Some Mainstream Spanking in Egyptian Media

Just a quick list of what I know of:

  • Inta Habibi, 1957

(M/F, face slapping-ish, literally 1950’s household, Movie, Husband/Wife)

  • The Egyptian equivalent of “Blue Hawaii”; Saghira Ala El-Hob, 1966

(M/F, age play-ish, Movie, Fiance/Fiancee, Music Director/Lead Singer)

Scene 1:  

Scene 2:

  • My Beautiful Lady, 1969

(M/F, and an F/M role reversal; the last one, Bourgeois Teacher/Pickpocket Student, Play)

  • El Eyal Kebret, 1979

(F/F, Mother/Daughter, Play)

  • Sok Ala Banatk, 1982

(M/F, Paddle-ish, Father/Daughter, Play)

  • Mazag El-Kheir, 2013

(F/F, Lady/Maid, TV show)


Some of these are more popular than other; El-Eyal Kebret, for example, has been seen by almost every Egyptian.
Another very famous play is Madraset El-Moshaghbeen, 1973, it doesn’t feature any spankings, but it’s centered around a female protagonist, a teacher, who is assigned to teach a class of misfits. She breaks the toughest guy’s arm to assert her dominance (it’s an Egyptian comedy!). And in a following scene he starts to comically cry, his broken arm is visible, and she is too tough to pity for him; “I didn’t come near you and you’re crying?”, she says. I was into that kind of stuff in my very younger days; the meanie mistress type. The character was old-fashion kind-hearted though, but anyhow there was a one slap with a ruler there on the top of some weird corner time-y thing:

حِوَارٌ .. حِوَارٌ … حِوَارٌ ( م / ف )


حِوَارٌ .. حِوَارٌ … حِوَارٌ

– بضعة تنويهاتٍ :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تلمح القصة إلى علاقة ذات طابع جنسي  ذكرٍ وأنثى ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 

تنويه 3 : مما تلمح له تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع هو ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

– القصة : 

– « ما الذي كنْتِ تقولينه له ؟ »
– « كنْتُ أسأله أنْ أنسخَ منه محاضرة أمسِ   »
– « لماذا لمْ تسألي غيرَه ، الدفعة فيها مئاتٌ »
– « أنا لا أحاول سرقة فتاكِ ، ولكنّي أحبُّ طريقة تنظيمه للمحاضرات ، وخطه جميل .. »
– « وشعره مسترسلٌ ، وخده أسيل ، وصدره عريض ، وقوامه ممشوق ، وطوله فارع ، وصوته فخم ، وابتسامته ساحرة … كل هذه الصفات تبدأ بـ : تنظيمه جيد ، وخطه جميل »
– « ( منى ) ! أنا أعرف أن بقية الفتيات تبحث عن أي سببٍ لتفتح به حوارًا مع حبيبكِ ، ولكني لستُ ” بقية الفتيات” ، أنا صديقتكِ المقربة ، لا داعيَ للغيرة المفرطة »
– « وهذا هو المدخل في المعتادِ ؛ ” أنا صديقتكِ المقربة ، لماذا تسيئين الظن بي ” ، ” هو حبيبكِ من خمس سنواتٍ ، لماذا لا تثقين به ” .. ثم فجأة : حبيبكِ وصديقتكِ المقربة يدعوانكِ لحفل زفافِهما .. هذا لنْ يحدَثَ معي … على جثتي يا (أروى ) ! »
– « ما الذي تريدينه مني ؟ »
– « هاتي كراسَتَه »
– « تفضلي »
– « شكرًا ، سأنسخ لكِ المحاضرة وأعطيها لكِ ، وفي المرات القادمة إذا أردْتِ محاضراته بإمكانكِ أن تطلبيها مني أنا ، وأنا سآخذها منه وسأنسخها لكِ وأسلمها لكِ مباشرةً .. هذا لن يضيع عليكِ ” تنظيمَه” و”خطَّه” ، ولن يضيع عليّ أنا ما سوى ذلك منه . مقبولٌ ؟ »
– « مقبولٌ .. ولكنْ كصديقتِكِ المقربة فعليّ أنْ أنصحكِ أنْ تكوني أقل غيرةً .. في بعض الأحيان تكون الغيرة مدمرة.. »
– « وفي كل الأحيان تكون الخيانة موجعة .. وأي عاقلٍ سيختار تجنب ما يحدث في كل الأحيان على تجنب ما يحدث في بعض الأحيان  »
*******
– « (أروى) ! .. لقدْ أحضَرْتُ لكِ النسخة ، وهذه هي الكراسة ..  »
– « ما الذي أصنعه بكراسة حبيبكِ ، تكفيني نسخة المحاضرة »
– « إن لم ترغبي في نسخِ شيءٍ آخرَ منها ، فبإمكانكِ أن تعيديها له بنفسكِ ، وفي المراتِ القادمة بإمكانكِ أنْ تطلبي منه ما شئتِ مباشرةً ؛ لا حاجة لتدخلي كوسيطٍ – إنَّ من الغيرة المذمومة أنْ أفترض أنّ أي حديثٍ له مع أنثى هو مشروع خيانة »
– « واو! هذه النقلة المفاجئة في المواقف بحاجة إلى دراسة .. ما الذي حدث ؟ هل شاهدْتِ فيلمًا رومانسيًّا فقدَتْ فيه فتاةٌ فتاها لغيرتِها ، فقرَّرْتِ تغيير نهاية ” فيلمكِ” »
– « شيءٌ من هذا القبيلِ .. آه ، وبالمناسبة : أنا آسفة لأنني شكَّكْتُ في وفائك لي .. أنتِ أحب صديقاتي إليّ ، ومن سوء الأدبِ أنْ أكلمَكِ بالطريقة التي تكلمْتُ معكِ بها البارحةَ ؛ أنا فعلًا آسفة »
– « واو! .. لقد كان فيلمًا مؤثرًا للغاية على ما يظهر .. وعلى أية حالٍ : الرجال يجيئون ويذهبون .. الأسرة تتغير مواقفها بسبب أو بآخر .. الحيوانات الأليفة تحب مَنْ يطعمها كائنًا مَنْ كان … لكن : الصداقة ؟ هذا شيءٌ آخرُ .. أنا معكِ لنهاية الدنيا يا صاحبتي »
– « تعالَيْ هنا ! »
– « حسنًا .. هذا عناق أصدقاء لا شك فيه.. ولكنَّنا في حرم الجامعة .. وهناك مراهقون ينظرون نظراتٍ مريبةً .. ربما علينا أن ننهي هذه المعانقة حرصًا على هرموناتهم .. ( منى ) ، هل .. هل تبكين ؟ »
– « أنا آسـ .. آسـفة ..  »
– « ششش .. كل شيءٍ على ما يرام .. لا داعي للبكاء .. لا داعي للأسف ..  شششش»
– « رجاءً لا تكرهيني بسبب ما قلْتُه »
– « لا خوف من هذه الناحية ؛ أنا مبرمَجَةٌ على حبّكِ .. كان عليكِ إدراكُ ذلك من سنين : مَنْ ستتَحمَّلُ كل سخافاتِكِ طيلة تلك السنين ما لمْ يكنْ حبُّها لكِ قهريًّا ؟ .. هذا أفضل ، الضحكُ يطيل العمر … منديل ؟ »
– « شكرًا …. واو! .. إن هؤلاء الأوغاد يحملقون فينا بالفعلِ »
– « إن أرادوا رؤية المزيد فعليهم زيارة الموقع ، ودفع قيمة الاشتراك  »
– « هناك دائمًا نسخة مسروقة في مكانٍ ما »
– « هذه حقيقة! .. وبالنظر إلى ما تشير إليه ساعتي ، فإن تأخُّرَنَا عن محاضرة ” ثقيل الدم ” هي حقيقة أيضًا »
– « تبًّا ! »
– « تبًّا ! »
********
– « لقد ردَّتْ صاحبتُكِ الكراسة مصحوبةً لا بالشكر ولا بالامتنان ، ولكنْ بالتهديد والوعيدِ : إذا خطرَتْ لي ولو مجرد فكرة أن أخونكِ أو أجرحَ مشاعركِ ، فستمزقني إربًا وتطعمني للكلابِ »
– « خذْ تهديدَها بجديةٍ ؛ إنها مُبَرْمَجةٌ على حبي .. خلافًا لجنسِ الرجال الخائنين ! »
– « ومع ذلك فقد شكَّكْتِ في ” المبرمَجَةِ على حبكِ ” البارحةَ ، من أجلِ رجلٍ »
– « وقد دفعْتُ الثمنَ ، أليس كذلكَ ؟ »
– « ومن الذي ساعدَكِ في دفع هذا الثمنِ ؟ »
– « شخصٌ مفرط القسوة  »
– « مفرطُ القسوة ؟! هل استخدم شيئًا أكثر من يده والحزام ؟ »
– « تبًّا ! اخفضْ صوتَكَ .. إن هناك أشخاصًا حولَنا »
– « ربما لو استمرَرْتِ في إعطائي أوامرَ على مرأى الناسِ ، لن يحتاج الناسُ إلى سماعٍ ، بل سأريهم عيانًا ما أفعله بكِ عندما تشاقيني»
– « آسفة »
– « يا ما أملحَكِ معتذرةً ، وقد نكس رأسُكِ ورفعْتِ بصرَكِ إليّ طالبةً السماحَ ؛ أما مَنْ لا يعرفكِ فيظن أن هذا الملاكَ لا يُذْنِبُ أبدًا ، وأما منْ يعرفُكِ فلا يخفى عليه ما وراء هذه البراءة من شقاوة مركبة »
– « أنا ؟ شقاوة ؟ »
– « يا للبراءة ! وما الذي عاقبْتُكِ عليه البارحةَ إذًا ؟! .. بالمناسبة : هل اعتذرْتِ لصاحبتكِ ؟ »
– « نعم »
– « وهل اعتذرْتِ لي ؟  »
– « لقد أوسعْتُكَ اعتذاراتٍ البارحة !  »
– « كان هذا والحزام يعزف سيمفونيات على مؤخرتكِ .. ولكني أريد اعتذاراً الآن ، بعد أن ذهب الألم وبقيَ العناد .. »
– « أنا آسفة يا حبيبي .. وبالمناسبة فقد ذهب الألم بالعنادِ .. أنا أطوعُ لكَ مِن بنانِكَ وكل أوامـ .. مَنْ هذه ؟ »
– « آه .. إنها طالبة معنا .. إنها من دولة شقيقة ثم بسبب الظروف هناك اضطرَتْ للمغادرة في نصف السنة والالتحاق بكليتِنا .. لقدْ وعَدْتُها أنْ أساعدَها في إدراكِ ما فاتَها »
– « ماذا ؟! .. ولكنّ الدفعة بها مئاتٌ .. لماذا تتحمل أنت هذا العبءَ؟! … ثم إنهـ – »
– « ( منى ) ! »
– « إنها شديدة الجمال ..  »
– « (منى) !! .. لا أحد أجمل منكَ في عينيّ ؛ هذا ما يهمّ »
– « هذا ما يقولونه جميعًا قبل أنْ يملوا القديم ويطلبوا الجديد »
– « هل سنحتاج إلى إعادة درس البارحة .. ظني بكِ أنكِ تفهمين الدرس من أول شرحٍ .. »
– « ليس إذا كان درسًا خياليًّا لا تطبيق له على أرض الواقع »
– « هذه هي .. ستنامين لليلة الثانية على التوالي على بطنكِ ! »
– « أنا آسفة ، ولكني أحبك .. وهذا هو سبب – »
– « وأنا أحبكِ ، ولكني لا أتصرف هذه التصرفات الخرقاء كلما كلمَكِ شخصٌ ما .. وإذا كنْتُ سأحتاج إلى إعادة درس البارحة كل ليلة حتى تشفَي من تلك التصرفات الخرقاء فسأفعل .. لذا من الأفضل أنْ تتعلمي سريعًا .. »
– « حسنًا .. سأكف عن التصرفات الخرقاء .. لا حاجة لإعادة ذلك الدرسِ  »
– « سبق السيف العذل يا حلوة .. وبإمكان درس الليلة أن يتضافر مع درس البارحة ليعطياكِ مناعةً مضاعفةً من تكرار تلك الغيرة السخيفة .. لا خطر من زيادة المناعة »
– « إممهمم  »
– « الآن تتمسكنين ، وتظهرينني بمظهر قاسي القلب الذي لا يَرِقُّ لملاكه .. ولكنْ أين كانَتْ هذه المسكنة قبل لحظاتٍ ؟ حزامٌ ! »
– « أرجوكَ .. أنا لمْ أتعافَ بعدُ من حزام البارحةِ ! »
– « طولُ لسانكِ مقياسٌ أفضل لدرجة تعافيكِ .. لو لم تكوني تعافيْتِ من تأديبِ البارحة لما قلْتِ إنني سأمل القديم وأطلب الجديد »
– « أنا لم أقلْ “أنتَ” لقد قلْتُ ” هم جميعًا ” ، وهناك استثناءات بالطبع »
– « وإنْ كنْتُ من المستَثْنَينَ فما علة ذكرِكِ القاعدةَ للإنكار عليّ ؟! .. لا تحاولي التذاكي عليّ يا صغيرة ، أنا مَنْ يدرس الفلسفة هنا  »
– « هل .. هل ..  »
– « لا يوجد هلٌّ .. يوجد حزامٌ وألمٌ وندمٌ وفتاةُ شقيةُ قد تعلمَتْ درسَها .. وسيأتيكِ تفصيلُ ذلك هذه الليلة »
– « لقد جاءني تفصيلُ ذلك البارحة  »
– « نعم ، “ولكني أملُّ القديمَ وأطلب التجديدَ” .. واللفظُ لكِ »
– « إممهم .. »
– « لو كانَ هذا المواءُ مع غيري لكان له مفعولُ السحرِ ، ولكنّكِ تزدادين “قططية” فأزداد ” سبعية” ، وتزداد رغبتي في التهامكِ ، فأكثري أو أقلي ! »
– « إمهممم »
– « تبًّا ! حسنًا ، سأكتفي بيدي في تأديبكِ هذه الليلة .. ولكنَّ هذا التساهل لن يتكررَ بعد ذلك … هل .. هل هذه ابتسامة ظافرة ؟! هل ابتسَمْتِ بظفرٍ قبل قليلٍ ؟! »
– «  لا ، أقسم أنني لم أفعل ..»
– « هل تزيدين في قائمة ذنوبك الكذبَ عليّ ؟ »
– « أعني : أقسم أنني لم أبتسم بتطرفٍ ، فقط ابتسامة ظافرة صغيرة  قابلة للإهمالِ  »
– « دعي لي تقديرَ المهملِ في هذه المعادلة .. هذه الابتسامة الصغيرة آخرُ ما يُوصَفُ بالمهمل .. إنها رقم ضخمٌ في أحد طرفي المعادلة ، فيستدعي قيمة ضخمة من الضربات في الطرف الآخر من المعادلة حتى يتساويا .. بإمكانكِ أن تشبعي من الجلوس حتى ميعاد عقابكِ الليلة يا صغيرة .. فعلى الأغلبِ لن تذوقي الجلوس بعدَها لفترة طويلة! »
– « إمممهممم »
– « لو تحولتِ إلى هُرَيْرَةٍ في هذه اللحظة فلَنْ ينفعَكِ .. »
*********
– « أنا آسفة .. إهئ إهئ … أنا آآآآآسفة … أنا .. إهئ »
– « أين توضع يدا الفتاة الصغيرة الشقية عندما تُعاقَبُ ؟ »
– « على الأرض .. على الــ .. إهئ »
– « وأين كانتا قبل قليلٍ ؟ »
– « تغطيان مؤخرتي .. إهئ .. أرجوك ..  »
– « وكيف يجب أن تكون مؤخرة الفتاة الصغيرة الشقية عندما تُعَاقَبُ ؟ »
– « غير.. مغطاةٍ.. بشيءٍ ..أرجوك.. أرجوك .. »
– « وهذا يستدعي عقابًا أليس كذلك ؟  »
– « أرجوك .. أرجو- »
– « ولكنْ كيف نعاقبُ فتاةً تعاقَبُ بالفعلِ ؟ »
– « أرجووووك ..  »
– « لا بد من اختراعِ شيءٍ يزيد في هذا العقابَ حتى يؤدي النتيجة المرجوة .. ولتَكُنِ الزيادةُ عددية أو مكانية أو توبيخية .. في الواقع سأترك لكِ حرية الاختيار أي أنواع الزيادة تريدين ؟ »
– « ما تريده ! .. افعَلْ بي ما تريده !! .. أنا فعلًا آسفة .. كل ما تريده ..إهـــئ … إهئ»
– « حسنًا يا صغيرة.. آخر مرةٍ أشفَقْتُ فيها عليكِ .. قابلْتِ شفقتي بغرورٍ بقدرتكِ على ترقيق قلبي عليكِ ..  »
– « أنا آسفة .. »
– « لو صفَحْتُ عنكِ الآن ، فهذا ليس عن ضعفٍ من جانبي ولا احتيالٍ من جانبكِ ، ولكن عن اقتناعٍ بأنكِ قد نلْتِ كفايتكِ ؛ والابتسام بظفرٍ يُذْهِبُ هذه القناعة .. هل هذا مفهوم ؟  »
– « أرجوووك .. لقد نِلْتُ كفايتي ، عندما أخطئ .. ستعاقبني .. ولا يوجد مخرج آخر .. تمسكن أو دلال أو غيره .. لقد تعلمْتُ درسي ، أرجوك..   »
– « وما هو الدرس ؟ »
– « أنْ أثق فيكَ ، ألا أبالغ في غيرتي عليكَ .. آه .. آه .. آآآه .. إهئئ… أرجوك »
– « وأهم نقطة في الدرس؟ »
– « آ..آ.. أنا لا أعرف .. أرجوك ، ليس المزيدَ من الصفعاتِ .. أرجووك »
– « ما الذي قلْتُه قبل أنْ تعلقي تعليقَكِ السخيفَ عن القديم والجديد ؟ »
– « آ .. آ .. أنّ عليّ أنْ أكف عن الشك فيك ؟ .. آ .. أنا لا أذكر .. أنا آسفة ..  »
– « هذه هي المشكلة يا حبيبتي .. أنتِ تركزين في السيء الواقع والمحتمَلِ ، وتهملين الجيِّدَ الواقِعَ والمحتمل .. دعيني أذكركِ : لقدْ قلْتِ شيئًا عن جمالٍ فتاةٍ ما لا محلَّ لها من الإعرابِ ، فما الذي كانه ردي ؟ »
– « أنني أجمل امرأة في عينيك »
– « تذكري هذا في المستقبلِ ! »
– « آه.. آآه … سأتذكره .. سأتذكره .. أرجوك .. »
– « حسنًا ، هذا يكفي .. لا أريد أنْ أسمعَ في المستقبل كلمة واحدة عن فلانة ولا فلانة .. لا يوجد غيرُكِ في الحقيقة فلماذا تفترضين احتماليات خيالية مستحيلٌ أنْ تقع ؟ »
– « أنا آسفة .. ولكني أحبكَ ..  »
– « إنّ مِنْ حبكِ لي أنْ تثقي في وفائي لكِ .. أنا لسْتُ لعبةً تحبينها وتخافين أنْ تُسْرَقَ !! »
– « أنا آسفة.. »
– « ثم إنكِ أجمل وأكمل وأعقل وأرق امرأةٍ في الكونِ .. وأكثرهنّ شقاوةً أيضًا .. فحتى لو كنْتُ أسوأ الناسِ وأخدعَ الناسِ وأحمقَ الناسِ فلنْ يفوتني أنْ ألاحظَ أنه لا منافسةَ لكِ لأهتم بها .. أنا مسرورٌ بتواضعكِ ، وظنُّكِ أنّ للأخرياتِ مثلَ ما لكِ .. ولكنَّ قليلًا من الواقعية قد يعالج هذه المشكلة .. أنتِ فوق الجميع .. هذه حقيقة .. على الأقل  : في قلبي هي حقيقة .. ولكنها حقيقة كونية أيضًا ، ليس ذنبي أنّ قلوب الآخرين لا تدركها ..  »
– « شـ..شكرًا ..»
– « لقد كان هذا مدحًا مخلوطًا بتأنيبٍ ، ولكنّ التفاتَكِ للمدحِ قبل التأنيبِ مؤشرٌ جيدٌ .. لا مزيد من الحملقة في النصف الفارغ من الكوب .. نعم ، جنس الرجال خائن في المجملِ .. ولكنْ على حد علمي فهذا ليس ذنبي.. أنا لكِ ، ولكِ وحدَكِ .. فلْنُنْهِ هذا الدرسَ بهذه الخلاصةِ »
– « نعم ..»
– « ولنُنْهِ هذا العقابَ بالوقوف في الزاوية ؛ بما تتيحه هذه الوقفة من تأملٍ في الماضي والحاضر والمستقبلِ في نقاء وصفاءٍ .. لقدْ جرَّبْتِ هذه الوقفة مراتٍ من قبلُ .. أنتِ مدركة لإمكانياتِها غير المتناهية .. »
– « إحممحم .. بالطبع !»
– « هذا جيدٌ .. »
– « هل يمكنني أنْ .. أعانقكَ ؟ »
– « بالمعنى المقدَّسَ أم بالمعنى الحرفي ؟ »
– « آممم ، كلاهما في الواقع ، و لكني عنَيْتُ قبل “الإقامة” في الزاوية .. »
– « بالمعنى الحرفي إذن ! .. تعالَي يا أميرة القلبِ  »
– « لسْتَ غاضبًا عليّ ؟ »
– « أنا مُبَرْمَجٌ على حبُّكِ أيضًا .. ربما في حياةٍ أخرى سنكون صديقتين مقربتين .. ولكنْ في هذه الحياة أنا حبيبُكِ.. ومهما شاع عن هؤلاء من خيانةٍ وتقلبٍ ، فأنا استثناءٌ يثبت القاعدةَ .. »
– « هل في صوتِكَ شيءٌ من الغيرة من (أروى ) ؟ لأنّ عليّ أنْ أصارحَكَ أنّ النظر إلى النصف الفارغ من الكـ –  آآآه .. لقد كانَتْ مزحةً ..»
– « إلى الزاوية يا حلوة .. مزاحُكِ سمجٌ ! »
– « ولكنَّكَ تعشقه كما تعشق كلَّ شيءٍ فيَّ ! »
– « حقيقة .. ليتَها تنهاكِ عنْ غيرتَكِ ! »
– « ولكنْ في النهايةِ الأخرى من الطيف هناك الغرور المقيتُ وعدم الاحتفالِ بكَ ثقةً في مكانتي عندَكَ ! »
– « وما المشكلة في الاعتدال ؟ »
– « الحاجة الدائمة لمَنْ يضبطُ المؤشر حتى لا يميل إلى أحد التطرفين ! »
– « الحزامُ موجودٌ ! .. وصاحبُ الحزامِ موجودٌ ! »
– « لسانك المعسول يا أميري ! .. هل يمكننا تجاوزَ الزاوية ..مع الاعتراف الكامل بإمكانياتها السحرية .. والانتقال مباشرة للمعانقة ؟ »
– « إلى الزاوية يا صغيرة .. لا مزيد من التساهلاتِ !  »
– « إمهممم »
– « تبًّا ! تعالَي هنا ! »
************

قصة : طبيعة صامتة ، ومتكلِّم ! ( م / ف )



قصة : طبيعة صامتة ، ومتكلِّم ! ( م / ف  ) 
– بضعة تنويهاتٍ :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تلمح القصة إلى علاقة ذات طابع جنسي  ذكرٍ وأنثى ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 

تنويه 3 : مما تلمح له تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع هو ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

– القصة :
ينفتح المشهد على زاوية غير مألوفة لكرسي زجاجي غريب المنظر ؛ ذلك أنّ زجاجيَّتَه تجعله شفافًا كالبلور فلا يحول شيءٌ منه بين الناظر وبين الجالسِ عليه ، أما الزاوية غير المألوفة فهي توازي ما كان الناظر لِيرَاه لو انبطح مستلقيًا على ظهره قريبًا من الكرسي ثم رفع نظرَه إليه .. ولا يخفى ما في شفافية الكرسيّ وما في هذه الزاوية من نذيرٍ بفحشٍ ، إن صحَّ التعبيرُ ..
ولِمَ لا يصحُّ التعبيرُ ؟ .. وأوَّلُ جالسٍ _ أو جالسةٍ للدقة _ تدخل المشهد الضيق ، فلا نرى منها سوى نصفِها السفليّ وحذائها الذي يغطي نصفَ ساقِها ، ثم تريح مقعدَتَها المثقلةَ على الكرسي الغريب غير عابئةٍ بما حولَها .. وما كان ليحجبَه كرسيٌّ آخر لم يحجبْه كرسيُّنا هذا ؛ الردفان اللذان يغطيهما قماش الجينز الغليظ يستقران على قاعدة الكرسيّ، فينضغطان تحت وزنِ الجذع ، فيتفلطحان بعض الشيء لتزايد مساحة السطح الملاصق للكرسيّ منهما ؛ أو هكذا يقول الدرس الهندسيّ الفراغيّ ! 
ويستقرّ المشهدُ على هذا الوضع فترةً من الزمنِ مع قليلٍ من التقلقل الذي لا يكاد يُلْحظُ ..
ثم تأتي لحظة الانصراف _ ولا ندري ماهية هذا الانصراف ، فقد يكون هذا مطعمًا مثلًا ، وقد فرغَتْ هذه السيدةُ من طعامِها ، أو غير ذلك ،  فالزاوية لا تسمح لنا برؤية الكثيرِ _ فيغادر الردفان موقعيَّتَهما مستعيدَين ما كانا فقداه مؤقتًا من تكوُّرٍ فاتنٍ ، ويُسْهِمان بدورِهما في انتصابِ الجذعِ ، كما يقرُّ ذلك علماءُ التشريحِ .. قبل أن يغادرا المشهد بالكليةِ .. ليبقى الكرسيُّ الزجاجيُّ فارغًا حينًا من الزمن..
ثم بدون مقدماتٍ يدخل إلى المشهد على عجلٍ قدَمان أكثرُهما عارٍ ، وأقلُّهما مغطًى بما تَجْعَلُه الزاويةُ التي نشاهد منها في حكم المُنْعَدِمِ هو الآخرُ … ثم تجلس الحسناء على الكرسي ؛ ولا بد أنها حسناءُ .. إذ لا يُظْهِرُ كلَّ هذا إلا مُعْجَبٌ بحُسْنِه !
ويحاط جانبا الكرسيّ بجانبي تنورةٍ قصيرةٍ مربعة الزخرفة ؛ كل مربّعٍ قد حوى لونًا غير لونِ مجاورِيه ، ولكنه يتكرر بنمطٍ ثابتٍ .. وتتيح لنا هذه الزاويةُ المبَارَكةُ للرؤيةِ النظرَ إلى ما بين جانبَي التنورة مما لاصق الكرسيَّ النمّام _ لأنه ينمّ عما كان يجب عليه أن يسترَه ! _ فنرى .. لا شيءَ !
وليس المقصودُ أنّ ما نراه عدمٌ أو هواءٌ ، ولكنّ المقصودَ أنّ التنورةَ جنسٌ من الملابسِ ، يغلبُ على الظنّ انكشافُ جنسٍ آخرَ من الملابس عند زوالِها _ أو عند حدوثِ ما هو في حكم الزوال ، كما هو الحال في مثالِنا هذا _  وبهذا المعنى ، فإننا لا نرى شيئًا .. بل نقابلُ الغاياتِ دونَ المرورِ بالوسائل ! فيتوجَّبُ علينا شكرُ الكرسيِّ والزاويةِ كما شكرناهما في المرة الأولى ، ولكننا نزيدُ في هذه المرةِ شكرَ الحسناء التي أسهمَتْ معهما في الوصولِ إلى هذه الدرجة الرفيعة في عالم الكشف والمشاهدة – ولا أعتقد أنّ السادة المتصوفة كانوا يعنُون هذا المعنى بهذا المصطلحِ ؛ ولكنْ كلٌّ يَبْكي على ليلاه .
أما الردفان محلّ التعرّي الكاملِ .. فهما دونَ سابقَيهما في الحجم وفوقَهما في دقة التكوينِ وتكامل الكرويّةِ .. ثم هما لا يستران ما بينهما ألبتة .. مع تفلطحهما بحكم الجلوسِ .. فنرى بجلاءٍ ما تُدَقُّ الأعناقُ دونَ رؤيتِه .. ويتوجّبُ علينا إضافةُ دقةِ تكوينِ الردفينِ لجُمْلةِ المشكورِ في الوصول إلى هذه الرتبة الساميةِ التي اختص بها أهل الباطن دونَ المشتغلين بعلوم الظاهر …
أما الذي هو بين الردفين مستقرٌّ استقرارَ الملك في قصرِه .. فيجلُّ عن الوصفِ .. ولا يُدْرَكُ كنْهُهُ بالنقلِ ، وإنما هو خبرةٌ ذاتيةٌ يخوضها المرءُ فيدركَها ، ومن لمْ يخُضْها لم يُدْرِكها بتعلمٍ!
وحسبُه في الشرف أنَّ حاجبَيه _ أو ما كان يُفْتَرَضُ أنْ يكونا حاجبيه لولا صِغَرُهُما _ مِنَ الحُسْنِ والكمال بحيث يُطلبَان لذاتهما.. ومَنْ يُفْدَى بِمُفَدًّى فهو عزيزٌ !
أما القلقلة بل الاحتكاك غير اللائق الذي تخوض فيه الحسناءُ خوضَ الفلاسفة في الجدلِ فحَدِّثْ ولا حرج ؛ لولا بقيةٌ من هيبةِ المكان العام _ ونحنُ نتوقّع أنّنا في مكانٍ عامٍ ، إذ لا سبيل إلى رؤية تفاصيل المكان _ لقام الكرسيّ الزجاجيّ مقام ما لا يصحُّ تسميتُه .. ويَصْعُبُ علينا _ مهما حاولْنا إبقاءَ بقيّةٍ من خصوصية صاحبتِنا _ أقول : يَصْعُبُ علينا ألا نرى أثرَ الاحتكاك الدءوب بالسطح الزجاجي الأملس – أثرُه في المحجوبِ بالردفينِ ؛ احمرارًا وتضخمًا وسيلانَ لعابٍ !
ويتوقفُ الاحتكاك والقلقلة فجأةً .. فنتساءل _ بموضوعية بحتةٍ _ عن علة التوقف .. ثم تقوم الحكّاكةُ عن الكرسيّ بالكليةِ.. على عجلٍ كأنها تذكرَتْ شيئًا فهي تُهْرَعُ إليه ، ونخطف نظرةً أو نظرتَينِ إلى المشهد الشريفِ قبل أن ينقضي سريعًا بارتحال صاحبتِه عن زاويتِنا الضيقة … فيزيد تساؤلنا الموضوعيّ عن سببِ هذا كلِّه ..
ونقضي فترةً تقترب من ربع الساعةِ في انتظارِ قادمٍ جديدٍ يُذْهِبُ بعْضَ تشوقنا العِلْمِيِّ القحّ إلى المزيدِ .. ولكنّ قدمَينِ شبه عاريَيْنِ شبه مألوفَين يعاودانِ الدخولَ إلى المنظور الضيق .. ويبدو في اضطرابِ حركتِهما أثناء مشيِهما ما يؤذنُ بخبرٍ مهم سنُطْلَعُ عليه …
ويعود الردفان مكتملا التكوين والتكور إلى الجلوس على كرسيِّنا .. وتعود التنورة إلى الانسياب على جانبي الكرسي، وقد أفْضَتْ بسرِّ ما تحتَها للكرسيّ ليَكْتمَه ، ولكنّ الكرسيّ _كما علِمْنا_ لا يُؤتَمنُ على سرٍّ ..
ولو جاز لنا التقاط صورةٍ لما نراه الآن والتقاط صورةٍ لما كان عليه المنظرُ قبل دقائق ، ومقارنة الصورتَين لخرجْنا باختلافَين جوهريين .. أما أحدهما فقريبٌ من الحدس، وأما الآخر فلا سبيلَ إلى معرفته تخمينًا حتى نُخْبَرَ به ..
فأما القريبُ من الحدسِ فاستتارُ ما بين الردفَين مما كان مكشوفًا قبل قليلٍ ؛ سَتَرَه _ ولم يستُر ما عداه_ قماشٌ رقيقٌ هفهافٌ أبيضُ .. سَلَكَ سبيلًا ضيقةً بين الحاجِبَينِ ليسترَ المحجوبَ ويدَعَ الحاجبَينِ على عُرْيانيّتِهما . ولو كان هذا القماش المقتَصِدُ في التغطية أوَّلَ ما قابَلَنا مِنْ هذه الحسناءَ لقَنَعْنا به أيَّ قناعةٍ ، ولكنْ إذا جاءَ النفيسُ بعد الأنفسِ حطَّ ذلك منه مع نفاستِه ..
 قلْنا : وهذا مما يسهلُ تخمينُه ؛ أنَّ صاحبتَنا انصرفَتْ لتغطّي هذا ثم عادَتْ .. ولقائلٍ أن يقولَ : إنها كانَتْ منغمسةً في فعْلٍ يناسِبُ الكَشْفَ لا التغطيةَ .. فَلِمَ تقطعُ فعلَها ذاك قبلَ تمامِه لتغطيَ ما حقُّه أنْ يُكْشَفَ حتى يكونَ انكشافُه عونًا على بلوغ الغاية التي كانَتْ بصددِ بلوغِها ؟
ونردُّ على هذا السائلِ فنقول : إنّ الإنسانَ قد يفعلُ الشيءَ مختاراً وقد يفعله جبرًا .. ولعلها لمْ تَقْطَعْ فعلَها ، وإنما قوطِعَتْ في أثنائه ، ثمَّ حَمَلَها مقاطِعُها على التوقفِ عن إتمام فعلِها ، ثمَّ لمْ يكْتفِ بذلك حتى ذهب بها إلى مكانٍ خاصٍّ _ بِفَرْضِ أنَّ هذا مكانٌ عامٌّ ، فيكون الكرسيّ في مطعمٍ مثلًا ، وهو ذهب بها إلى دورة المياه في ذلك المطعم _ وحملَها على ستْرِ ما كان منكشفًا زيادةً في الحيلولة بينهَا وبين ما قاطعَها وهي تفعلُه …
وللسائلِ أنْ يسْتمِرَّ في جدلِه فيقولَ : إنّ هذا تأويلٌ بعيدٌ ، إذ يفترِضُ أنّ هناك صاحبًا لها ، ثم أنّه علِم بما كانتْ تفعلُه _ ومن أين له أنْ يعلمَ ؟_ ، ثم أنه حملَها على التوقف فتوقفَتْ _ وماذا عليها لو خالفَتْه ؟_ ، ونحن نعلم ما يكون عليه المرء _ أو المرأة في هذا المثال _ في مِثْلِ هذا الموقفِ مِنْ حالٍ عجيبةٍ تأمُرُ ولا تُؤمَر ، ثم أنه ذهب بها إلى مكانٍ خاصٍّ _ وهذا كله احتمالٌ لا دليلَ عليه _ ، ثم أنه أمرَها بسَتْرِ ما كان منكشفًا بما يعني أنه كان يعلمُ بانكشافِه ، أو أنه _ وهذا أدهى _ استخبرَها فأخبَرَتْه ، أو أنه _ وهذا أبعد الثلاثة عن المألوف_ رفعَ تنورتَها فلمْ يجِدْ شيئًا ، فأمرَها بارتداءِ ما يسترُها .. ثم أنها أجابَتْه إلى هذه أيضًا … ثم إننا لو افترَضْنا ذلك كلَّه ، لبَقِيَ غيابُها لهذه الفترة الطويلةِ غيرَ مُبَرَّرٍ ، فقد كان حقُّ هذا كلِّه أن ينقضي في دقيقةٍ أو دقيقتين ، فأيُّ شيءٍ أخَّرَها ؟
ونردّ على هذا السائلِ بحجةٍ واحدةٍ تُذْهِبُ كلَّ ما ذهبَ إليه .. وهو قولُنا : حمراء !
وقد يعتقد السائل أنّ هذه سبةٌ مما يتسابُّ به العوامُ ، فيغضبَ .. ولكننا لا نلبث أن نفسِّرَ له قولَنا ، فيذهبَ غضبُه ، ويوافقَنا على صحة ما ذهَبْنا إليه ..
وهذا هو الفرق الجوهري الثاني بين الصورتين : حمراء !
فالردفان الدقيقان مكتملا التكوير ، قد غايَرَ لونُهما في الصورةِ الثانيةِ لونَهما في الصورة الأولى .. كانا في الأولى في لون ما فوقَهما وما تحتَهما ، فصارا في الثانية في لونِ ما بينهما .. ولهذا سببٌ لا يخفى على الفَطِنِ ، ونحنُ نبيِّنُه فيما يلي ..
وهو أنَّ العجمَ _ لفسادِ بيئاتِهم ، ولقلة المروءة فيهم _ يؤدبون صبيانَهم بل وبناتِهم ، بإيقاع آلة الضربِ بِرِدْفَي المضروب ، نقول: بل لا يتعفف بعضُهم منْ أنْ يجْعَلَ آلةَ الضرب على هذا الموضعِ يدَه ! ولولا أننا رأيْنا هذا بأعينِنا لما صدَّقْناه ! بل لقد أخبرَني الثقةُ أنّ بعضَهم ينزِع ما على المضروب من ثيابٍ في هذا المكان ، فيباشرَ جلدُ يدِه جلدَ استِ المضروبِ ، وهو يَعُدُّ هذا تأديبًا ، فاعْجَبْ !
قلْنا : وقد شاع هذا فيهم ، حتى صارَ بحكم العادةِ عندَهم ، يرَوْنَه ولا يُنْكِرُونَه .. قلْنا : ولما كان دأَبُ فريقٍ من أهل هذه الديار الشريفة تقليدَ الأعاجمِ في كلٍّ سخيفٍ من فعلهم مُسْتَرْذَلٍ .. فإننا لا نسْتَبْعِدُ أنهم أخذوا هذه _ في جملة ما أخذوه _ عن الأعاجم ، فهم يؤدبون غلمانَهم _ ونساءَهم كما في هذا المثال_ بهذه الهيئة المُسْتَبْشَعَةِ . 
ولولا أننا نعلمُ _ بكثرة الاطلاع ، طلبًا للعلم فحسبُ_ هذا الأمرَ ، لاحتَرْنا في بيانِ ما حدثَ ، ولكانَ في حجةِ ذلك السائلُ ما يقطعُنا عن الردِّ عليه ، فهذا من فضلِ العلمِ على أهله ، فَتَنَبَّهْ !
فنحْنُ نعودُ للجاج هذا السائلِ فنردَّ على حججه واحدةً واحدةً ، فأما قولُه إننا افتَرَضْنا وجودَ صاحبٍ لها . فنحن نردّ عليه : بشيوع هذا بين أبناء هذا الزمانِ وغلَبَتِه فيهم ، ونزيد على ذلك ما كانَتْ هذه الحسناءُ بالذات ترتديه ، فهي لا ريبَ ذات خدنٍ ، ولا يبعُدُ أنْ يكون رافقَها في هذا اليومِ .. والاعتراض بأنه ما كان يرضى أنْ تخرجَ مرتديةً مثلَ هذا – بعيدٌ .. فإنه يسرّه أن يرى الأعْيُنَ تمتد إليها ثم لا تطولُ ما فوقَ ذلك ، وهو يطولُ ما فوقَ ذلك . وليس في الرؤية _على مذهبِ هؤلاء_ كبيرُ شيءٍ ، كما قالوا :
فما لك منها غَيْرَ أنك ناكحٌ  |||  بعينيكَ عينَيْها فهل ذاك نافع؟!
فنكاح الأعينِ عند هؤلاء لا تدخله الغيرةُ _ تقليدًا لفعل الأعاجم في هذه أيضًا ، كما أسلَفْنا _ ..
وأما قوله : ومن أين له أن يعلم ؟ ، فالرد على هذا سهلٌ يبيِّنُه لنا علماء وظائف الأعضاء .. فإنّ الأعصابَ التي تعملُ بلا إرادةٍ من صاحبِها _ مِنْ مثلِ ما يُفْرِزُ اللعابَ بمجرد أنْ يشمَّ المرءُ الطعامَ الطيبَ _ تؤثر في كثيرٍ من جسم الإنسان عند مباشرتِه الجماعَ أو ما هو في حكم الجماعِ .. فتُنْتِجَ توسعًا في العروق فيتورد الخدان ويدفأ الجسم.. وهي تُبْطِئ التنفس .. وقد يثقل الجفنان ، فتغمض العينان .. وغير ذلك مما لا يخفى على الأريب .. فإذا رأى منها ذلك ، مع دلالة التقلقل .. ومع الانشغالِ عن كلامِه بما هي فيه .. أدرك ما وراءَ ذلك بلا عناءٍ ..
وأما قولُه : وما عليها ألا تَفْعَلُ .. فهذا مما يسهل الردُّ عليه، لأنها تقبلُ منه العقوبةَ الموجِعةَ فمِنْ باب أولى أنْ تأتمرَ بأمرِه .. فليس في هذا ما يُسْتَغْرَبُ ..
وأما استغرابُه مِنْ أنْ تُطْلِعَه على ما ترتديه .. فنحن نسأله: فتاةٌ تُطْلِع العالمِينَ على رجلَيها إلا شبرًا ، بأيِّ شيءٍ تخصُّ صاحبَها إنْ لمْ تخصَّه بخَبَرِ ما تحتَ الشِّبْرِ ؟!
بل نقيض ذلك هو ما يحمل على الاستغراب ..
وأمّا قولُه : فأيُّ شيءٍ أخَّرَها ؟ .. فالذي ذكرْنا .. انشغلَتْ باستقبالِ يد صاحبِها بردفيها ؛ عقوبةً ، بزَعْمِهم..
رَجَع الكلامُ …
وننظرُ إلى حال صاحبتِنا الجديد فنجد القلقة والحك قد عُدِما واسْتُبْدِلَ بهما تقعُّرُ الظهر حتى يشتدَّ التماسُّ بين الردفَين ومقعد الكرسيّ – ولا شكَّ أنّ مقعدَ الكرسيّ باردٌ يخفف بعضَ الحرارة عنْ مقعدة القاعدة على المقعد!
وبين الحك طلبًا للذة ، وزيادة المماسّة طلبًا لتخفيف الألم تشابهٌ ما ، ففي كلتا الحالتَين يقدِّم الكرسيّ الزجاجيّ خدمةً للجالسة عليه ؛ متعةً ، أو تخفيفَ ألمٍ ..
ولكنّ النظرَ المتفحصَ لا يتوقفُ عند الردفَينِ المكشوفَين ، بل يتعداهما إلى المستورِ بينهما ، فيجده متوثبًا من تحْتِ السترِ كأنَّ به حاجةً متوقدةً إلى شخصٍ أو شيءٍ ، ولولا القماشُ يمنعه لصرَّحَ بها لا يُكَنِّي .. ولكنّ القماش قد كَعَمَه ، فحجب صوتَه عنْ أنْ يُسْمَعَ .. فيحتالُ الذي هو مستقرٌّ بين الردفَينِ على القماشِ فيُسَرِّبَ من خلالِ ثنايا القماشِ رسالةً يعيها من يعيها ، على هيئة بللٍ لزجٍ لا حيلة للقماش الأبيضِ في سترِه ، وعلى هيئة عبيرٍ لو دنَتِ الأنفُ قريبًا منه ، لشَمَّتْ منه أطيبَ ريحٍ ..
قلْنا :  ولا شكَّ أنّ صاحبَ الفتاةِ يعلمُ رغبةَ صاحبتِه المشتدة ،  فهو قد باشر الردفَينِ العاريين قبل دقائق بالعقوبة الموجعة ، فلم يكُنْ يعجِزُه أن يثني عنقَه قليلًا ، فيطلع _ بلا حجابٍ _ على ما بين الردفَينِ ويرى حالًا لا يصحُّ معها صَبْرٌ … فصاحب الفتاة _لا ريب _عازمٌ على إتمام العملية التي قاطعَها قبل قليلٍ بمجرد أنْ يضمَّه والفتاةَ مكانٌ خالٍ ..
ويَبْعُدُ أنْ يكون ذلك المكان الخالي الذي سيضم الفتى وفتاتَه مُنْشَغِلَينِ بما لا يخفى على أحدٍ  . نقولُ : يبْعدُ أنْ يكون محتويًا على أثاثٍ زجاجيٍّ شفافٍ ، وعلى فرصةٍ للاطلاعِ _ من زوايا ملائمةٍ _ كما هو الحالُ الآن ..
ولذا فيجب على الحاذقِ الفطِنِ أنْ يَنْصَرِفَ بكليّتِه إلى المُتاح الآن ؛ وليسَ المتاحُ الآنَ قليلًا ..
ويجب عليه ألا يُذْهِبَ لذة اللحظة بتصور ما هو خيرٌ منها مما لا سبيلَ إليه للاطلاع عليه .. فإنّ القناعةَ كنزٌ لا يَفْنى ، على ما قرّرَ الحكماء الأوَلُ .. فاعَلَمْ ذلك !

