سيخلص إلى أنها أسرة محترمة ولكن العروس تبدو وكأنها تكره أثاث منزلهم فهي واقفة لا تجلس إلا للضرورة “
– ” أعتقد أن أخاكَ لا يحتاج للحضور , إن والدكَ يكفي وشيئاً من الشيكولاتة “
– ” نحن لم نشرعْ بعدُ في شيءٍ , وأنتِ تريدين أن تتسببي في قطيعة مع أخي ؟! هذا العقاب لن ينتهي مبكراً كما أردْتُ ”
– ” لم أقصدْ ذلك , إن بإمكانه أن يزورنا فيما بعدُ _ لو دعتِ الضرورة إلى مثل تلك الزيارة _ ”
– ” حسناً ! قياماً ! ”
– ” هل انتهى العقاب ؟ ”
– ” بل لم يبدأ بعد , قومي رجاءً “
وقفْتُ أمامه وقد تركت تنورتي تنسدل لتخفي ما يحتاج أن يخفى , فقال في هدوء :
– ” أبقي هذه التنورة في المكان الذي رفعْتُها إليه ”
قلْتُ في خجل :
– ” إن الجاذبية تحول دون بقائها في مكانها ”
– ” إن يديكِ قادرتين على منع الجاذبية من ذلك “
– ” ولكن الجاذبية قد قالتْ كلمتها بالفعل , فكيف أمنعها الآن من إنزالها ”
كنْتُ في أعماقي أعلم ردّه , ولكن ما البديل ؟ على الأقل لقد أخَّرْتُ الأمرَ قليلاً …نزل بجذعه حتى قبض على أطراف تنورتي ثم رفعها حتى انكشفَتْ عانتي وما تحتها , ثم قال :
– ” الآن فلتمنعي بيديك عملَ الجاذبية ذلك “
قبضْت بيديّ في خجل على حاشية التنورة فامتنع عملُ الجاذبية فيها وبقيَتْ مكانَها , فقال وهو يبتسم :
– ” لو كنْتِ طلبْتِ أن أتركها منسدلةً حتى أحنيَكِ لبقية عقابكِ لأجبْتُك , ولكنّ السفسطةَ لا يجازى فاعلُها بخيرٍ , والآن إلى بقيةِ عقابكِ , ومشكلتُكِ التي لا أدري سببَها مع أخي .. ”
قاطعْتُه قائلة :
– ” إنه يصر على وصفي بالتائهة ! “
– ” إنه لا يعرفكِ بعدُ , ولكنه عنيدٌ مثلكِ ؛ فإذا ” حدس ” شيئاً ظنه حقاً , ولكن على الأقل من جهتكِ أنتِ _ لأن هذا ما أملكه _ ستكونين لطيفة , فيتخلى هو عن عناده في رؤيتك “تائهة” أو أيًّا يكن “
– ” حسناً , أنا موافقة ! ”
– ” هلّا تراجعْتِ للوراء خطوةً ! “
فتراجعْتُ خطوةً للوراء , فوقف أمامي , وبدأ في حلِّ حزامَه , ففطنْتُ إلى ما ينوي صنعَه …
– ” أرجوكَ ! لا داعي لذلك ! “
– ” هذا العقاب سيشتبه تعريفكِ له بالتعريف الأصلي له عندما أنتهي منه , فلا توطِّني نفْسَكِ على تكرار ما تسبَّبَ فيه “
– ” أرجوك ! لن أتناول أخاكَ بكلمة واحدة بعدَ اليوم , لو خطر لي ما يسيء إليه سأزيل الخاطرة من ذهني , ولكن أرجوك ! “
بدا على وجهه التأثرُ , ثم قال :
– ” هل سبق لأحد أن ضربكِ بحزام ؟ “
– ” لا , ولكن صديقةً لي في المدرسة كان أبوها مولعاً بذلك , ولا أنسى الذعرَ الذي كانتْ عليه وهي تروي لي ما حدث “
– ” لذلك إذاً … لا تخافي , لن أكون بعنف أبي صاحبتكِ تلكَ , كما أنكِ لسْتِ طفلةً أيضاً … ولكن هذا العقاب لن يكون نزهةً … على أية حالٍ متى شعرْتِ أن الأمر قد جاوز طاقتكِ فأوقفيني وسأتوقف “
ظللْتُ أنظر في رعبٍ إلى الحزام , ولكنّي حاولْتُ طمأنة نفسي ؛ لو بلغ الأمر فوق احتمالي فسيتوقف , هذا نقيض ما كانتْ صاحبتي ترويه لي عن أبيها المتوحش الذي لا يكفّ عن إيجاعها حتى يبحّ صوتها من الصراخ متوسلة أن يتوقف وهو مستمر , ثم إنني لسْتُ طفلةً أيضاً كما قال .