قصة : الواقع ؟ نحن مَنْ صنع ذلك ! ( م / ف )


قصة : الواقع ؟ نحن مَنْ صنع ذلك ! ( م / ف )
– بضعة تنويهاتٍ :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين ذكور وإناث ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب مما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
– اقتباسات :

1 – ” بوسعك أن تقدم الآلاف من أكواب القهوة الإنترنتيّة . وأن تكتب ألف سَتْهٍ إنترنتيّ . وأن تمنح خمس مئة  طوق إنترني لخمس مئة خاضعة إنترنتية. بإمكانك أن تركع إنترنتياً أمام قدمين إنترنيين لألف مسيطر إنترنتي ، وأن تكتب لهم عشرة آلاف جنس فموي إنترني . كل هذا لا يساوي ثانية واحدة من تجربة عملية في العالم الحقيقي، مهما رغبْتَ في ذلك (؛ في أن يتساويا ) !

الكتابة ، والدردشة بالكاميرات والعبث في العالم الافتراضي لا يجعل أيَّ شخص خاضعاً حقيقيًّا أو سيداً حقيقيَّا أكثرَ مما تجعل لعبة (كول أوف دوتي) شخصاً ما جنديًّا حقيقيًّا .

إلى أن تنتظري ، عريانةً على ركبتيكِ ، رافعةً بصركِ إليه بينما هو يرمقك من علوّ … وأداة عقابكِ التي اختارها في يده بينما هو يفكر أثناء الصمت المتبادل فيما سيفعله بكِ ؛ وأنتِ منتظرةٌ وَعْدَ سيّدِكِ بالحبّ الغامر والاهتمام الوحشيّ ، وتعلمين أنه سيفعل بكِ ما يحلو له وأنكِ لن توقفيه … حتى تفعلي ذلك فإنكِ لن تكون لديك أدنى فكرة عما يعنيه أن تضعي حياتكِ بين يديه وأن تمنحي عقلكِ وجسدكِ لإرادتِه !

والعكس : إلى أن تقف أمامَها ، نازلاً ببصرك إليها بينما تتأمل فيما ستصنعه ، عالماً أنّ حياتَها بين يديك ، وعيناها مرفوعتان إليك وفيهما ثقة تمسّ الروحَ ؛ ثقةٌ تبلّغكَ أن تفعل ما يحلو لكَ بها … أنْ تأمرَ بما تشاء وستطيعك … أنْ تحمل على عاتقك عبء هذه المسؤولية عن إنسان آخر .. إلى أن تفعل ذلك فليس لديك أدنى فكرة عما يعنيه أن تكون مسيطراً .

إنْ كنْتَ لا تعتقد أنك _عندما تَخْضَعُ هي لك_ تحوز حياةً بين يديك ، فإنك لا تزيد على أنك تلهو وتعبث ! “

تايلور روز ( 1969 –   )

2- ” إذا لمْ يوافقِ الواقعُ النظريَّةَ … غيِّرِ الواقعَ ! “

ألبرت أينشتاين ( 1879 – 1955 )

3- ” إن الطبيعة تقلد الفنان ! ”

أوسكار وايلد ( 1854 – 1900 )

*********
– القصة :
1- أمُّنُا الأرْضُ !
________________________
الزمانُ : فجر التاريخ
المكانُ : على ضفاف نهر الفرات
لهبُ النار المشتعلة في كتل الحطب المتراصّة يتراقص بجنونٍ وقد عصفَتْ به الرياح فما زادتْه غير تأجّجٍ واشتعالٍ …
البرد القارص قد احتجب وراء دائرةٍ مركزُها النارُ ، وقد بدأ قطرُها في الانكماش مع توغل الليل وتناقص الحطب غير المتفحم ، فتمتدّ يد العجوز بأغصانٍ جافّة تلقيها في النار لتزداد توقّداً وتزداد دائرة الدفء اتساعاً …
ثم تكْملُ القصّةَ للشابات والشباب المحيطين بها وأعينهم شاخصةٌ إليها وقد غفلَتْ أجسادُهم عن الحركة كأنهم تماثيلٌ ….
منظرُهم يزيد من أشجان العجوز ويذكّرها بتلقيها تلك القصص عن جدّتِها عندما كانتْ الجدة في مثل سنِّها وكانتْ هي في مثل سنّ هؤلاء الشباب … ومع الذكرى يزداد صوتُها حنينًا وإثارةً …
– ” …. ثمّ نزلَتْ ( نضراءُ ) ذاتُ النضارة ملكة الربيع من منزلِها السماويّ البهيّ بعد أن سمعَتْ شكوى الفانين وأنينَهم الذي حجبَ صوتَه البردُ القارصُ الذي يجبر الألسنة على البقاء في الأفواه المغلقة …
وما إن لمسَتْ قدمُ ( نضراء ) الأرض حتى نمَتِ الحشائشُ في موطئِ قدمِها ، ومدَّتْ يدَها إلى الأشجار فأورقَتْ ونمَتْ أزهارُها وتفتَّحَتْ ، وانتشر الضياءُ في المكانِ فانتبه إليه ( غاسق ) شديد البأس ، فسار بسرعةٍ نحوَها ، وخطاه القويّة تهز الأرضَ وتبثّ الرعبَ في قلوب الفانين الذي حلّ بهم عذابُه لأسابيع طويلة ، ولما تقابل ( غاسق ) مع ( نضراء ) عاجلَتْه بضربةٍ نافذةٍ ألقَتْه أرضاً ، فهلّلَ الفانون لانتصارِ ملكتِهم على الشيطان الشرير ، ولكنّ ( غاسقَ ) الماكرَ سرعان ما نكص على عقبِه ، وفرد جناحيه الضخمين وطار مبتعداً وهو يتضعضع من أثر الضربة …
وعادَتْ ( نضراء ) ذات البهاء السماويّ لتنشر الربيع في أنحاء الأرض البائسة حتى عادَتْ جنّة غنّاء ، وأٌقبل الناس يأكلون ويشربون ويستمتعون بجمال الأرض … واستمرّ بهم الحالُ أسابيع طويلةً حتّى نسَوا أهوالَ العذابِ الذي حاق بهم على يد ( غاسق ) …
وفي أحد الأيام شعرَتْ ( نضراءُ ) بالضعفِ والتعبِ ، فأقبل الفانون عليها ليعرضوا الأعشابَ التي اعتادوا أن يتداووا بها من مثل هذه الأمراض ، ولكنّ ( نضراء ) السماويّة كانتْ تعلم أنّ هذه الأعشابَ ليسَتْ من القوّة بما يكفي لتعالجها من وجعِها ، وأخبرَتْهم أنّ عليها أن تعود لمسكنِها السماويّ لتشرب من نبع الخلودِ وتأكلَ من ثمار شجرة الحياة لتعودَ إليها قوتُها … ولمّا رأتِ الخوفَ في أعين الفانين طمأنَتْهم أنّها ستعود لهم ما إن تستعيد قوَّتَها ، وشكا إليها الفانون خوفَهم من ( غاسق ) ذي البأسِ , ومن أن يعودَ لعذابِهم ، فأخبرَتْهم بالتعاويذ المقدسة التي يدعونها بها إذا حلّ بهم بأسُه ، لتسمع شكواهم وتنزلَ إليهم لتقضي عليه ..
 ثم صعدَتْ إلى السماءِ …
وما إن اطمأنّ ( غاسق ) اللئيم إلى مغادرتِها حتى عاد لينكّل بالفانين وينشر فيهم الظلام والبرد ويقضي على شجرِهم وأعشابِهم ويمرض بهائمهم ويهزلها ، وينشر الخوف والمرض في صغيرِهم وضعيفِهم ، ولجأ الفانون للتعاويذ ، ولكن ( نضراء ) لم تأتِ ، فهرعوا إلى الحكماء فأخبرَهم الحكماءُ أنّها _لا بدّ_ مَنَعَهَا ضعفُها من الاستجابةِ لهم ، ولكنّها ما إنْ تشربْ من ماء الخلود وتأكلْ من شجرة الحياة حتى تستعيد قواها وتجيب دعواهم ، ونظر هؤلاء الحكماء في النجوم ، فتوصّلوا إلى أنها تستعيد قواها في اليوم الذي يظهر في ليلتِه النجمُ المسمى بالنيروز ، فمتى ظهر النجمُ فليلحّ الفانون بالتعاويذ المقدسة ، وليقدموا الطقوس المعلومة حتى تسمع ( نضراء ) شكواهم فتنزل للقضاء على عدوّهم الجبار ( غاسق ) … ”
كانَتْ أعينُ الشبابِ مربوطةً بتجاعيد وجه العجوز وهي تروي لهم القصة المقدسة كما توارثَتْها القبيلة لقرون عديدة .. وعندما رفعَتْ العجوزُ عينيها إلى السماء وبسطَتْ يدها ممدودة الإصبع التفت الشبابُ جميعاً إلى ما تشيرُ إليه … وجاءَ صوتُ العجوز من غياهبِ التاريخِ بالكلمة المرتقبة :
– ” نيروز ! ”
نظر الشباب في توجس ورهبة للنجم المقدس ، وهو يلمع في السماءِ ، كانوا يعلمون منذ طفولتِهم أنّ دورَهم سيأتي ذات يومٍ ليقوموا بالطقوس المقدسة ليرضوا ( نضراء ) ملكة الربيع حتى تنزل إلى الأرض وتنشر البهجة والضياء .. ولم يكنِ الشباب ولا الشاباتُ بحاجةٍ إلى تحضيضٍ من العجوز ليقوموا بما عليهم القيامُ به …
ونهضَتْ فتاةٌ ثم تبعَتْها أخرى ثم قامَتْ الباقياتُ ووقفْنَ صفًّا أمامَ النارِ ثم بدأنَ في نزع ملابسهنّ حتى وقفْنَ عارياتٍ ولم يكنِ البردُ وحدَه ما تسبّب في ارتجافهنّ ، ولما تعرَّيْنَ بدأتِ العجوزُ في تلاوة التعاويذ التي لم تفهم الفتياتُ منها شيئاً ، ثم قالَتِ العجوزُ :
– ” ( نضراء ) يا مليكتنا الغالية ، هؤلاء فتيات القبيلة قد وقفْنَ أمامكِ كما ولدتْهنّ أمهاتُهنّ يسألنكِ أنْ توفي بوعدكِ القديمِ الذي وعدْتِ به جداتِهنّ أنْ تعودي لنشر الربيع في أرضهنّ متى استعدْتِ قوَّتكِ وشربْتِ من ماء الخلودِ وأكلْتِ من شجرة الحياةِ ، وقد طلع النيروزُ دليلاً على بلوغكِ _يا عظيمة القدر_ قوَّتَكِ الكاملة فأوفي بوعدكِ ، واقضي على عدوِّنا الظالم الغاشم ( غاسق ) ، وانشري فينا الربيع! “
صدر عن النار قعقةٌ ضخمةٌ فارتجفَتِ الشاباتُ ، أما الشبابُ فعلموا أنّ تلك القعقة إشارةُ البدء لتنفيذ دورهم في الطقوس ، فقام كلّ واحدٍ منهم فوقف بإزاء فتاةٍ من الفتياتِ ، ثم بدأوا في التعري أيضاً ، حتى لم يبقَ شيءٌ من الملابس على أحدٍ إلا ما ترتديه العجوزُ التي أكملَتْ قراءةَ تعاويذِها :
– ” يا ( نضراءُ ) , يا مليكتنا الغالية ، وها هم شباب القبيلة قد وقفوا أمامك كما ولدتْهم أمّهاتُهم يسألونكِ مثل ما سألكِ إياه فتياتُ القبيلة ، فإن كنْتِ قد بلغْتِ كاملَ قوتكِ وليس بكِ سخطٌ علينا وحانَ زمانُ نزولكِ لأرضنا فلتقعقع النارُ إيذاناً بذلك ! ”
حلَّ صمتٌ رهيبٌ في المكان بعد أن فرغَتِ العجوزُ من كلامها ، فنظرَتِ الشابّاتُ في خوفٍ للشبابِ ، وجاء صوتُ العجوزِ الضعيف وقد اكتسب قوةً غير بشريّةٍ ، وهي تصيح في حزم :
– ” فالآن يا مليكتَنا الغالية نعلم أنّكِ ساخطة علينا ، ونقتصّ من هذه العذراوات من بنات القبيلة على يدِ أبنائها حتى ترضَي علينا ”
كانَ سيرُ الطقوسِ الطبيعيّ ينتهي بقعقة النار ثم ارتداء الجميع لملابسهم وعودتهم إلى بيوتهم في انتظار الربيع ، ولكنْ في بعض السنين قد تتأخر تلك القعقة الثانية فتستمر الطقوس حتى تقعقع النارُ …
نظرَتِ العجوزُ إلى الشبابِ وهزَّتْ لهم رأسَها ، فتراجع كلٌّ منهم خطواتٍ ليلتقط عصا مغروسة في الرمل نضرة قد حوفظ على نضارتِها ما أمكن بكل الوسائل المتاحة للقبيلة وقد أعدّتْ خصيصاً لهذه المناسبة ، حتى تكون بقيّةً من موسم الربيع الماضي يستجلبُ بها رضا ملكة الربيع ليحل موسم الربيع الجديد … ثم تقدم الشباب إلى الشابات اللواتي ولين أدبارَهنّ لشباب القبيلة وانحنين حتى مسَّتْ أصابعهُنّ أخماص أقدامِهنّ في انتظار القصاص أن يقع عليهنّ _ أنْ كنَّ عذراواتٍ_ نيابةً عن سائر القبيلة حتى ترضى ملكة الربيع وتحل بديارهم … ووقف كل شابٍ بجوار فتاةٍ ثم رفعوا عصيَّهم معاً ، وانتظروا حتى أشارَتْ إليهم العجوزُ فهووا بعصيّهم على مؤخرات الفتياتِ ، لترتجّ هذه في ألمٍ تجاهلَتْه العجوز لتصيح بصوتها العتيق :
– ” يا ملكة الربيع ، فهل رضِيْتِ ؟ ”
ويبدو أن سخط ملكة الربيع على القبيلة كان أكبر من أن تذهب به ضربة واحدةٌ ، فبقيَتِ النار تلتهب ولكنها لا تقعقع ، وعادَتْ نظراتُ الخوف لعيونِ الشابات المطرقة إلى الأرض ، ولم يكنّ يريْنَ ارتفاع العصيّ ولا إيماءَ العجوزِ إذناً للعصيّ بأن تهوي ، فكانَ وقعُ المفاجأة مما يزيدُ من ألمِ العصيّ النضرة على أستاههن البضة ، وعادَتِ العجوزُ للسؤالِ وعادَتْ ملكة الربيع للسكوتِ ، وعادَتْ العصيّ للارتفاع وعادَتْ المؤخرات للالتهاب تحت وقع العصيّ عليها .. ولكنّ النار بقيت على صُمَاتِها ، لتزيد النارُ اشتعالاً في أرداف العذراواتِ ، وبقيَتِ الأمورُ على هذه الحالِ حتى تمَّتْ الضرباتُ عشراً تركْنَ علاماتٍ ؛ ناراً في الأرداف ، وماءً في العيون ، وماءً وناراً معاً في القائم من القائمين وفي المنحني من المنحنيات!
– ” يا ملكة الربيع ، فهل رضِيْتِ ؟ ”
صمْتٌ …
صوتُ العصيّ تشقّ الهواءَ …
تأوّهٌ وراءَه ما وراءَه …
– ” يا ملكة الربيع ، فهل رضيتِ ؟ ”
صمْتٌ …
صوتُ العصيّ تشقّ الهواءَ …
تأوّهٌ ليس وراءَه شيءٌ غير التأوه …
– ” يا ملكة الربيع ، فهل رضيْتِ ؟ “ 
قعقة النارِ!!
– ” يا مليكتَنا ، ولكِ الغبطة ، لقد تمَّتْ لكِ السعادةُ باكتمال قوّتكِ ، وقد بلغ بنا فعلُ عدوّكِ وعدوّنا ( غاسق ) اللعينَ ما لا يخفى عليكِ ، فعجّلي بنزولكِ والقضاءِ عليه ؛ ليعود الربيع إلى ديارِنا ، وتعود الحياةُ إلى أرضِنا وأجسادِنا وبهائمِنا ! ”
كانَتْ هذه الخاتمة المعتادة وقد تعوّد الشباب والعذراوات على ارتداء ملابسهم بعدَها ، ولكنْ بما أنّ هذا الطقسَ القصاصيّ الاستثنائي لم يسبقْ لأيٍّ منهم تجربتُه ، فقد نظر الشبابُ إلى العجوز مستفسرين عما عليهم أن يفعلوه ، بينما بقيَتِ الفتياتُ منحنياتٍ كما هنّ ، وإنْ تنفسْنَ الصعداءِ لنهاية ” العقاب ” وتفرَّغْنَ للتفكيرِ في أمورٍ أخرى!
أمرَتِ العجوزُ الشبابَ أن يرتدوا ثيابَهم ، والشابّاتِ أن ينهضْنَ ويرتديْنَ ثيابَهنّ كذلك ، ثم أطفأوا النارَ وعادوا لبيوتِ القبيلة ، واستقبلَهم الكهولُ بالتهليل والمعانقة ، والأطفالُ بالغيرةِ وتمني أن يحلَّ عليهم الدورُ ليقوموا هم بالطقوس المقدسة …
كان الربيعُ على وشك الحلولِ ، وستكثر فيه الأغصان النضرة الرطبة من مثلِ التي استعمِلَتْ آنفاً في تلك الطقوس، ولن يحتاج الأمرُ أكثرَ من اختلاق مناسبة ما يبرَّرُ فيها هويُّ  تلك الأغصان على تلك الكثبان ليعود قيامُ تلك العيدانُ وبللُ تلك الوديانُ … ولمّا أخلد المشاركون في تلك الطقوس إلى النوم في تلك الليلة كان في عقل كلٍّ منهم؛ فتيانِهم وفتياتِهم ..مناسباتٌ عديدة وأعذارٌ عديدة ؛ تعددتُ وتنوَّعَتْ ، ولكنّها كلُّها تنتهي نهايةً واحدةً ؛ نهايةَ حمراء آسفة !
***********
2- ليس هناك نقطة ارتكاز !
____________________
الزمان : سنة 2008 ميلادياً
المكان : على ضفاف نهر النيل
كان المحاضرُ ملولاً ، وهذا يعني أنه يشرح الفكرةَ مرّةً واحدةً ومن لم يفهمْها فهذا شأنُه ….
كان هذا مناسباً لي ؛ أنا لا أحتاج إلا إلى المرة الأولى ، وأحياناُ أفهم الفكرة في منتصف شرحها حتى ، وأتثاءبُ في مللٍ منتظرةً أن يكملَ الشارح الصورة التي كمُلَتْ عندي بالفعلِ …  ولهذا فقد كنْتُ معجبةً بهذا المحاضر ..
– ” لا أرغب في الخوض في مفهوم الإرادة وفكرة الجبر والاختيار في بعدَيْها العلمي والديني أو المادي والميتافيزيقي ، ولكنّي سأشير في عجالةٍ إلى الفكرة التي سنحتاج إليها في شرحِنا اليومَ ، وهي فكرةُ قدرةِ الفرد أو المجموعة القليلة من الأفراد على تشكيل الوعي الجمعي للجماعة ، أو بعبارة أخرى : النخبوية أم الديمقراطية. ”
كانَتْ هذه السرعة لا تناسب البعض على الذي يظهر ، ولذا فقد رفعَتْ إحدى المشاركاتِ يديها ، ولمّا بدا أنه يتجاهل اليدَ المرفوعةَ تجاهلاً تامًّا ، فقد قامَتْ بدون إذنٍ ، وقالَتْ بصوتِها الجهير :
– “  لم أفهمْ حرفاً واحداً من بداية المحاضرة ”
– ” هذه ليسَتْ محاضرةً ؛ لا يوجد امتحان أو درجات أو درجة علمية أو شهادة حضورٍ ، وأنا لم أتقاضَ منكِ ولا من غيركِ شيئًا ، فبإمكانكِ الانصراف إن شئتِ”
كان كلامُه صحيحاً ، ولكنّ المشكلةَ أكبرُ من ذلك :
– ” ولكنّك تضيّع وقتَكَ ووقتَنا ؛ والوقتُ أثمنُ من المالِ ”
نظرْتُ في استمتاعٍ إلى ملامحِ وجهه وهو يوشك على الانفجار ثم يتمالك نفسَه في اللحظة الأخيرة ، ثم قال :
– ” هلّا تقدمْتِ إلى المنصة رجاءً ! ”
كان ردُّ الفعلِ الطبيعيّ أن تتراجع ، ولكنّ هذه الفتاةَ جريئةٌ بالفعلِ ، فتقدَّمَتْ بخطواتٍ ثابتةٍ إليه ، وسلّمها المايكرفون طالباً منها أن تذكر اسمَها وسنَّها واعتراضَها على أسلوبِ شرحه ، فاستمرَّتْ في جرأتها التي تصل إلى التبجح :
– ” (ساندي) ، أربع وعشرون سنة ، لم أفهم شيئاً ”
علا صوتُ الضحكاتِ ، فقال المحاضر وهو يكظم غيظَه :
– ” ( ساندي ) ؟!  هل تحملين جنسيةً أخرى غير المصرية ؟ “
– ” إن ( ساندي ) اسمٌ شائعٌ الآن في مصر ”
– ” ولكنكِ لسْتِ الآن ، أنتِ أربع وعشرون سنة مضتْ ؛ لم يكنْ هناك أطباق صناعية وقنوات فضائية عندما ولِدْتِ ”
– ” بإمكانكَ أن تناقش ذلك مع والدي إن أحبَبْتَ ، ولكنّ هذا هو اسمي! ”
بدا أنّ المزيد من الضغط يمكن أن يؤدي إلى الانفجار ، وكنْتُ أنا حريصةً على أن أرى نوعيّةَ السبابِ الذي يستعمله أكاديميٌّ نافد الصبر كهذا المحاضر … ولكنّه بدا _ لسببٍ لا أعلمه _ مستعدًّا لمجاراة سليطة اللسان هذه ، وسأل :
– ” حسناً يا ( ساندي ) ، لماذا لمْ تفهمي شيئًا ؟ “
– ” لأنك سريعٌ ، وتفرغ قبل أنْ أدرك أنك بدأتَ حتّى ! ”
بعض الضحكاتِ التي فطنَتْ إلى التورية الجنسية … لا أعتقد أن ( ساندي ) _ التي لم تفهم شيئاً _ قد تعمَّدَتْ هذه التورية ، إنها تبدو أحمقَ من ذلك ، ويبدو أن هذا هو ما يفكّر فيه المحاضر أيضاً ؛ أنها لم تتعمّدْ المعنى البعيد ، بل وقعَتْ عليه صدفةً ، ولهذا فقد جاهد ابتسامتَه ، وقال :
– ” حسناً ، هل يمكنكِ أن تذكري شيئًا بعينِه حتى أشرحه لكِ ببطءٍ فلا أفرغ حتى تملّي أنتِ أولاً ! ”
حسناً إنّ توريتَها هي _ حتى لو كانَتْ غير متعمدة _ أفضل بكثير ، وردَّتْ ( ساندي ) :
– ” مثلاً عندما قلْتَ إنه ليس هناك نقطة ارتكاز ؛ هل هذه محاضرة في الهندسة ؟!  ما معنى هذه الجملة ؟ ”
لا أدري لماذا رفعْتُ يدي ، ربّما شيءٌ ما فيّ كان مستاءً من سرقة هذه المتبجحة الجاهلة للأضواء بينما أنا _ ولعلي الوحيدة التي تفهم كل ما قيل _ لا يلتفت لي أحدٌ ، وفي هذه المرة فقد انتبه المحاضر إلى يدي الممدودة ، وابتسم ، وتناول المايكرفون من ( ساندي ) ، وقال :
– ” حسناً ، متطوعة أخرى ، هلّا تقدمْتِ إلى المنصة رجاءً ! ”
خفق قلبي بعنفٍ ، كان يكفي أنْ يشير لي لأجيبَ _ وهذا في حدّ ذاته مخيف _ أمّا أن أتقدم لأكون في دائرة الضوء أمام كل هؤلاء الأفراد فهذا مرعبٌ _ ولكنْ أليس هذا ما حسدْتُ ( ساندي ) عليه ؟! _ ، قرَّرْتُ أن أثقَ بنفسي وأتقدم ، ولكنّ نفسي لم تثق بنفسِها ، وظلَّتْ ترتعد بين جانبيّ ، وعندما دنوْتُ من المحاضر ، ومن ( ساندي ) المبتسمة في سخرية ، قال المحاضرُ :
– ” الاسم ، السنّ ، الجواب! ”
– ” ( دينا ) ، اثنتان وعشرون سنة ، إمممم ”
قاطعَتْني ( ساندي ) :
– ” هذا هو الجوابُ ؟ “إممم” ؟ “
– ” هلّا خرسْتِ ! ”
واو ، إنّ هذه الفتاةَ تثير الحنق فعلاً ، ونظرْتُ إلى المحاضرِ لأعتذرَ له ، ولكنّه بدا مستمعاً بردّي ، فتجاهلْتُ الاعتذارَ ، وقلْتُ :
– ” الجوابُ هو … ”
– ” هل ستسمح لها بأن تقول لي اخرسي ، دون أن تعنّفَها ؟ ”
– ” إنها لم تقل : اخرسي ، بل قالَتْ : هلا خرستِ ، هلّا : تفيد الحث ، وتُلَطِّفُ من وقع الإهانة ! ”
كان هذا دورُه ليتذاكى عليها ويستغلّ إهانتي في الانتقام من بجاحتِها ، فقلْتُ وقد تجاهلْتُها تماماً :
– ” نقطة ارتكاز ، تعني أن الإنسان لا يستطيع الحكم بصورة موضوعية مطلقة على أي شيءٍ لأنه حتى يفعل عليه أن يخرج نفسَه من الصورة ويقف على نقطة ارتكاز تسمح له برؤية الأشياء المتغيرة دون أن يتأثر بها ، وهو ما لا يمكن أن يحدث لأنه هو نفسه أحد المتغيرات ، ومن ثم فأي نتيجة سيصل إليها ستكون قابلة للشك ، لأنه لا توجد نقطة ارتكاز ! ”
– ” ما هذه السفسطة ؟! ”
كدْتُ أنْ أردّ عليها ، ولكنّ المحاضر أثلج صدري عندما ردّ هو :
– ” إجابة جيدة , ( ساندي ) ارجعي إلى مقعدكِ رجاءً! ”
– ” ولكنّي لا زلْتُ لا أفهم! ”
– ” لا أعتقد أنّ الأمر بيدي! ”
واو ؛ هذا ردٌّ جيّدٌ …. نظرَتْ ( ساندي ) إليّ في غضبٍ ، وكأني اختطفْتُ منها حبيبَها .. مهلاً ، أهذا ما جعلني أرفع يدي ؟!!
– ” هذا جوابٌ جيِّدٌ يا آنسة ( دينا ) ، بإمكانكِ أن تعودي إلى مقعدكِ أيضاً ”
ولكنّي لم أعدْ لمقعدي ؛ كان هناك مقعدٌ شاغرٌ بجوار تلك الـ ( ساندي ) فجلسْتُ فيه ، ونظرْتُ للمحاضرِ فوجدْتُه ينظر جهتَنا في استغرابٍ ، ولكنّه قرر أن هذا ليس مسلسلاً أسبانيًّا ، فاستمرّ في محاضرتِه ، وتابعْتُه بالكادِ بسبب انشغالي بانشغال ( ساندي) التي ظلَّتْ تلهو بمحمولها طيلة المحاضرة ، فلمّا انتهَتْ جاء صوتُ المحاضر ليعيد أجواء المسلسل الأسباني :
– ” ( ساندي ) ، ( دينا ) ! هلّا جئتما إلى هنا رجاءً! ”
كان الجمْع يواصل الانصراف عندما تقدمْتُ إلى مقدمة القاعة ، وووصلَني صفيرُ بعضِ الماجناتِ ، وكأنّها تقترح أن شيئًا ما سيحدث فنظرْتُ إليها في اشمئزازٍ ؛ كان ذلك المحاضرُ وسيماً وصغير السنّ نسبيًّا ، ولكنّ هذا لا يعني أيَّ شيءٍ بالنسبة لي ، الأمر لا يعدو مقترحاً أحمق من الشركة لتطوير كفاءة الموارد البشرية بإعداد دورات في علم النفس والفلسفة يشارك فيها كبارُ أساتذة الفلاسفة الجامعيين ، كان هذا ما تقوله الدعاية ، وربما بسبب ولعي بالفلسفة فقد قبلْتُ المشاركة في هذه الدورة المجانية ، ولا زلْتُ لا أرى في الموضوع أكثر من الفلسفة ، لا شيء أكثرَ من ذلك !
كنا قد وصلْنا إلى بداية القاعة ، فوقفْنا أمام مكتبِه ، بينما هو يُدْخِلُ بعضَ الأوراقِ في حقيبتِه تأهباً للانصرافِ ، وعندما فرغ من ذلك كانَتِ القاعة خاويةً إلا من ثلاثتِنا ، ونظر تجاهَنا وقد عاد إليه مللُه ولا مبالاتُه ثم قال :
– ” لقد بقيَتْ لي محاضرتان أو ثلاثة في هذه الشركة  ولا أريد مشاكل ، في الواقع أنا لا أدري كيف تعاقد هؤلاء مع جامعتي لأعطي هذا المحاضرات ؛ مَن سمح بهذا الموضوع ؟! ولكنْ ربّما لأنها شركة عامة لا تملك إمكانيات كافية لطلب محاضرات من هؤلاء الذين يؤلفون كتباً عن كيفية تحقيق النجاح وأنت نائم ، وهذه الأشياء! ”
– ” مدربو التنمية البشرية ! ”
– ” نعم ، هذا هو اسمهم ، شكراً ( دينا ) ! ”
– ” أنا أيضاً كنْتُ أعرفُ الإجابةَ ، ولكنّي لم أشأ أن أقاطعَكَ! ”
– ” حسناً ، شكراً لكِ أنتِ أيضاً يا ( ساندي )! المهمّ : أنا أتمنى أن تمر المحاضرتان الباقيتان على خيرٍ ، معظم الحضور كما تريان لا يهتمون كثيراً بما أقوله ، ولكنّ شجار فتاتين سيستدعي اهتماماً سلبيًّا ، وسيحول بيني وبين أداء عملي ، كما أنّ… ”
لم أستطعْ أن أمنعَ نفسي من مقاطعتِه :
– ” المعذرة ، ولكنّي أعتقد أن الأمر أكبر من شجار فتاتين ، قبل أن أوجد أنا في الصورة ، كانتْ ( ساندي ) قد قاطعَتْكَ ، وقالَتْ أنك لا تحسن الشرح ، وقلَّلَتْ من شأنك ! ثم ظلَّتْ بقية المحاضرة تلهو بمحمولِها ”
– ” أنتِ فعلاً حقيرةٌ ، هل تدرين ذلك؟ “
جاء صوتُه وكأنه أبٌ متعبٌ من شجار أبنائه :
– ” ( ساندي ) رجاءً لا داعيَ للألفاظ السوقيّة ! ”
– ” هذا هو كلّ ما تراه ؛ الألفاظ السوقية ؟! لقد تطاولَتْ عليّ قبل قليلٍ! ”
– ” أنا لم أتطاولْ عليكِ ! ”
– ” كفّا ! كلاكما! هل هذه روضة أطفالٍ ؟! أنا أستاذ جامعيّ لا يفهم معظم طلبتي ما أقوله ، والآن أضطر إلى إسكاتِ هذه وإرضاء هذه … حسناً سأنصرفُ الآن ، فقط كفّا عما تفعلانِه في محاضرتي ، واصنعا ما شئتما خارجَها ، هل هذا واضحٌ ؟ ”
– ” لا ! ”
كانتْ هذه هي ( ساندي ) بتبجحها المعتاد … نظر إليها في ذهول ، ثم قال :
– ” هذا غير واضح ؟! ”
– ” بل هذا واضحٌ ، ولكني أعترض عليه ، لا يمكنك أن تتهرب من مسئولياتك ، ما سبَّبَ كلَّ هذا هو أنك لا تقوم بواجبك على الوجه الأمثل , ولا تشرح شرحاً جيداً ؛ إنك حتى تتفاخر بأن معظم طلبتك لا تفهم ما تقوله ؛ لا يوجد عاقلٌ يفتخر بهذا !! ”
– ” ( دينا ) ، بإمكانكِ أن تنصرفي الآن ، لقد اتضح لي سببُ المشكلة ، وأنتِ قابليني في مكتبي! ”
– ” ليس لك مكتبٌ هنا أيها التائه ، هذه شركة وليسَتْ جامعةً ”
شهقْتُ في ذهولٍ ، هذه الفتاة جريئة بالفعل … ونظرْتُ إلى وجهه وهو يتحول إلى الأحمر القاني ، ثم قال  _ويكاد اللهب يخرج من منخريه_ :
– ” سأريكِ كيف أنا تائه !! ”
– ” ماذا ستفعل ؟ ستطلب مني بطاقتي ؟ أمْ ستحرمني من دخول الامتحان ؟ هذه شركة وليس لك سلطانٌ فيها! ”
كانتْ محقّةً ؛ ليس بيده شيءٌ هنا ، فقطْ عليه أن يكظم غيظَه وينصرف، ثم تذكرْتُ أنّ عليّ أنا الأخرى أن أنصرفَ ، فقلْتُ :
– ” حسنًا سأترككما لإكمال هذه المناقشة وحدكما. وأذهب لشأني ”
وهنا جاءني صوتُ ( ساندي ) وقد تخلى عن صلفه ، وبدا في الواقع عذباً ومفعماً بالأنثوية _ لقد كانتْ ( ساندي ) فاتنةً ، ولكنّ فتنتَها تستتر وراء كل هذه الصور العدائية التي تقوم بها _ :
– ” رجاءً ، لا تتركيني وحدي مع هذا الوحش ! ”
كان منظر المحاضر الغاضب مخيفاً بالفعل ، ولكنّه رجل أكاديمي وليس رجل غابة ، كما أن قاعة المحاضرات هذه ليسَتْ مكاناً مهجوراً … فلا داعي لهذا الخوف !
ثم فطنْتُ فجأةً إلى القصة كلِّها ؛ إنها تغضبه عمداً ، وتتمادى في الاستهزاء بما يستطيع أن يفعله بها ” هذه ليست جامعتك ؛ هذه شركتي ، لن تستطيع أن تمارس سلطانك المعتاد على من يغضبك من الطلبة ، عليك أن تلجأ إلى وسيلة أخرى ” هذا ما تفعله ، والآن تستغل مغادرتي لتظهر له أنها خائفة منه وتريد مني أن أمنعها منه حتى يقوى عزمُه على البطشِ بها … ولا أدري أيَّ شيطانٍ تلبسني ، ولكنّي قرَّرْتُ أن أفضح سرَّها بكليَّتِه للمحاضر ، فأخبرْتُه بكلِّ ما خطر لي للتو من دوافع صاحبتي ومخططها …
وإن أنسَ لا أنسَ منظرَها وهي ترمقني في غضبٍ وغلٍّ ، والمحاضر يسألني :
– ” ولكنْ لماذا تعتقدين أنها فعلَتْ ذلك ؟ ”
– ” خلافاً لرأيك الذي ذكرْتَه قبل قليلٍ ، فإن الكثيرين يرون أن الاهتمام السلبي أفضل من عدم الاهتمام ؛ خصوصاً في أمور الحبّ ! ”
– ” أيتها الحقيرة المنحطة ! ”
كان ما كشفْتُه من خبيئة نفسِها أكبر من أن تكتفي بسبي عليه ، فصعَّدَتِ اعتراضاتِها ، وحاولَتْ أن تمسك بشعري ، وحاولْتُ أنا أن أهربَ منها ، فانتهى بي الحالُ على الأرضِ ، وقد أحاطتْ وسطي برجليها ، وشدَّتْ شعري وكأنها تحاول نزعَه من فروتِه ، وكان الألمُ حارقاً ، ولكنه لم يستمر ، إذ سرعانَ ما خطفها المحاضر من الأرض ، وجذبها من ياقتِها ، وهي تحاول العودة إلى جسدي الممدد على الأرض لتكمل جنايتَها عليه … ولكنّ قبضة الرجل كانتْ قويَّةً فعلاً ، فلم تتحرَّكْ قيد أنملةٍ من مكانِها ، وقمْتُ أنا بسرعةٍ ، وأعدْتُ هندمة ملابسي ، ونظرْتُ إليها وهي لا تزال تحاول الإفلاتَ والوصولِ إليّ ، واعترَتْني رغبةٌ عارمةٌ في إهانتِها وإيذائها جسديًّا ومعنويًّا ، ولما كانتْ على الذي يظهر أقوى مني ، فقد عدلْتُ إلى الإهاناتِ المعنوية ، فقلْتُ وأنا أصطنع اللامبالاة :
– ” وهو حبٌّ بائسٌ على أيّة حالٍ ، فما الذي سيغري شخصاً عاقلاً بالوقوع في غرام همجية جاهلة ترد على اللسان باليد ، وإذا سمعَتْ جملةً تزيد عن ثلاث كلماتٍ أعلن عقلُها استسلامه ورفع الراية البيضاء وتفرغ لأحلام اليقظة! ”
كان السباب الذي خرج منها بعد ذلك من السوقية بحيث احمرّ له خدا المحاضر نفسِه ، ولا أعتقد أنّني ألومه ، ولكنّ السباب لم يكنْ موجَّهًا له هو بل لي أنا ؛ كل شيءٍ مقدسٍ بالنسبة لي وصله جزءٌ من لعناتِها ؛ أمي وأبي وأسرتي وأبنائي الذين لم أنجبهم ولم أحمل فيهم بعد ؛ كانتْ بطلةَ عالمٍ في السبّ والشتم ، ولهذا فعندما حملَها المحاضرُ حملاً وكبّها لوجهها على المكتب ، لم أستطع منعَ نفسي من الشعور بالظفرِ وبلذة الانتقام ، كنتُ أعلم ما سيحدث بعدَها ؛ هذه هي  أسرع عقوبة جسدية من الممكن تطبيقها بدون ترتيبات وبدون وسائل ولا أدواتٍ مساعدة ، ومع ضمان استقرار المعاقب في مكانه ….
كانَتِ القاعةُ خاليةً وشبه عازلة للصوتِ لطبيعة تخصيصها للمحاضرات والندواتِ ، ولكنْ من الممكن أن يفتح أحدٌ البابَ في أي لحظة ، ولهذا فقد سرْتُ إلى البابِ وأغلقْتُه بالمفتاح ، ولم أكتفِ بذلك حتى قمْتُ بتشغيل أجهزة التكييف على الرغم من أننا في نوفمبر ، حتى تزول أي شكوك في مقدرة أحدٍ في الخارج على سماع صوتِها وهي تتأوه من الألم ؛ ولكنّها لم تتأوه من الألم ؛ لمْ يكنْ ما يصدرُ عنها من أصواتٍ ناشئاً عن الألم ولا عما يشبه الألم ، ولو لم أكنْ أرى بأم عينيّ وأسمع بأم أذنيّ صفعاتِ المحاضر وهي تهوي على ردفيها بأشد قوة ممكنة ، لظنَنْتُ هذه الأصوات الصادرة عنها ناتجة عن شيءٍ آخر ! وفطن المحاضرُ أيضاً إلى ما يحدث فقال في غضبٍ :
– ” ما الذي تفعلينه ؟! ”
– ” أ.. أ.. أتلقى عقابي!  
لك أن تتخيل مقدار دهشة المحاضر وقد تجاوز كل الأعراف والتقاليد الأكاديمية والذكورية والشرقية والغربية والشمالية والجنوبية ودفعه الغضبُ من هوْلِ ما سمعه من سبابٍ إلى أنْ يُقْدِمَ على هذا العمل الذي يفترض أنْ يَقْرَعَ عليه السِّنَّ من ندم بمجرد انتهائه … لك أن تتصور دهشتَه عندما يجد هذا العمل بعينه قد أنتج هذه النتيجة الغريبة المفاجئة …
ورفع يده اليسرى التي ظنّ أنها هي التي أبقَتْها ملتصقةً بالمكتبِ ، فظلَّتْ ملتصقةً بالمكتبِ ، وكفَّتْ يده اليمنى عن ستْهِ ردفيها ، فالتفتتْ برأسِها تجاهه ، وسألَتْ سؤالَ جائعٍ للطعام :
– ” ألن تستمرّ في عقابي ؟ ”
– ” هل تريدين ذلك ؟! ”
– ” لا ! ولكنّي أستحقّه ! ”
***
رفع ( هشام ) عينيه إلى زوجتِه ، وقال :
– ” هذه هي نهاية القصة ؟ ”
– ” بالطبع لا ! ولكني لم أعرفْ كيف أنهيها ، على أية حالٍ ، هل يمكننا أن نلعب هذا السيناريو الليلة ؟ ”
– ” إن فيه ثلاثة أشخاص ! ”
– ” بإمكاننا أن نزيل هذه الـ ( دينا ) من الصورة ، في الواقع أنا لا أشعر بالارتياح لوجود امرأة أخرى تشهد عقابي ، إنَّ وجود امرأة أخرى  في المشهد يعكِّرُ صفوَه بالنسبة لي ”
– ” أنا على العكس من ذلك تماماً ”
– ” بالطبع إنك على العكس من ذلك تماماً ؛ إن الرجال مقززون! ”
– ” هل تحاولين تقليد بطلتك ( ساندي ) هذه ، لأنني على أهبة الاستعداد للعب هذه الشخصية الثانية …. ما الذي كانه اسمُه ؟ ”
– ” أنا لم أسمِّه ، اكتفيْتُ بمهنته ، على أية حالٍ : ما أريد أن نقوم به حتى لو كان في سيناريو آخر هو أن تلعب دورَ شخصٍ لا يربطه بي أي رابطٍ جنسيّ بل إنه مدفوع دفعاً بسبب شقاوتي إلى أن يعاقبَني بهذه الطريقة على الرغم من أنه لو راجع نفسه ولو لثانية لما جرؤ على هذا الفعل ؛ أيْ صدورُ عمليّة العقاب عن دوافع غير جنسية وغير مخطط لها على الإطلاق بل نتجَتْ بشكل عفويّ ، ثم تفاجؤ الشخص بأنّ ما يقوم به ليس عفويًّا لا يعرف كيف فكَّر في إحداثِها ، بل هو في الواقع شيءٌ خطَطْتُ له من البداية ؛ هذا التابو هو ما أرغب في التظاهر به! ”
– ” وهو ما يقودُنا إلى القصة غير المكتملة ؛ ما الذي يفترض أن يحدث عندما يكتشف المعاقب أن فتاتَه تكاد تُنْزِلُ من الشهوة … ”
– ” تُنْزِل ؟! تُنْزِل ؟! ييييعع ! “
– ” كيف تقولين إذاً ؟! “
– ” لا أدري .. شيءٌ شاعريٌّ ! ”
– ” أنّ فتاتَه قد صارَتْ سحابةً ، وانتقلَتْ إلى جزءٍ باردٍ من الغلاف الجويّ فهي على وشْكِ أن تمطر بغزارة ؟ ”
– ” أعتقد أنك تخلط بين النساء والرجال ؛ إن النساء في المعتاد تندى ولا تُمْطِرُ! ”
– ” هذا ليس ما حدث البارحة! ”
– ” أوووه ، هذا لطيفٌ في حقك أن تعتقد أني فعلْتُ ،  كأنك قادرٌ على أن تصل بي إلى تلك المرتبة ! بل لقد كان كله تمثيلاً! ”
– ” تعالَي هنا ! ”
– ” ( هشام )! حبيبي ! أنا أمزح ؛ لقد كانَتْ أمطاراً استوائية البارحة ؛ لقد خجلْتُ من نفسي حتى!  
– ” تعالَي. هنا. الآن!! ”
– ” نحنُ لم نتفقْ على تفاصيلِ السيناريو بعد! ”
– ” هذا ليس سيناريو ؛ هذا هو ما تكتب حوله السيناريوهات! ”
– ” أنت بحاجة إلى نقطة ارتكاز حتى تعلم أيهما سبق الآخر! ”
– ” أنا لا أفهم ما تقولينه ، ولكنّ هذا لن ينجيَكِ من العقابِ ، انزعي كلَّ شيءٍ يا حلوة ، ودعينا نرسم الخطوط الحمراء على مؤخرتك حتى تذكرك بالخطوط الحمراء للمزاح!”
– ” (الخطوط الحمراء والخطوط الحمراء) ؛ هذا تعدّد للمعنى ناتج عن الاستعمال المجازي ؛ لا بأس به ، ولكنه أٌقل قوة من المشترك اللفظي ! ”
– ” لا تخافي ؛ سيأتيك ما هو أكثرُ قوةً عما قليلٍ ! ”
– ” (قوة وقوة) ؛ لا زلْنا في تعدد المعنى ! “
– ” هل تريدينني أن أقوم لأعرِّيَك بنفسي ، وحينَها سأنسيكِ معنى تعدّد المعنى “
– “(معنى تعدد المعنى) ! هذا ليس تعدد معنى حتى ! ”
– ” ( لـــيـــلـــى ) !! “
– ” تعرَّي! “
– ” فيمَ العجلةُ يا حلوة ؟ إنكِ لا تنزعين غلافَ هديّة ؛ رويداً رويداً ؛ إني أريد أن أستمتع بالمشهد! ”
– ” هكذا فلْيكُن يا متعةَ العينِ وجنّةَ النفسِ ؛ الآن يرى ردفاك مني ما يسوؤهما “
– ” متى صار جزاء الإحسان الإساءة ؟! “
– ” أما جسدُكِ فمحسنٌ لا شك في إحسانِه ، وأما لسانُكِ فمجرمٌ عريقٌ في الإجرامِ ، وإنه يُؤخَذ المحسِنُ بذنب المسيء! “
– ” باب : ما جاء في لا تزر وازرةٌ وزرَ أخرى”
– ” باب : ما جاء في العاقلة 
– ” هذا ردٌّ لا بأسَ به ! ”
– ” لو لم تكفي عن تقييم ردودي ، فسأردُّ ما يوشك أن يصير هزلاً جدّاً! ”
– ” بين ردودي وردّ _التي بمعنى صيّر_ جناسٌ , كما أنّ ما الموصولية : مفعول أول لـ(ردَّ) ، وجِدًّا : المفعول الثاني ، وصلة الموصول فيها خبر صار المنصوب ، وقع بينه وبين المفعول الثاني تضاد ، وتجاورا في المحل ؛ تضادٌّ وجناسٌ في جملة واحدة : لا بأسَ بذلك على الإطلاق ! “  
– ” حسناً : هذا ما عملَتْه يداكِ ؛ تعالَي هنا ! ”
– ” كم تقول : تعالي هنا ، ولا آتي؟! ، فلو كنْتَ رجلاً لأغنَتِ الأولى عن الأخرياتِ ، ولكنْ جرّأني على تجاهل أوامركِ صِغَرُك في عيني ! ”
ولأول مرة في زواجِهما الذي استمرّ سنتين ، يلمع الغضبُ في عيني ( هشام ) بهذا الجلاء ، فركضَتْ زوجتُه إلى مكتبِها عاريةً ، وكاد يطاردُها من فرط غضبِه عليها ، ولكنّها لم تمْهلْه حتى عادَتْ بأوراقٍ ، وسلَّمَتْها له كالمعتذرة ، وكان على وشك أن يغلق عقلَه الغضبُ ، ولكنّه تدارك نفسَه ، ونظر في الأوراق سريعاً ، فوجد فيها :
( قال هشام في سخطٍ :
 – ” تعالَي هنا ! ”
– ” أرجوكَ ! على الأقلّ دعْنا نتفقْ على تفاصيلِ السيناريو أوّلاً ! ”
– ” هذا ليس سيناريو ؛ هذا هو الأصل الذي حاكاه السيناريو! ”
– ” أنت بحاجة إلى نقطة ارتكاز حتى تعلم أيهما سبق الآخر! ” )
لم يكُنْ تبادلُهما لهذه الجمل قد مرّ عليه أكثر من دقائق ، وعلى الرغم منه شعر ( هشام ) بالتوجس من غرائبية الموقف ، ثم نظر مرة أخرى في الأوراق فوجد فيها العبارة الممضّة :
(
– ” كم تقول : تعالي هنا ، ولا آتي؟! ، فلو كنْتَ رجلاً لأغنَتِ الأولى عن الأخرياتِ ، ولكنْ جرّأني على تجاهل أوامركِ صِغَرُك في عيني ! ”
ثم أمسكها إمساك النمر بالخشف ، وكان غاضباً عليها لمقالتها تلك فما أراد أنْ يمسّه من جسمها شيءٌ ، فطرحها على السرير ، وحلّ حزامه ، وهي تتمسك بملاءة السرير تمسك الغريق بمنجده ، ولمّا يمسَّها الحزامُ بعد ، فلما جعلَ الحزام يصبغ جلدَ ردفيها البَضَّ بحُمْرَةٍ قانيةٍ امتزجَتْ بالسرير امتزاج الخمر بالماء ، وعلا نحيبُها … ولا يزال وقعُ كلمتِها تلك يرجح أثرُه بأثر نحيبِها ، فلا تحول رقةُ قلبِه عليها _لِما يرى من بكائها_ دون فعلِه لما يزيد البكاء ، حتى بلغ النحيب حدًّا رجح فيه على كلماتِها الحديدة تلك ، فكفّ زوجُها عمّا يفعلُ ، ونظر إلى ما قدَّمَتْ يداه ، وقد عادَتْ إليه نفسُه ، وسكتَ عنه الغضبُ , فكاد يبكي أسفاً على ما يرى مِن تكوّم الحسناء الرقيقة الباكية على فراشِه الذي طالما شَهِد ضحكاتِها من قبل، وقد بثَّتْ ما بقي فيها من قوةٍ في عضلاتِ صدرها وبطنها لتوسِعَ وتضيِّقَ رئتيها فتعلو شهقاتُها وزفراتُها باكيةً آنّةً .. فأرادَ أن يواسيَها ؛ ولكنْ : علامَ يواسيها ؟! على ما فعله بها ؟! ولم يستطعْ أن يمنعَ نفسَه… فدنا منها وجلس على السرير ، فنهضتْ وعانقَتْه وأقبلَتْ تتأسّف إليه كأنها هي المسيءُ وكأنه هو المحسن … )
لم يكملْ ( هشام ) قراءةَ الأوراقِ ، ونظرَ إلى زوجتِه التي لا تزال ثيابها ملقاةً على الأرضِ ، وقال  :
– ” لا مزيدَ من هذه الألعابِ ، لو سلَّمْنا بأنني أوصلَني الغضبُ إلى مثل ما وصفْتِه في قصتكِ ، لكان أحبَّ إليّ أن أموتَ من أن ألقاكِ بعدها بعد ما صنعْتُه بكِ ، هذا مفهومٌ ؟ ”
هزّتْ ( ليلى ) رأسَها ، فأشار إليها لتدنو منه ، فدنَتْ .. وأجلسها في حجره وقبّلَها ، ثم قال :
– ” لن أقدر على أن تمسّ يدي مؤخرتَكِ بشيءٍ _هزلاً ولا جدًّا_ هذه الليلة بعد هذا الذي قرأتُه ، ولكنْ ما كلُّ العقابِ يؤذي الجسدَ ؛ أنتِ محرومةٌ من كتابة أي قصة من هذا النوع لشهرٍ كاملٍ ! ”
كانَتْ المعابثةُ تطلّ برأسِها من عيني ( ليلى ) ، ولكنّها جاهدَتْ نفسَها حتى لا تقول شيئاً عابثاً ، واصطنعَتْ ما أمكنَها من الوقارِ ، وهي تقول :
– ” بالطبع إنّني أقدر رغبتَك في عدم نكْءِ الجرحِ _ الخياليّ الذي لم يقع _ ، وأشكرلك عفوَك عما فعلْتُه وعدم معاقبتي بشيءٍ! ولكني لا زلْتُ أرغبُ في التأكيد على النقطة التي أثرْناها في حوارِنا قبل قليلٍ عما إذا كانَتِ الفكرة تسبق الواقع أم أن الواقع يسبق الفكرة ؛ وأعتقد أنني قدْ أثبتّ _ إلى حدٍّ بعيدٍ _ أنّ خيال المبدع قد يشكّل الواقعَ في أحيان كثيرة! ”
قبض ( هشام ) على ردفَي زوجتِه ، وهو يذكّر نفسَه بوعده الذي قطعه ألا يمس هذان منه سوءٌ في هذه الليلة ، فينهي نفسَه عن حطئهما ، ثم قال :
– ” في المرة القادمة عندما تقومين بتجربة عمليّة ، لا تجعلي هذين في مرمى النيران ”
– ” هذه استعارة مرشحة ! ردٌّ جيدٌ ! ”
– ” ( لـــيـــلـــى ) !! “
_____________________

قصة : السَّتِهُ ! ( م / ف )


قصة : السَّتِهُ !  ( م / ف )
– بضعة تنويهات :
تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .
تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين رجال ونساء , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .
تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب من أن يكون ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ
فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 
تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .
فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .
– اقتباسان :

الاقتباس الأول : مِنْ قاموس (لسان العرب) لابن منظور ( 1232 – 1311 م )  في مادّة (س ت ه) :

( …

 والسَّتَهُ: عِظَمُ الاسْتِ.

والسَّتَهُ: مصدر الأَسْتَهِ، وهوالضَّخْمُ الاسْتِ.

ورجل أَسْتَهُ: عظيم الاسْتِ

بَيِّنُ السَّتَهِ إذا كان كبير العَجُز، والسُّتاهِيُّ والسُّتْهُم مثله.

( وقال ) الجوهري: والمرأَة سَتْهاءُ وسُتْهُمٌ، والميم زائدة،

وإذا نسبْتَ إلى الاسْتِ قلْتَ : سَتَهِيٌّ، بالتحريك، وإن شئت اسْتِيٌّ ؛ ترَكْتَه على حاله ،

وسَتِهٌ أَيضاً_ بكسر التاء_ كما قالوا حَرِحٌ. قال ابن بري: رجل

حَرِحٌ أَي مُلازمٌ للأَحْراحِ ( جَمْعُ حِرٍ : فَرْجُ المرأة ) ، وسَتِهٌ : مُلازم للأَسْتاهِ.

قال ( الجوهريّ ) : والسَّيْتَهِيُّ الذي يتخلَّفُ خَلْفَ القومِ فينظرَ في أَسْتاهِهم؛ قالت العامرية:

لقد رأَيتُ رجلاً دُهْرِيًّا   ||      يَمْشِي وَراءَ القومِ سَيْتَهِيًّا

ودُهْرِيٌّ: منسوب إلى بني دَهْرٍ بَطْن من كلب.

والسَّتِهُ: الطالبُ للاسْتِ، وهو على النسب، كما يقال رجل حَرِحٌ. قال ابن سيده: التمثيل لسيبويه.

…..

وسَتَهْتُه أَسْتَهُه سَتْهاً: ضَرَبْتُ اسْتَه.

 …. )

 الاقتباس الثاني : من كتاب (الساق على الساق في ما هو الفارياق ) طبعة سنة 1855 ميلاديًا بباريس , لمؤلفه فارس يوسف الشدياق ( 1804 – 1887 م ) :

 ( …. فلمّا حانَ الرقادُ , اضطجَعَتْ في الفراش , وأدارَتْ وجْهَها إلى وجه الحائط ؛ وهذا هو المقصود من هذا الفصل ؛ تنبيهًا للناس على أن هذه العادة هي من جملة العادات التي أخطأوا استعمالَها ؛ إذ ليس في الإدبارِ شيءٌ يدُلّ على الغيظ , بل الإقبال هو المظنّة له ؛ فإنّ المرأة إذا واجهَتْ زوجَها عند الاضطجاع , وقطّبت وجهها في

وجهه وزوت ما بين حاجبيها، أو شمخت , أو سدّت منخريها أو غمضت عينيها كيلا تشمّ رائحتَه  وتبْصِرَ سحنتَه , أو غطّتهما بيدها أو بكمها أو منديل كان ذلك إشارةً إلى غيظٍ .

فأمّا في تولية الدبر فلا علامة تدل عليه . فإن قلْتَ : ( إنها إذا واجهَتْه ربما غثَتْ نفسُها من نَفَسِه ؛ إذ الرائحةُ الكريهة لا بدّ وأنْ تُفْعِمَ المناخِرَ _وإن سُدَّتْ_  فلا محيصَ عنه إلا بالإدبار) , قُلْتُ :

(الأولى أن تستلقي فيندفع المحذور ).

 وبعدُ , فإنّ الدُّبُرَ هي من الأشياء التي طالما عُنِيَ الناسُ بتفخيمها وتكبيرها وتعظيمها حسًّا ومعنى :

أمّا حسًّا فلأنهم اتخذوا لها الزناجب والمنافج والمرافد والرفائع والأعاجيز والغلائل والمرافق والعُظامات والحشايا والأضاخيم والمصادغ ؛ اجتذاباً لقلوب الناظرين وفتنة لعقول العاشقين. فكيف يكون شيء واحد مستعملاً وسيلة للرضا والغضب معاً ؟! فهو خُلْفٌ بيِّنٌ..

وأمّا معنى , فلأن العلماء والأدباء وسادتَنا الشعراء ما زالوا يتغزلون بها ويتنافسون في عَرْضِها وسِعَتِها، حتى إن بعضَهم قال :

من رأى مثل حِبّتي   ||      تُشْبِهُ البدْرَ إذ بدا

يدخلُ _اليومَ_ خِصْرُها     ||    ثمّ أردافُها غدًا

وقال عمر بن كلثوم :

ومأكمةً يَضِيقُ البابُ عنها    |||     وخِصْرًا قد جُننْتُ به جنونا

ولقائلٍ هنا أن يقول : إن الشاعرَ لم يصِفِ الخصْرَ إلا بكونه مُوجِباً لجنونه. وإن الإشارة إلى كونه نحيلاً _بناءً على جنون الناس به إذا كان كذلك _ غيرُ ناصّةٍ .وأحرى أن يكون هذا المفهوم الضمنيّ جاريًا على وصف كل عضو. إذ لو قال : “ومأكمةٍ جنِنْتُ بها جنونًا”  لعُلِمَ بالبديهة أنها تملأ الباب ويفضْلُ منها شيءٌ , ويا ليت شعري هل الألف واللام للعهد الجنسي أو الذهني؟ وهل الإمام الزوزنيّ تعرّض لشرح ذلك ؟

 ثم إنه من أهّم ما يشْغَلُ بالَ المرأة ويُسْهِرُهاالليالي هو أن تَفْتِنَ ناظِرَها ؛ بتفخيم ذلك الموضع الرفيع العالي.

وربّما لهِيَتْ عن وجهها وسائر جسدها وغادرَتْهُ بلا زينةٍ من فَرْطِ اشتغالِها به , ولو تضمّرَ وجهُهَا , وذَوَتْ غضاضةُ بدَنِها لِمَرَضٍ أو كَبَرٍ فقلّ اعتمادُها على محاسنِها لم تبرَحْ معتمدةً عليه ومتعهدةً له.

فهو رأسُ مال الخلْبِ والتشويقِ . وما من امرأة إلا وتتمنى أن يكون لها عينٌ في قفاها لتكونَ ناظرةً إليه ومتعهدةً له دائمًا.

ولقد يهونُ عليها أن تقف ساعة أو تمشي ساعتين أو ترقص ثلاثاً ولا أن تقعد هنيهةً خشيةً مِنْ أن يخْشَانَّ أو يضمر.

وإنها حين تنظر إلى عِطْفِها وهي ماشيةٌ أو راقصةٌ فما هو إلا رمْزٌ إلى ما ورائه.

وإنّ تَهَدْكُرَها وتَبَهْكُنَها هما أنشَبُ مصلاةٍ يعلَقُ بها قلبُ الرجل.

وذلك لأنها تعلم أن الحكمة الخالقية رسَمَتْ _من الأزل_ بأن تكون كثْرةُ اللحم والشحم في ذلك الموضع _ بالنسبة إلى سائر البدن لا بالنسبة إلى دكاكين اللحامين_ شائقةً للملوك والسلاطين والأمراء والقضاة والأئمة والقسيسين والأحبار والموابذة والهرابذة

والعلماء والبلغاء والخطباء والأدباء والشعراء والعطارين والصيادلة والعازفين بآلات الطرب ولسائر الناس , لا لأنهم يتخذون من لحمِه كبابًا أو من شحمه إِهالة, أو يستصبحون عليه,

أو يتخذون من جلده كُوْبة. ولكن ملْأً لعيونهم وشرحاً لصدورهم. فإن عين ابن آدم _ مع كونِها ضيّقةً_ لا يملؤها ما هو أوسع منها وأكبر بألف مرة. وإشعارا لهم بأن حكمتهم في هذه الدنيا وتنطّسَهم وعزهم ومجدهم _ وإن علَتْ على الأطواد الشامخة والجبال الشاهقة _ فما هي إلا سافلة عن حضيض هذا الموضع .

ألاَ وإنها تعلم إنك إذا أجْلَسْتَ _ مثلًا_ أحدَ هؤلاء الأعزة الكرام أمام بعض المناصع على سرير مذهب, وضرَبْتَ عليه قبّة ممّوهة

مزخرفة منمنمة منقشة مزوقة مكسوة بالحرير والديباج ومكللة بالزهور والرياحين , استنكف أن يقعد هناك نصْفَ ساعة , على أنه لا يستنكف أن يقعد عامّةَ نهارِه وليلِه لذلك المقام المنيف _ وهو حاسرُ الرأسِ، مشعث الشعر، حافي الرجل، فاغر الفم , مندلع

اللسان، سائل اللعاب, محملق العينين، مشمر الذيل، شابح الذراعين معوجّ العنق , مؤلّل الأذنين، في أقبح هيئة يمكن للإنسان أن يتصورها في حق ذي مقام_ , حتى لو سمع نأمة من هناك لظن أن السلطان قد بعث إليه بآلات الملاهي يهنئه على هذا الفوز العظيم، والمغنم العميم، وتصوّرَ في باله أن صوت العود لم يكن بأشجى من غيره إلا لكون هذه الآلة قد صنعت على مثال شطر ذلك الموضع ولو كان كالشطرين لسُمع له منطقٌ بإعراب. وأنَّ شكل القبة مأخوذ منه. ورائحة الندّ تروى عنه، وأنّ العرَبَ من زيادة شغفهم به ألحقوا

حروفه بالأفعال السداسية الدالّة على طلب الفعل أو التي يعتبر فيها الشيء كونه على حالٍ مَا من الأحوال. وأن فردسة صدور الرجال وعرض ظهورهم لا تجدي نفعاً مع عرضه. وأنّ المعالي في السَّراة متى تلُحْ لهم ذاتُ تأكيمٍ يَعُدْنَ مسافلًا، وأنّ هذه الحقيبة _مع ثقلها ,

سواءً كانتْ حاملةً كما ذهب إليه بعض الشعراء، أو كانت محمولة كما هو في الواقع _ فليس ثقْلُها إلا كثقل كيسِ ذهبٍ على حامله. وأنها أسخن الأعضاء جميعاً في الشتاء إذ لا تحتاج إلى تدفئة وأبردُها في الصيف. وأنّها _مع كونِها أوّلَ ماسٍّ للأرض عند القعود _ فلا تزالُ أنْعَمَ من الخدين , وأملس من اللديدين، فلهذا كانَتْ لذّةُ تقبيلِها للمقبّل العذريّ أعظمَ من لذّةِ تقبيل الذقن والأنف والعين والجبين. وأنّ الناس يبتذلون لها أسماءَ الملوك والسلاطين، وذوي السيادة والمعالي وأئمة الدين. وعند قومٍ _أقول وأستغفر الله_ تذالُ لها الأسماءُ الحسنى، على أنَّ تسبيحَهم كل يوم أن يقولوا ربنا تقدّس اسمك.

ألا وإنها تعلم أن كثيراً من البهائم أعقل من الناس أو أسعد حالاً من أصل الفطرة ؛ فإنّ الذَّكَرَ من الحيوان غير الناطق لا يهيج على

هبرتين من اللحم في أنثاه _ مع احتوائهما على القبل والدبر_ إلا في وقت معلوم, وهذا الذكر من الحيوان الناطق لا يزال هائجاً عليهما مزبداً لاغماً راغياً متزغّماً هادراً محمحماً مبقبقاً مقبقبًا زاغداً مُلْعباً جالباً لاجباً وربما جنّ أيضاً. وما ذلك إلا لمجرد وَهْمٍ ؛ أنهما

بأهدافهما تعينانه على خسق الهدف من قُبُلٍ . وإلا فما سبب هذا الجنون؟

 نعم , وتعلم أيضاً أن هذا الموضع _ مع كونه في حيّز الجسم الأسفل _ فهو موازٍ لخط الرأس ارتفاعاً ؛ إشارةً إلى أنّ تسَفُّلَه لا يحُطُّ من قدره ورفعته. حتى لو فُرِضَ أنه جُعِلَ عند الرِّجْلَينِ لبقيت له هذه المنزلةُ والاعتبارُ بعينه.

حتى إنّ بعض النساء يرين أن كشفه أوْلى من كشف الفم لأنه أقلُّ أذىً منه ؛ إذْ لم يُعْلَمْ _إلى الآن_ أنّ أحداً قُتل بفَلْتَةٍ منه , فأمّا فلتاتُ اللسان القتّالة فلا تعدُّ ولا تحصى.

وبُناءً على ذلك كنَّ يتعمّدن الخروج في اليوم الراحِ ( يومٌ راحٌ : شديد الريح )  , وهو عندهنَّ من الأعياد المباركة.

وبعضُهُنَّ يرَيْنَ أنه جديرٌ بالحلي والزينة والتنقيشِ _ سواءً كان ظاهرًا أو مستورًا_ .

قال بعض السّتاهيين :

يا سائلي عن أيِّ جزْ         ءٍ في المليحِ أجملُ

لقد روى أستاذُنا :        (نِصْفُ الجَمَال الكَفَلُ )

قال : وذلك لاشتماله على أشكال كثيرة، لأنك إذا اعتبرت ذروة الرانفة وَحْدَها ظَهَرَ لك الشكلُ المخروطُ ، وإذا اعتبرْتَها مزدوجة بالأخرى تبيَّنَ لك نصْفُ دائرة أو شكلٌ هلاليّ ، وإذا نظرْتَ مِن نقطة العيسب إلى غاية ما يوازيها من سطح الشق الواحد بدا لك المستوى أو المسَطَّحُ، أو منه إلى ما دون ذلك قابلك المقبّبُ والخطّ المنحني، وإذا اعتبرته مع الأكباب واجهَك المجوَّف وهلمّ جرًّا. وليس من سائر أعضاء البدن من الأشكال ما لهذا.

 قلْتُ :  ما أشْوقَ قولَ الشيخ ناصيف اليازجيّ الأديبَ المشهورَ :

وتموّجَتْ أردافُها فأخو الهوى   ||      بين اضطراب الموجتَينِ غريقُ

ثم إنّ الظاهِرَ مِنْ وجودِ اسْمِ المرفدِ في لغتنا هذه الجليلة ، ومِن قول صاحب القاموس : ( المخدّم : رباط السراويل عند أسفل رجل المرأة) أنَّ لباسَ نساء العرب قديماً كان كلباس نساء الشام الآن. أو لعلّه كان خاصّاً بالحواريات ، غير أن قول المتنبي : (وأعِفّ عمّا في

سراويلاتها) يفيدُ التعميم ، بناءً على تغزّلَه بالبادياتِ , كما أشار إليه بقوله : ( وفي البداوة حسْنٌ غيرُ مجلوبِ ) _ وقد تقدَّم _ .

 قال القاموس : ( الدُّبُرُ _بالضم وبضمتين_ : نقيض القُبُل , ومِن كلِّ شيءٍ عقبُه ومؤخِّرُه – والاست والظهر ) قلْتُ : أسماء حروف هذه اللفظة لها معانٍ . وهذه الحروف كيفما قلّبْتَهَا ظَهَرَ لك منها أيضاً معنى ، وكذا إذا جمعْتَ بين كل حرفين منها، وعدُدُها بحساب الجُمّلِ مزدوجٌ ؛ إشارةً إلى ازدواج الجهتين ، كما أن الضمتين إشارة إلى الثقل والرزانة. ومادتها من أغرز الموادّ، وهل وضْعُها مؤخّرٌ عن المؤخّر أو متقدمٌ عليه ؟ أو اشتقاقُها من قولهم جئتُك دُبُرَ الشهرِ أيْ آخرَه أو اشتقاق هذا منها ؟ خلافٌ . والظاهِرُ أنّ الأمور المعنوية الاعتبارية مشْتقةٌ من الحسِّية , وبَقِيَ الخلافُ في اشتقاقها من عَقِبِ الشيء، وقد ورد في القرآن  ولّوا الأدبار ، وأنْكَرَها المُطْرانُ أتاسيوس التوتنجي في كتاب الحكّاكّة في الركاكة .

واعلمْ أنّ العرب قد وضعت للدبر ما ينيف على تسعين لفظة ما بين اسم ولقب وكنية. فمن أسمائها ما تقدم في ( إثارة الرياح  ) ومن بعْضِ كُناها أمّ سُوَيد وأمّ العِزْم وأمّ خنَّوْر. فلولا أنهم أنزلوها منزل الأسد والسيف والخمر في البأس الفتك والإسكار لما خصّوها بذلك.

لا يَرِدُ هنا ما قاله ذلك الأعرابي في السنّور : ( لعنه الله ما أكثر أسماءه وأقّل ثمنه) ,  فإنّا نقول : إنّ قلة ثمن الحيوان لكثرة

وجوده لا يقدح في قيمته ومنافعه. وإن كثرة أسمائه هي مِنْ حَمْلِ النظيرِ على النظير لحصول المشابهة بينه وبين أمّ أمّ سويد ؛ من جهة أن السنّور هو من الحيوانات الكثيرة النتاج , ومِنْ

طبعِه اللعبُ والهِراش , وإن يكُنْ يعْقُبُه _غيرَ مرّةٍ_ خدْشٌ وإدماء ,  وخمش وإصماء , وحمش وإعماء. وله تحمّلٌ على المكاره والأذى حتى قيل إن له سبعة أرواح . ولا يعجزه صعود شرف ولا هبوط , هوة. وإنه إذا شمّ رائحة شيء أعجبه من الطعام تسلَّقَ على الجدار

ودَخَلَ أضْيَقَ مكانٍ حتى يظفر به. وأنه إذا مرَّتْ عليه يدٌ نفَّش ذنبه واخذ في خرخرة وهينمة تُفْصِحُ عن رضاه باللمس. ومن طبعه أيضاً النظافة والأكل خفوة ؛ حياءً أو خوفاً .

فإن أبَيْتَ إلّا المشاحّة _ كما هو دأبك من أول هذا الكتاب_ بأنْ قُلْتَ : ما بال أسماء الداهية والعجوز إذاً كثيرةً وأسماءِ الشمس والقمر قليلةً إذا كانت التسمية مبنيّة على جلالة المسمى أو نفعه ؟  قلْتُ : أما كثرة أسماء العجوز فباعتبار أنها كانت صبيّة أو أنها تكون

ذريعةً لها. وأما الداهية فباعتبار خشْيَتِها. والإجلال قد يكون عن خشية كما يكون عن مِقَةٍ. فأما الشمس والقمر فأسماؤها كثيرة جداً غير إنها لم تشتهر عندنا وليس ذلك بأوّل ظلم فعله الناس في حق اللغة _ كما بيَّنْتُه في كتاب آخر_ .

ثم هذه جملة الأسماء والصفات التي وُضِعَتْ لأمّ أمّ سويد . وقد بذلْتُ الجُهْدَ في استقرائها , وهي:

 الأثيثة الخبنْداة الراجح الرَّجاح الرَّداح الدُلَخة البهَيْر الشَوْترة العَجِزة العَجْزاء والمُعجَّزة الدَّهاس الدَهساء البَوْصاء اللفَّاء

الركراكة الزكزاكة الوكواكة الضِبرك الضنَّاك العَضنَّك الوَرْكاء الوَركانة الثَّقال الجزلة السجلاء المكفال الهركولة المؤكَّمة الألياء الأليانة .

ومن الغريب أن صاحب القاموس ذَكَرَ الأستهَ والسّتاهي ولم يتكرم علينا بمؤنثهما فأنا أثبَتُّهما هنا عن إذنه .

ومن ذلك : نفج الحقيبة , ذات الأهداف , ذات التأكيم , ذات الرضراض , مِنْ نِسْوَةٍ بلاخٍ , ولك أن تقول بَلخاء ؛ وإن لم يذكرْها

الفيروز أبادي إلا بمعنى الحمقاء.

هذا ما عدا ما يشير إلى هذه الغبطة والسعادة من الألفاظ إشارةً صريحةً نحو :

الجعباء : الضخمة الكبيرة.

الجَلَنْباء : السمينة وكذا الخُنضبة والخَضْعَبة والكبْكابة والحوثاء والوَعثة.

الخِدَبّة : الضخمة.

الدِخْدبة : المكتنزة.

السَرْهَبَة : الجسيمة.

الطُباخيَّة : الشابة المكتنزة.

اللبُاخيَّة : اللحمية وكذا الدعِكاية.

المُبرْندة : الكثيرة اللحم ومثلها الهُدكورة.

الثَأدة : المكتنزة الكثيرة اللحم.

الثَهْمَد : السمينة العظيمة.

الرَجْراجة : التي يترجرج عليها لحمها.

الضَّمْعَج : المرأة الضخمة التامة.

البَيْدَج : البادن وكذا البَلْدج.

الدَّحوح : العظيمة.

الدُمْلحة : الضخمة التارة.

الصَلدحة : العريضة.

البيدحة : التارّة.

المُرمورة : الناعمة الرجراجة.