وبدون أن يطلب توجهْتُ للطاولة وانحنيْتُ حتى اطمأننْتُ لاستقرار تنورتي فوق ظهري ثم فارقَتْ يداي مكانَهما الممسك بالتنورة , وأسندْتُ مرفقيّ إلى الطاولة , وباعدْتُ قليلاً بين رجليّ لأقعِّر ظهري , وجاءني صوتُه :
– ” لقد كنْتُ أنوي أن أجعلها عشْرَ ضرباتٍ , ولكن هذه الطاعة قد نزلتْ بهنّ إلى ثمانية ! “
– ” شكراً ! ”
– ” العفوَ ! ”
وصلتْني ضحكتُه في نفس وقت صدورها عني , ثم قال :
– ” بما أن هناك حدًّا أقصى مراعًى لقدرتِك على التحمل فإن وقوفكِ بسبب بلوغكِ هذا الحد سينهي العقابَ مباشرةً , ولكن وقوفكِ قبل ذلك لداعي الألم سيَزِيدُ مكانَ الضربة التي أوقفتْكِ غيرَها , هل هذا واضح ؟”
– “من الذي يحدِّد إن كان وقوفي لهذه أو تلك ؟ ”
– ” أنتِ من سيفعلُ , إنني واثقٌ من صدقكِ … حتى لو نشأ عنه زيادةٌ في العقابِ ! “
سُرِرْتُ من ثقتِه , ثم تذكرْتُ ما أنا مقدمةٌ عليه … وأنصتُّ لصوتِ الحزام وهو يغادر مكانَه من بنطاله , ثم لصوتِه وهو يطوى ليزدادَ وقعُه ألماً , ثم لصوتِه وهو يشقّ الهواءَ كأنه يعلن عن قوّته , ثم جاءني السؤالُ :
– ” مستعدة ؟ “
– ” نعم ! “
وهوى الحزام على ردفيّ ….
إن كان محقّاً في أن هذه ليستْ أقصى قوةٍ لديه , وكان محقّاً في أن هذا العقاب تخف وطأتُه مع السن , إن كان محقّاً في كلا الأمرين فإن والدَ صاحبتي ذاك يستحقُّ الإعدام !
لم أستطع أن أمنع نفسي من الصراخ ولا أن أحمل نفسي على البقاء في مكاني ولا على أن أكفّ عن البكاء والعويل , حتى ضمّني إلى صدرِه , وهو يلهج بالاعتذاراتِ :
– ” أنا آسف , لم أتصور أن تكون ردةُ فعلكِ بهذه الشدة “
قلْتُ من بين دموعي :
– ” لا أعتقد أن هذا الألم يبقى معه أيُّ إحساسٍ آخر لديّ سوى انعدام الأمل في أيِّ شيء ! “
– ” إذن فليذهبْ هذا الألمُ وما سبّبه إلى الجحيم , لن أرتدي سوى حمالات بنطال من هذا اليومَ فصاعداً “
ضحكْتُ من وسط شهقاتِ البكاء , فجعل وجهي بين كفَّيه , وقال :
– ” إن كان كل هذا يسوؤك فلا داعي لكل هذا … إن كنْتِ ترغبين في بعضه وتكرهين بعضَه فعلْنا ما ترغبين فيه وانتهيْنا عما تكرهينه … لا شيءَ فيما سنفعله في المستقبل له غايةٌ غيرُ إرضائك . هل هذا واضح ؟ “
هززْتُ رأسي , وقد بدأتِ الدموع تحول بيني وبين نقاء الصورة , ثم قلْتُ ما أفكِّر فيه _ فهذا يومٌ قد غاب عذّالُه كما يقال _ :
– ” إني أحبّك ! ”
– ” حسناً ! إني لا أريد أن أكرِّرَها ثم تكرهين ارتباطَ المناسبة بواقعة الحزام , فلو أخَّرْنا مبادلة الـ ” إني أحبك ” لمناسبة أخرى سعيدة ”
قاطعْتُه , ولا يزال أثر البكاءِ في صوتي :
– ” هذه مناسبة سعيدة , ليستْ ” واقعة الحزام ” وإنما واقعة ” لا شيءَ غيرُ إرضائكِ ” …لن توجد لحظةٌ أخرى أكثر مناسبة .. “
ثم كرَّرْتُ وقد زاد ما أشعرُ به قوةً :
– ” إني أحبكَ ! “
– ” إني أحبكِ ! ”
ثم قبَّلني , باكيةَ العينين , مرتعشةَ اليدين  , مستقرةً ملابسي الداخلية فوق حذائي , ولكنْ مغمورةً من قمة رأسي حتى أخمص قدميّ بحبِّ هذا الرجل !