الدخوص : الممتلئة شحما.

الرَّضراضة : الرجراجة.

البلِز : الضخمة.

الدَحملة : الضخمة التارة.

الدُمحلة : السمينة ومثلها الجَمُول.

الرَّبلة : العظيمة الرَبَلات.

القِصاف : العظيمة.

المُزنَّرة : الطويلة الجسيمة.

المُلعَّظة : السمينة الطويلة الجسيمة.

الهَيْكَلة : العظيمة.

الضُناكة : الصُلبة المغصوبة اللحم.

الكِناز : الكثيرة اللحم الصلبة.

المُنِزّزة : المتصلبة المتشددة.

المُلزّزة : المجتمعة الخلق الشديدة الأسر.

الخَنْضَرف : الضخمة اللحيمة الكبيرة الثديين.

القَهْبَلِس : المرأة الضخمة ومثلها المُثْخنة.

الشخيصة : الجسيمة.

الدَّيَّاصة : اللحيمة القصيرة.

العانك : السمينة.

العَبِيلة : الغليظة.

المألة : السمينة الضخمة.

الوَرِهة : وَرِهَتِ المرأةُ : كَثُرَ شحْمُها.

وخَظية بظية : سمينة مكتنزة.

وغيرُ ذلك مما لا يمكن استقصاؤه. فهل لِجنابِ مولانا القاضي المكرّم ولأميرنا المعظّم نِصْفُ هذه الأسماء والنعوت؟!

 انتهى البرهان على الخطأ في استعمال هذه العادة. )

*************
– القصة :
مقدمة
يقول السادةُ الأطباء إنّ كلَّ ما يشعر به الإنسان وما يفكّر فيه وما يعلمه عن نفسه وعما سواه يمكن ترجمتُه إلى تسلسل من النبضات العصبية ( الكهربائية ) وما ينتج عنها من أثرٍ في البروتينات التي تقع في خلايا المخ …
تخيّل عالَماً لا تحتاج فيه إلى قضاء آلاف الساعات في استظهار المعلومات التي تحتاجها لإتقان عملٍ ما أو لاستيعاب مجال علميّ ما … تخيَّلْ عالماً تكون فيه هذه المعلومات قابلة للنقل بكلّيّتِها في ثوانٍ معدودةٍ لتستقرّ في ذهنك كما لو كنْتَ قد قضيْتَ أعواماً في تحصيلِها …
تخيّل عالماً يمكن فيه أن تعيش تجربةً ما _ تستغرق عُمْراً أو أعماراً _ في أيام معدوداتٍ  ؛… بإمكانك أن تكون عالمَ ذرّة اليوم وذوّاقة في شركة نبيذٍ غداً , وجرّاح أعصابٍ في اليومِ الذي يليه , ومصمم برمجياتٍ بعد ذلك …
تخيّلْ أن هذه الخيارات المتاحة ليسَتْ سمة ” عالَمٍ ” بأكمله , وإنما هي خياراتٌ متاحةُ لقلة قليلة تعيش في عالمِك الذي لا تزال هذه الفكرةُ خيالاً علميًّا بالنسبة لأهله …
تخيَّل أن هذه القلة القليلة قد استأثرَتْ بتلك التكنولوجيا … قلةٌ من سكان هذا العالم بإمكانهم أن يعيشوا أي تجربة وأن يدركوا أي معرفة وأن يمحوا أي ذكرى سيئة وأن يحظَوا بأي ذكرى سعيدة ….
قلّةٌ قليلةٌ لديها كلُّ شيءٍ في عالمٍ لا تحظى فيه الأغلبية بأي شيءٍ ؛ بإمكانِك أن تتخيل نظرية المؤامرة التي سيغوص فيها الشخص العاديّ لو ألمّ بأطراف تلك القصة  !
*************
(1)
 أنت نجيبٌ , يا ( نجيب )
لمْ يَكُنْ قد نَطَقَ بالسؤال بعْدُ …
كان يعرض المعلومة , وبدأتْ ابتسامتُه في الظهورِ … فحزرْتُ في جزءٍ من الثانية أنه ينوي سؤالَنا في شيءٍ ما ويستبعد أن يجيب أحدُنا إجابةً صحيحة , ثم لم أكتفِ بذلك حتى حزرْتُ ماهية السؤال , ثم لم أكتفِ بذلك حتى أعددْتُ إجابةً وافية شافيةً في ذهني ؛ كل ذلك في أقلَّ من ثانية ..
وعندها بدا الغضبُ واضحاً على ملامحه ؛ لأنني رفعْتُ يدي وهو لا يزال يشرح , ولم يسأل عن شيءٍ ( بعدُ ) … فعلى الأغلب ما أريده هو مقاطعتُه أو أنني أطلب الذهابَ لدورة المياه أو شيئاً من هذا القبيل ….
ثم رأى أن يشير إليّ بالحديثِ , فقمْتُ من مكاني كأني كنْتُ على زنبركٍ منضغطٍ .. فما إن أشار إليّ حتى قمْتُ وتحدثْتُ وأجبْتُ على السؤال الذي لمّا يطرحْ بعدُ ..
وحلَّتْ ملامحُ الرضا والإعجاب محلّ ملامح الغضب على وجهه ؛ وكأنه لا يصدِّق أن يكون أحد طلّابه بهذا الذكاء ؛ أن يكون مستعداً لحمل الشعلة في هذا السن المبكِّر ؛ هكذا هم أساتذة الجامعات ؛ إن أخطأتَ فلجهلك وغبائك , وإن أحسنْتَ فلعبقريّته وذكائه …أما ( زملاء الفرقة ) فقد بدا الحسدُ والحقدُ جليًّا عليهم ؛ هذا بالضبط هو ما أرغب فيه أكثر من أيّ شيءٍ آخر ؛ إعجاب الرئيسِ وحقدُ المرءوسِ : هذه هي خلطة السعادة !
أشار إليّ لأجلسَ ثم تذكَّر شيئاً :
– “ما هو اسمك ؟”
أجبْتُ والسرور بادٍ على محيّاي _ هذا ليس من نوعية الدكاترة التي تسأل عن اسم زملائها , بله طلابها _ :
– “( نجيب ) يا دكتور ! “
– “صفّقوا لزميلكم ( نجيب ) , يا أولاد ! “
هذا كثيرٌ , هذا كثيرٌ جداً ؛ هذه ليسَتْ مدرسة ابتدائية … ثمّ إن هذا شخصٌ لن أستغرب إن لم يكنْ يعلم أسماء أحفاده , بل ربما لا يعلم أسماء أبنائه أيضاً … أن يسألني عن اسمي ثم يطلب أن يصَفَّق لي !!
ثمّ … هل سمعْتَ تصفيقاً حاقداً من قبل , كُلُّ ارتطامِ كفٍّ بكفٍّ يحكي صوتَ شخصٍ يفرغ شحنة غضبه وحِقْدِه في يديه ؛ هؤلاء الأوغاد يوشك أن يخضرّ لونهم حسداً ؛ إنني في الجنة !
وكأنّ هذا لا يكفي فقد طلبَ مني أن ألقاه بعد المحاضرة في مكتبِه ؛ لماذا ؟
وعندما انتهَتِ المحاضرةُ وسار دكتور ( سلمان ) خارجاً من القاعة _ دون أن يلتفتَ إليّ_ بدأتْ أقلق ؛ هل كان يهزأ بي عندما طلب التصفيق لي وواعدني أن ألقاه في مكتبِه ؛ في النهاية لقد قاطعْتُه _ تقريبًا _ حتى أجيب على سؤالٍ لم يسألْه بعدُ , أو لعلّه لم يكنْ ينوي أن يسألَه أصلاً  وصوّرَتْ لي نفسي أنه يريد سؤالَه وأنه معجبٌ بي لإجابتي على السؤال قبل أن يُسْأل … غزاني الرعْبُ عندما طرأتْ لي تلك الفكرة ؛ أن يكون _ هو والطلابُ _ قد هزأوا بي وأنا _ من فرط كبريائي _ لم أفطنْ لذلك !
ثمّ حاولْتُ أن أكون عقلانيًّا , وأن أفسّر الأمر منطقيًّا : إنني أرغبُ في أن يعرفَ الناسُ لي عبقريّتي واجتهادي , هذه حقيقة . ولكني في المعتاد أطلب هذا الاعتراف فلا أناله , لذا فقد اعتدْتُ أن أطلبَ أكثر مما يمنح لي .. والآن لمّا بدا أن الأمر انعكس , وأن هذا الرجل _ هذا العبقريّ _ يريد أن يمنحني أكثر مما طلبْتُ … تصوَّرْتُ أن هناك شيئاً ليس في مكانِه , وأن هذه لا بدّ أن تكون مزحة , وأنه يهزأ بي ؛ ولكن لنكنْ واقعيِّين : لو كانتْ هناك شبهةٌ … مجرّد شبهة .. في أنني أسأْتُ إلى ذلك الدكتور لعلمْتُ ذلك في التوّ واللحظة , لقد سبّ ابنة أحد الدكاترة سباباً سوقيًّا في يومٍ ما لأنها جرؤتْ وقالتْ له أنها لم تفهم شرْحَه , هذا ليس من نوعيّة الأشخاص الذين (يعرّضون) باستيائهم …
رجعَتْ إليّ ثقتي في نفسي , وقلْت : أنت نجيب , يا ( نجيب ) … إذا اعتاد الناسُ تجاهلَ ذكائك بسبب سنِّك أو بسبب (اسمِك) فإن هذا خطأ _حتى لو كان شائعاً _, فإذا فطن أحدُهم _ متأخرًا _ إلى ذكائك , فهذا هو الصوابُ ؛ إن إدمان الخطأ لا يجعله صواباً , فكفَّ عن الوسوسة  
عادَتْ إليّ بعضُ الثقة في نفسي وانطلقْتُ لأقابلَه في مكتبِه , فوجدْتُه في انتظاري … أشار إليّ لأجلسَ ثم فطنَ إلى أن الباب مفتوحٌ فطلبَ مني إغلاقَه أولاً ثم أن أجلسَ فيما بعد …
داخلني شيءٌ من الخوفِ ؛ إن هذه الأبوابَ نادراً ما تغلقُ … على أيّة حالٍ أغلقْتُ البابَ وجلسْتُ على الكرسيّ المقابل له , فقال :
– ” أنت شخص ذكيّ , بعيداً عن كونِك طالباً مجتهداً أم لا …”
قاطعْتُه :
– ” إنني أولُ الدفعة ! ”
قال _ وهو لا يخفي تململه _ :
– ” أنا لم أقابلْ أوّل دفعةٍ ليس حماراً من قبل , وأنت استثناءٌ يثبتُ القاعدة , ما أردْتُ قولَه أنني مهتمّ بذكائك وليس بـ” تحصيلِك العلميّ ” , على أيّة حالٍ , حتى لا أطيل : هل تؤمن بنظرية المؤامرة ؟ ”
نظرْتُ إليه في استغرابٍ ؛ إنه يبدو أكثر ذكاءً من أن يؤمن بنظريات المؤامرة , وحاولْتُ أن أكون دبلوماسيًّا فقلْتُ :
– ” إن وجود مصالح متعارضة لأشخاص ذوي أموال طائلة ومنظمات ذات إمكانات ضخمة قد ينتج عنه إلى حدٍّ ما … ”
قاطعَني ,وهو يحاول جاهداً _على ما يظهر_ ألّا يسبّني :
– ” لو كان المطلوبُ أن تستحمق لطلبْتُ منك أن تستحمق ؛ إنما كان سؤالي تمهيدٌ لما بعده عندما تجيب عليه بـ ( لا ) ”
ابتسَمْتُ رغماً عني , وقلْتُ :
– ” فالجوابُ هو (لا) إذن ؛ أنا لا أؤمن بنظريات المؤامرة ! ”
– ” بالطبع إنك لا تفعل , وكذلك أنا لا أفعل , ولكنّ بعض الأغنياء الحمقى الذين يؤمنون بها , يرغبون في ” تجنيد ” من هم أمثالُنا من الأذكياء ؛ أنا لسْتُ بحاجة إلى مالِهم كما أنني لا أحتمل أن أخضع لاختباراتٍ لـ (قياس ذكائي ) ؛ إن مَنْ هو مثلي لا يُخْتَبَرُ . على أيّة حالٍ عندما رأوا رفضي للتعاون معهم طلبوا منّي بدلاً من ذلك أن أوصي طلابي فائقي الذكاء بالذهاب إليهم , وهو ما هزأْتُ به ؛ لأن طلابي فائقو الغباء أولاً … ثمّ حتى لو كانوا أذكياءَ , فلماذا أتعاون معهم … كان هذا قبْلَ أن أكتشف أن بإمكانِهم التدخّل في أشياء كثيرة مهمة بالنسبة لي ؛ على سبيل المثال : رئاسة القسم التي حصلْتُ عليها هذا العامَ … هذا ليس موضوعَنا : المهمّ أنني ” وافقْتُ ” على أن أدلّ مَن ألتمس فيه مخايلَ العبقرية من طلابي عليهم ؛ وأنت مِنْ هؤلاء .. في الواقع : أنت هؤلاء ؛ إن البقيّة حمير … هذه هي بطاقتُهم .. ”
– ” ولكنْ أليسَ في هذا تسليمٌ بنظرية المؤامرة إلى حدٍّ ما ؛ تدخّلهم في اختيار رئيس قسم ؟ ”
نظر إليّ , وكأنه ندم على أن منحني وقتَه , ثمّ قال :
– ” إن فرّاشَ الكلية يساهم في اختيار رؤساء الأقسام , لو كانتْ هذه هي نظريّات المؤامرة لكان أيّ موظف مصري في أي مصلحة حكومية هو ضابطَ مخابراتٍ   … على أية حالٍ ما أريد قوله هو أن تذهب إليهم 
كان هذا طردًا صريحًا , ولكنّي كنْتُ لا أزال مبتسمًا من كلامِه … عميقاً _ في حيث لا يطّلع على سرّي أحدٌ _ أنا معجبٌ بهذا الرجل … شكرْتُه فتمتم بشيءٍ ما في مللٍ , فازدادَتْ ابتسامتي اتساعاً وغادرْتُ مكتبَه …
ثمّ بدأْتُ أفكِّرُ في كلامِه …. “لا أحتمل أن أخضع لاختباراتٍ لقياس ذكائي “… لم أكنْ قد خضعْتُ لاختبار قياس ذكاءٍ من قبل , على الأقل لا شيءَ رسميًا … ثم نظرْتُ في البطاقة فوجدْتُ العنوانَ غريباً أيضاً … هذا حيٌّ شعبيٌّ .. هل بلغ ولَعُ هؤلاء الحمقى بنظريّات المؤامرة إلى درجة وضعِ مقرِّهم في حيٍّ شعبيٍّ من أجل التمويه ؟
ولا أدري لماذا , ولكني عزمْتُ على التوجّه لـ ( مقرّهم ) بمجرد انتهاء المحاضرات , لماذا أؤخّر الأمر إلى الغد , وهم لم يحدّدوا موعداً ؟ فلنفرغْ من هذا بأسرع ما يمكن…
***********
(2)
هذا غريب !
وصلْتُ إلى العنوان ؛ هذا ليس مقرًّا لمنظمة مؤامراتيّة تجنّد العباقرة وتغيّر تاريخ العالم ؛ هذا بيتٌ من لبِنٍ وقش !
أكاد أقسم أنني سمعْتُ صوتَ داجنٍ من داخل تلك العشة … ولم يكن ذلك وهماً , فسرعان ما خرجَ ديكٌ تتبعه دجاجاتٌ من الباب المفتوح لتركض حول قدميّ … ثم تبِعها رجلٌ أربعينيّ يظهر من ملابسِه أنه من سكّان العشّة …
نظر تجاهي مستغرباً من منظري .. ثم قال في هدوءٍ _ كأنه فطِن إلى أمري _  :
– ” إنهم بانتظارِك ! “
ثم سار في طريقِه , وكأنّ الأمر لا يعنيه …
ظللْتُ متسمِّرًا في مكاني لثوانٍ أفكّر فيما قاله , ثمّ عزمْتُ على الدخولِ … فوجدْتُ الداخل كما تصوَّرْتُه من الخارج ؛ مجموعة من الحجرات الطينية وأرضية غير مستوية ودجاجات تتناثر هنا وهناك ؛ عشّة… واسعة بشكلٍ مريبٍ … ولكنّها عشّة …
لذلك فقد جفلْتُ عندما جاء الصوتُ من لا مكانٍ يقول :
– ” الحجرة المقابلة لك , افتح بابَها ! “
حاولْتُ أن أخمّن مصدر الصوتِ , ولكني لم أجد مكاناً مناسبًا لزرع مايكرفون … ثم إن الصوتَ كان عديمَ المصدرِ , وكأنه صادر عن سماعة أذنٍ …
توجَّهْتُ إلى الحجرة , وحرَّكْتُ بابَها الخشبيّ , فانفتح …
كانَتِ الحجرةُ خاليةً من أي شيءٍ سوى مقبضٍ مثبّتٍ في الأرض .. كأنه مُعَدٌّ ليُرْبَطَ به حبلٌ أو ما يشبه … أو أنه _ كما خمَّنْتُ _ يفتح طاقةً إلى ممرّ سريّ تحت الأرض … هذا يبدو تفسيرًا عقلانيًّا للأمر كلِّه …
كان الصوتُ على وشْكِ إعطاء الأمر التالي , ولكنّه انقطع بعد بدئه بثانية :
– ” هناك مقبـ … حسناً ! ”
كنْتُ قد رفعْتُ المقبض فارتفع … وبدَتْ لي درجاتُ سلّمٍ شبه بلّوريّ .. لا تتناسبُ فخامتُه مع صوتُ الدجاجاتِ الذي لا يزال يصلني من خارج الحجرة … إن كان هؤلاء يريدون إبهاري فقد نجحوا !
نزلْتُ السلّم , وبدأتْ معالم الطابق الأرضيّ تتضح لي … ممرّاتٍ شديدة الفخامة … شديدة الضيق … تتقاطع كأنها متاهة …
سرْتُ على غير هدى متوقعًا أن أصل إلى شيءٍ , ولكن بعد لحظاتٍ فطنْتُ إلى أنني قد تهْتُ , فتوقفْتُ مكاني , ثم ارتفع صوتُ قَرْعِ حذاءٍ في أحد الممرات خلفي .. فيمَّمْتُ وجهي شطر الصوتِ لأجد صاحبتَه مقبلةً عليّ ..حسناء في مقتبل الشباب ترتدي بزة كاملةً , وقد أسبلَتْ شعرَها وراءها , فبدَتْ كأنها خارجة من إعلان تلفازيّ لشركة توظيف … إلا أنها _ خلافاً لفتيات الإعلانات _ لم تكن تبتسم .. بل كانتْ أقرب إلى العبوس , أو الجدّيّة ….
مدَّتْ يدَها إليّ , فصافحْتُها , ثم قالتْ :
– ” لقد كنّا بانتظارِك ! “
– ” إنّ الدكتور لم يسمِّ موعداً , لقد كان من الممكن أن أرجئ المجيء للغد .. فلماذا كنتم بانتظاري ؟ ”
ابتسمَتْ ابتسامةً خفيفةً , ثم أشارَتْ بيدِها لأتبعها , فسرْتُ إلى جوارِها بدلاً من أن أمشي خلفَها , ولكنّ ضيق الممرّ قد جعل ذلك مستحيلاً تقريباً , فقالتْ في ضيق :
– ” إن كنْتَ تعرف إلى أين نتّجه , فتقدَّمْني ! ”
– ” أنا لا أسير خلفَ نساءٍ ! ”
– ” عداءً للمرأة ؟ “
– ” بل على النقيض من ذلك ! ”
كانتْ إجابتُها مخيفةً :
– ” نحن نعلم ذلك , على أيّة حالٍ إن كنْتَ لن تزيد على النظر , فأنا لا أبالي .. ”
ثم سارَتْ أمامي …
وكأنني كنْتُ مخدَّراً وأعادتْني جملتُها تلك إلى الواقع , فبدأتُ أفكّر : كيف استطاع هؤلاء بناءَ كلِّ هذا في هذا الحيّ الشعبي , كيف علموا بمجيئي وانتظروني , كيف علموا بـ” ذلك ” … لوهلةٍ بدا لي أن الأمر لا يزيد على محاولة إبهارٍ منهم ؛ تتطلّبُ أموالاً طائلةً , ولكن ليس وراءَها شيءٌ أعمقُ من ذلك … أمّا الآن فيبدو أنهم _ بالفعل _ يملكون شيئاً يجعل منهم جماعةً مختارةً متمايزةً عن بقية الناس ؛ كان هذا مخيفاً …
ألهاني استغراقي في تلك الأفكار عن اتّباعها ؛ بل حتى عن ” النظر ” , وانتبهْتُ إلى فرقعة أصابعِها _ وقد التفتَتْ نحوي _ , ثم قالتْ :
– ” سنجيب على أسئلتِكَ هذه كلّها فيما بعد , ولكن عليكَ أن تتبعني أوّلاً ”
خطرَتْ لي خاطرةٌ كنتُ لأعدّها سخيفةً في غير هذا الموطن , ولكن بعد ما رأيْتُه وما سمعْتُه للتوّ بدَتْ واقعيّةً للغاية , فسألْتُها :
– ” هل تعلمون فيم أفكر ؟ ”
هذه المرّة ابتسَمَتْ ابتسامةً عريضةً , ثم قالتْ :
– ” هل تعتقد أنني من الذكاء بحيث أتوقع بنسبة مئة في المئة ما تفكر فيه ؟  
– ” ليس هذا ما قصدْتُه ! ”
– ” فالجواب إذن هو : لا ! أنا لا أعرف ما تفكّر فيه … ولكنّنا نأملُ أن تساعدَنا في ذلك ”
– ” بأن أخبرَكم بما أفكّر فيه ؟ ”
– ” حسناً , دعْنا لا نستبقْ الأحداثَ .. هلّا سرْتَ معي رجاءً ”
هذه المرّة تبعْتُها … وبذلْتُ جهداً خرافيًّا _ كنْتُ معتاداً على بذلِه _ حتى أبقي نظري معلّقاً بالسقفِ …
كانتْ كل الممراتِ متشابهةً , ولكنّها وقفَتْ أمام إحدى اللوحاتِ المتماثلة التي تزدان بها جنباتُ الممرّات , ووضعَتْ كفَّها عليها … فتحرّك ضوءٌ تحت يدها وكأنه جهازٌ لمسح البصماتِ … ثم رفعَتْ يدَها عن اللوحة … فبدأَ الجدار المقابلُ للوحة في الانزياح إلى الداخل قليلاً ثم الانسياب جانبيًّا , كاشفاً عن حجرةٍ واسعةٍ خلفَه …
كان المشهد في تلك الحجرة أقربَ إلى ما يتبادر إلى الذهن عند الحديث عن جماعة سريّة نخبويّة تستحوذْ على تكنولوجيا متقدمة ؛ عشرة أفراد بينهم امرأتان … جميعُهم طاعنٌ في السنّ … يرتدون ثياباً ناصعة البياض , مطرزة بنقوش ذهبيّة , أشْبَهَ شيءٍ بما كان يرتديه أثرياءُ الفراعنة في إحدى الأسر ..وهم جالسون إلى طاولة يبدو أنها تحتوي شاشاتٍ تحت زجاج سطحها , أو أنها كلّها جهاز حاسبٍ ضخم فهي تحلّل المعلومات وتعرضها على الجالسين …
رفع أحدُهم عينَه إلى الفتاة التي قادتني إلى الحجرة , وأشارَ إليها فانصرفَتْ , وانغلق البابُ وراءها .. 
عادَ الصمْتُ ليخيّم على الجلوس .. ولم يبدُ أن أحدَهم يستشعر الحاجةَ لأن يقول شيئاً , وكأنهم اعتادوا أن يجلسوا ساكتين في حضرةِ بعضهم البعض … ولكني لم أعتَدْ ذلك , فبادرْتُ بالقول :
– ” لقد كنْتُ أتوقّع أن تكون هناك اختبارات ما … لِيُبْنَى عليها ما إذا كنْتُم ستضمونني إليكم “
ظلوا صامتين لثوانٍ قبل أن تجيبَ إحدى المرأتين, ويبدو أنها كبيرتُهم ( لأنها بمجرّد أن بدأتْ في الكلام توجَّهَتْ أبصارُهم إليها في مهابة , وكأنها كاهنة في معبد وثني )  :
– ” لا حاجةَ للاختبارات “
حسناً ؛ إذا لم تكنْ هناك حاجة لاختباراتٍ فإما  أنني قد قُبِلْتُ بالفعل , أو أنني قد رُفِضْتُ بالفعل , فليخبروني بقرارِهم إذاً … ظلَلْتُ أنتظر أن يضيف أحدُهم شيئاً , ولكن الصمتَ كان سيّد الموقف , فاضطررْتُ مرةً أخرى للكلام :
– ” هل يعني هذا أنني أصبَحْتُ عضواً ؟ ”
ظلّوا على صمْتِهم , فبدأتُ أضيق ذرعاً , وقلْتُ :
– ” حسناً , أعتذر على إضاعة وقتِكم , هلّا سمحتم لي بالمغادرة , رجاءً ! “
هنا جاءَتْ الإجابة مباشرةً من الكبيرة, قالَتْ :
– ” لا يُسْمَحُ لأحدٍ بالمغادرة وهو يعلم مَنْ نحن ”
آه .. هكذا إذاً , هذا الأمر سينتهي بقتلي حفاظاً على سريّة هويّتِهم أو أيًّا يكن , ولكني لا أعلم عنهم شيئاً سوى ملامحِهم , ولكن منْ يهتمّ ؟  …. كان أولُ ما تبادر إلى ذهني أن أركض هارباً , ولكن إلى أين ؟ لقد اختفى الباب , وأنا لا أعرف كيف فتحَتْه تلك الفتاة عندما غادرَتْ , بدا لي حينَها أنه فُتِحَ من تلقاء نفسه , أو لعلّ هذه الطاولة/ الحاسوب فيها خيارٌ يسمح بفتح الباب …
عادَتْ زعيمتُهم للكلام :
– ” لا داعي للخوف , ما عنيْتُه هو أنّ مَن يرانا إما أن يكون عضواً , وفي تلك الحالة فهو يعيش هنا . وإما ألا يكون  عضواً , وفي تلك الحالة فإننا نضمن قبل مغادرتِه أن ينسى كلَّ ما رآه ! ”
– ” كيف تضمنون أنه سينسى كلّ ما رآه ؟ ”
تجاهلَتْ سؤالي , وقالتْ :
– ” عندما قلْتُ أنه لا حاجة للاختباراتِ فإنني كنْتُ أشيرُ إلى أن كل ما نحتاجه هو أن تضع تلك الخوذة على رأسِك لبضعة ثوانٍ , ثم سنخبرُك بعدها إن كنْتَ ستقبلُ أم لا ”
خوذة ؟ … نظرْتُ إلى اتجاه يدِها فلمْ أرَ خوذة .. بل وجدْتُ غطاء رأسٍ جلديّ موضوع على طاولة صغيرة في زاوية الحجرة , وليس موصولاً به أي أسلاكٍ … نظرْتُ إليها في عدم تصديقٍ , ولكنّ ملامحَها لم تشِ بأي رغبةٍ في الهزل , فقررْتُ أن أجرّبَ حظي ..
سرْتُ إلى الطاولةِ الصغيرة ووضعْتُ غطاء الرأس على رأسي , فأحاط برأسي وغطى عيني حتى أرنبة أنفي , وأذني حتى جانب عنقي ؛ أنا لا أعتقد أن رأسي بهذا الصغر , بل على النقيض من ذلك ؛ لقد كان حجم جمجتي ضخماً للغاية , حتى إن أحد الأطباء أراد التأكد من أنها ليسَتْ حالة مرضية… فهذه ” الخوذة ” صمّمَتْ لتغطي العينين والأذنين إذاً …
قبل أن يحدث أي شيءٍ جاءني صوتُ المرأة مرةً أخرى :
– ” هذا كافٍ ؛ انزع الخوذة ! ”
لو كان هذا أحد برامج الكاميرا الخفيّة , فسأنفجر غيظاً … ولكنّي لم أتصوّرْ أن برنامجاً ما يدفع كلّ هذه الأموال ويمتلك كل هذه التكنولوجيا من أجل خداع الناس … ولذلك فقد أطعْتُها , ونزعْتُ ” الخوذة ” …. ابتسمتْ لي ( كان هذا حدثًا على الذي يظهر , فقد نظر إليها أحد زملائها/ أتباعِها في دهشة ) , ثم قالَتْ :
– ” مسرورون بانضمامك إلينا , ستعود ( نور ) لتريَك غرفتَك , وستفسّر لك ما حدث وماهيّة ما أنت فيه ”
كنْتُ بحاجة إلى تفسير ما حدث , ولكني لم أكنْ أرغبُ في أن تفعلَ ( نور ) ذلك , إن لديّ مشكلة قديمة في التعامل مع الفتيات الحسناوات ؛ نقطة ضعف إن صحَّتِ العبارة …
لم تمهلْني ( نور ) كثيراً حتى فتحَتِ البابَ _ أو الجدار , أو أيًّا يكن _ , وانحنَتْ للجالسين على الطاولة , وأشارَتْ إليّ لأتبعهَا , وما إن خرجْنا من الحجرة حتى بادرْتُها بالسؤال :
– ” لقد ذكرَتْ تلك السيدة التي يبدو أنها الكبيرة ….”
– ” ( واحد ) ”
– ” واحد ماذا ؟ ”
– ” اسم تلك السيدة ( واحد ) , إن الجميع يسمّى حسبَ مكانتِه في الترتيب الهرمي هنا , بما أنك قد صرْتَ منّا الآن , فعليكَ أن تعرفَ ذلك .. “
– ” ولماذا اسمُكِ ( نور) إذًا ؟ ”
– ” من حق ( واحد ) أن تسمينا بأسماء ميلادِنا إن شاءَتْ , ولكننا لا نسمي أنفسَنا بها ؛ إن اسمي _ بالنسبة لك _ هو ( اثنان وتسعون ) ”
– ” هذا يبدو سخيفاً , على أية حال … ( واحد ) قالَتْ إن مَنْ يُقْبَل كعضوٍ لا يخرج للخارج , ما الذي عنَتْه بذلك ؟ هل يُطْلبُ مني التخلي عن دراستي وأسرتي من أجل الانضمام إلى هذا الشيء ؟! “ 
– ” يبدو أنك لم تستوعبْ بعدُ حجم هذه المنظمة التي صرْتَ جزءاً منها .. ”
كنّا قد وصلْنا إلى إحدى اللوحاتِ المتماثلة في أحد الممرّات المتماثلة , ولكن ( نور) قد وقفَتْ أمامَها , فتوقَّعْتُ أن تكون غرفتي خلف هذا الجدار أو ذاك , وبالفعل فقد وضعَتْ يدها على اللوحة فمر المستشعر الضوئي تحت أصابِعها , ولكن الجدار لم يتحرك , فأشارَتْ إليّ أن أضع يدي على اللوحة كذلك , ففعلْتُ , وهنا بدأ الجدار في الانزياح والانسياب ليكشف لي عما يبدو أنه غرفتي …
دخلَتْ ( نور) أولاً , وجلسَتْ على حافّة السرير الوثير الذي يتوسّط الحجرة , وأشارَتْ إليّ لأجلس على الأريكة المقابلة لها , ففعلْتُ , ثم التقطَتْ نفسًا عميقاً , وكأنها تهيّئ نفسَها لما توشك أن تقوله :
– ” حسناً , فلنبدأ من البداية : قبل سنين طويلة , حدث أنْ أسِّسَتْ جمعيةٌ غير ربحية تهدف إلى توفير التمويل اللازم للأبحاث غير التقليدية في الذكاء الاصطناعي … كانَتْ الأبحاث التقليدية في ذلك المجال نادرة وعسيرة في تلك الفترة, فكانتْ مقصورةً على كبريات المراكز البحثية في العالم , كما أنها تتطلب تمويلاً ضخماً , لذا فقد رأى القائمون على هذه المنظمة _ مراعاةً للإمكانيات المحدودة , وطلباً للتميز عن تلك المراكز الكبرى _ أن يموّلوا الأبحاث غير التقليدية ….
وبالطبع فقد كانَتْ هذه فكرة فاشلة إلى حدٍّ بعيدٍ , وفقدَتْ المنظمة مصداقيّتَها لدى المتبرّعين والمساهمين , وكانتْ على وشك إيقافِ نشاطِها …ثم تغيّر كل شيءٍ عندما دخلَتْ ( واحد ) في الصورة , كخريجة علوم شابة.. “
– ” شابّة ؟ لا بد أن هذا كان قبل الحرب العالمية الثانية ! ”
ابتسمَتْ ( نور) , وقالَتْ :
– ” على أية حالٍ … استطاعَتْ ( واحد ) الوصول إلى نتائج مبهرة , ولكنّ المتخصصين في مجال الحاسب ( وكان مجالاً وليدًا آنذاك ) لم يقتنعوا بأهميّة ما وصلَتْ إليه , وفي النهاية فقد أعلَنَتْ المنظمة وقف نشاطِها … واضطرَتْ ( واحد ) إلى البحث عن مموّلين جدد … ولكنّها لم تنتهِ إلى شيءٍ … كانَتْ هذه هي السبعينات , ومن المستحيل أن تحصل شابّة في منتصف العشرينات على تمويل أو اعتراف من أي جهة , في الواقع لقد كانتْ الضغوطُ عليها لتتزوج وتتفرغ إلى أسرتِها أكبرَ من قدرتِها على التحمّل , لذا فقد قرَّرَتْ أن تهاجر إلى الولايات المتحدة… وكان ذلك من حسن حظ الجميع , فسرعان ما استطاعَتْ الحصول على وظيفة جيدة في شركة مرموقة , ثم عرضَتْ نتائج أبحاثِها على بعض زملائها فقرروا أن يشاركوها بحثَها , وأن يكون تمويلهم ذاتيًّا ؛ عشرة أفراد ؛ ثمانية شباب وشابّتان … لقد رأيْتَهم قبل قليل في تلك الحجرة “
هذا يفسّر لماذا ظل البقيّة صامتين كأنهم لا يفهمون ما أقوله …
عادَتْ ( نور ) للسرد :
– ” وحتى لا نخوض في التفاصيل … فبعد عقودٍ من العمل المضني وصلوا إلى ما يمكن أن نقول إنه نقطة فاصلة في تاريخ الحضارة البشريّة , ولكن خوفهم من أن يُسَاءَ استغلالُ اختراعَهم حملَهم على الحفاظ على سرّيّتِه , هذا صعبٌ في الولايات المتحدة . ولكن في مصر , من السهل _ عندما ترشو الأشخاص المناسبين _ أن تُبْقي أيَّ شيءٍ بعيداً عن الأوراق الرسمية , ولذلك فقد عادَتْ ( واحد ) قبل بضعة سنين إلى بلدها الأم , وبدأتْ في تحويل هذه الجماعة البحثية إلى منظمة سرّية ذات مصالح متشعبة , ونظام سرّي يذكّر بصورة الجماعات الماسونيّة في فكر أصحاب نظرية المؤامرة ”
– ” ما هو هذا الاختراع الذي سيغير تاريخ البشرية , والتي تخشى ( واحد ) من استغلاله ؟ ”
– ” لقد سألْتني : إذا كنْتُ أعرف ما تفّكر فيه . أنا لا أفعل , ولكنّ هذا الاختراع يفعل … لقد كان الهدف النهائيّ لأبحاث ( واحد ) هو الوصول إلى ذكاء اصطناعي يفوق قدرةَ البشر الذهنية … ولكن ما وصلَتْ إليه كان استغلال الذكاء البشريّ بدلاً من محاكاته أو التفوق عليه .. “
– ” استغلال ؟ ”
– ” تماماً كما يحدثُ في الغش في الامتحانات , بدلاً من إجهاد نفسك في المذاكرة , تستغل مذاكرة شخص آخر … أو أشخاص آخرين للدقة ”
– ” ما الذي يفعله هذا الاختراع بالضبط ؟ ”
– ” إنه يعرف ما تختزنه ذاكرتُك _ حتى لو كنْتَ على مستوى وعيِكَ قد نسيتَه _ , ثم إنه يعرف كيف ينقل هذه الأفكار المختزنة بنفس هيئتِها إلى عقل شخصٍ آخر … وكيف يمحو فكرة ما أو يثبتها بنفس الكيفية التي تحدث بها في العالم الواقعي ؛ لنفرضْ أنّك تريد نقلَ الخبرةِ اللغويّة لمتحدّثٍ بالفرنسية كلغةٍ أمٍّ إليك , وأنت لا تفقه حرفاً من الفرنسية , فإن هذا الجهاز _ في لحظة واحدة _ سيجعلك تفهم كلَّ شيءٍ يُقَال بتلك اللغة , بنفس قدرة الشخص الأول , بل بنفس أخطائه كذلك ”
بدأتْ معالمُ الفكرة بالاتضاح في ذهني :
– ” بدلاً من بذل سنين في إدراك معارفَ ما ثم استغلالها في الوصول إلى حلول علمية للمشاكل المطروحة , فإن هذه المعارفَ ستنتقل في زمن ضئيلٍ للغاية , ولا يبقى إلا التفكير في الحل ؟ “ 
– ” بالضبط , ولكنّ الأمر أكبر من ذلك : الشخص العادي يبذل جهداً فائقاً لإدراك المعارف المختلفة , ولكنّ أحدَ الأسباب التي تجعل هذا الجهدَ فائقاً هو أنه منشغل في الوقتِ نفسِه بإشباعِ رغباته الجسدية والجنسية والعقلية والفنيّة … ومنشغلٌ بالحصول على إعجاب الآخرين ورضاهم عنه ومنشغلٌ بانتمائه لمجموعةٍ ما , والتوفيق بين ذلك وبين علاقتِه بالآخر , وهو منشغلٌ بمساهمتِه في حلِّ مشاكل مجتمعِه ودولتِه وإقليمِه وكرتِه الأرضية … إنه يستخدم العلمَ ليتغلبَ على كلِّ هذه المشاكل , ولكنه في الوقتِ نفسِه لا تتاح له الفرصة لتلقي العلوم _ بل لا تتاح له الفرصة للحياة _بالصورة الأمثل بسبب كل هذه المشاكل .. “ 
هذه هي العقدة ! قاطعْتُها قائلاً  :
– ” مخدّرات ! تريدون خلق واقع افتراضي يتلهى به الشخص عن مشاكله الفعليّة ! ”
– ” ليس بالضبط …. نعم , نحن نخلق واقعاً “افتراضيًّا” يتسبب في إطلاق هرمونات السعادة في المخ , ويجعل الشخص يرجئ _ وليس ينشغل_ عن الحل ” الفعليّ ” لتلك المشاكل … ولكنْ فكِّرْ في الأمر من زاوية عقلانية : كل المشاكل التي نعاني منها سببُها رغبتُنا في الاستمرار في الحياة , نحن نخشى أن تقف هذه المشاكل عائقاً يحول دون استمرار الجنس البشريّ , ومن ثم فإن العقل يفرز هرمونات السعادة عند تغلّبنا على تلك المشاكل , ويفرز هرمونات للكآبة عند تعرّضنا لها … ولكنّ هذا العقلَ غيرُ مقدّس , إنه جزء من الجسد ؛ الجسد الذي تهاجم خلاياه المناعية خلاياه السليمة وتدمّرها ؛ الجسد الذي تتحوّل خلاياه إلى خلايا سرطانية وتقتل الجسم ؛ الجسد الذي يرفع درجة حرارتِه ليتغلّب على الجراثيم فيقتل نفسَه … إن علينَا أن نكفّ عن تصديق مثاليّة ذلك الجسد وذلك العقل , وأن نتولى كتابة مستقبلِنا بأنفسِنا ”
– ” ولكنّ ما الدافع إلى إيجاد تلك الحلول , وإلى كتابة ذلك المستقبل ؟ عندما تضع الجائزة قبل المسابقة , فمن الذي سيتسابق ؟ الشخص الذي تطلب منه أن يساهم في التغلب على المشاكل التي تحاصره , بينما أبخرة الأفيون قد وصلَتْ به _ بالفعل _ إلى قمة درجات السعادة , هذا الشخص لن يهتم بما تطرحه عليه ! ”
– ” لا أعتقد أنك تستوعب تماماً مشكلة المخدرات تلك ؛ أزمة المخدرات تكمن في ثلاثة أشياء : الأول هو الإدمان وأعراض الانسحاب , الثاني هو الضرر الجسدي أثناء تناولِها , ثم الثالث والأخطر هو ما تشير إليه . وما نعرضه نحن يختلف عن المخدرات في كل تلك الجهات : أولاً : لا توجد أعراض انسحاب من أي نوع ؛ عند رؤية ما ترغب فيه ” افتراضيًّا “  فإن عقلُك لا تتوقف قدرتُه على إفراز كافة الهرمونات التي يفرزها في الظروف الطبيعية ؛ فلا توجد أعراض انسحاب . ثانياً : لا يوجد ضرر جسدي من أي نوع على المخ أو سائر الجسد . ثالثاً _وهو الأهم_ : إن ما نعرضه ليس انشغالاً عن الواقع , وإنما تحجيم لأثر الواقع على الشخص حتى يستطيع أن يفعل ما يشاء دون ضغوط ؛ حتى يتولى هو بنفسه تحديد الأولويات , والبدء بما يراه مناسباً .. الأمر يشبه معالجة نزلات البرد ؛ عندما يمنحك الطبيب ما يضعف المناعة  التي تسبَّبَتْ في الأعراض , وفي نفسِ الوقت  يمنحك ما يقضي على مسبّب المرض … نحن نفعل هذا : نتيح لك أن تعيش أحلامَك وتتغلب على مخاوفك وذكرياتك السيئة , وفي الوقت نفسه نمنحك المعرفة الكافية لتجعل هذه الأحلام واقعاً وتتغلب على المشاكل الواقعية التي أضنَتِ الناسَ وناءَتْ بها البشرية … الفكرة ليست في الهروب إلى الواقع الافتراضي وترك مشاكل الحياة الواقعية كما هي … وإنما الفكرة في استغلال هذا الواقع الافتراضي للتقوّي على مواجهة تلك المشاكل “
لم أكنْ مقتنعاً , من الصعب أن تقنعني بشيءٍ كهذا ؛ ويبدو أنّ ( نور ) قد فطنَتْ إلى سبب اعتراضي , فقالَتْ في حذرٍ :
– ” ما هو توجهك السياسي ؟ ”
– ” أعتقد أنكِ من الذكاء بحيث تتوقعين ذلك ! ”
– ” أقصى اليسار ؟ ”
– ” لا زالَتْ هناك خطوتان أو ثلاث حتى أصل إلى أقصى اليسار , ولكنني يساريّ بما يكفي لأستشعر الخوفَ البالغ مما تعرضونه ”
– ” هل يبدو لك أن ما “نعرضه ” هو تنويعٌ على : من عاش معذّبًا مسكينًا تتداعى عليه الكوارث ولكنه متفانٍ في إيمانه فسيحوز السعادة الأبديّة ؟ “
– ” هناك وجه شبه لا يُنْكَرُ ؛ من عاش معذَّبًا مسكينًا تتداعى عليه الكوارث ولكنه مستغرقٌ في واقعه الافتراضي , فلن يشعر بأي دافع يدفعه لتغيير ما تسبَّبَ في كونه معذّبًا مسكيناً , ومن ثم فلْيَتْرُكِ المستغِلِّينَ وشأنَهم !  
– ” حسناً , دعْنا نضعِ الأمرَ هكذا : أنت لسْتَ ملزَماً بأن تعيشَ (تجربةَ الواقع الافتراضيّ) تلك , وإذا شعرْتَ أن ما نقوم به لن ينتج عنه تحقيق الرفاهية لجموع البشرية _ في المستقبل البعيد على الأقل _ فبإمكانك أن تنسحب من المنظمة , سنمحو ذكرياتِك عنها , وكهديّة بإمكاننا أن نعوضك عن الفترة التي انشغلْتَ فيها عن دراستك بـ ” نسخة كاملة ” من المعارف الأكاديميّة التي يتلقّاها الطالبُ في كليّتك حتى مرحلة التخرّج , مباشرةً في مخك . هل هذا مقبولٌ بالنسبة لك ؟  
– ” هذا سيخلق منافسة غير شريفة بيني وبين بقية الطلبة في دفعتي ,  ولذا فإني أرفضه ! ”
– ” حسناً , بإمكانِكَ أن تعوِّضَ تلك الفترة ” يدويًّا” , وتتدارك ما فاتك ”
– ” هذه لن تكون مشكلة ؛ لأني سأمنحكم فترة تجربة صغيرة
… لن تتجاوز أسبوعاً … ثم سأرى إن كانتْ هذه ” المنظمة ” تتوافق أهدافها مع أهدافي أم لا ”
ابتسمتْ ( نور ) , ثم قالَتْ :
– ” لو سمع أحد بإلحاحي عليك ورفضك , لظنّ أننا نطلب منك خدمة ولسنا نعرض عليك واحدةً  . ولكنْ على أيّةِ حال : بإمكانكَ أن تبدأ في أي وقتٍ ترغبُ فيه … هناك حاسبٌ في هذا المكتبِ على يسارك , نعم … فيه ! فقط تعامل مع الزجاج العلويّ للمكتب على أنه شاشة … وهناك خوذة ( نحن نسميها خوذة , وإن كانتْ أشبه بغطاء الرأس ) داخل هذا الدرج , إنها لا تعمل إلا إذا قمْتَ بتفعيلِها بواسطة الحاسب/ المكتب , ستجد في الحاسب أيضاً خيارات لجلب أي شيءٍ تريده : طعام , شراب , ملابس … بنقرة زر سينتقل أيّ شيءٍ تطلبُه إلى هذا الشيء في الجدار الذي يشبه غسالة أطباق , إن النظام كلَّه مؤتمت , ولذلك لا تستحيِ من أن تعيد طلب شيءٍ أو تردّه أو تغيّره … أيّ شيءٍ آخر ؟ ”
– ” كيف أتواصل مع أحدكم ؟ ”
– ” كل شيءٍ تحتاجه في الحاسب … آه , بالمناسبة , لقد كدْتُ أنسى : هذه بطاقتُك , أبقِها معك عندما تتواجد خارج غرفتِك ؛ إنها مهمة إلى حدٍّ ما ”
نظرْتُ فيما ناولتْني إياه , فوجدْتُها أشبه ببطاقة عبورٍ , عليها اسمي _الذي صار (مئة واثنان)_ وصورتي …
رفَعْتُ عيني إليها , فقالَتْ :
– ” أراك على خير , ( مئة واثنان ) ! ”
ثم انسحبَتْ من الغرفة راجعةً القهقرى ووجهُها لي , وكأنها تذكّرني بحوارِنا الأوّل ؛ إن لديّ مشكلة , وعليّ أن أتغلبَ عليها , ولكن لا داعي لتذكيري بها كلَّ ثانية …
قبل أن تفتح الباب وتغادر , توقفَتْ لفترةٍ وقالَتْ :
– ” في الواقع الافتراضي , بإمكانك أن تصنع كلّ ما ترغب فيه بعدد لا نهائي من الفتيات ” الافتراضيّات” بدون أيّ مانع أخلاقي أو إنسانيّ … فكِّرْ في الأمر ؛ أنا لا أريد أن أغادر كل مكان يجمعني بكَ بعدكَ , أو راجعةً القهقرى , حتى لا تحدِّق في مؤخرتي ”
ثم انصرَفَتْ , تاركةً إياي في خزيي الذي سبَّبَتْه كلماتُها …
بدأَتْ فكرةُ الواقع الافتراضيّ هذه تحوز رضاي نوعاً , أنا لا أهتمّ بأن أعيشَ في منزل ضخم في جزيرة في البحر الكاريبي أتناول ما لذّ وطاب وأستمتع بالشمس والبحر والرمل , أو أيًّا يكنْ ؛ حياة الأثرياء هذه لا تعنيني … ولكن ما أشارَتْ إليه ( نور ) قبل قليلٍ يعنيني , ويعنيني جداً
عادَ عقلي يداعب الاحتمالات الممكنة ؛ أنا لم أجرِّبْ هذا ” الاختراع ” بعد , ولكن من وصف ( نور ) له  يبدو أنه شديد التقدّم … أنْ أعيش أي تجربة مع أي شخص ” افتراضي ” في أي سياق , بدون أن يكون فيما أصنعه تجاوزٌ من أي نوع لِحَقِّ إنسانٍ آخر , هذا إغراءٌ فوق قدرتي على التحمل …
نظرْتُ إلى المكتبِ وإلى الخوذة التي أخرجْتُها من الدرج ؛ ثم حسمْتُ أمري …
***************
( 3 )
لم يعد ثمة معنى للعيب
لم يكن جهاز الحاسب هذا يشبه أيّ شيءٍ رأيْتُه من قبل , ليس بذكاء البشر كما أشارتْ ( نور ) , ولكنّه متقدم للغاية , ويستطيع تفسير الأوامر الصوتية وإصدار تنبيهاتِه في صورة صوتية كذلك ؛ حتى إنك تعتقد لوهلة أنك تتعامل مع شخص عاقلٍ ؛ لم يكنْ هذا هو الاختراع الفذّ , ومع ذلك فهو _ في حدّ ذاتِه _ مثيرٌ للإعجاب …
بدأْتُ في استكشاف إمكانيّات الحاسب , ثم قرَّرْتُ أن أخطو الخطوة الكبرى وأستكشف الخوذة , وضعْتُها على رأسي فلم يحدثْ شيءٌ , ولكن صوتَ تنبيه وصلني من المكتب / الحاسب يخبرني أن أفعّل الخوذة , فتذكّرَتْ قول ( نور ) أن عليّ تفعيلَ الخوذة أولاً … ففعلْتُها …وأعدْتُ وضع الخوذة , وهنا وجدْتُها تلتصق برأسي أكثر وأكثر حتى انطبقَتْ عليه تماماً , ولم أعدْ أرى أو أسمع شيئًا مما حولي , ثم لم أعد أحسّ بشيءٍ أيضاً , فذعرْتُ , ولكنّ صوتاً رخيماً بلغ أذني قائلاً  :
– ” ( مئة واثنان ) ! , لقد اخترقَتْ مستشعراتٌ شديدةُ الدقة جمجمتَك للتوّ , ومنعَتْ إحساسك بما حولك ؛ هذا يشمل شعورك بالضغط والحرارة والجاذبية ؛ سأقومُ أنا بمراعاة كلِّ هذا , وعند وجود أي خطرٍ فسأزيل المستشعرات وستعود إلى إحساسك بما حولك لتتفادى الخطر _ وإن كان حصول أي شيءٍ غير مألوف مستبعداً _ , والهدف من هذا أن تكون أيُّ تجربة تمرّ بها واقعية تماماً . شكراً ”
بمجرّد انتهاء الرسالة بدأتْ الخيارات تتوارد أمام عيني , كان هذا يشبه أجهزة الواقع الافتراضي التي تطوّرها شركات الألعاب , ولكنّها واقعية تماماً , فكأنني أختار من قوائم ورقيّة حيّة …
كانتْ الخيارات تشمل كلَّ شيءٍ يمكن التفكير فيه ؛
( هل تريد أن تُوضَعَ هذه الجلسة في الأرشيف العام للمنظمة حتى يعود إليها الأعضاء الآخرون إذا رغبوا ؟) أجبْتُ بـ ( لا ) .
(هل تريد أن يطّلع أعضاء بعينهم على ما ستمرّ به في هذه الجلسة إذا رغبوا ؟ وإذا كانتْ الإجابة بنعم , فمن هم ؟ ) فكَّرْتُ في ( نور ) , ثم رأيْتُ أن أجيب بـ ( لا ) , ولكنّي قرَّرْتُ أن أسأل :
– ” هل هناك أعضاء آخرون يسمحون بالاطلاع على جلساتِهم ؟ ”
جاءتْني الإجابة :
– ” معظم الأعضاء يسمحون بظهور جلساتِهم _ ولكن بدون أن تقترن بأسمائهم_ ؛ من أجل أغراض الدراسة : وهذا هو السؤال التالي “
فأجبْتُ بـ ( لا ) , وجاء السؤال التالي :
( هل تسمح بأن يطلع أعضاء آخرون على محتوى هذه الجلسة _ بدون أن ترتبط باسمك _ من أجل أغراض الدراسة ؟ )
أجبْتُ بـ ( نعم ) .
واستمرَّتْ الأسئلة في التوالي , حتى وصلْتُ إلى سؤالٍ نبهني الجهاز إلى خطورتِه  :
( إلى أي مدى ترغب في أن أقرأ ذكرياتِك وأفكارِك _ بما فيها ذلك الذي استقرّ عميقاً في لا وعيِكَ _ أثناء الجلسة ؟ )
لم يكنْ هناك اختياراتٌ , ولكني أجبْتُ :
– ” اقرأ كلَّ ما تستطيع قراءتَه , سأنبهك أثناء الجلسة إذا رفضْتُ استمرارَكَ في عرضِ  شيءٍ ما ”
كانتْ هذه هي نهاية الأسئلة …
فجأةً اختفَتْ الخياراتُ , ووجدْتُني أقفُ منفرداً في شاطئٍ رحبٍ , وليس عليه أحدٌ غيري , كان يشبه أحد الشواطئ التي زرْتُها من قبل في طفولتي , ولكنّه كان خاليًّا من الناس, وكان واقعيًّا بصورة مخيفة …. إحساسي بالرمل يتسرب بين أصابع قدميّ , نسيم الهواء , صوت الموج , صفاء المياه والسماء , صوتُ خفق أجنحة النوارس , رذاذ الموج الواقع على جلدي يسهم في خفض درجة حرارته , بينما ضوء الشمس يكسبني دفئاً محبَّبًا … من أين جاءَتْ كلُّ هذه التفاصيل ؟ جاءَتْني الإجابة على شكل صوتٍ منبعثٍ من داخل رأسي :
– ” لقد قامتْ المنظمة بإدخال كمياتٍ هائلة من المعلومات تسمح بتحويل أي صورة لأيّ مكان _مهما كانَتِ الصورةُ بدائيّة _ في ذاكرة أي عضو إلى مسرح أحداثٍ حقيقيّ واقعيّ , نفس الشيء ينطبق على الأشخاص ؛ لو لم ترَ شخصاً إلا للحظة واحدة , أو حتى رأيْتَ صورتَه فقط سواءً كانتْ صورةً واقعيّة أو خرافيّة , فبإمكاني أن أحوّله إلى كائن حي تامّ ”
كنْتُ قد اخترْتُ بقاءَ صوْتِ الجهاز مصاحباً لي في هذه الجلسة , كان هذا أحد الخيارات _مع التنبيه إلى أنّ مصاحبة الصوت لي قد يضعف من الإحساس بالواقعية_ , ولكني كنْتُ مهتماً بمعرفة كلِّ تفصيلٍ ممكن , فلم أبالِ بالتأثير على الواقعية ..
جاءني صوتٌ آخر بدا مألوفاً , ولكنْ هذه المرة كان أنثويًّا ناعماً , وصادراً من ورائي :
– ” هذا الشاطئ فارغٌ تقريباً , أليس كذلك ؟ ”
التفتُّ إليها , فرأيْتُ ما كنْتُ أتوقّعه : ( نور ) , وهي ترتدي ملابس بحرٍ لو كانتْ أصغرَ من هذا قليلاً لدخلَتْ في ثقب الإبرة ؛ في الواقع , لقد كانتْ عاريةً تقريباً …
وهنا خطرَتْ لي فكرةٌ مفاجئةٌ , ففكَّرْتُ في نفسي _ مخاطبًا الجهاز _ :
– ” هذه الجلسة متاحةُ ليُطَّلَعَ عليها من قبل الأعضاء , أليس كذلك ؟ ”
جاءني صوتُ الجهاز :
– ” نعم,  ولكنها ليستْ مقترنةً باسمك ! ”
– ” أنا أريد إلغاءَ هذا الخيار , لا أريد أن يطلع على هذا أحدٌ , سواءً اقترنتْ باسمي أم لا ! ”
– ” حسناً , لقد فعلْتُ ذلك ؛ لن يطّلع على هذه الجلسةَ أحدٌ ”
جاءني الصوتُ العذبُ مرّةً أخرى :
– ” لماذا أنت شاردٌ ؟ ”
– ” لا شيءَ , لقد كنْتُ أفكِّر أنّ عليّ إنهاءَ هذا الحوار بأسرع ما يمكن , وإلا فإنني لن أقدرَ على منع نفسي من التهامِك بعينيّ 
كان هذا سخيفاً , ومحتقراً للمرأة , وآخر ما يمكن أن يصدر عني , ولكنّ المنطق يقول إنه على الرغم من الواقعية المطلقة لما أراه وأحس به , فإن هذا كلّه _ في الحقيقة _لا يزيد في شيءٍ عن فكرة تدور في ذهني , ولا يطّلع عليها أحدٌ ؛ ليس حلماً حتى , إنه مجرّد فكرة 
لذلك فقد استغربْتُ عندما انبعث فجأةً ألمٌ حادٌّ في وجنتي  , واستغرقْتُ ثوانٍ حتى أدرَكْتُ أنني قد نلْتُ أوّل صفعةٍ من فتاةٍ في حياتي _ حتى لو كان ذلك في قصة متخيلة _ , ثم قالَتْ :
– ” أنت حيوانٌ عديمُ الأخلاق ”
وانصرفَتْ مبتعدةً عني , بينما عيناي تتجنّبان الوقوع على جسدها ؛ لأن هذه الصفعة كانتْ كافيةً لتزيلَ صورتَها كمجرد فكرة خيالية , وتجعلها أقرب إلى إنسان آخر أخشى الإساءةَ إليه , وجاءني صوتُ الجهاز :
– ” إن هناك إعداداً تلقائيًّا _ من أجل جعل التجربة أكثر واقعية _ يجعل رد فعل الشخصيّات مماثلاً على قدر الإمكان لما كان ليحدث في الحياة الواقعية _ بناءً على المعلومات المتاحة في ذهن المستخدم بالطبع _ ؛ لذلك فردّ فعْلِ الشخصية كان عنيفاً ؛ هل تريدني أن ألغي هذا الإعداد , ومن ثمّ فبإمكانك أن تصنع مع الشخصيّات ما شئتَ  ؟ ”
كدْتُ أنفجر غضباً من ” ذلك الإعداد التلقائيّ ” ؛ هذه الأجهزة الإلكترونية _ مهما كانتْ متطورةً _ لن تفتأ تثير غضبي , ولكني حاولْتُ أن أبدو هادئاً , وقلْتُ _ ويدي لا تزال على خدّي _ :
– ” نعم , ألغِ هذا الإعداد , وأبقه ملغيًّا حتى إشعارٍ آخر , ورُدَّها عليّ ”
في التوّ واللحظة , توقفَتْ ( نور) عن الانصراف مبتعدةً , وعادَتْ جهتي , وعندما اقتربَتْ منّي , قالَتْ :
– ” أنا آسفة , أحياناً أنسى أننا متزوجان , وأفكّر أننا لا زلْنا في فترة الخطوبة , وأنّ عليّ أنْ أضع حدوداً وإلا ستثار حولَنا الأقاويل ”
كان هذا أفضلَ بكثيرٍ , أشرْتُ إليها بإصبعي لتقترب أكثر , فدنَتْ حتى كادَتْ تلتصق بي , ثم قلْتُ :
– ” أنتِ تخشين أن تثار الأقاويلُ بسبب ” معاكسة ” , ولا تخشين أن تثيرَها هذه الملابس ؟ ”
نظرَتْ في براءةٍ إلى جسدِها , وكأنه مكسوٌّ بثوبٍ فضفاضٍ لا غرابةَ فيه , ثم قالَتْ :
– ” ما المشكلة فيما أرتديه ؟ ”
– ” لا أعتقد أن ” أرتديه ” هو توصيف مناسب لما يحدث هنا ”
– ” هل تعتقد أنه لا يستر ما يكفي ؟ ”
– ” هل هذا علم صواريخ ؟ لماذا هذا علمُ صواريخ ؟ ”
– ” لقد اعتقدْتُ أنك منفتح , ولا تمانع أن أرتدي ما أحبّ ”
لم أدرِ كيف أجيبُها , هل أستمرّ في لعب هذا الدور ؟ ثم لماذا تبدو ردودُها شديدة اللف والدوران ؟… آه ؛ إنني _في الواقع_ من يجيبُ على نفسي ؛ هي في النهاية مجرّد صورة في ذهني أنا , وحوّلها الجهاز إلى كائن حيّ , لو أردْتُ الاستمرار في اللجاج والجدال فلن أصلَ إلي شيءٍ …
قاطعَتْ حبلَ أفكاري :
– ” ثم إننا خرجْنا من البيت سويًّا , لو كان لديكَ اعتراضٌ على ملابسي لكان من الأنسب أن تخبرني به ونحن في البيت حتى أغيِّرها .. ”
نعم , هذه هي طريقتي أنا في الجدال ؛ ابدأ بالحجة الأضعف وانتهِ بالحجة الأقوى …
فرأيْتُ أن أسلكَ سبيلاً آخرَ :
– ” أعتقد أن من حسنِ حظِّنا أن الشاطئ _ تقريباً _ قد صار ملكاً لنا, وليس فيه أحدٌ , وبالنظر إلى ما اخترتِ أن “ترتديه ” , فإني أرى أن من الأنسب أن تستمتعي بالشمس والبحر  بدون أن يعوقك عن الاستمتاع بهما كلُّ هذه الطبقات من الثياب ”
نظرَتْ إليّ وقد فطنَتْ إلى ما أعنيه , ثم قالَتْ :
– ” لا أعتقد أن القانون يسمح … ”
قاطعْتُها :
– ” لا أعتقد أن القانون يسمح بهذه الملابس أيضاً , فما دام الالتزام بالقانون ليس خياراً , فلترفعي الكلفة , وتنزعي ما عليك ”
– ” ولكن حتى لو سلمْنا أنّ كلتا الحالتين خرقٌ للقانون , فإن القاضي سيراعي في الحكم أنه في الحالة الأولى كانتْ هناك ملابس على الأقل , مما يعني أن هناك محاولة للالتزام بالقانون , ولكنْ في الحالة الثانية فالانتهاك صريحٌ ولا يحتمل التأويلَ ”
نظرْتُ إلى هذه الفتنة الواقفة أمامي , قبل دقائق كنْتُ أتحدّثُ مع ( نور ) الحقيقية , وكنْتُ أنهى نفسي بكلِّ ما أوتيت من عزم عن التملّي في محاسنِها ؛ لأن هذا لا يليق , ويخالف كلَّ ما أؤمن به … أما الآن ..عندما صار من حقّي أن أصنع ما أشاء بهذه ” الفكرة ” المتجسدة واقعاً , فإن عقلي _ عليه اللعنة _ يأبى إلا أن يحوّل هذه الفرصةَ إلى مناظرةٍ عقليّة في شوارع أثينا … هذا يكفي!
أمسكْتُ خصرَها بيدي , وألصَقْتُها بجسدي , ثم لثمْتُ فاها … هذه أول قبلة أقبّلها في حياتي ؛ ولو لم تكنْ قبلاتُ الواقع بنفس هذه اللذة , فأنا لا أريد مفارقةَ هذه الخوذة أبداً …
عندما فارقَتْ شفتاي شفتيها , قلْتُ في صرامة :
– ” انزعي هذا الشيءَ .. الآن ! ”
نظرَتْ إليّ في توسّلٍ , وكأنها تلتمس طريقاً تسلكه ينجّيها من التعرّي , فلمّا لم تجدْ , بدأتْ في حلّ ما يستر ثدييها .. أو حلمتي ثدييها للدقة , ثم كرَّرَتْ الأمر مع ما يستر ردفيها … أو ما بين ردفيها للدقة , وعندما وقفَتْ عريانةً أمامي بدا لي صحّة دفاعِها ؛ نعم , كلتا الحالتين خرقٌ للقانون , ولكنّ فتنتَها قد تضاعفَتْ مرّاتٍ بعد أن زال وهْمُ ارتدائها لملابس البحر بنزعها لكل شيءٍ …
ووجدْتني أدنيها منّي مرةً أخرى وأعود لتقبيلِها , وجالَتْ يداي قبضاً على ظهرِها حتى انتهتا إلى ردفيها , فخصّتاهما بالنصيب الأوفى من القبض , ولساني لا يزال مقيماً في فمها , وكأنه هاجر إليه وارتضى به وطنًا …
فاجأني صوتُ النحنحة المنبعثُ من خلفي , فكففْتُ عما كنْتُ فيه , ونظرْتُ في غضبٍ , فوجدْتُ ضابطاً أو حارس إنقاذ أو شيئاً بين هذين واقفاً خلفي , طويلَ القامة مفتول العضلات ويرتدي سروال بحرٍ , أعتقد أنني رأيْتُ هذا الشخص في أحد الأفلام من قبل , وأشار جهة ( نور ) ويقول :
– ” المعذرة , يا سيّدي , ولكن التعليمات مشددة بألا نسمح بوجود عراةٍ على هذا الشاطئ ”
كان وجْهُ ( نور ) قد احمرّ خجلاً , وهي تحاول ستر ما يمكن سترُه بيديها , فتفكَّرْتُ في الأمر , فوجدْتُ أن غضبي لا معنى له , في النهاية كلاهما مجرد فكرة في ذهني , فلأستغلّ هذا الموقف , فقلْتُ :
– ” لقد حاولْتُ أنْ أنهى زوجتي عن الابتذال ولبس الملابس الفاضحة بأن أجعل البديل أن تتعرّى , ولكن إن كان القانون يحول دون ذلك , فعليّ التفكيرُ في حلٍّ آخر , لأضمن أنها تعلمَتْ درسَها ولن تخرج بثيابٍ غير لائقة في المستقبل ”
قال الحارس :
– ” هل لي أن أقترح شيئاً ؟ ”
أجبْتُه _وأنا أدري إلى أين سيسير هذا الحوارُ_ :
– ” بالطبعِ ! ”
– ” إن لديّ زميلتين يشاركانني أنا وأحد زملائي الآخرين مراقبةَ هذا الشاطئ , وهما _ إن جاز لي القولُ _ صورةٌ طبقُ الأصل من شقاوة زوجتِك … ”
قاطعْتُه قائلاً :
– ” بإمكانِك أن تصنع بزوجتي نفس ما تصنعه بزميلتيك , إذا كان ذلك ناجعاً في تأديبِهما “
– ” إنني أضمن لك أنه بعد فراغي من عقابِها , ستصبح أطوعَ لك من بنانِك ”
مددْتُ يدي له مصافحاً , كأني أوقع على عقد اتفاقِنا , فصافح يدي , ثم قال :
– ” لو عدْنا إلى كابينتي , حتى نجْرِيَ العقابَ هناك .. ”
– ” بالطبع … ( نور ) ! ”
نظرْتُ إلى الحسناء التي لا تزال مشغولةً بستر نفسِها , وقد ازداد خداها احمراراً , وبدا الرعبُ على ملامِحها , وهي تتوسل لي لأعفيَها , فهزَزْتُ رأسي بالنفي وأنا أبتسم , وأشرْتُ إليها لتتبع الحارس , ولمّا بدأتْ في الحركة المتثاقلة وجاورَتْني أهويْتُ بيدي على ردفيها فطارتْ يداها لتمسكا بردفيها , ثم انتبهَتْ إلى أن ما كانتْ تحاولُ سترَه قد انكشف , فعادتْ يمناها لتغطي ثدييها , ويسراها لتقبض على ما بين رجليها , فأهويْتُ بيدي مرةً أخرى إلى ردفِها _ كأني أستحثّها لتسرع _ رغم أن خطاها كانتْ مسرعةً بما يكفي … واستمرَرْتُ طيلة الطريق إلى كابينة الحارس أسْتَهُها فتقبض على ردفيها ثم تعود لستر نفسها وأعودُ إلى ستْهِها حتّى احمرّتْ مؤخرتُها… لو لم تكنْ هذه فكرةُ متخيلةُ لكان الموتُ أحبَّ إليّ أن من أن أصنع ذلك بامرأة …
وعندما بلغْنا كابينة الحارس , وصل إلى مسامعِنا صوتُ بكاءِ امرأةٍ  … ثابتٌ كأنه موسيقى تصويرية , بينما هناك صرخاتٌ لامرأة أخرى تتناسب طرديًّا مع صوتِ صفعاتٍ لا شكّ أنها تهوي على مؤخرتِها ؛ لم يكنِ الأمرُ بحاجةٍ إلى تفسير , ولكن الحارس قال :
– ” لا شكّ أن زميلتاي قد فعلتا ما استحقّتا العقابَ لأجله , وقد تولّى زميلي الآخر عقابَهما ؛ إن كان لي أن أحدس بناءً على الصوتِ , لقلْتُ إن التي فُرِغ من عقابها هي ( سلوى ) والتي لا تزال مؤخرتُها تتلقى الصفعات هي ( أماني ) “
هنا جاءني صوتُ الجهازِ :
– ” إن الموقفَ لا يتناسب مع بيئة عربية , ولكني قمْتُ بتعريب الأسماء حتى … ”
قاطعْتُه قائلاً بصوتٍ مرتفعٍ :
– ” هذا واضح ”
نظر إليّ الحارسُ مستغرباً , فقلْتُ :
– ” أنا لا أعنيك أنت , المعذرة ”
وصل الحارس إلى باب الكابينة , وفتحه , فقابلَ عيني مشهدُ الفتاة العارية المودَعَة زاوية الكابينة وقد روَتْ مؤخرتُها القانيةُ قصّةَ ما حدث لها , أعتقد أن الحارس أشار إليها باسم ( سلوى ) … قاطع الحارسُ حبل أفكاري مصحِّحًا :
– ” حسناً لقد كنْتُ مخطئًا , إن ( أماني ) هي التي فرغ ( ماهر ) من عقابِها , و( سلوى ) هي المستلقية في حجره لتتلقى عقابَها ”    
دخل ثلاثتُنا , فدنوْتُ من ( ماهر ) , ومدَدْتُ يدي مصافحًا له , فوضع فرشاة الشعر التي كانتْ في يمينه على ظهر ( سلوى ) وصافحني , وقلْتُ له في سخرية :
– ” هذا يبدو مجهوداً فائقاً تتكلّفه من أجل ضمان بقاء زميلتيك على الطريق القويم ”
ردّ بابتسامة ساخرة , وقال :
– ” مقدار التفاني الذي نظهره نحن _ معاشرَ الرجال _ من أجل توجيه وإرشاد الجنس اللطيف , ثم لا يثمر هذا فيهنّ شيئاً “
حسناً , كانتْ هذه الذكوريّة الفاقعة فوق قدرتي على الاحتمال , حتى لو كانَتْ القصة متخيلة , فقلْتُ :
– ” لا نريد أن نشغلَك عما كنْتَ فيه .. أعتقد أن زوجتي ستنتظر حتى تشهد عقاب ( سلوى ) إلى نهايتِه , ثم بعد ذلك يأتي دورُها على يد زميلُك “
ردّ ( ماهر ) :
– ” هذه فكرة جيدة , كلّما تأخر العقابُ , كلما زادَتْ الخشيةُ منه , خاصّة إن كان تأخُّرُه مقروناً برؤية المعاقَبَة لما يوشك أن يحلّ بها ”
تدخل الحارس الآخر قائلاً :
– ” لا أعتقد أن ما يوشك أن يحل بها مماثل لما تفعله أنت بـ ( سلوى ) , بل ما يوشك أن يقع لها أكبر مما تفعله بكثيرٍ , في النهاية فإن ( سلوى ) و ( أماني ) تفضّلان أن تعاقبا على يديك ؛ لأنك أرق في عقابِهما ”
بلعَتْ ( نور ) ريقَها بصوتٍ مسموع … معها حقّ , إن كانتْ مؤخرة ( أماني ) القانية هي العقاب الأرَقّ , فما الذي يوشك أن يحدث لها ؟
ولكنّ ( ماهر ) كان له رأيٌ آخرُ :
– ” هذا كذبٌ بيّن , الجميع يعرف أن عضلاتِك هذه مجرد ديكور , إن ( سلوى ) تتمني لو كنْتَ أنتَ من سيكمل عقابَها ”
رد الحارس غاضباً :
– ” اسألْها إذاً ! ”
سأل ( ماهر ) الفتاة الممدّة على فخذيه :
– ” ( سلوى ) , هل ترغبين في أن أكمل أنا عقابَكِ أم أن يكملَه ( صخْرٌ ) ؟ “
كانتْ ( سلوى ) في حيرة مبررة ؛ إن إجابتَها ستعني أن من اختارتْه هو الأضعف , وسيبذل المُخْتارُ كلَّ جهدٍ ليثبِتَ لها خطأ ما ذهبَتْ إليه , ثم فطنَتْ إلى حلٍّ :
– ” أعتقد أنني أفضّل اختيار ما لا أعرفه بعد ؛ هل بإمكان هذا السيّد أن يكمل عقابي ؟ ”
نظر ( صخر ) إليّ , وقال :
– ” هل تريدُ أن تتولّى عقابَها ؟ ”
نظرْتُ إلى لونِ مؤخرتِها وقارنْتُه بلون مؤخرة صاحبتِها , فبدا لي أن العقاب لا يزال طويلاً وقاسيًا , فقلْتُ :
– ” أعتقد أنه ليس بوسعي أن أحمل نفسي على إيجاعها حتى تصل إلى ما وصلَتْ إليه ( أماني ) , ولكن ما دامتْ نزلَتْ على حكمي فأنا أختار أن يستمر ( ماهر ) في عقابِها , ثم تفرغ أنت لعقاب ( نور ) ”
تنفَّسَتْ ( سلوى ) الصعداء , وقد بدا أنها نجَتْ من ذلك السؤال الداهية , ثم سرْعانَ ما عادَتْ إلى النحيب , عندما التقط ( ماهر ) فرشاة الشعر المستقرة على ظهرها , ورجع إلى ستْهِهَا , لم يستغرقِ الأمر طويلاً حتى صارَتْ حمرةُ مؤخرتِها قانيةً , وعلا نحيبُها , ولكنّ الوقْتَ لا بد أنّه مرّ عليها كأنه سنون , في النهاية أمرَها ( ماهر ) أن تذهب إلى الزاوية الأخرى للغرفة وتستقرّ فيها , ففعلَتْ …
ونظرْتُ إلى ( نور ) فوجدْتُها ترتجف خوفاً … وهي ترى ( ماهر ) ينهض من الكرسيّ , ليخليه لـ ( صخر ) الذي ملأه بجسده القويّ , ثم نظر إليّ , وكأنّه يطلب مني الإذن , فأحنيتُ له رأسي موافقاً , وهنا علا صوتُه هادراً  _ لا بد أنّه لا يزال يرغبُ في إثباتِ تفوّقه على ( ماهر ) _ , وطلبَ من ( نور ) أن تقترب منه , وكأنّ هذا الصوتَ الهادرَ لا يكفي , فقد ضرب بكفّه على فخذه وكأنه يريها أين يفترض بها أن تستقرّ , ولكن صوتَ الضربة كان من الارتفاع بحيث جمّد الدمَ في عروقي أنا .. فنظرَتْ ( نور ) إليّ نظرةً أخيرةً متوسّلةً , فكاد قلبي يرقّ لها , إلا أن ( صخر ) الذي ساءه طول الوقتِ الذي استغرقتْه لتبلغ كرسيّه , قام وأمسك بيدها وطوّح بها في الهواء ثم جلس ليتلقى سقوطَها فاستقرَّتْ على فخذيه , كعصفور في مخلب نسر , وقبل أن تتأقلم  مع ما حدث هوى بيده على ردفيها كصاعقة تضرب دعصًا من رمل …
واضطرَرْتُ للتدخل ؛ حتّى وهذه شخصيّاتٌ غير حقيقية , والأمر كلّه لا وجود له إلا في عقلي, فإنّ اللون الذي استحال إليه ردف ( نور ) من ضربة واحدة , والصرخة التي ندَتْ عنها , والوحشية التي رأيْتُها في عيني ( صخر ) , كل هذا منعني من البقاء في مكاني , ولمّا رأى  ( صخر ) إقدامي عليه اعتذر , فقلْتُ له :
– ” لا بأسَ , لقد ارتكبَتْ ما تستحق العقابَ عليه , ولكني لا أعتقد أنها قتلَتْ أحداً , فتستحق كلَّ هذا , سأكمل أنا عقابَها بنفسي , هلّا ناولْتني فرشاة الشعر تلك رجاءً ! “
فسلّمني فرشاة الشعر , و( نور ) , والكرسيّ … وعليّ أن أعترفَ أن هذا الـ ( صخر) مفرط القوة بالفعل , فعلى الرغم من أني عاقبْتُ ( نور ) بفرشاة الشعر مراتٍ , واقتصر هو على يده مرةً , إلا أن كل ذي عينين يشهد أنني كنْتُ أهونَ عليها بكثيرٍ منه …
وعندما فرغْتُ من عقابِها , كان لونُ مؤخرتِها قد انتهى إلى حمرة داكنة , ولكن بالقياس إلى ( أماني ) و( سلوى ) فقد كان عقابُها هيِّنًا, وبدا الاستياء واضحاً على وجهي ( صخر ) , و( ماهر ) ، ولكنهما فكّرا أنها زوجتي أنا , وأنا حرٌّ في عقابِها …
ثم أمرْتُ ( نور ) أن تجعل أنفَها في إحدى الزاويتين الفارغتين , ففعلَتْ , وظللْتُ أرقُبُ حركةَ ردفيها صعوداً ونزولاً أثناءَ سيرِها إلى الزاوية حتى استقرَّتْ بها , فاهتزَّ استُها مرةً أخيرةً معلناً وصوله إلى محطته النهائية … كانتْ فاتنةً فتنةً فوق بشريّة .. بإمكاني أن أحدّق في استِها سنين دون أن أمَلّ …
قاطع أفكاري صوتُ الجهاز :
– ” لقد طلبْتَ مني تنبيهك بعد مرور ساعةٍ , وقد مرَّتْ ساعةٌ , هل ترغب في الاستمرار في هذه الجلسة أم تريد أن تخرج إلى الواقع ؟ ”
كنْتُ عازمًا على منع نفسي من الاستمرار في هذه الجلسات لأكثر من ساعةٍ , حتى لا أنغمس فيها أكثر مما يجب , ولكني طلبْتُ منه دقائق أخرى , ثم سألْتُه أن يزيل هذين الحارسين مباشرةً من الصورة  بدون حوارات ولا أعذار ولا تعبٍ , فَفَعَل .. في لحظة واحدةٍ تبخّرا , وصرْتُ وحيداً في غرفةٍ فيها ثلاثُ غيدٍ ممشوقاتٍ ستهماتٍ , ثم طلبْتُ من الجهاز أن يحضر مرهماً ويجعله في متناول يدي , ففعل … كان هذا أفضلَ من تكلّف السير المنطقيّ للأحداث ..
ثم دعوتهنّ بأسمائهنّ فأقبلْن , ووقفْنَ أمامي صفًّا , فطلبْتُ من ( أماني ) أن تستلقي في حجري , ولمّا بدتْ خائفةً مددْتُ يدي إلى المرهمِ لأعلمَها بما أنوي فعلَه , فذهب خوفُها , وتمددت في حجري , وبدأتُ في دهان مؤخرتِها القمراء وقد حيل بيني وبين عقلي من لين ملمسِها , ورشاقة حركتِها تحت يديّ , فلأياً بلأي ما أقنعْتُ نفسي أن أنتقل إلى ( سلوى ) , وفعلْتُ بها ما فعلْتُه بـ ( أماني ) …
ثم طلبْتُ من ( أماني ) و( سلوى ) أن ينصرفا من الكابينة , ولم يرُقْ لي أن أطلب من الجهاز أن يبخّرهما كما فعل بالرجلين , وعندما غابت عن عيني مؤخرتاهما الرجراجتان بعد أن أغلقَتِ الفتاتان البابَ وراءهما, انصرفْتُ إلى أجمل الثلاثة , والدرة البحرية المكنونة التي مازها التاجر من بين الدرر , فأشبعْتُ رغباتٍ لم أكن أتصور أن أجرؤ على أن تغادر أفكاري إلى عالم الواقع , وللدقة فهي لم تغادر إلى عالم الواقع …وإن كان كلُّ شيءٍ ينال في عالم الواقع قد نلْتُه في هذا الواقع الافتراضي من غير مشقة في التحصيل , ولا خوفٍ من التجاوز في حق بشرٍ …
ثم استلقَتْ ( نور ) في حضني على سريرٍ كان في تلك الكابينة , وقالتْ لي همسًا , وكأنها لا تقوى على رفع صوتِها بالكلام بعد ما فعلْتُه بها :
– ” لقد كان هذا رائعًا ! “
قلْتُ في سخريّة :
– ” متى يمكنني أن أراكِ مرةً أخرى ؟ ”
– ” أنا طوع أمرِكَ , فقط أخبرني متى تريد لقائي وأين , وستجدني هناك ”
لا أدري إن كان هذا استهزاءً من الجهاز , أو من عقلي , أو مجرّد مصادفة , ولكنّها _ حرفيًّا _ كما ذكرَتْ : طوع أمري … والغريب أنني لا أجد أدنى مضاضة في الاستمتاع بذلك … 