– ” هل والدكِ سيكون في المنزل مساء الغد ؟ ”
هززْتُ رأسي , فأضاف :
– ” وهل ستستطيعين الجلوس أمام والدكِ عندما يجيء خاطبكِ ليخطبكِ ؟ ”
– ” من هيبة الموقف ؟ “
– ” أنا واثقٌ أنكِ جريئة على هيبة الموقف , ولكن بسبب هذين ؟ “
وقبض بيديه على ردفيّ قبضاً رفيقاً , فدفنْتُ رأسي في صدره , وقلْتُ :
– ” سأقنعهما بتجاوز اعتراضهما على الجلوس تلك الليلة “
– ” وأخبريهما أن من تسبّب في ألمهما نادمٌ على تجاوزه الحدّ ؛ إنه لم يعلمْ مدى رقّتهما فيراعيها … أخاف أن يكرهاني فيما يأتي ”
– ” لا شيء فيّ يكرُهك ؛ لا هما ولا غيرهما , لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل ! “
– ” تصوّري منظركِ بعد سنتين وأنت تتساءلين عما دفعكِ للزواج بهذا الأحمق ! ”
– ” إن قلْتُ ذلك فلا رفعتَ عني الحزام ! “
– ” إنّ ” رفعْتَ عنّي ” تختلف عن ” رفعْتَ عليّ ” ”
– ” وأنا أعي ذلك , وأعي كرهي لهذا الشيء المقيتَ , ولكنْ الإنسان الذي يكرهُكَ لا علم لي به , فإذا تحولْتُ إليه , فمن يدري ؟ لعلّه يهوى من ذلك الشيء المقيت ما أكرهُه أنا ! “
– ” هذا _منطقياً_ مقبولٌ إلى حدٍّ ما , لا أدري ما الذي رآه أخي منكِ حتى وصفكِ بالتائهة ! ”
– ” هل لا يزال هناك حظرٌ على الإفصاح برأيي في أخيكَ هذا ؟ ”
– ” الحظر لا يزال قائماً , ولكن العقوبة على خَرْقِه قد تغيَّرَتْ .. ”
– ” حسناً , دعْنا نقلْ  في لغة شديدة التهذيب : إنني لا أعتقد أن ما بيني وبينه من خلافاتٍ ستُحَلُّ في المستقبل المنظور ”
نظرْتُ إليه وهو يحاول أن يجد ردًّا , ثم انتشرَتْ ابتسامة واسعة على شفتيه , وقال :
– ” ربما يجدر بكِ أن ترفعي هذه , قبل أن تتحدثي عن اللغة شديدة التهذيب ! “
لم أحتجْ إلى تتبع إشارتِه لأعرف ما يعنيه … طيلة هذا الحوار ظلَّتْ رجلاي مقيدتَيْ الحركة بشيءٍ لا يصحّ أن يراه أحدٌ غيري في هذا المكان . وقبل أن أردّ وجدْتُه يضيف :
– ” هل أستدير حتى … ؟ “
لا أدري متى عاودني الخجلُ هذا اليومَ , ولكنني قلْتُ :
– ” إن هذا سيكون لطيفاً منك ! ”
– ” حسناً ”
– ” هل أنتَ مغمض العينين ؟ ”
– ” إن عينيّ ليستا في مواجهتكِ , لماذا أغمضهما ؟ ”
– “  لأنني لا زلْتُ خجلى , فرجاءً أغمضهما ! “
– ” حسناً , إن كان هذا سيريحكِ ”
نزعْتُ ما يُفْترضُ أن أرفعَه .. لقد كان أقربَ إلى الأرض على أية حال .. ثم درْتُ حوله , وهو لا يزال مغمض العينين ثم مددْتُ يدي فأودعْتُ ما فيها جيبَ بنطالِه , فلما أحسّ بيدي فتح عينيه , وابتسم :