*************

( 4 )
بين الواقع والواقع

 

عندما غاردْتُ تلك الجلسة إلى الواقع , كان جدول أعمال ذلك اليوم ممتلئًا حتى التخمة ؛ الكثير من الأشياء لا زلْتُ بحاجة إلى أن أتعلمَها , الكثير من المعارف بحاجة إلى أن ” أحمّلها ” في عقلي , الكثير من الأهداف والأفكار أريد أن أستقصيَها …
لقد كانتْ ( نور ) (الحقيقية وليس الفكرة) , محقةً في قولِها : إن إشباع تلك الرغبات سيمنحني الفرصة للتفرغ لعملي وتفكيري .
وعندما قابلْتُها ( نور الحقيقية ) , كانتْ ترتدي ما بدا وكأنه أضيق بنطالٍ يمكن أن تضع نفسَها فيه , ولسْتُ بالسذاجة التي تجعلُني أعتقد أنّ قلمَها قد سقط بالفعل صدفةً , حتى تضطر للانحناء لالتقاطه , ومؤخرتُها لا تبعد سوى أشبارٍ عن وجهي ؛ … لقد كان هذا اختباراً , ولقد نجحْتُ فيه بجدارة , وبدا أنني لا أجدّ مشقّة في ألّا ألتفتَ إليها , كانتْ كأنها ليسَتْ موجودةً أمامي , وقد أحسَّتْ بعدم اهتمامي , فقالتْ :
– ” أعتقد أنك قد عملْتَ بنصيحتي ! “
– ” ولك الشكرُ عليها , في الواقع إن هناك شيئًا لا يزال يشعرني بالضيق … ”
قاطعَتْني :
– ” لا عليك ! إن الجهاز يستغل الأفكار والشخصيات الموجودة في ذهنك , وبعض هذه الشخصيات ستكون واقعية , فقط لا تخبرني بما يحدث , وأنا لا أمانع منحَك ” الحقوق الأدبية والفكرية لاستعمال علامتي التجارية “, ما دام الأمر لم يخرج إلى أرض الواقع ”
– ” هذا يزيل جانباً من المشكلة , ولكنْ … عندما خضْنا ذلك الحوارَ حول المخدّراتِ وتلك الأشياء  .. هل تعتقدين أنّ هذا ينسحب على هذا الجانب الجنسيّ أيضاً ؛ ( ليس هروباً من الواقع وإنما عوْنٌ على مواجهتِه ) 
– ” إن الجنسَ يختلف ! ”
– ” لماذا ؟ ”
– ” لأن الجنس غير مسبَّبٍ ؛ إن الجهاز يستطيع أن يبثّ في ذهنك شعورًا بالامتلاء والشبع وأن يجعلك تشعر بأنك تأكل ألذّ أكلٍ ولكنّ هذا لا يكفي , إن جسدك بحاجة إلى طاقة ؛ بحاجةٍ إلى أكلٍ فعليّ … الواقع الافتراضي لا يغني عن الواقع هنا , ونفس الشيء ينطبق على أشياء كثيرة , ولكنّ الجنس ليس من بينها ؛ ومن ثمّ فما المانع أن تقتصر في تلبية رغباتك الجنسية على الواقع الافتراضي , ما الذي سيفوتك إن لم يحدثْ ما ترغب فيه جنسيًّا على أرض الواقع ؟ ”
– ” الخصوبة والتناسل واستمرار الجنس البشري , وكل هذا … ”
– ” لو كان هذا الهدف الوحيد من ممارسة الجنس , لكانَتِ البشريّة كلها منحرفة , في الواقع معظم الممارسات الجنسية يعتبر انتهاؤها بالحمل والتناسل مخالفاً لمراد فاعليها .
لكنّ الرغبة في تصوير كل سلوك بشري على أنه مسبّب ويهدف إلى غاية سامية , قد دفع بالمنظّرين إلى تجريم الجنس وتحويله إلى تابو ومحاولة ربطه بالتناسل 
 معظمُنا هنا لا نمارس سلوكاً جنسيًّا خارج تلك الجلسات ؛ بعد فترةٍ ستعتاد على فعْلِ كلِّ ما تريده في تلك الجلسات دون أن تشعر بالذنب , ودون أنْ تشعر أنَّ ما تفعله لا بد سينعكس على علاقاتك الواقعية , ويفقدك قدرتَك على ضبطِ نفسِك “
– ” بالضبط ؛ أنا لا أريدُ أن أعيش في حضّانة خالية من الجراثيم , وأتخلى عن مناعتي , ثم أفاجأ أنَّ عليّ أنْ أخرج مرة أخرى إلى الدنيا الرحبة الملأى بالجراثيم … ”
– ” إن لنا فترات طويلة هنا ، لم يحتَجْ أحدٌ للخروج من حضّانته ؛ لن تكون استثناءً ! افعلْ في تلك الجلسات كلَّ ما يحلو لك ؛ في الواقع هناك جلسات مخزّنة من أجل الاطلاع عليها لأغراض الدراسة ؛ إذا شاهدْتَ بعضها فسترى المدى الذي نذهب إليه في تلبية رغباتِنا ؛ لم يعدْ هناك معنى للخطوط الحمراء مادام الأمر لا يؤذي أحداً  
ثم نظرَتْ إليّ طويلاً قبل أن تقول :
– ” بعيداً عن ذلك , ربما يسرُّك أن تعلم أنّ العشرة الكبار قد أثنَوا عليك كثيراً لِما أنجزْتَه في هذه الفترة القصيرة ! ”
– ” لقد كنْتُ دائماً واحداً من هؤلاء الذين يقال عنهم إنهم يجيدون الفهم ولا يحسنون الحفظ … دعي المعلومات تُسَجَّلُ تلقائياً في ذاكرتي , وسيبهركِ ما أصنعه .. “
– ” الرجل المناسب في المكان المناسب ؛ لو كانتْ لك ذاكرة حديدية لما أفادَتْك بشيءٍ هنا “
ثم ابتسمَتْ في خبثٍ , وقالَتْ :
– ” سأنصرف الآن , هل أحتاج إلى أن أرجع القهقهرى ؟ ”
ردَدْتُ عليها الابتسامةَ بمثلِها ، وقلْتُ :
– ” أمّا الآن فلا , ولكنّي أضمن لك أن جلسة الليلة ستشمل هذا السؤال , وسأجيبُ عليه _ آنذاك _ بما لا يسرّكِ ”
نظرَتْ إليّ وهي تتظاهر بالاشمئزاز , وإن ظلَّتْ مبتسمةً , وقالَتْ :
– ” إخخخ ! … من باب الفضول ليس إلّا ؛ بماذا ستجيب على نسختي الافتراضية عندما تسألك ذلك السؤال ؟ ”
– ” لا أعتقد أنني أجرؤ على إخبارِكِ ! ”
– ” بهذا السوء ؟ ”
– ” حتّى أقرِّبَ لك الصورة : فإنه لن يكون ردًّا لفظيًّا … سأقوم …. “
قاطعَتْني :
– ” حسناً , لا أريد أن أسمع أكثر من ذلك “
– ” ليس هذا ما كنْتُ أوشك أن أقولَه … بل أردْتُ أن أشيرَ إلى أن هناك خياراً ما يتيح لأعضاء معينين أن يطلعوا على جلسة محددة , إذا أردْتِ فبإمكاني أن أجعل جلسة الليلة متاحةً للعضو ( اثنان وتسعون ) ؛ ويمكنكِ أن ترَيْ بنفسِكِ ما سيحدث .. “
– ” ولماذا أريد ذلك ؟ ”
– ” كما قلْتِ : من باب الفضول لا أكثرَ … ”
تردَّدَتْ قليلاً , وكأنها تزن خياراتِها , ثم قالتْ :
– ” مبدئيًّا : موافقة …. ولكنْ رجاءً لا تفهم من هذه الموافقة أيَّ شيءٍ آخر “
أجبْتُ في سخريّة :
– ” أوه ..لقد كنْتُ أخطط ليوم زفافِنا من الآن .. شكراً على تخييب ظني ! ”
ضحَكَتْ ضحكة خافتةً , ثم فكَّرَتْ في شيءٍ :
– ” من باب المعاملة بالمثل _ ليس أكثر _ ؛ أعتقد أنني سأسْمح للعضو ( مئة واثنان ) بالاطلاع على جلستي في هذه الليلة أيضاً ؛ سأرى ما تريد صنعَه بي , وسترى ما أريد صنعَه بك .. “
لم تكَدْ تذكر ذلك حتى فطِنَتْ إلى اعترافِها , وأرادَتْ أن تتراجع , ولكنّي انتهزْتُ الفرصة , وقلْتُ:
– ” بي ؟! ”
بدأتْ حمرةُ الخجلِ تنتشر في هذين الخدّين الأسيلين ( في الواقع كانتْ هذه فرصةُ لمقارنة الواقع الافتراضيّ بالواقع , وقد دهشْتُ من نتيجة المقارنة ؛ كان الأمر لا يختلف في شيءٍ عن حمرةِ خجلِها في تلك الجلسات ؛ هذا الجهاز استثنائيٌّ ! ) , ثم قالَتْ :
– ” هذا لا يعني أيَّ شيءٍ ؛ إنني أرغب في التنويع ليس أكثر , أنت شيءٌ جديدٌ هنا , ولذا فعقلي يجرّب خياراتٍ جديدة ”
كانَتْ على حافّة الاعتراف , ولا تحتاج إلا إلى دفعة بسيطة لتتخلى عن تمنّعِها , فقلْتُ _ وأنا أصطنع الجدّيّة _ :
– ” أنا أصدقكِ ! ”
زاد احمرارُ خدَّيها , ثم قالَتْ همسًا _ وقد تخلَّتْ عن محاذيرِها _ :
– ” اليومَ : سنبدأ جلستَيْنا في الثامنة , وننهيهما في التاسعة ؛ ثم يطالع كلٌّ منا جلسة الآخر وينتهي منها في العاشرة ؛ ثم نلتقي في غرفتي بعد ذلك ؛ … لتبادل الملاحظات ليس أكثرَ ”
– ” كميّة الملاحظات التي سنتبادلُها !  سيكون الأمر أقربَ بإعدادِ بحثٍ مشترك ! ”
عضَّتْ شفتَها بأسنانِها…. ثم دنَتْ من أذني , وقالَتْ :
– ” عندما أغادر لغرفتي الآن , فبإمكانِك أن تنظر كما تشاء ؛ في الواقع إنني أرغبُ في ذلك … وسأجيب على السؤال الذي سيخطر لك حينَها مِن الآن : ليس تحتَه شيءٌ ”
– ” المعذرة , ما هو السؤ.. “
لمْ تمهلْني حتى ولَّتْ منصرفةً …
إما أن تكون الأرضية قد تحوّلَتْ إلى طينٍ موحلٍ , وإما أن تكون مشيتُها هذه متعمّدةً …
ولمّا كانتْ قد أذنَتْ لي في النظر؛ بل لقد قالَتْ إنها راغبةٌ في ذلك حتى … فقد علَّقْتُ بصري بما أرغب أكثر من أيِّ شيءٍ آخرَ في تعليق بصري به , وسرعان ما قفز السؤالُ الذي أجابَتْ عليه مسبقًا إلى ذهني : ما الذي ترتديه دون هذا البنطال ؟
والجواب كما ذكَرَتْ : ليس تحت هذا البنطال أي شيءٍ ؛ إنه من الضيقِ بحيث أرى حدود أيّ شيءٍ تحتَه لو كان موجوداً ؛ ولا حدودَ   
وعندما قارنْتُ أداء الجهاز بالأصل الواقعيّ , بدا لي لأوّل مرة عدم قدرتِه على نقل هذه الحركة الفتّانة لتلك المؤخرة المُثْقَلَة…أعتقد أن الجهاز معذورٌ ؛ هذا الذي أراه غيرُ قابلٍ للنقل ؛ إنه يُدْرَك على مستوى كموميّ ؛ أنْتَ بحاجة إلى ( نظريّة كل شيءٍ ) حتى تلمّ بأبعادِه ….
كنّا نتبادل ذلك الحوار في إحدى الممرّات , ولذا فعندما عادَتْ لغرفتتِها فقد سارَتْ مبتعدةً عني إلى أحد التقاطعات , وسرعان ما استدارَتْ لتسيرَ في واحدٍ من تلك الممرّات المتشعبة , وغاب عني ردفاها الملاصقان للبنطال …
ثم عادَتْ مرّةً أخرى للظهور من ذلك الممرّ , ومشَتْ تجاهي , فاستغربْتُ , ولكنّها لم تتوقفْ عندي , بل قالَتْ عندما حاذَتْني :
– ” نسيْتُ أنّ غرفتي من تلك الجهة … بالمناسبة : إن لعابَك … ”
وأشارَتْ إلى جانبِ فمي , فانتبهْتُ إلى أن هذه الحسناء المنظرانيّة قد سال لها لعابي حرفيًّا , ومسحْتُ فمي بجانب يدي , فغمزَتْ لي , واستمرّتْ في مشيِها المُتَبَهْكِنِ إلى الجهة الأخرى …
وتحوّل ناظراي الحديدان إلى حديدٍ , واستُها لمغناطيس ؛ هذان الردفان سيدنيانني إلى حتفي ؛ في الواقع لقد كفرْتُ بذلك الجهاز ؛ من أين له أن ينقل هذا ؟! هذا الذي أراه لا يمتُّ لدنيا البشر بصلة ؛ إنه معنىً سامٍ مطلقٌ  .. أنا مستعدٌّ أن أتخلى عن كلّ ما أملك مقابل لمس هذين الكوكبين النورانيين  _ واقعيًّا , فقد أوسعْتُهما لمسًا في جلساتٍ افتراضيّةٍ كثيرةٍ  _ …
وغاب الردفان وصاحبتُهما عن عينيّ , وغادراني في أمانيّ بأن تتاح لي الفرصة لمسّهما وعضّهما وستْهِهِما وإتيانِ كلّ فعلٍ يتصل بهما ……
لم أكنْ أعرفُ _ حينَها _ أنّ أمنيتي هذه ستتحول إلى واقع ( ليس افتراضيًّا , وإنما واقع عادي مِن المتوفّر بدون تكنولوجيا متقدمة أو غير متقدمة) في تلك الليلة , ثم في الليلة التي تليها ، ثم في الليلة التي تليهما , … في الواقع لقد استمرّتْ اجتماعاتُنا _ البحثيّة _ لليال طويلة حتى نسيْتُ العدّ ..
وإن كان لي أن أعلّق تعليقًا أخيراً على قدرة هذا الجهاز / الخوذة على محاكاة الواقع فسأقول :
 في كل النواحي التي جرَّبْتُ فيها هذا الجهاز كان مثاليًّا …يَسْهُل جدًّا أن ينسى الشخصُ أنه في واقع افتراضيّ  ويصدق أن ما يراه هو الحقيقة ….
في كلّ النواحي عدا ناحية واحدة ؛ …
 إذا كنْتَ قد سبق لك أن طالعْتَ مؤخرةً فعمة بضّة رَخْصَةً رداحاً على الحقيقة , وعرفْتَ كيف يبدو هذا الجزء الملائكيّ من الجسد … فإن هذا هو مفتاحُك للتمييز بين الواقع الافتراضي والواقع الحقيقي ؛ لا يوجد واقع افتراضي _ سواءً صمَّمَتْه ( واحد ) أو صمَّمَته ( مليون ومئة ألف وواحد ) _ قادرٌ على نقل هذه الروعة وهذا الكمال وهذا الجمال بكلِّ تفاصيلِه , سيقترب ولكنه لن يبلغ نفس المرتبة …..
ستظلّ هذه الأرداف الريّانة دائماً هي نقطة تفوّقِ الطبيعة على الفنّان ..  مهما علا قَدْرُ الفنانِ وارْتَفَعَ ….
 ____________________________________________

قصة : (نادية) أو (سفيتلانا) ( م/ ف)