– ” هل صنعْتِ ما أعتقد أنكِ صنعتِه ؟ “
– ” أعتقد أن الإجابة هي نعم ! ”
– ” وهل تحسبين أن هذا سيمرّ دون عقاب ؟ “
– ” لو كان لديّ ذرةُ شكٍّ واحدةٌ في أنه سيمر دون عقاب لَمَا فعلْتُه ! ”
– ” فالمشكلة في الحزام إذن وليستْ في العقاب نفسِه ”
– “العقاب هو الغاية وليس المشكلة “
دخلَتْ يدُه في جيبِه ثم خرجَتْ بما فيه , فقال :
– ” وما الذي يفترض أن أفعله بهذه ؟ ”
– ” بإمكانكِ أن تستفتح بامتلاكها قبل أن تمتلك ما كانتْ تغطّيه ”
– ” أنا لا أمتلكُ ما كانتْ تغطّيه ؟ “
– ” هذه يا سيدي غير مشمولة بقانونكم ولا بقانونهم , هذه يستدعي تمامُها أن تصافح يَدُك يدَ والدي على مرأى الناس ومسمعِهم ”
– ” وأنا على تمام الاستعداد لذلك ! “
– ” حتى ذلك الحين إذن ! ”
لوّحْتُ له بقبلة , ثم خرجْتُ من باب القاعة وأنا أفكر في هذه العبارة الأخيرة ؛ جزءٌ مني كان مسروراً بها : أنتِ لا تزالين _ إلى حدٍّ ما _ غيرَ متاحةٍ لكل من هبّ ودبّ ؛ من أرادكِ فليدخلِ البيتَ من بابِه …وجزءٌ آخر يسخر من أولويّاتِ الجزء الأول ويهزأ به ويعدِّدُ ما جرى للتوّ من أحداث تتجاوز دخول البيتِ إلى الإقامة في المطبخ ! …وجزء ثالثٌ يحاول أن يتلمس طريقه بين الاثنين …
ووجدْتُني أتدخّل لأنهي الجدال : الجميعُ سينال مرادَه ؛ لا داعي للشجار … هل ما حدث يندرج ضمن السلوك القويم الذي تقرّه لا أدري ماذا ؟ : بالطبع لا ! …. هل هو تسيّبٌ كاملٌ وبذلٌ لكل شيءٍ ؟ : بالطبع لا , أَلَمْ يَقُلْ ذلك الشاعرُ العربيد : حدَّثَنا عنْ بِعْضِ أشياخِهِ || أبو بلالٍ شيخُنا عن شرِيْكْ  .  لَا يَشْتَفِي العَاشِقُ مِمَّا بِهِ  ||  بِالضَمِّ والتقْبِيلِ حتَّى يِنِيْكْ ؟  والذي يطلب الوسطيّة , فهذه وسطيّةٌ بمعنىً من المعاني . فلتكفوا إذن عن صراع الديكة يوماً واحداً فقد أوشكْتُ أن أصيرَ مدرِّسةً في حضانة من صراع بعضكم لبعض !
ويخيَّلُ إليّ أنهم هزوا رءوسَهم في اقتناع أو شبْهِ اقتناع …
 ولأول مرة أشعرُ بهذا القدْرِ من السلامِ الداخليّ ؛ كل شيءٍ في مكانِه ..
لم أعُدْ حلبةَ صراعٍ بل ساحة وئامٍ أو ساحةً لما يقترب _ على قدر الإمكان _  من أن يكون وئاماً ..
هذا شعورٌ لا يعدله شعورٌ آخرُ !
لماذا يطمح الناس لتحقيق السلام الخارجي , والسلام الداخليّ لمّا يحقَّقْ بعدُ ؟!