قصة : (نادية) أو (سفيتلانا) !  ( م/ ف) 
– بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين رجل وامرأة , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب من أن يكون ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 
– القصة :
_تمهيد _
لم يكنْ وقوعُ شقة (  لينين الإسكندرانيّ ) في عمارة مكتظة بالسكان في حيٍّ شعبيٍّ حائلاً يحول دون انعزاليةِ صاحبِ الشقة …
 تلك الانعزالية التي كانتْ دائمًا وقوداً لكثيرٍ من الشائعاتِ التي تداولها جيران ( لينين) عنه .
كان ( لينين ) قد احتفل بعيد ميلاده الأربعين في مايو الماضي وحيداً بلا زوجة ولا أولاد ولا أصدقاء ولا أقرباء …
وكان عيد ميلاده يصادف عيد العمال , فكم كانتْ فرحة أبيه _المناضل العمّالي _ عظيمةً عندما وُلِدَ ( لينين) في عيد العمّال.. وقرّر الأب أن يسمي ابنه بهذا الاسم : لينين ….
مما جعله مثار سخريةٍ طيلة حياتِه تقريباً …
وبين الفينة والفينة كان هناك شخصٌ ما يسمع الاسم فيبتسم , وقد يقول شيئاً ينتهي أو يبدأ بـ ( أيها الرفيق ) , أمّا البقية فكانوا يتساءلون في استغراب عن مصدر هذا الاسم  
وكان ذلك مما يزيد ( لينين ) غيظاً , فهو لم يرِدْ في حياتِه أكثر من أن يُتْرَكَ وشأنَه .. ولكن اسمَه كان دعوةً مفتوحةً لأسئلة مطوّلة أو نقاش معمّق حول الاتجاه السياسي الذي ” يُفْتَرَضُ ” أن صاحب هذا الاسم يعتنقه .  
ولذلك ما إن تخرّج ( لينين ) في كلية التربية حتى التحق بالتدريس في مدرسة ( النابغين ) , وأجَّر هذه الشقة المتواضعة , وتبنّى نظام حياةٍ يعتمد على الحد الأدنى من التفاعل مع البشر , فأثناء العام الدراسي كان لا يخرج من شقته إلا إلى المدرسة , وبمجرد مجيء الإجازات كان ينقطع بالكلية تقريباً عن المحيط البشري حولَه … وظل الأمر على هذه الحالة قريباً من عشرين عاماً , حتى كان يومُ الأحدِ الحادي والعشرين من أغسطس ! 
*******************
( 1 )
يوم الأحد الحادي والعشرين من أغسطس ..
طرقٌ على الباب …
نظر ( لينين ) من ثقبِ الباب , فلمْ يرَ أحداً ..
وأثناء نظره عاد صوتُ الطرق مجدداً , فجفل ( لينين ) من المفاجأة , وخيِّل إليه أنه سمع صوتَ ضحكة مكتومةٍ …
كان أي شخص آخر ليدفعه الغضبُ إلى فتحِ الباب ومعرفةِ صاحب الضحكة , ولكن ليس ( لينين ) الذي اكتفى بالانتقال إلى أبعد غرفةٍ عن باب الشقة وَوَضْعِ سدادتي أذن في أذنيه والعودة للقراءة …
في الواقع لو لم يكنْ ( لينين ) شديدَ التشاؤم والخوف من السلطة ويعتقد أن اسمه سيتسبب في القبض عليه في أيِّ يومٍ … لو لم يكنْ ( لينين ) يخاف من هذا لما اهتمّ بالرد على طرق الباب ولا على رنين الهاتف … ولكنه كان يخشى أن يزيد ذلك من تهمة ” مقاومة السلطات ” أو ” عدم الرد على طرق السلطات ” أو شيئاً من هذا القبيل , فلذلك كان يهرع إلى الباب إذا طرقه طارق أو يرفع السماعة مباشرة إذا ارتفع رنين الهاتف …
أما وقد تبين له أن الطارق على الأغلب هو شخصٌ لاهٍ فإنه لا يبالي بذلك البتّة …
كان ( لينين ) قد بدأ في الانغماس في القراءة عندما عاد صوتُ الطرقِ يخترق سدادتي الأذن , فعادتْ لـ ( لينين ) مخاوفُه ؛ من الذي يجرؤ على طرق الباب بهذه القوة غير السلطات ؟
حاول أن يطمئن نفسَه ففشل , فخرج مسرعاً إلى الباب وقام بفتحِه هذه المرة بدون أن ينظر في ثقب الباب ….
– ” صباحَ الخير , هل يمكنني أن أعرض عليكَ أفضل منتجاتِنا التي … ”
سكتَتْ فتاة المبيعاتِ فجأةً عندما علا صوتُ الصخبِ من خلفِها , كان ( لينين ) هو الآخر ينظر في استغرابٍ إلى الجمع المحتشد من الصبيان على السلم المؤدي للطابق الذي يحوي شقتَه … لم يكنْ أكبرُهم يتجاوز الخامسة عشرة , وقد بدأوا في الصياح الذي تحوَّل إلى معاكساتٍ فجةٍ لم تلبثْ أن تطوَّرَتْ إلى خطواتٍ مسرعةٍ تجاه فتاة المبيعاتِ التي لم تجد مخرجاً تهربُ إليه إلا البابَ المفتوحَ أمامها ….
وربما لم يكن ( لينين ) له حظّ من اسمه , ولكنه لم يكن ليتركَ فتاةً تتعرض لهؤلاء ثم لا يفعل شيئاً , ولذلك فبمجرّد دخول الفتاة للشقة أغلق الباب وراءَها , ونظر في ثقب الباب ليرى ردَّ فعلِ الصبيان ..
بدأ بعضهم ينظر إلى بعضٍ ثم قال قال أحدهم _ الذي يبدو أنه زعيم العصابة _ بصوتٍ تعمد أن يكون مرتفعاً ليصل إلى ساكنِ الشقة :
– ” نحن نشقى في الطلب وغيرنا ينال بلا تعب… دنيا! ”
لم يكن ( لينين ) متفاجئاً من لغة الصبي , فهو يعمل في التدريس ويعرف هذه النوعية , ولكن بدا له أن الموقف في مجمله غريبٌ … فهذا حيّ شعبيّ ولكنه ليس بهذه الشعبيّة … ثم إنه لا يعرف هؤلاء الصبيان في سكان العمارة ….
بدأ زملاء الصبيّ يؤمنون على قولِ صاحبِهم وعلا صياحُهم مرةً أخرى … ولا بدّ أن صياحهم هذه المرة كان شديد الارتفاع لأن باب الشقة المجاورة انفتح وخرج منه جارُ ( لينين ) _ ( سليم زيادة ) _ الصول المتقاعد مفرط الطول والعرض …. وما إن رآه الصِبْيةُ حتى ولُّوا هاربين , بينما هو يزمزم مغضباً  , ثم دخل شقته وأغلق بابَها خلْفَه …
عندما اطمأنّ ( لينين ) لرحيل الصِّبْيةِ  التفت إلى فتاة المبيعاتِ التي الواقفة خلفَه .. ثم تملّى في ملامحها مستغرباً, وقال :
– ” أنتِ تتحدثين العربية ؟ ”
– ” تعلمْتُها بالممارسة 
– ” ربما من الأفضل أن تعملي في مجال آخر , أو على الأقل تقتصرين على الأحياء الراقية “
– ” إن رئيسي في العمل قال إن فرصة اشتراء الأشخاص العزاب ساكني الأحياء الشعبية من فتاة مبيعاتٍ مرتفعة للغاية وعلينا أن نستغل ذلك 
نظر إليها ( لينين ) في دهشة , كان يعلم _ بحكم اسمه على الأقل _ أن مديري المبيعات لا تتوقف ألاعيبُهم عند حدٍّ , وأن الجنس بالذاتِ يلعب دوراً كبيراً في التسويق والدعاية والإعلان , ولكنه لم يتصور أن الأمر يصل  إلى استهداف العزّاب الفقراء بفتياتٍ لا يرون أمثالهنّ إلا في التلفاز …
ثم من أين علموا أنه عازب ؟
تجاهل أفكارَه وسألها عن شيءٍ آخر :
– ” لماذا لم تقفي أمام الباب عندما طرقتِه أولَ مرة ؟ ”
قالتْ فتاةُ المبيعاتِ وكأنها تستظهر نصًّا محفوظاً :
– ” عندما يحاول العميل معرفة الطارق عن طريق النظر في ثقب الباب ثم لا يجد أحداُ فإنه يتوقع أن من يعابثه طفْلٌ أو أحد معارفه وعندما يفتح الباب ويفاجأ بفتاةٍ حسناء فإن عامل المفاجأة يساهم في زيادة فرص اشترائه للمنتج المعروض “
هؤلاء الرأسماليون ! لسْتَ بحاجةٍ إلى أن يكون اسمُك (لينين ) لتكرههم !
 فكَّر ( لينين ) في شيءٍ يقوله , ولكن الفتاةَ بادرَتْه :
– ” هل لي أن أستغل شهامتك وأعرض عليك شراءَ منتجاتِنا فتكون قد أنقذتني من هؤلاء الفتية وساهمْتَ في زيادة مبيعاتي في الوقت نفسه ؟ ”
ابتسم ( لينين ) رغماً عنه … ما الذي يقولونه في ذلك المثل ؟ ” يموت الزمّار ويده تلعب ” أو شيءٌ من هذا القبيل ؟
ثم ردّ في هدوءٍ :
– ” أعتقد أن من أنقذكِ بشهامته هو الصول (سليم) جاري , وبإمكانكِ أن تختبري إن كانتْ شهامتُه ستمتد إلى  زيادة مبيعاتكِ , وتطرقي بابَ شقتِه , ولكني أعتقد أنه عاد للنوم , وإيقاظُه ليستْ فكرةً جيدةً ! ”
– ” هل لي أن أعرض عليكَ المنتج ثم لا تشتريه إذن ؟ إنني لن أغفر لنفسي إن لم أحاول ! ”
– ” حسناً , إن كنْتِ ولا بد فاعلة ”
فتحَتْ الفتاة الحقيبة الضخمة التي تحملها وأخرجَتْ منها ما يبدو وكأنه شاحن للهاتف المحمول , ثم بدأتْ عرضَها , فرفعَتِ الشاحنَ ثم قالتْ :
– ” هل سبق لك أن فكرْتَ في السبب الذي يجعل شواحن الهواتف المحمولة ضمن أكثر الإكسسوارات عطباً واستبدالاً ؟
نحن فعلْنا , وتوصلْنا إلى ما لم يتوصلْ إليه أحدٌ غيرُنا … “
قاطعها ( لينين ) مبتسماً , وقال :
– ” لأنكم لو توصلْتُم إلى ما توصل إليه غيرُكم لجاز أن نشتريه من غيركم ولا تستفيدون أنتم شيئاً ! ”
– ” بالضبط ! وهذا ما نحرص عليه في شركتِنا , أن تكون لنا الريادة فيستفيد عميلُنا بالحصول على أفضل خدمة ممكنة غير متاحة للآخرين , ونستفيد نحن بالحصول على ثقتِه أولاً ثم على مالِه في المرتبة الثانية …. لماذا تزدادُ ابتسامتُكَ اتساعاً , هل سبق لك العمل في مجال التسويق ؟ ”
– ” لو كنْتِ تعرفين اسمي لما سألْتِ هذا السؤال ! ”
– ” هل هناك اسمٌ يغني في الإجابة على سؤال “هل تعمل في التسويق” إلا إذا كان اسمُك (ستالين) ؟ “
– ” أخطأْتِهِ بالكاد .. ( لينين ) ! “ 
– ” هذا محالٌ , هل فيك عرقٌ روسيٌّ أو شيئاً من هذا القبيل ؟ ”
” لا أعتقد ذلك , على الأغلب فإن أجدادي من الجهتين قد شاركوا في بناء الأهرامات …. ولكن الأيدلوجيا تنقل ما لا ينقله العِرْقُ … لقد كان والدي شيوعياً ”
– ” وكذلك أنا كان والدي شيوعياً وبسبب ذلك فإنني أعمل في الشرق الأوسط في مجال التسويق ! سبب ونتيجة ..أليس كذلك ؟ ”
– ” لا أعتقد أن الرفاق في موسكو الستيناتِ كانوا ليعترضوا … ما لم يكن هذا الشاحن الذي تبيعونه أمريكياً مثلاً ! ”
– ” إنه هنديّ في الواقع , من أخطأ العالم الثاني فلا أقل من أن يقع على العالم الثالث ! ”
قاطع الحوارَ طرقٌ عنيفٌ على الباب , وعندما نظر ( لينين ) من ثقبِ الباب وجد جمعاً من الجيرانِ يتقدمهم ( سليم ) الصول المتقاعد الذي أُوْقِظَ من نومه للمرة الثانية في يوم واحدٍ … لا شك أن الأمر جلل ..
فكّر ( لينين ) في سببٍ لاجتماع هؤلاء .. ثم خطرتْ له فكرةٌ مخيفةٌ .. لقد دخلَتْ إلى شقته فتاة حسناء في منتصف العشرينات … ملامحها غير عربية … وبقيَتْ في الشقة لدقائق , وهذه عمارة مكتظة بالسكان وهؤلاء الصبية الذين رأوها تدخل …لعل بعضهم من سكان العمارة , فـ ( لينين ) لا يعرف كل سكانِها بل يراهم في المناسباتِ … ماذا إذا كانت الشائعاتُ قد وصلَتْ إلى ذلك الشيء الذي تحب الشائعاتُ أن تصل إليه ؟  من سيقتنع حينَها ” أننا كنا نتنتاقش في شواحن الهاتف المحمول ! ” …. هذا الأمر لن ينتهي على خيرٍ ….
عاد الطرقُ العنيفُ .. ففكر ( لينين ) أن أسلم الحلول أن يفتح الباب مباشرةً , لا معنى لمحاولة إخفاء ” أركان الجريمة ” , إنّ هذا سيزيد الشكوكَ بلا داعٍ …
فتح لينين الباب وبمجرد رؤية الواقفين خلفه لجارهم وبجواره الشقراء الحسناء التي لا تزال ممسكةً بشاحن الهاتف المحمول , حتى ابتدأتْ عاصفةُ الانتقاداتْ , ثم علا في وسط تلك العاصفة صوت ( سليم ) الجهوريّ صارخاً :
– ” يا أستاذ ( لينين ) هذه عمارة محترمة وسكانها محترمون , وأنت رجل تربي الأجيال .. كيف تسمح لنفسك ؟!! ”
– ” يا سيادة الصول , لقد كانتْ الآنسة تهرب من هؤلاء الصبية الذين رأيْتَهم قبل قليلٍ وكانوا يريدون ما لا تحمد عقباه , ما الذي كان يفترض بي أن أفعله ؟ ”
– ” كان يفترض أن تصرخ فيهم كما صرخْتُ فيهم , ولكن لا تسمح لامرأة أجنبية بدخول شقتك ! ”
أضافتْ إحدى الجارات المتحمسات :
– ” ثم إنك رجل عازب … وهي : بسم الله ما شاء الله ! … ثم ما الذي كانتْ تفعله على باب شقتكَ قبل أن يطاردها الشباب ؟ ”
كان هذا دورُ الفتاة لتجيبَ على أسئلتِهم :
– ” سيداتي سادتي هل لي أن أعرض عليكم أحدث منتجاتِنا التي ستوفر مالكم وجهدكم وتحوز على رضاكم ؛  هل سبق لكم أن فكَّرْتُم في السبب الذي يجعل شواحن الهواتف المحمولة ضمن أكثر الإكسسوارات عطباً واستبدالاً ؟
نحن فعلْنا , وتوصلْنا إلى ما لم يتوصلْ إليه أحدٌ غيرُنا … ”
كان هذا دور ( سليم ) ليقاطعها :
– ” كل هذه الشواحن متماثلة حتى النوع الأصلي الذي يأتي في علبة الهاتف المحمول , فقط عليكَ أن تسلم بالأمر الواقع وتشتري واحداً جديداً كل فترة ! ”
ردَّتْ الفتاة في حماسٍ :
– ” سيدي , لو كان لي أن أخترع آلة زمان , وأدعو نفسك من المستقبل _ بعد أن تستعمل شاحنَنا _ لتقنع نفسك الآن بخطأ هذه الفكرة لفعلْتُ … فكرةُ تماثلِ كل الشواحن هذه هي ما تريد الشركات المنافسة _بما فيها تلك التي تصنع الشواحن الأصلية_ أن تقنع الناس بها لتخفي إخفاقها … نحن توصلْنا إلى … “
هنا جاء دورُ الجارةِ التي لم تنسَ الموضوع الأصلي , فقالت :
– ” هل هذا هو سبب كل هذا اللغط ؟ شاحن هاتف محمول ؟! أنا لا أصدق هذه الرواية ! ”
بدأ الجيران في الانقسام ما بين مصدق ومكذب , حتى تدخّل الصولُ مرةً أخرى , وقال :
– ” أعتقد أن من حق الأستاذ ( لينين ) أن نحترم خصوصيته , ولكن من حقنا نحن أيضاً كجيران وكسكان في هذه العمارة أن نستوثق من هذه الرواية التي تزعم هذه الفتاة أنها الحقيقة … علينا أن نفتش حقيبتها تلك , لو كان ما تقوله حقيقةً فلن نجد فيها إلا منتجاتٍ معدة للبيع , ولو كانت الأخرى _ لا سمح الله _ فسنجد أشياء لا تليق تستعمل في ذلك الأمر الدنيء … الحل في تفتيش الحقيبة ! ”
بدا الذعر واضحاً على ملامح الفتاة , ولكن ( لينين ) فكر أنه ذعرٌ مبرَّرٌ : التفتيش بدون إذن …. هذا ينمّ عن كوارث أخرى في الطريق , لو لم تكن أجنبية فلربما طالبوا بكشف عذرية أيضاً …
بدأ التوتر يزداد , ولما بدا إحجامُ الرجال واضحاً عن خطف الحقيبة قسراً من يد الفتاة , فقد تكفلَتِ الجارةُ بالقيام بهذه المهمة , وانتزعتِ الحقيبةَ من يدها وبدأتْ في إخراج محتوياتِها على الملأ ؛ عدداً ضخماً من علب الشواحن…. ومحفظة ؛ وبدأتِ الجارةُ في فتحِ المحفظة فعلَا صوتُ احتجاج فتاة المبيعاتِ ولكن بلا جدوى …. ثم بدأتْ محتوياتُ المحفظة في الظهور ؛ أحمر شفاه , ومرآة , وبضعة جنيهاتٍ , وهاتف محمول , وبضعة بطاقات ليس في أيٍّ منها عنوان جهاز مخابرات أجنبي …… وواقٍ ذكريّ !
وهنا علَتْ صيحاتُ النصرِ , وكأن الجيران قد عثروا على قنبلة نووية , وأوشك أحدهم أن يتصل بالأجهزة الأمنية , ولكن آخرين أقنعوه أن هذه ليستْ تهمةً بالضبط !
ولكنْ الصول توجّه ببصرِه إلى ( لينين ) وقال :
– ” أعتقد أن الحقيقة قد ظهرتْ بجلاءٍ يا أستاذ ( لينين ) “
– ” ما الذي ظهر بجلاءٍ ؟ ”
– ” أن اجتماعك مع هذه المرأة لم يكن اجتماعاً بريئاً ”
– ” بناءً على ماذا بالضبط ؟ “
تدخلَتِ الجارةُ في حماسٍ :
– ” بناءً على إغلاقِكَ على نفسكَ باب شقة ليس فيها إلا رجل وامرأة وحدهما , ثم وجود هذا ” ورفَعَتْ يدها بالواقي الذكري ” معكما ! ”
حاولَتِ الفتاة التدخلَ , ولكن ( لينين ) كان قد ملَّ هذه اللعبة , فقرَّر أن يساير الجمع , فسأل الجارة :
– ” ليستْ هذه هي النقطة , وإنما السؤال ما الذي يجعل اجتماع رجلٍ وامرأةٍ وحدهما تهمةً في حقي وليس تهمةً في حقكِ أنتِ وزوجكِ ؟ ”
نظرَتْ إليه الجارةُ وكأنها تنظر إلى مجذوب ثم قالتْ :
– ” لأنني أنا وزوجي متزوجان ”
– ” وأنا و(ناديا) متزوجان عرفيًّا , ووالداها في سانت بطرسبرج يعلمان ذلك وأهلي أنا يعرفون ذلك فزواجنا مُشْهرٌ عند من يعنينا أمرُه , فليس ذنبي أنني لا أريد أن يعرف جيراني الطفيليّون أنني متزوجٌ من أجنبية ! ”
كانتْ ملامحُ الجيران توحي بأنهم يريدون استمرار الجدلِ وطلب القرائن , ولكن الصول _ الذي صار زعيماً للجمهرة بصورة أو بأخرى _ قرَّرَ أن هذا أمرٌ مختلفٌ عن ذاك , فقال في هدوءٍ :
– ” إن كان هذا هو الأمر فهذا حقك وليس لأي منا أن يتدخل فيه , ونحن آسفون على إزعاجكما .. “
ثم أخد الحقيبة بمحتوياتها من الجارةِ وسلّمها لـ ( لينين ) , وقال موجهاً حديثه لمن صارت ( ناديا ) رغم أنفها :
– ” المعذرة يا مدام ( نادية ) ”
ثم انصرف , فانصرف معه الجمعُ , وأغلق ( لينين ) البابَ خلفَه , فابتسمتْ “ناديا ” له وقالتْ :
– ” ناديا ؟ ”
– ” أتفضلين (ناديتشدا) ؟ إنني لم أستطع التفكير في اسمٍ آخرَ لزوجة ( لينين ) سوى زوجة ( لينين ) ! ما اسمك على أية حال ؟ ”
– ” (سفيتلانا) 
– ” حسناً يا آنسة (سفيتلانا) , بما أن هذه الملحمة قد انتهَتْ على خيرٍ , فربما ترغبين في العودة لمهمتك في إقناع زبائن آخرين بجودة شواحنكم ”
وهمّ ( لينين ) بفتح الباب , ولكن ( سفيتلانا ) بادرَتْه :
– ” مهلاً ! ألا يظن جيرانُكَ أننا متزوجان واجتمعنا بعد غيابٍ , ومن ثم فإن خروجي مباشرةً سيثير شكوكَهم في تلك الرواية ؟ ”
تصوَّر ( لينين ) منظر جاراتِه في الطابق وقد استمعن للغط , ووقفن خلف ثقوب أبوابهن في انتظار خروج أحدٍ من شقتِه … معها حقّ … ليس من الآمن أن تخرج الآن … ولكن ماذا يفعلانه إذًا ؟
استغرقه التفكير برهةً , فقالتْ ( سفيتلانا ) :
– ” هل أستطيعُ استعمالَ دورةَ المياه رجاءً ؟ “
كان ذهنُ ( لينين ) لا يزال مشغولاً بالجيران وما يعتقدون أنه يَحْدُثُ في شقته , فسأل في قلقٍ :
– ” لماذا ؟ ”
نظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في دهشة لا تخلو من استمتاع , ثم قالت ساخرةً :
– ” لأتجهز استعداداً لليلتنا الحمراء ! ” ثم هزَّتْ رأسَها في عدم تصديقٍ وأضافَتْ : ” بل لأسباب طبيعية لا علاقة لها بالجنس , هل لي .. رجاءً ؟ ”
– ” بالطبع , أنا آسف … في نهاية هذا الرواق الباب المقابل لنا .. ”
– ” شكراً ”
ما إن أغلقَتْ ( سفيتلانا ) البابَ خلفها , حتى عاد القلقُ يساور ( لينين ) … فتاة روسية .. تعمل في المبيعات … في مصر ؟! … ثم أيّ ممارسة تسمح لشخص بتعلم اللغة بهذا الإتقان ؟! ما لم يكن زملاؤها في العمل من لغويي البصرة ! …
كانتْ الشكوكُ قد وصلَتْ حداً لا يطاق , وفكر ( لينين ) في أن عليه أن يصارحها بالأمر … ثم انتبه إلى أنها تركَتْ حقيبتَها عندما توجهتْ إلى الحمام … وحاول ( لينين ) أن يمنع نفسَه , ولكن خوفَه المرضيّ من المشاكل قد دفعه إلى فتح الحقيبة ليتأكّد من صحة روايتِها … لقد فتَّشَتْ جارتُه الحقيبةَ قبل قليلٍ … ولكن الأمر يختلف عن تفتيشه هو لها ؛ فخلافًا لجارتِه فهو يعرف مبادئ الروسية !
تجاوز علب الشواحن , وذهب مباشرةً للمحفظة ثم إلى البطاقاتِ ؛ كانتْ إحداها مكتوب عليها بالعربية وتشير إلى شركةِ مبيعاتٍ بالتجزئة … هذا يطابق الرواية .. وثلاث بطاقات أخرى عليها عناوين أشخاصٍ ما بالعربية أيضاً وتتعدد وظائفُهم ما بين طبيب ومحامٍ ومقاولٍ … لم يجد كلمةً واحدةً بالروسية .. ثم تنبّه إلى أنه لم يجد أيَّ إثباتِ شخصيةٍ لها … ألا يفترض أن يوجد جوازُ سفرٍ في مكانٍ ما ؟ .. ربما أبقَتْ هذا معها .. ولكن أبقتْ هذا معها أين ؟ إن ما ترتديه شديد الضيقِ بحيث يستحيل تقريباً أن تدس جواز سفر في أحد جيوب بنطالها الملتصقِ برجليها أو قميصها الضيق والخالي من الجيوب على أية حال … شخص أجنبي يتجول في بلد بدون إثباتٍ … ربما لم يكن من الوسوسة والعداء للأجانب أن يعتقد أن وراءَها سرًّا ما …
كان ( لينين ) قد استغرق في أفكارِه فلم ينتبهْ إلى فتح باب الحمام ولا إلى انتقال ( سفيتلانا ) إلى حيث يقفُ , وكاد يهوي إلى الأرض عندما فاجأتْه يدُها التي وضعتْها على كتِفه , فالتفت إليها في ذعرٍ ليجدها مبتسمةً , وقالتْ :
– ” الفضول قتل القطة ؟ ”
– ” دعينا نأملْ أن يقتلها الفضولُ وليس امرأة مخابرات أو قاتلة محترفة لا تحمل جوازَ سفرٍ أو إثباتٍ من أي نوعٍ ! ”
لدهشتِه فقد أدخلَتْ ( سفيتلانا ) يدَها في جيب البنطال … هذا الشيءُ قابلٌ للمطِّ على الذي يظهر .. لأنه بدا للوهلة الأولى وكأن هذا الجيبَ حلية غير قابلة للاستخدام , ثم أخرَجَتْ ما بدا وكأنه جواز سفرٍ .. وسلَّمَتْه له … وجد ( لينين ) نفسَه يتناوله في لهفةٍ ليرى شعار الدولة الروسية واضحاً على الغلاف ثم بدأ في التقليبِ في أوراقِه فوجد صورتَها واسمَها وتأشيرةَ الدخولِ ….
شعر ( لينين ) بالاستياءِ البالغِ وقبل أن يعتذر وَجَدَها تقول :
– ” لقد نصحني بعضُ ” أهل الخير ” ألا أترك هذا في الحقيبة لأن السرقات شائعة هنا ؛ بدا لي أن في ذلك عنصريةً ما , فاللصوص موجودون في كل مكانٍ , ولكني أخذْتُ بالأحوطِ وصرْتُ أحمل جواز سفري في جيبي دائماً 
كان لا يزال هناك بقيةٌ من شكٍّ في ملامح ( لينين ) ففطنَتْ ( سفيتلانا ) لذلك , وقالتْ :
– ” والدي شيوعي متعصب … ولكن والدتي الكازاخية والتي تنتمي إلى أسرة عريقة من رجال الدين الإسلامي قد حرصَتْ _ حفاظاً على تقاليد أسرتِها _ أن تعلمني سرًّا مبادئ اللغة والدين … لم أهتمّ كثيراً بالدين , ولكني كنْتُ معجبةً باللغة فواصلْتُ تعلمها ذاتيًّا فيما بعد “
– ” حسناً أنا أعتقد أني مدينٌ لكِ باعتذارٍ … ولعل من الأسلم ألا تغادري وحدكِ , فهؤلاء الصبية قد يكونون في انتظاركِ في الأسفلِ , دعيني أقلكِ إلى حيث تريدين . “
– ” ماذا عن الجيرانِ ؟ “
– ” إن خروجنا جميعاً لن يطعن في روايتهم بل يؤكّدها .. سأرتدي شيئاً صالحاً للخروج ثم نذهب .. ”
– ” بمناسبة اعتذاركَ فهل لي أن أعرض عليكَ إحدى الشواحن … “
قاطعَها ( لينين ) مبتسماً :
– ” لا ! ”
ثم توجّه إلى غرفتِه ليغير ملابسه , وما إن أغلق بابه حتى التقطَتْ ( سفيتلانا ) الصف الأخير من علب الشواحن وفتحتْها لتخرج منها ما بدا أجزاءً قابلة للتركيب سرعان ما جمعتْها معاً ليظهر المنتج النهائي … مسدسٌ ! ثم فتحتْ علبةً أخرى وأخرجَتْ منها عدداً من الطلقاتِ وضعتْها في المسدس … وعندما فتح ( لينين ) البابَ وجد المسدسَ مشهراً في وجهه , نظر في ذعرٍ للمسدس ولملامح ( سفيتلانا ) التي تخشَّبَتْ حتى كأنها ليس وراءَها إنسانٌ , وسمعها تقول في هدوءٍ :
– ” لقد كان المفروض أن يتم هذا الأمر بسلاسة , ولكن على أية حالٍ, ها نحن أولاء …. عدنان عادل السعيد “
– ” من هذا ؟ ”
– ” ابن أختك ! ”
فكَّر ( لينين ) في الأمر , فوجد الاسم مألوفاً بعض الشيء … إن زوج أخته اسمه الأخير السعيد , وإن كان لا يذكر اسمَه الأول , ولكنه واثقٌ من أن ابنهما اسمه عدنان … لقد كان اسماً غير مألوفٍ ولذلك استقرّ في ذاكرتِه … ولكنه لم يرَ أختَه ولا ابنَها من سنين , إنه حتى لا يعرف سنَّه بالضبط  …فما علاقتُه بالأمر ؟
– ” وما الذي تريدينه مني ؟ “
– ” ببساطة أن تقنع زوج أختِك بأن يعمل ابنُه معنا ! ”
– ” ومن أنتم بالضبط ؟ ثم يعمل معكم ماذا ؟ على أية حال إن ظروف العمل صعبة هذه الأيام لو عرضتم عليه الأمر مباشرةً فلعله يوافق ! ”
ظلَّتْ ملامح ( سفيتلانا ) متجهمةً وقالتْ :
– ” لا أحدَ يتركُ ابنَه يعمل مع ” جهةٍ أجنبيةٍ ” بهذه البساطة , نحن نريدك أن تقنع نسيبكَ أننا مؤسسة علمية تريد صقل خبراتِ ابنِه ومواهبِه لقاء توظيفِه فيها فيما بعد ”
– ” وهل أنتم مؤسسة علمية تريد صقل خبراتِ الشباب ؟ ”
كادتْ الملامح المتجهمة أن تنفرج عن ابتسامة ولكنها لم تفعل , وأجابَتْ ( سفيتلانا ) بنفس الجمود :
– ” إن كان هذا سيجعلك تنام هادئَ البالِ .. , ثم إن ( عدنان ) _ كما يفترض أن تعرف _ ليس شابًّا ؛ إنه طفل في السابعة “
– ” وما الذي تريدونه من طفلٍ في السابعة ؟ ”
– ” لقد كشف عن قدراتِه الفذة عندما اخترق حواسبَنا قبل شهرين , ولقد عانينا الأمرّين حتى نصل إلى مكانه ونتوصل إلى هويته , والآن نرغب في تجنيده ليعمل لحسابِنا ويخترق حواسب أعدائنا “
– ” أعتقد أنكم لو عرضتم عليه مقابلاً مادياً فلن يمانع هو ولا أبوه ! ”
– ” أنت لا تفهم السوقَ يا سيد ( لينين ) , حتى الآن هذا الطفل لا يزيد ما يفعله على العبثِ غير الموجّه , ولكن لو عرضنا عليه مالاً وبدأ يستوعب هو وأسرتُه ما يمكنه أن يجنيه من وراء إمكاناتِه تلك , فسرعان ما سيتطلع إلى عروضٍ أخرى من جهاتٍ أخرى , وقد يطغى فيه الحس الوطني فيقبل عرضاً من دولتِه حتى لو كان أقل قيمةً … لا يمكننا أن نسمح بهذا ! ”
– ” فما الذي تريدونه بالضبط ؟ ”
– ” ستزور أختكَ وزوجها … سيتسغرب من زيارتِكَ له وأنت المعروف بانطوائيّتِك … ستخبره أن هناك مسابقةً من شركة دولية متخصصة في الأمان الإلكتروني  وأن مدرستُك قد أبْلِغَتْ بهذه المسابقة المعدّة من أجل اكتشاف المواهب الدفينة في مجال الحاسب الآلي لدى جميع الطلاب الذين تقل أعمارُهم عن ثمانية عشر عاماً … ستقول إن أحد أقربائك قد أسرّ لك في إحدى المناسبات أن ابن أختك هو أحد هذه المواهب الدفينة … وأنك زرْتَ زوج أختك لتعرض عليه الأمر … وستطلب منه أن تذهب بابنِه إلى مكان إعداد المسابقة … وعندها سنتولى نحن بقية الإجراءات .. ”
– ” ما الذي ستفعلونه بالطفل ؟ ”
– ” لا شيءَ ؛ إنه يرغب في اختراق الحواسب الآلية صعبة الاختراق , ونحن نرغب في اختراق حواسب آلية معينة صعبة الاختراق … سنتيح له أجهزة ذات إمكانيات عالية لتحقيق رغباتنا المشتركة .. “
– ” لو كان هذا الطفل بهذا الذكاء ألا يفترض أن يستوعب من أنتم ؟ “
– ” حتى لو فعل , فلن يصدقه أحدٌ ؛ توقع طفلاً في السابعة يقول أنه اخترق موقع جهاز مخابراتٍ ما , وعندما يسألون البالغين من أقربائه سيجيب هؤلاء بأنه كان في تدريب أعدَّتْه شركةٌ دولية لأمان الحاسب … حينها سيعتقد الجميع أن الطفل قد صدَّق أن التدريب حقيقة , وَخَلَطَ بين اللعبة والواقع ؛ لا خطر من هذه الجهة ”
– ” ولماذا أنا ؟ ”
أنزلَتْ ( سفيتلانا ) المسدس ووضعَتْه على الطاولة , ثم قالتْ :
– ” لأننا نعلم كيف نضمن ولاءَك ؛ لقد كان المسدس من أجل ضمان إنصاتِك لما أقوله , أما ضمان ولائك .. فإن هذا لم يتغير كثيراً عن أيام ( ستالين ) ”
– ” هل ستعودون لإعلان شيوعية الدولة وتضمّون إلى صفوفكم هؤلاء الراغبين في تحقيق جنة البروليتاريا على الأرض ؟ 
– ” حتى لو فعلْنا , فلا أعتقد أنك كما يوحي اسمُك ؛ أنت لستَ من هؤلاء المولعين بتحقيق ثورة البروليتاريا والقضاء على الرأسمالية … ولكن هناك شيئاً آخر أنت مولعٌ به , ولعله السبب في مقاطعتكَ للناس وعدم زواجِك حتى بلغت هذا السن ! ”
لم يكنْ ( لينين ) يرغب في التفكير حتى فيما ستقوله … لقد اكتشفوا مكان ابن أختِه الذي استطاع اختراق حاسبهم , فكيف بـ ( لينين ) الذي تعلم قبل شهرٍ واحدٍ فقط كيف يتصفح الإنترنت ؟ ..
عندما “اكتشف ” ( لينين ) الإنترنت لأول مرة دُهِش من كمِّ المعلومات التي يستطيع الوصول إليها بنقرة زر …. ثم وسوسَتْ له نفسه _ ولعل هذا ما تشير إليه ( سفيتلانا ) _ أن يرى إن كان هناك أشخاصٌ آخرون يشاركونه الرغبة في ( ذلك الشيء) … ذلك الشيء الذي أخفاه ( لينين ) عن أعين الجميع … وأبعد هو ( لينين ) عن الاجتماعياتِ ما أمكن … إنه مدينٌ بعزلتِه وانطوائيّتِه إلى حدٍّ كبيرٍ إلى ذلك الشيء .
والآن تقول هذه الحسناء التي تبدو وكأنها قد خرجتْ من فيلم سينمائي أنها تعلم ما يضمن ولاءه , وأن هناك ( شيئاً آخر) سيجعل ارتباطه بهم كارتباط الشيوعيين بالاتحاد السوفيتي … لا شك أنها تعني ما يفكر به .. جاءَه الصوتُ الصارمُ :
– ” نحن لا نقدّم في المعتاد خدماتٍ من ذلك النوع , ولكن بالنظر إلى ضخامة ما نتوقع الحصولَ عليه من ابن أختك , فإننا على استعدادٍ لتقديم استثناءاتٍ ”
ثم أخرجَتْ من الحقيبة بطاقةً وسلَّمَتْها له , نظر فيها فوجدها البطاقة التي تحمل عنوانَ المقاول , وقالتْ له :
– ” غداً اذهب إلى هذا العنوان في الرابعة عصراً, سأكون بانتظارك هناك , وسنخبرك بتفاصيل ما نطلبه منك .. أي أسئلة ؟ ”
– ” لا ! ”
– ” حسناً ! “
وحملَتْ ( سفيتلانا ) الحقيبة وتوجهَتْ إلى الباب وفتحتْه وخرجَتْ , ولم يفكر ( لينين ) في أن يصاحبَها لـ”تأمينِها ” بل على العكس إنه يرجو من أجل سلامة هؤلاء الصِبْيَةِ أن يكونوا قد انصرفوا ؛ لقد أحسنَتْ التظاهر بالضعف والرقة حتى اعتقد في البداية أنها بالفعل بحاجة لمن يحميها , أما عندما ظهرَتْ له حقيقتُها وقسوةُ ملامحِها فقد بدا له أنها أقدر على أن تحميه منه على أن يحميَها … أو لعل هذه الحالة الثانية هي التمثيل وما تظاهرَتْ به , بينما حالتُها الأولى كانتْ هي حقيقتَها ؟
 في كلتا الحالتين عندما تريد هذه الفتاة أن تُرْهبَ من أمامَها _سواءً كان ذلك تظاهراً أو حقيقة_ فإنها تنجح في ذلك …
ثم بدأ يفكَّر فيما قالتْه …
تُرى ما الذي يخفيه له لقاءُ الغدِ ؟
لا سبيل أمامَه ليعرفَ غيرُ الانتظار …
*****************************
( 2 )
يوم الاثنين الثاني والعشرين من أغسطس ..
حاولَتْ ( سفيتلانا ) أن تمنع نفسَها من التفكير فيما يوشك أن يقع , فلم تفلحْ ..
وبدأتْ تستعيدُ ذكرى لقائها بالعقيد ( أنتون بوندريوف ) قبل أيامٍ عندما أطلَعَها للمرّة الأولى على تفاصيل المهمة الموكلة إليها …
كانتْ تعلم أنه _يوماً ما _ ستضطر للقيام بمهمة من تلك المهمات , ولكنها لم تتصور أن يأتي ذلك اليوم بعد أقل من سنة على التحاقها بالخدمة …
كان ( بوندريوف ) يتحدث في ثبات عن أهمية الطفلِ وحاجتِهم لتوظيف مهاراتِه الاستثنائية بشكل عاجل مع تفاقم الأحداث العالمية وعودة العمل الاستخباراتي للواجهة … ثم تحدث في عجالة _ وكأن الأمر لا يعنيه _ عن متطلباتِ تلك العملية التي تستدعي نوعاً من التضحية من جانبِها … وردَّتْ هي في سرعةٍ أنها مستعدة للتضحية بروحِها في سبيل بلدِها , وردّ هو على حماسها بابتسامة حاول جاهداً ألا تكون ساخرةً … وعندما عادَتْ لغرفتِها وقرأَتْ تفاصيلَ المهمة فطِنَتْ لسبب ابتسامتِه الساخرة … لم تكن التضحية من ذلك النوع , لقد كانتْ تضحيةً أخرى ؛ إن عليها أن تلبي رغباتِ رجلٍ لا تعرف عنه شيئاً من أجل ضمان تعاونِه … وبدا لها الأمر غريباً ؛ لماذا لا يجبرونه على التعاونِ .. لماذا يخطبون ودَّه ؟
ثم إن هناك شيئاً آخر لا تريد ( سفيتلانا ) أن تصارح به نفسَها ؛ فهذا الشيءُ الذي يطْلَبُ منها القيامُ به لأجل بلدِها … قد تكون مستعدةً للقيام به حتى لو لم تكن بلدُها بحاجة إليه … في الواقع لو بلغَتْ صراحتُها مع نفسِها حداً فائقاً لقالَتْ إنها ترغبُ في القيام به حتى لو كان في ذلك ضررٌ يلحق ببلدِها … فهل كانتْ القياداتُ العليا على علمٍ برغباتِها تلك عندما اختارتْها لهذه المهمة ؟
هي ترجو أن تكون الإجابة بـ لا , لأنها لا تريد أن ينكشف هذا السر لأحدٍ …
قاطعَ تواردَ أفكارِها اقترابُ رجلٍ فارع القامة منتفخ العضلاتِ منها , ثم قال :
– ” كل شيءٍ جاهزٌ , عندما يأتي العميلُ سنبدأ في إخباره بمهامه ثم بعد ذلك سيأتي دورُكِ … لقد وضعْنا كاميراتٍ تغطي كاملَ الغرفةِ فلا تقلقي .. ”
نظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في ذهولٍ :
– ” كاميرات ؟ لماذا ؟ ”
– ” أوامر القيادة , لا يمكن أن نعرضكِ لهذا الخطر بدون أن نطّلع على ما يحدث في الغرفة حتى نتدخل إن دعَتِ الضرورة , كما أن المسئولين عن التدريب في الجهاز يريدون أن يحتفظوا بالواقعة مسجلةً ليطلعوا الملتحقين الجدد على مقدار التضحياتِ التي عليهم أن يقدموها فيما بعد “
كانَتْ ( سفيتلانا ) تتمنى أن تنشق الأرض وتبلعها .. ليس فقط زملاءَها هم من سيرى ما سيحدث , وإنما الأجيال القادمة كذلك !
عاد صوتُ الرجل ليقول في برودٍ :
– ” لقد رأتِ القيادة أن نضع كلمة سر لتقوليها إذا احتجْتِ إلى أن نتدخل ونوقف العملية ! وكلمة السر هي ( أوقفوا العملية ) 
– ” أعتقد أنني قادرة على حماية نفسي , شكراً “
ثم فطَنَتْ ( سفيتلانا ) إلى شيءٍ في كلامه , فسألتْه :
– ” هل سيكون ما يحدث مسجلاً بالصوت والصورة ؟ ”
– ” بالطبع ! هذه هي أوامر القيادات العليا  ” ثم ضغط على سماعة أذنه بيده , وأنصت لثوانٍ ثم قال لها : ” لقد جاء العميل , ربما عليكِ الانتقال للغرفة والاستعداد ! ”
فانتقلَتْ ( سفيتلانا ) للغرفة واستعدَّتْ ؛ وإن لم تدرِ ما الذي عليه فعلُها بالضبطِ ؛ لقد تركوا لها الحرية في اختيار ما تريده من الملابس , فقرَّرَتْ أن ترتدي فستاناً طويلاً بلا أكمامٍ مما يُرْتدى في السهراتِ , وصفَّفَتْ شعرَها ووضعَتْ مكياجها ليتناسب مع ذلك…
وحاولَتْ أن تدركَ مكانَ الكاميراتِ الموضوعة في الغرفة إلا أنها فشَلَتْ في ذلك , فقد وضعوها باحترافية شديدة , ثم إن الغرفة كانتْ ضخمةً وملأى بالأثاث والإكسسوارات مما صعَّب المهمة…
كانتْ الغرفةُ مؤثثة أثاثاً أثريًّا لعله يرجع إلى حقبة  الثلاثينات أو الأربعينات , وبالنظر إلى ما كانتْ ( سفيتلانا ) ترتديه فقد بدا وكأنها على وشْكِ تصوير مشهد في فيلم عن الحرب العالمية الثانية …
ويبدو أن التعليمات لم تكن بهذا الطول , فقد فوجئتْ ( سفيتلانا ) بالباب يُفْتَح بينما هي جالسةٌ على السرير …
وعندما دخل ( لينين ) توقَّف مكانَه مشدوهاً من منظر الغرفة ومن ( سفيتلانا ) التي بدا جمالها أخاذاً في فستانها وجلستها على السرير , وحاول أن يقول شيئاً فعجز عن ذلك , فابتسمَتْ ( سفيتلانا ) وقالتْ _ وهي تعلم أن ما تقوله مسجلٌ بالصوت والصورة _ :
– ” هل أعجبتْكَ الغرفةُ ؟ ”
– ” أعتقد أنني منشغلٌ عن الغرفةِ بمن فيها “
تخيَّلَتْ ( سفيتلانا ) منظرَ زملائها وهم يضحكون لهذا الرد , فحملَتْ نفسَها حملاً على أن تقول :
– “  هل هذا إطراءٌ لي أم إعجابٌ بالنفسِ ؟ ”
ضحك ( لينين ) وهو يقول :
– ” ملحوظةٌ جيدةٌ … ربما عليّ أن أخرج من الغرفة وأعيد تكرار هذا التعليق ليتضح ما قصدْتُه ”
قالتْ ( سفيتلانا ) في دلالٍ _ وهي تلعن من فكَّر في وضع كاميرات في الغرفة_ :
– ” وما الذي قصدْتَه ؟ “
– ” أنكِ أجملُ شيءٍ وقعَتْ عليه عيناي ”
كان هذا فوقَ قدرةِ ( سفيتلانا ) على التحمل , إنها تكاد تسمع في خيالها صوتَ القهقهة من الجالسين خلف الشاشات للفرجةِ عليها وعلى هذا العاشق الولهان  .
فقالتْ في هدوءٍ :
– ” هل يمكننا أن نكمل هذا الحوارَ في شقتِكَ ؟ ”
نظر إليها ( لينين ) في استغرابٍ , وقال :
– ” شقتي ؟ …. أعني ….لقد هنأني الجيران صباح اليومِ بزواجي الذي انتشر خبره كما تنتشر النارُ في الهشيمِ .. لقد رغبوا حتى في مقابلتِكِ فأخبرْتُهم أنكِ نائمة , لذا لا أعتقد أن هناك مشكلةً في عودتنا …. ولكنّ المكان ضيقٌ والجيرانَ قد يسمعون …. أعني أنا لا أفترض أن شيئاً سيحدث بيننا … ولكن … ”
قاطعَتْه ( سفيتلانا ) :
– ” صدقني إن كنْتَ تخشى من أن يسمعنا الجيرانُ فهذه الغرفة هي آخر مكانٍ ترغب في البقاء فيه ” ثم بدا لها أنها كشفَتْ أكثر مما ينبغي , فقالتْ : ” إن الجدران رقيقة للغاية وفي الخارج _ كما رأيتَ _ هناك خلية نحل من العاملين تنتقل طيلة الوقت هنا وهناك … دعنا نذهبْ إلى شقتكَ ! ”
– ” حسناً إذا كان هذا ما ترغبين فيه ”
– ” حسناً .. اسبقني أنت إلى سيارتِك وسألحق بك في الحال .. ”
خرج ( لينين ) وهو لا يدري إن كان أخطأ في شيءٍ .. وبدأ يفكِّر في أنه ربما غالى في هذه ” المعاكسات” لها … ولكن أليس يفترض أن بينهما اتفاقاً ما ؟ .. مهما كانَتْ عدمُ أخلاقية ذلك الاتفاق .. قد لا تكون هي راغبةً في أن يقع بينهما شيءٌ ولكنه أيضاً غير راغبٍ في أن يعمل لحسابهم … بمعنىً من المعاني فالجميع يتخلى عن مبادئه في هذه المبادلة .. 
في تلك الأثناء كانتْ ( سفيتلانا ) تخوض نقاشاً محتدًّا مع رئيسِها الذي أصر على الالتزام الحرفي بالتعليمات الصادرة من أعلى , بينما ( سفيتلانا ) تخبره أن لا سبيل إلى وقوع شيءٍ بينها وبين ” العميل ” بينما هي تعلم أن العيون تراهما وأن ما تقوم به مسجَّلٌ لتراه مزيدٌ من العيون في المستقبل …
وعندما رأى رئيسُها إصرارَها وافق على ذهابها معه , ولكنه اشترط أن يتأكّد من تمام المهمة بعد أن تعود , فسألتْه في استغراب :
– ” وكيف ستتأكد من ذلك ؟ هل تريد أن تتصل بـ ( لينين ) وتسأله عما حدث ؟ ”
– ” ( لينين ) ؟! ما علاقة ( لينين ) بمعرفة ما سيحدث ؟ “
نظرَتْ إليه لثوانٍ ثم فطنَتْ إلى أنه لا يعرف اسم “العميل” فقالتْ :
– ” العميل اسمه ( لينين ) .. ما علينا … كيف يفترض أن تعلم أنني أكملْتُ مهمتي ؟ ”
ابتسم رئيسُها في خبثٍ , وقال :
– ” لقد قرأْتُ الملفَّ , ويبدو أن ما يريد ( لينين ) أن يفعله يترك آثاراً يسهل الاطلاع عليها فيما بعد , وأنا أريد أن أرى ذلك ! ”
نظرَتْ ( سفيتلانا ) في ذهولٍ , ثم قالتْ في تحدٍّ :
– ” أتريد أن أكشف لك مؤخرتي عندما أعود ؟! هل جننْتَ ؟! ”
– ” فمن أين لي إذن أن أعرفَ أنكِ لم تتنصلي من واجباتكِ وتهددي ( لينين ) بأن يسكت وإلا …. نحن نريد شراءَ ولائه وليس تهديده ؛ التهديد قد يُضْمَنُ إزالتُه من قبل منافسينا , وحينَها ستفشل المهمة كلُّها ! ”
لم يخفَ على ( سفيتلانا ) أن الدافع وراء طلب رئيسِها ليس بهذه ” العقلانية ” التي يحاول أن يظهره بها , ولكنها قرَّرَتْ إرجاء هذه المعركة فيما بعد , فقالتْ :
– ” أنا لا أقول أنني موافقة على ذلك , ولكني تأخرْتُ وقد يثير ذلك قلقَه , سنكمل هذا الجدالَ فيما بعد ”
وانصرفَتْ ( سفيتلانا ) وهي تكاد تقسم أن عيني رئيسِها محدقة بمؤخرتِها , ولكنها لم تشأ أن تلتفتَ لتحقق مخاوفَها .. ثم فطِنَتْ أنها لا تزال ترتدي فستان السهرة … فقرَّرَتْ تأخيرَ ( لينين ) بضعة دقائق حتى تغير ثيابها وترتدي ما كانتْ ترتديه البارحة ..
وعندما وصلَتْ إلى سيارتِه استقلَّتْ المقعد المجاور له في السيارة دون أن تقول شيئًا, وملامحها لا تزال غاضبةً من حوارِها مع رئيسِها , ونظرَتْ جهةَ ( لينين ) فوجدَتْه هو الآخر باديَ الحزنِ , وقال لها :
– ” أنا آسف أنني اضطررْتُكِ لكل هذا ؛ أنا أعرف أنكِ مدفوعةٌ دفعاً للعب هذا الدور من أجل الحفاظ على وظيفتكِ , والآن عندما أنظر إلى استيائكِ بسبب ما أنتِ مقدمةٌ عليه لا أستطيع أن أسامح نفسي , بإمكاننا أن نذهب إلى شقتي حتى يقتنع رؤساؤكِ أننا فعلْنا ما يتوقعونه , ولكنني أقسم لكِ أنني لن أفعل أي شيءٍ ؛ أعني أنا لسْتُ بحاجةٍ إلى قسمٍ فأنتِ أقوى مني جسديّاً بالتأكيد … ولكن ما أٌقصده … ”
قاطعتْه ( سفيتلانا ) مبتسمةً :
– ” لا علاقة لكَ بسبب استيائي … في الواقع هذا ليس دقيقاً ؛ إنك متسبب في استيائي ولكن من طرفٍ بعيدٍ ؛ السبب المباشر هو رئيسي في العمل ”
– ” لأنه دفعكِ إلى القيامِ بما تكرهينه  
– ” من قال إنني أكرهه ؟ ”
تجمد الهواء للحظة بينهما , ثم لأول مرة منذ زمنٍ طويلٍ  _ وبدون تمثيلٍ أو ادعاءٍ _ احمرَّتْ وجنتا ( سفيتلانا ) خجلاً , وقد فطنَتْ إلى ما صرَّحَتْ به قبلَ قليلٍ , ثم رأتْ أن تتمادى فقالتْ :
– ” أنا لا أكرهه بل في الواقع أنا أرغب فيه جداً … ولكن ما جعلني أستاء … هو أنه يريد التأكد من وقوعه  
– ” كيف ؟ ”
– ” إنه يريد أن أرِيَه مؤخرتي بعد أن تفرغ من عقابها ! “
كان خداها قد صارا قرمزيين خجلاً , فقال :
– ” لا أعتقد أنني سأسمح له بهذا ؛ لا صورةَ … ولكن لا بأس بالصوتِ ”
لم تكن ( سفيتلانا ) تجهل ما يعنيه , ولكنها سألَتْ والحياء يكاد يعقد لسانَها :
– ” صوت ؟ ”
– ” بإمكانِكِ أن تتصلي به أثناء عقابكِ وأن يستمع لجزءٍ منه.  لـ ” يتأكد” من أنني عاقبْتُكِ أو ليشبع رغبتَه أو أياً يكن ما يريده ذلك المنحرف ! ”
ضحكَتْ ( سفيتلانا ) رغماً عنها , وقالتْ :
– ” هو المنحرف ؟ “
– ” بالطبع ؛ أنا أعلنْتُ قبل قليلٍ رفضي لتعريضكِ لما لا ترغبين فيه _ على الرغم من أنني سرْتُ في ذلك الطريق لفترة قبل أن أرعوي _ وأنتِ أعلنْتِ أنك ترغبين فيه , وبهذا انتفى الانحراف عني وعنكِ , بقي ذلك الوغد الذي أقحم نفسَه في الأمر رغماً عنكِ , وعليه فهو منحرف ! ”
ازداد تورد خدي ( سفيتلانا ) قبل أن تقول :
– ” ومن قال إنني مستاءة من إقحامِه نفسَه رغماً عني ؟ ”
نظر إليها ( لينين ) في ذهولٍ , وقال :
– ” مهلاً , هل أنتِ بالفعل يلذّ لكِ أن يراكِ رئيسُكِ _بعد أن عاقبْتُكِ_ مكشوفة المؤخرة ليتأكد من أنكِ نلْتِ  ما تستحقينه ؟ ”
هزَّتْ ( سفيتلانا ) رأسَها بالإيجاب , وهي قابضةٌ على شفتها السفلى بأسنانِها , فقرَّرَ ( لينين ) أن يتمادى :
– ” وهل يتوقف الأمر عند هذا الحد , أم أنكِ ترغبين في ألا يقتصر على ” التأكد ” من عقابكِ , وتتمنين أن يزيد فيه ؟ “
نظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في خجلٍ , وقالتْ بصوتٍ يُسْمع بالكاد :
– ” هذا سيكون أفضل ! ”
هزّ ( لينين ) رأسَه غيرَ مصدقٍ ؛ قبل قليل كان ينوي الاعتذار وتقريع نفسِه على أنه فكَّر في تجاوز حده , والآن يكتشف أنه غير قادر على تجاوز الحدِّ حتى لو أراد ..
استعاد ( لينين ) زمام السيطرةِ , وقال في هدوء :
– ” لماذا أردْتِ أن نذهبَ إلى شقتي ؟ ”
نظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في ذعرٍ وقد بدا لها أنه فطن للسبب , فقالتْ :
– ” بسبب رقة جدران الغرفة ! ”
– ” لا أعتقد أن هذه هي الحقيقة الكاملة …رئيسكِ في العمل أثار مشكلة ” التأكد ” من العقاب هذه بعد أن طلبْتِ أن ننتقل إلى شقتي , بما يعني أنه كان ليرى ما سيحدث لو أنه حدث في الغرفة ؛ لو كان لي أن أتوقع لقلْتُ إن هناك مرآةً سحريةً من ذلك النوع المستخدم في غرف التحقيق بإمكانِه أن يرى من ورائها ما يحدث في الغرفة بدون أن يراه من فيها , أليس كذلك ؟ ”
– ” في الواقع الأمر أسوء من ذلك , إن الغرفة مدججة بالكاميرات والمايكروفونات , وما يحدث فيها كان مسجلاً بالصوتِ والصورة ليطَّلع عليها المتدربون في الجهاز فيما بعد ”
لمعَتْ نظرة شريرة في عيني ( لينين ) وقال :
– ” حسناً , هيّا بنا !”
وفتح باب السيارة , فنظرَتْ إليه ( سفيتلانا ) في ذعرٍ , وقالتْ :
– ” أرجوك .. أرجوك .. إن ما يدخل في سجلاتِ الجهاز لا يخرج أبداً سيظل عقابي مسجّلاً هناك للأبد ! ”
– ” وهو المطلوبُ … الآن لا تزيدي في عقابكِ _ الذي سيبقى مسجلاً للأبد _ وكوني مطيعةً واخرجي من السيارة ! ”
نظرَتْ إليه في توسّلٍ , فقال :
– ” أتريدين أن أدعو رئيسكِ ليشارك في عقابكِ ؟ أنا واثقٌ أنه سيرى ذلك ضرورياً من أجل ضمان انسيابية العملية وتحقيقها أهدافها ! ”
فتحَتْ ( سفيتلانا ) الباب في سرعةٍ , وخرجَتْ من السيارة لتقف بجوارِها وهي تفرك يديها أمام ( لينين )  ؛ من رآها في هذه الحالة ورآها البارحة وهي تصوِّب مسدسها تجاه نفس الرجل لأقسم أن هذه امرأة أخرى …
سار ( لينين ) تجاهها , وأمسك بيدها وسار بها مرةً أخرى إلى العمارة ودخل إلى محل المقاولاتِ الضيقِ الفارغ ثم طرق البابَ الذي في مؤخر المحل , فأجابه صوتٌ متسائلٌ بالروسية .. فنظر ( لينين ) إلى ( سفيتلانا ) التي ردَّتْ بروسية حاولتْ أن تجعلها صارمةً ولكن الصرامةَ كانتْ قد تبخرَتْ في تلك السيارة , فجاءَ صوتُها رقيقاً عذباً حتى كاد الصوتُ المتسائل أن يَجْهَل صاحبتَه , ولكن الباب انفتح وحاولَتْ ( سفيتلانا ) شرحَ ما حدث , ولكن ( لينين ) تجاهل الرجل الواقف أمامه وسار _ وهو لا يزال ممسكاً بيدها تجاه الغرفة _ كان هذا المكان حصْنٌ لا يدخله أحدٌ أو ينتقل فيه من مكان إلى مكانٍ إلا بإذنٍ , ومع ذلك فقد بدا أن خوف ( سفيتلانا ) مما يوشك أن يحدثَ لها على يد ( لينين ) أكبرَ من خوفِها على ( لينين ) الأعزل الذي يتجول بسذاجة في أرض مسلحة  !
وبدا أن أحد المتواجدين على وشكِ أن يخرج مسدسه , ولكن نظرةً من رئيسِ ( سفيتلانا ) قد نهتْه عن إتمام فعلِه …
وبدا الاستمتاع واضحاً على وجه رئيسِ ( سفيتلانا ) الذي التقتْ عيناه بعيني ( لينين ) فتبادلا نظرةً تخفي وراءَها اهتماماً مشتركاً بما سيقع بعد قليلٍ للحسناء التي تجرّها يدُ ( لينين ) إلى مكان عقابِها…
وما إن دخل ( لينين ) و( سفيتلانا ) إلى الغرفة وأغلق وراءهما بابَها , حتى انتقل رئيس ( سفيتلانا ) مسرعاً إلى الشاشة التي تعرض ما تسجله الكاميرات , وابتدأ العرضُ …
صوتُ ( لينين ) الذي اكتسبَ هيبةً مفاجئةً نتيجة ما يُحْدِثُه من أثرٍ في الفتاة الواقفة أمامه … وصوتُها الذي تحول إلى مواءِ هرةٍ , ولم يعد يحتاج إلى من يترجمه من لغة إلى لغة لأنه صار ذا معنىً إنسانيًّا مشتركاً لفتاة توشك أن تعاقب وتحاول أن تجد مخرجاً من عقابِها المحتّم …
( لينين ) يشمّر قميصَه … ( سفيتلانا ) تبلع ريقها بصوتٍ مسموع … ( لينين ) يجلس على طرف السرير … ( سفيتلانا ) تنقل وزنها من رجل لأخرى … ( لينين ) يقبض على ذراعها ويدنيها إليه … ( سفيتلانا ) تعود لمواء الهرة الذي يرق له كل قلبٍ إلا قلبُ معاقبِها … ( لينين ) يحيط خصرها بيديه كأنها طفلةُ ستفقد اتزانَها إن لم تحطْ بها يدا والدِها …. ( سفيتلانا ) تضع يديها على مرفقيه وكأنها تطلبُ فعلاً ذلك الاتزان المفقود … يدا ( لينين ) تنتقل إلى زرّ بنطالها فيعلو المواءُ …. نظرةٌ واحدةٌ يوجهها ( لينين ) لفتاته تجعلها تسكتُ وتستبدل كلامها بنظرات متوسلات… زرّ البنطال يُحَلّ وتنزل سحّابة البنطال إلى نهاية مداها ثم ينزل البنطال إلى ما دون الفخذين ويحاول القميص أن يلحق به ليستر ما انكشف ولكن يقف به الحد عند أعلى الفخذين …. يميل ( لينين ) بفتاتِه فتميل معه ويستقر بها المطاف وقد اتخذتْ من فخذيه أريكة استلقَتْ عليها … ويرفع ( لينين ) ذيلَ قميصِها ليكشف ما تحته ؛ كان ردفا ( سفيتلانا ) عاريين إلا من التقاء شريطين أحدهما عرضيّ يغطي أعلى الردفين والآخر طولي يغوص بينهما , فجعل ( لينين ) إصبعَه تحت نقطة التقاء الشريطين ثم رفعهما بإصبعه ثم تركهما يصطدمان بالجلد البض تحتهما , وسأل في غضبٍ مصطنعٍ :
– ” ما هذا بالضبط ؟ … ما كان في حكم العدم فلا داعي لبقائه  
ثم نزلَتْ يدا ( لينين ) بـ(الذي في حكم العدم) إلى أن استقرّ في جوفِ بنطالها , وقال :
– ” هل لديكِ شيءٌ تقولينه قبل أن يبدأ عقابكِ ؟ ”
– ” سأكون فتاةً مؤدبةً … رجاءً لا تعاقبني ! ”
كان صوتُ هذه الغادة ليذيب أقسى القلوبِ ؛ ولكن هناك حصانة لقلوب من تضطرهم الظروف لتولي عقاب هؤلاء الغيد , وكذلك كان قلبُ ( لينين ) , الذي رفع يده وأهوى بها على الردفين الفاتنين … مراتٍ ومراتٍ … حتى بدأ لونُهما ينتقل من الابيضاض إلى التورّد … وبدا أن صاحبةَ الردفين لا ترى في عقابِها ما يسوءُ ؛ بذلك أخبرَتْ آهاتُها الكاذبة بادية التصنع … فاضطر ( لينين ) أن يلجأ إلى ما يزيد عقابَها .. ونقَّل عينيه حوله فلم يرَ شيئًا يصلح أداةً للمعاقبةِ … ويبدو أن حيرتَه قد انتقلَتْ إلى حلفائه في الخارج عن طريق الكاميراتِ فقد وجدَ البابَ يُقْرَع , ومع قرعِه علا مواءُ ( سفيتلانا ) المذعور , فقال ( لينين ) في استمتاعٍ :
– ” هل لديكِ أي فكرةٍ عن الطارق ؟ “
– ” أعتقد أنه جاء في وقتٍ غير مناسبٍ , ربما من الحكمة أن ترجئ الخروجَ إليه حتى تفرغ من عقابي ؟ ”
– ” إمممم .. هذا قولٌ حكيمٌ … ولكنْ …. ادخل ! ”
عاد المواءُ مع فتحِ الباب , وخطا إلى الداخل شابٌ وسيمٌ يحمل في يده أداةً من الجلْدِ لها مقبضٌ , واقتربَ من ( لينين ) ومن الفتاة الممدة على رجليه , فمد يده بالأداة وقال بعربية ركيكة :
– ” تحيات السيد مدير المركز ”
وقدَّم الأداة الجلدية لـ ( لينين ) الذي شكره , ثم قال الفتى لـ ( سفيتلانا ) شيئاً بالروسية فيه مواساة مصطنعة , وفَهِمَ منه ( لينين ) كلمتي : بخير , تريدين .. فخمّن أن ما قيل هو شيءٌ على غرار : هل أنتِ بخير ؟ أتريدين شيئاً ؟
وجاءَ جوابُ ( سفيتلانا ) غاضباً , ولم يفهم ( لينين ) من ردِّها شيئاً , فنظر إلى الفتى , وقال :
– ” ما الذي قالتْه ؟ ”
وردَّ الفتى :
– ” تهديدات ”
– ” تهديدات هه ؟ حسناً ثق أنني سآخذ حقَّكَ وزيادةً , في الواقع لماذا لا تجلس على ذلك الكرسيّ لترى بقية عقابِها بنفسِك , فتلك التهديدات كانتْ موجهةً إليك “
– ” لا أرجووووك .. لا تفـ ..”
كان هذا صوتُ ( سفيتلانا ) الذي قاطعَه صوتُ شقّ الأداة الجلديّة للهواء قبل أن تصل إلى هدفها الفتّان … ولم تعُدِ الآهةُ مصطنعةً … أشار ( لينين ) مرةً أخرى للفتى بأن يجلس فجلس … ثم استمر ( لينين ) في عقابِ ( سفيتلانا ) حتى بدا له أنها على مشارفِ البكاءِ … وهنا توقف سقوط الأداة الجلدية على مؤخرتِها التي صارتْ شديدةَ التورّد , وقال ( لينين ) :
– ” أيُّ تعليق على فكرة إلقاء تهديداتٍ للآخرين بينما أنتِ على فخذَيْ مَنْ يعاقبك ؟ ”
– ” أنا آسفة ! ”
– ” هل توجهين أسفكِ لي أنا ؟ ”
عادَتْ ( سفيتلانا ) لقول شيءٍ بالروسية , وإن كانتْ نغمة الأسى لا تحْوِجُ إلى ترجمة , ونظر ( لينين ) إلى الفتى فوجده يخفي ابتسامتَه ليظهر التعاطفَ معها , وقال شيئاً يبدو أنه من قبيل ” لقد غفرْتُ لكِ ! ” , فقال ( لينين ) :
– ” حسناً سأكتفي بهذا هذه المرة , بإمكانكِ أن تنهضي وترفعي بنطالكِ ”
كاد ( لينين ) يقسم أنه سمع زفرةَ استياءٍ من الحسناء الممدة على رجليه .. هل كانتْ ترغبُ في المزيد ؟
نهضَتْ من تمدّدِها وقد عاد قميصُها لستْر ما يجبُ سترُه , ولكن نزولَها بجذعها لتلتقط (الذي بحكم العدم) كان ليكشف ما يستره القميصُ , فظلَّتْ واقفةً مكانَها وهي تنظر تجاه الفتى , وكأنها تتمنى أن يخرج من الغرفة , ولم يشأ ( لينين ) أن يزيد في خزيِها , فرفع (الذي بحكم العدم) حتى غاب تحتَ ذيلِ القميص ثم رفع بنطالَها وتركَ لها عقد زرِّه ورفع سحابته , ثم قال :
– ” أعيدي هذه الأداة الجلدية لمن جاء بها ! ”
أخذَتْها ( سفيتلانا ) في خفرٍ ثم سارت بخطواتٍ متثاقلة إلى المقعد الذي يجلس عليه الفتى الذي كان يجاهد حتى لا تتحول ابتسامتُه إلى قهقهة , ومدَّتْ يدَها بها إليه , ولكن قبْلَ أن تلتقطَها يدُه هوَتْ بها على فخذِه فصرخ الفتى ألماً , وجاء صوتُ ( لينين ) مندهشاً :
– ” سفيتلانا !! ”
نظرَتْ إليه الفتاةُ اللعوبُ في براءةٍ وكأنها تتساءل عما يريده , فقال في غضبٍ :
– ” تعالي هنا ! ”
ظلَّتْ تنظر إليه في براءةٍ وطفولية بينما هي تخطو نحوَه , فلما اقتربَتْ منه , بدأ في حلِّ أزرار قميصِها , وسرعان ما هوى إلى الأرض ثم أتبعه بحمالة صدرها ثم حذائها ثم البنطال ثم (الذي في حكم العدم) حتى صارَتْ عاريةً إلا من جوربيها , ثم أمرَها أن تتمدد على السرير وتنتظر بقيةَ عقابِها … فقالتْ في طاعةٍ :
– ” كما تأمر .. ”
– ” لماذا فعلْتِ ذلك ؟ ”
– ” لأنه على ما يبدو أنك بحاجة إلى دافع حتى تعاقبني عقاباً فعلياً وتكفّ عن ألعاب الصبيان تلك ! ”
نظر إليها ( لينين ) في ذهولٍ , ثم نقل بصرَه إلى الفتى الذي بدا وكأنه يؤمن على قولِها , وخطرَتْ لـ ( لينين ) فكرة لم يكن ليجرؤ عليها لولا جرأة فتاتِه وتبجُّحُها , فقال للفتى :
– ” أنتَ من تعرّض لشقاوتِها وأنت من سيعاقبُها ”
ابتسم الفتى في جذلٍ , ونظر ( لينين ) إلى ( سفيتلانا ) فرأى في عينيها من الخوفِ ما لم يرَه من قبلُ , فكاد يتراجعُ عن عرضِه لولا أنه استغل عريَها فنظر إلى ثدييها وإلى ما بين رجليها فتيقّن أنها تريد ذلك , ولكنّه طلباً للأحوط مال على أذنيها وقال :
– ” إذا لم ترغبي ..”
فقاطعَتْه همساً :
– ” كف عن طفولتِكَ .. ”
فنظر إليها في دهشة لا تخلو من إعجابٍ ثم قال :
– ” حسناً إذن .. تمددي على السرير “
وعندما استقرَّ بها الحالُ على السرير مدّ ( لينين ) يدَه ليسلم الأداة للفتى , ولكن الفتى كان قد بدأ في حلِّ حزامِه حتى أخرجه من بنطاله وقبض عليه بيده ثم وقف على جانبِ السرير الأيسر ونزل بالحزام على مؤخرةِ زميلتِه , ففطن ( لينين ) إلى ما عنتْه بألعاب الصبيان ؛ كان أثر تلك الضربة هائلاً على مؤخرتها الحسناء , وقبْل أن يفرغ ( لينين ) من تأمل أثر الضربة كانتْ الثانيةُ قد هوتْ على مؤخرتِها , ثم لحقْتها الثالثة والرابعة والخامسة  … وكانتْ ( سفيتلانا ) قد بدأتْ في التقلقل على أرجاء السرير من أثر الضرباتِ , وعندما هوَتِ الضربة السادسة على ردفيها كانتْ من القوة بحيث دفعَتْ ( سفيتلانا ) إلى التقلبِ على ظهرها وإمساكِ ردفيها بيديها …. ولدهشة ( لينين ) فقد رأى بوضوح أثر بللٍ في وسطِ الملاءة في حيث كانت ( سفيتلانا ) ممدة قبل أن تنقلب على ظهرِها , وبدا أن الفتى قد فطن لذلك أيضاً , ولكنه كان أكثر جرأة فانحنى على السرير حتى ألصق أنفه بالبقعة الرطبة ليشمّها , ثم _ كأن هذا لا يكفي _ فقد غمس إصبعه فيها ثم وضعه في فمه … وقال شيئًا بالروسية ازداد له احمرارُ خدَّي ( سفيتلانا ) حتى كاد الدم ينفجر منهما ….
قرَّرَ ( لينين ) أن هذا فوقَ طاقتِه على التحمل … ربما في مناسباتٍ قادمة يمكنُه أن يستوعب كل هذه الأحداث , وكل هذه الجرأة … أما الآن فهو يفضل أن يتخيل هذه الأحداث على أن يراها حقيقة ؛ إنه لم يصبْ بضغطٍ ولا بسكرٍ ولا بمشاكل في القلب بعدُ , ولكنه في الأربعين وعليه أن يراعي صحتَه وألا يعرض نفسَه لكل هذه المفاجآتِ في يومٍ واحدٍ …
بدا أن ( سفيتلانا ) قد فطنَتْ إلى أن ( لينين ) على الأغلب قد عاش عقوداً دون أن يرى امرأةً عارية على أرضِ الواقع … وأنه ربما تظاهر بإمساكه بزمام المبادرة , إلا أن كل هذا جديدٌ بالنسبة له … فقالتْ :
– ” أعتقد أن السيد ( لينين ) لا يريد أن يستنفد كل الخياراتِ من أول جلسة … ويريد أن يدخر شيئاً للمراتِ القادمة , فلننهِ الأمر عند هذا الحد هذه المرة ”
سأل ( لينين ) في اندهاشٍ :
– ” مرات قادمة ؟ ”
– ” بالطبع , إن ابن أختك سيحتاج إلى وقتٍ حتى يتقن التعامل مع أجهزة أكثر تعقيداً من حاسبه البسيط , ثم بعد ذلك قد يحتاج وقتاً طويلاً حتى يخترق كل تلك الحواسب المختلفة … طيلة تلك الفترة من المفترض أن ” نشتري ولاءَكَ ” بهذه الطريقة , حتى تستمر في التعاون معنا ! ”
– ” ثم في يومٍ ما ستقطعون الوسيطَ و”تشترون ولاءَ ” ابن أختي مباشرةً ”
قالتْ ( سفيتلانا ) في عبثٍ  :
– ” حتى يبلغ النضج الجنسي ثم نكتشف أن لديه سرًّا مثل سرّك , وأنه مستعد للتعاون معنا نظير إشباع رغباته … حتى ذلك الحين  فلدينا أعواماً لا زلْنا نحتاجُكَ فيها كوسيطٍ “
ثم أضاف زميلُها بعربيّته الركيكة :
– ” وأعتقد أن ( سفيتلانا ) ليستْ بحاجة إلى دافع حتى تستمر في هذه الألعاب معك ! “
نظر ( لينين ) إلى الحسناء العارية الممددة على السرير , فرآها تهز رأسَها موافقةً على قول زميلِها , ثم أضافَتْ :
– ” كما أنك صرْتَ بصورة أو بأخرى عضواً في الفريق , لا أعتقد أنني بحاجة إلى إذن مواعدةٍ حتى ألقاك خارج نطاق العمل ! ”
جاء صوتٌ من مكبِّر صوتٍ لا يدري أحدٌ متى زُرِع في تلك الغرفة قائلاً بعربية ركيكة أيضاً :
– ” لا بد من إذن مواعدة إن كان الشخص الذي ترغبين في مواعدته ليس عضواً في الجهاز .. شكراً ”
فضحكَتْ ( سفيتلانا ) , وقالت :
– ” حسناً , ليس إلى هذا الحدِّ , ولكن على الأقل لن توجد موانعُ تحول دون منحي إذنَ مواعدة معك ”
عاد الصوتُ مرةً أخرى , وإن كان فيه رنة هزل :
– ” لا يصح لعضو الجهاز أن يتنبأ سلفاً بنتيجة إذن المواعدة … هذه جريمة تستحق العقاب ”
نظر إليها ( لينين ) فوجدها تدير عينيها استهجاناً , فخمّن السبب :
– ” ستصيرين نكتةً بين زملائك , وكلما اختلفْتِ مع أحدٍ سيذكّركِ باحتمال ( عقابكِ ) على ما فعلتِهِ , أليس كذلك ؟ ”
هزَّتْ رأسَها بالإيجاب ثم قالتْ :
– ” المشكلة أن أحداً لن يجرؤ على تنفيذ ذلك , سيظلون يذكرونني بعقابي ثم لا يعاقبني أحدٌ ! ”
تطوّع زميلُها بالقول :
– ” أنا مستعد للتنفيذ ! ”
– ” حسناً فصار لديّ معاقبان أحدهما طفلٌ لا يزيد على التربيت على مؤخرتي .. يا لسعدي ! ”
عاد الصوتُ يدوي في مكبر الصوتِ :
– ” (سفيتلانا) !  برجاء التوجه لمكتبِ المديرِ حالاً ؛ إنه يريد تصحيح تلك المعلومة التي ذكرْتِها مؤخراً عن وجود شخصين فقط مستعدين لعقابك ! “
هنا تدخل ( لينين ) في الحوار :
– ” المعذرة سيادةَ المتحدث , أعتقد أن عليّ أنا أن أصحح كَوْنَ أحدِ المعاقبين لا يزيد على التربيت على مؤخرتها , ثم بعد ذلك يمكن أنت أن تصحح كونهما اثنين فقط 
جاء صوتُ مكبر الصوت :
– ” هذا يبدو عادلاً … فلتشرعْ في ذلك إذاً … أيها الرفيق ( لينين ) ”
لم يستطع صاحب الصوتِ منعَ نفسِه من الضحكِ , كما أن ( سفيتلانا ) وزميلَها قد انفجرا ضاحكَين أيضاً , ونظر إليها ( لينين ) مغضباً فكفَّتْ عن الضحك وعادتْ لدلالِها ونظراتِها المتوسلة , وشعر زميلُها بما يدور بينهما , فقرَّرَ الانسحاب من الغرفة في هدوءٍ تاركاً ( لينين ) يكرِّرُ ما صنعه هو قبل قليل ويحلّ حزامَه من بنطالِه ثم يقبض عليه في يده , ويقول في صرامةٍ لا يدري من أين أتَتْ :
– ” لا يزيد على التربيتِ على مؤخرتِكِ هه ؟ استلقي على بطنكِ حتى أريكِ كيف يكون التربيتُ على مؤخرتك ! ”
عادَتْ نظرةُ الرعبِ لعيني ( سفيتلانا ) فلم يتمالكْ ( لينين ) نفسَه من الخروج من الدور وسؤالِها في قلق إن كانتْ توافق على ذلك , فنظرَتْ إليه في عبثٍ وقالتْ :
– ” ( لينين) يا عزيزي , أنا متفهمة أنك نشأتَ في بيئةٍ يحتاج الرجل فيها ألا يضغط على المرأة وإلا كُسِرْتَ , ولكن دعني أرِكَ شيئًا ”
قبل أن تُنْهِيَ جملتَها كان ( لينين ) قد صار في مركز إعصار من الدرجة الخامسة ؛ لم يدرِ متى قامتْ من اضطجاعها على السرير , ولا كيف سقط الحزامُ من يده , ولا كيف وجد نفسَه فجأة مُلْقًى على الكرسي ليستقر عليه وهي جالسة في حضنه وقد أحاطَتْ قدميه برجليها ومالتْ عليه لتقبله قبلةً عميقةً , ثم ابتعدَتْ بشفتيها عن فمه لتقول:
– ” عندما لا أوافق على ما تصنعه بي  فإنك ستدرك ذلك , أو إنْ كنْتَ سيء الحظ فقد لا تعيش حتى تدركه حتى ؛ ولذا أتوسل إليكَ أن تكف عن قلقِكَ الطفوليّ هذا وأن تنزل ذلك الحزام بكل ما أوتيته من قوةٍ على مؤخرتي “الرقيقة” , ولا تكفّ حتى تكل يدُك اليمنى عن استعمال الحزام فتنقله إلى اليسرى وتستمر في عقابي حتى تكلّ اليسرى أيضاً … وحينَها .. ربّما .. ربّما … سأكون نادمةً _ إلى حدٍّ ما _ على ما استحقَقْتُ العقابَ بسببه … ولكنني على الأغلبِ سأكون منشغلةً عن الندم بالاستمتاع بالعقابِ , هل هذا يزيل مخاوفَكَ ؟ ”
– ” من أين أتيتِ بالضبط ؟ ”
– ” نيشني نوفجرود ! ”
– ” هل كل النساء هكذا في نيشني نوفجرود ؟ ”
– ” لا أعتقد ! لقد حالفك الحظّ ووقعْتَ على الجوهرة الفريدة بينهنّ “
– ” بلا ريبٍ ! ”
– ” هل تريدني ممددةً على السرير ؟ ”
– ” أعتقد أنني سأجرب شيئاً آخر ! إنني أريد أن أرى وجهك الأقمر أثناء عقابكِ , هل لديكِ حلٌّ لذلك ؟ “
– ” ممددة على السرير , ولكن مرفوعة الرجلين في الهواء , دعني أرِك ! ”
ومع قولِها هذا نهضَتْ من حضنه وتوجهَتْ إلى السرير ثم استلقتْ على حافة السرير بظهرِها وجعلَتْ عدداً من الوساداتِ تحت رأسها ثم رفعتْ رجليها وباعدتْ بينهما فبدا وجهها الجميل من بين رجليها , ونظرَتْ إلى ( لينين) لتجد عينيه مثبتتين على رجليها ؛ أو على ما بينهما للدقة … فتنحنحتْ بصوتٍ مرتفع ثم قالتْ :
– ” لقد ظنَنْتُ أن الفكرة هي أنك تريد رؤية وجهي ! ”
– ” كان هذا قبل أن تُخْطَفَ منه الأضواءُ ! ”
قالتْ ( سفيتلانا ) في دلالٍ :
– ” وما الذي خطف منه الأضواءَ ؟ ”
نظر ( لينين ) إلى الشقراء الفاتنة , وعيناها تنظران إليه في رغبةٍ من بين رجليها المنفرجتَيْن  …. وكأنها قد تحوَّلَتْ إلى دعوة مفتوحة ليلتهمها النظرُ وغيرُ النظرِ .. ولكنها في الوقت نفسِه قادرة على منع ما لا تريده …. فليس مضطراً لينهى نفسَه عن فعل ما يهواه خوفاً من تجاوز حدِّه .. كان هذا  أكثرَ ما يخيفُه من علاقتِه بامرأةٍ ما ؛ ليس أن يبغضها أو أن تضايقَه , وإنما أن يفقد قدرتَه على ضبطِ نفسِه فتعجزَ هي عن ردِّه فيظلمَها ؛ كان يرى نفسَه كحيوانٍ مفترسٍ له عقل إنسان ؛ والحيوان يرغب فيما لا تريده المرأةُ والإنسان يندم على تلك الرغبةِ الحيوانية التي تسبَّبَتْ في ظلم ذلك الكائنِ الرقيقِ …. أما ما يراه الآن في هذه اللحظة من تلك الشقراء الفاتنة فكان أكثر مما يطمح فيه في امرأة ؛ مطلق الجمال ومطلق القدرة , ووجد ( لينين ) نفسَه يقول  بصوتٍ مبحوحٍ :
– ” ( سفيتلانا ) , لقد عشْتُ حياتي كلَّها أحاول ألا أقع في هوى أيّ إنسانٍ وأعتقد أنني بعد أربعين سنةً من النجاح في ذلك أنني اطمأنَنْتُ إلى أن لحظة الإخفاق لن تأتي أبداً , ولكنْ  …. ( سفيتلانا ) أعتقد أنني مغرمٌ بكِ ! “
– ” إن قولاً بهذا العاطفية يستحق أن يُذْكَرَ فيه اسمي الحقيقي ”
– ” وهو ليس ( سفيتلانا ) على ما أعتقد ؟ ”
– ” بالطبع لا , ولكنك ستسغرب , يا ( لينين ) ” وغمزَتْ بعينها ” إذا علمْتَ ما هو ! “
فكَّر ( لينين ) للحظة ثم فطن لما تقوله :
– ” (ناديا) ؟ ”
جاء الصوتُ هادراً من مكبِّر الصوت , بالروسية هذه المرة , ولكنه ابتدأ بمنادتِها بـ ( نادتشدا ) …
عندما فرغ مكبر الصوت من الصراخ نظرتْ ( سفيتلانا / ناديا ) إلى ( لينين ) وقامتْ من رقدتها على السرير وبدأَتْ في ارتداء ملابسِها ثم قالت ولا يزال العبثُ بادياً في صوتِها :
– ” يبدو أنني ارتكبْتُ خطأ جديًّا هذه المرة, سأذهب لتلقي عقابي _ الذي أرجو ألا يكون خصماً مالياً , لأن ما سوى ذلك لا يؤثر فيّ _ ثم أعود حتى تُكْمِلَ تربِيْتَكَ على مؤخرتي ”
ثم غمزَتْ له وانصرفَتْ من الغرفة وهي تُكْمِلُ عَقْدَ أزارِ قميصِها …
بينما ظل ( لينين ) وحيداً في الغرفة وهو يفكّر في أحداث الأربع والعشرين ساعة الماضية , وكلما ازداد إمعاناً في التفكير في ذكريات ذلك اليوم ازداد حبُّه لـ ( زفيتلانا ) أو ( ناديتشدا ) أو أياً يكن اسمُها ؛ تلك الغادة الشقراء ! 
_________________________________________

قصة : تفكّكٌ ووحدة ! ( M-F )


قصة : تفكّكٌ ووحدة ! ( م – ف )
– بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين ذكر وأنثى , علاقتهما علاقة أستاذ جامعي بطالبتِه , فإن كانت هذه أو تلك تسوؤك / تسوءك, فقد نوهنا بهما . 

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 5 _ وهو فرعٌ على تنويه 4 _ : قد يبدو أن هذه القصة تحاول الاقتراب من المفاهيم التي تتناولها إحدى مدارس علم النفس , وهذا لا يعدو أن يكون استغلالاً لفكرةٍ ما _ بشكلٍ شديد السطحية _ من أجل دفع الأحداث بهذا الاتجاه أو ذاك ؛ ويرى المؤلف ضرورة التأكيد على خيالية العمل وبعدِه تماماً عن شبهة الواقعية أو شبهة تأسيس ما تحويه تلك القصة على أساس علمي أو أخلاقي أو اجتماعي أو غيره ..

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 
– القصة :
(1)
تفكّك !
الطبقة الأولى : دهشة
أفتح البابَ وأنتظر …
الثواني تمر متثاقلة ..
كلامُه لا يزال يدوِّي في أرجاء القاعة …
أنا مشغولة عن كلامه بحرج الموقف …
عيون الطلاب والطالبات تفارق وجهه لثوانٍ لتنظر إليّ ..
حرجي يزداد …
بدأ الحرج يصل إلى درجةٍ لا يمكنُ معها أن أستمر في هذا الموقف…
أحاول موازَنَةَ الخيارات … ولكن عقلي قد وصل درجة من التأفف والذعر لا تسمح بموازنة …
أحاول الخروج من الباب المفتوح بخطواتٍ أخطوها للخلفِ , لعله إن نظر تجاهي لا تقع عيناه على ظهري …
لم ينظرْ تجاهي حتى خرجْتُ من الباب المفتوح , وأغلقْتُه ورائي ..
أنظر في حسرة إلى الباب المغلق والصوت لا يزال يتسرب منه …
وأفكِّر في نفسي وأنا ألومها : ألم يكنْ في وسعي أن أتنحنح أو أن أطلب الإذن بالدخول …
وأحاول أن أجد عذراً لعدم صنعي ذلك فأقول : ولكنني كنْتُ لأقاطعَه حينَها …
ولكن ماذا عن التوجه لأحد الكراسي والجلوس بدون إذن ؟ …
أرجع مرةً أخرى للتبرير : ولكن ماذا إذا كان لم يشعرْ بفتحِي البابَ ؟  وحينها كان سيرى توجهي لأجلس _ وأنا لم أستأذنْه لأدخل _ فلعلَّه يغضب .
استغرقتْ أفكاري بضع ثوانٍ …
فوجئتُ بتوقف الصوتِ عن الكلام ..
صوت خطواتٍ تتجه صوبي , أو صوب الباب المغلق للدقة ..
أحاول التفكير في ذعرٍ : هل أنصرف أم أبقى ؟
هل علم بوجودي من أحد الطلاب , وظن أنه لا تزال هناك فرصة لبقائي في الخارج , فهو يَهِمُّ بفتح الباب ودعوتي للدخول ؟
أم هل أنهى محاضرتَه ويَهِمُّ بالانصراف ؟
وأرد على نفسي : إنه شديد الدقة والاحترام لمواعيده ؛ لن ينهي المحاضرة قبل ميعادها , وأنا حضرْتُ في منتصفها تقريباً , ولم يمرّ وقتٌ كافٍ لتنتهي … أم هل تراني وقفْتُ مكاني لنصف ساعة كاملة وأنا أخوض في هذه الأفكار ؟
رددْتُ على نفسي في ثقة : من المحال أن أكون قد وقفْتُ لنصف ساعة كاملة دون أن أستشعر ذلك تعباً في رجليّ أو إحساسًا بالوقت بأي طريقة أخرى !
ولكن ماذا يضرّ أن أنظر في الساعة لأتأكد ؟
أرفع ساعة يدي إلى عينيّ , فيقاطعني صوتُ مزلاج الباب وهو ينفتح ..
كيف غفلْتُ عن ذلك ؟!
أتوجّه ببصري في ذعرٍ إلى الباب المفتوح لتقع عيناي على عينَيْ المحاضر ..
ليس عيني المحاضر بالضبط ؛ عيناه وقد صَغُر عمره نحواً من خمس عشرة سنة …
لم يعد في أوائل الأربعينات , بل في أواخر العشرينات …
أعود لأتأمل وجْهَهُ فأفطن إلى خطئي …
هذا ليس المحاضر وإنما قريبٌ له ؛  أصغر من ابن وأكبر من أخ , ولكنه شديد الشبه به …
وأرى في عينه ضحكة تطل برأسها من أعماق روحه ثم يزجرها فترجع إلى مكانها في داخله ..
ويقول لي بصوتٍ لا يزال يدافع أثر الضحكة :
– ” هل هذا التيهان يلازمكِ طيلة الوقت ؟ ”
ويضيف :
” على أية حال لقد أوقفْتُ محاضرة أخي _ وبالنظر إلى أنك من طلابه فأنتِ على علم بمدى كرهه لذلك _  حتى أدعوكِ للدخول , فقد ظننْتُ _ نظراً لتيهانكِ _ أنكِ ستقفين فترةً أخرى خارج الباب تائهةً كما وقفتِ داخل المدرج ”
أحاول أن أرد بشيءٍ ولكن صوت المحاضر _أخيه _ ينبعث من الداخل :
– ” هلّا دخلْتما أو بقيتما في الخارج ؟ إن لدينا محاضرة لنُتِمّها ! ”
يشير إليّ أخوه _ الوغد _ لأسبقه في الدخول , فأفعل , وأحاول أن أتمتم بكلمات اعتذارٍ أتوجه بها إلى أخيه , ولكنها تفشل في القضاء على أمارت الضيق البادية على وجهه !
أتوجه إلى كرسيّ فارغ في أبعد مكان ممكن عن المحاضر وأجلس فيه , فيأتي الوغد إلى الكرسيّ المجاور لي ويجلس …
وأتساءل في نفسي عما يريده !
_______________________________
الطبقة الثانية : إعجاب
أفتح البابَ وأنتظر …
لا شك أن صوتَ البابِ مسموعٌ للمحاضر , لقد حاضر سنواتٍ طوالاً حتى يدركَ _ بلا وعيه _ عندما يفتح أحد الطلاب الباب وينتظرُ الإذن ..
الثواني تمر متثاقلة ..
لماذا لا يوجِّه بصري تلقائي , كلما زاد الوقت الذي أقضيه واقفةً بانتظار أن ينظر تلقائي لأستأذنه , كلما صَعُب عليّ فيما بعد أن أتكلم وأقاطعه لأستأذن , لأنه حينها سيقول _ وله الحق _ لقد شعرْتُ بوقوفكِ فترة طويلةً فلماذا لم تستأذني من البداية إن كنتِ تنوين أن تستأذني ؟
كلامُه لا يزال يدوِّي في أرجاء القاعة …
هذا ليس صوتَ شخص ينوي أن يقطع كلامه قريباً , النغمة مندفعة , والأفكار التي وراء صوته تبدو متسلسلة تسلسلاً مطرداً , هذا الموقف ذاهبٌ للأسوأ ..
أنا مشغولة عن كلامه بحرج الموقف …
ولكني لا أغفل عن التقاط بعض الكلمات والجمل : “النقطة الثالثة … ” هل اقتصر على ذكر نقطتين طيلة النصف ساعة ؟ أم أن هذه هي النقطة الثالثة من الموضوع الرابع مثلاً الذي نوقش في هذه المحاضرة …
عيون الطلاب والطالبات تفارق وجهه لثوانٍ لتنظر إليّ ..
الآن لا شكّ في أنه رآني , لو كان مشغولاً عن المحاضرة لنظر إلى الباب عندما سَمِعَ صوتَه ينفتح , ولو كان مشغولاً بالمحاضرة لانتبه إلى مفارقة عيونِ كثيرٍ من طلابه له لتَنْظُرَ _ في وقتٍ واحد أو أوقات شديدة القرب من بعضها البعض _ إلى الباب . أمَا وقد تجاهلني الآن فلا شكَّ أنه يتجاهلني عمداً .
حرجي يزداد …
لا شك أنه رأى العيون وهي تتجه نحوي , وعَلِم _من قلة الخيارات _ سببَ اتجاه عيون طلابه إلى الباب 
لماذا يتجاهلني ؟
لطالما شعرْتُ أن عينيه تنظران نحوي عمداً في المحاضرات السابقة , فسّرْتُ هذا على أنه نرجسية مني وقراءة اعتباطية ترى في الواقع ما تريده هي لا ما وَقَع فعلاً …
ولكن _في تلك المحاضرات السابقة _ عندما يفتحُ أحد الطلابِ البابَ , كان ينظر نحوَه ويشير له بيده ليدخل , وتعوّدَ بقيةُ الطلاب إذا تأخروا أن يفتحوا الباب ولا يقولوا شيئاً لئلا يقاطعوه , ما دام هو من سينظر نحوهم ويشير بيده ليدخلوا , وكذلك فعلْتُ اليومَ فلماذا لم يكرر عادته في إدخال الطلاب المتأخرين بإشارة من يده ؟
ألا تزال نرجسيةً إذا فكرْتُ أنه خصّني بهذه المعاملة دون سائر الطلاب ؟
ولكن لماذا فعل ذلك ؟
أم لعله قد طرأ له طارئٌ اليوم فمنعه من التعامل مع هذه الواقعة الاعتيادية تعاملاً عادياً ؟
أشعر أكثر بالخجل ؛ ها أنا ذي أفسر كلَّ شاردة وواردة من أفعاله تجاهي ؟
لماذا أفعل ذلك ؟
هل هذا الإفراط في التفسير يعبر عن إعجاب أحاول كتْمَه وإخفاءه حتى عن نفسي ؟
هل أنا معجبة بأستاذي ؟!
بدأ الحرج يصل إلى درجةٍ لا يمكنُ معها أن أستمر في هذا الموقف…
أحاول موازَنَةَ الخيارات … ولكن عقلي قد وصل درجة من التأفف والذعر لا تسمح بموازنة …
ماذا أفعل الآن ؟!
هل أهرب ؟
ولكن لماذا أهرب ؟
ألأنني فتحْتُ الباب فلم يؤذن لي ؟ أم لأنني بدأت أشك في سر نفسي وأخشى إن بقيْتُ في مكانٍ واحد مع من تهواه النفسُ أن يفتضح أمر نفسي ولا يخفى عليّ منه شيءٌ ؟
ربَّما عليّ أن أهربَ , ماذا إن كنْتُ من الفطنة بحيث وقعْتُ على ما يريد ( لا وعيي ) أن يظل خفيًّا مدفوناً فيّ …
أنا لا أريد أن أعالَج من عقدي النفسية , إن كان ذلك العلاج سيتضمن أن أصارح نفسي بإعجابي بهذا المحاضر بالذات ..
لطالما قارنْتُ بينه وبين القصص التي كانت أمي تخبرني بها عن أبي الذي تُوُفّيَ قبل أن أستطيع الكلامَ بعد !
كلما ذكرَتْ أمي هدوءَ أبي وصبرَه على ما يُفْقِد غيرَه صوابَه , أو رقّتَه وعطفه التي _ مع ذلك _ لم تغرِ أحداً _ولا أقربَ المقربين إليه_ أن يتجاوز معه في كلام أو في فعل , أو مثابرَتَه حتى يصل إلى هدفِه غير عابئٍ بما يعترض طريقه في سبيل ذلك … كلما ذكرتْ أمي ذلك من صفاتِ أبي _ ولعلها تبالغ _  لم أجدْ مثالاً واقعياً أتمثل فيه كل هذه الصفات على أرض الواقع بدون مبالغة إلا في هذا المحاضر بالذات  _ أو لعلي أنا التي أبالغ هذه المرة _ !
فإذا انتهيْتُ إلى أنني _ رغماً عني _ معجبةٌ به , فلعل في هذا اعترافًا بعقدة الأب المفقود من حياتي التي قرأتُ عن معاناة مَنْ نشأْن يتيماتِ الأب منها ..
أنا لا أريد أن أعترف بذلك ..
فلأهرب إذن ..
أحاول الخروج من الباب المفتوح بخطواتٍ أخطوها للخلفِ , لعله إن نظر تجاهي لا تقع عيناه على ظهري …
فهل خوفي من أن ينظر في الوقتِ غير المناسب فيراني أنصرف من محاضرتِه _ التي لم أدخلْها رسميًا حتى _ , هل خوفي هذا راجعٌ إلى رغبتي في الظهور أمامه بمظهر الطالبة المثالية , التي تحصل في مادتِه على أعلى الدرجات ولا تغيب عن شيءٍ من محاضراته _ وهذا سلوكٌ نادرُ الحدوثِ مني مع أي مادة أخرى _ ؟
أم هل خوفي هذا راجع إلى أنني أخشى أن يكره شيئاً أفعله حتى لو كان هذا الفعل من أفعال طالبة مثالية ؟
ماذا إذا قال عرضاً في محاضرة ما : إن اجتهاد طالبة ما يجعلها تتحول إلى موضوع منتهٍ في عين أستاذها , ولكن إخفاقها هو ما يجعلها مثار اهتمامه ليحاول أن يعيدها إلى الطريق القويم ؟
لو قال هذه العبارات _ فرضاً _ فهل أنا سأتفاجأ فعلاً إذا هبط مستواي في مادته ” بشكل غير مقصود ” ؟
أم إنني أعلم في داخلي أن كل ما أريده من وراء الاجتهاد في مادته هو نيل رضاه واهتمامه , فإذا لم يكنْ هذا هو الطريق لنيل اهتمامه , فلْأسلكْ غيره ؟
أعتقد أنه خيرٌ من إجابة هذه الأسئلة أن أهرب !
لم ينظرْ تجاهي حتى خرجْتُ من الباب المفتوح , وأغلقْتُه ورائي ..
أنظر في حسرة إلى الباب المغلق والصوت لا يزال يتسرب منه …
لقد هربْتُ !
ثم ماذا ؟
حسناً إن بإمكاني أن أغادر في هذه اللحظة ..
 لعله لم يرني , لعله لم يشعر حتى أن بابًا فُتِح ثم أغلق !
ستمر الأمور بسلام , منذ بداية الفصل الدراسي لم أتغيب عن محاضرة واحدة له , فهو على الأغلب لن يلحظ عدم حضوري هذه المرة  .
ولكن مهلاً .. لماذا لا يلحظ عدم حضوري ؟!
هل كانتْ فرحتُه زائفة عندما أعلن نتيجة امتحان منتصف الفصل الدراسي ووجد لأول مرة أن طالباً أو طالبة قد حقق الدرجة النهائية فيه ؟
هل كان ذلك فخراً زائفاً عندما قبض على راحتي في كلتا يديه , وقال إنه لن يقبل أن تكون أفضل طالبة لديه قانعةً بأي وظيفة أخرى غير الاستمرار في دراستها الأكاديمية بعد التخرج ؟
لقد غيَّرْتُ كل خططي لمّا قال ذلك , لقد حرصْت حتى على الاجتهاد في بقية المواد حتى أستطيع الاستمرار في ( الدراسة الأكاديمية تلك ) , فهل كان ذلك كله تمثيلاً ؟
أم أنه كان صدقاً … ثم بعد ذلك فكّر في نفسه : هذه الطالبة مستواها في بقية المواد ليس بهذه الجودة , لعل مستواها المتميز في هذه المادة راجع لسبب آخر ( غير أكاديميّ ) وسرعان ما سيزول , ربما لن ينتهي الفصل حتى تبدأ درجاتها في هذه المادة تقترب من درجاتها في المواد الأخرى , بل ربما تبدأ في التغيب عن محاضرات هذه المادة أيضاً , وتكفّ عن المجيء قبل الجميع والانصراف بعد الجميع كما تفعل الآن .
أشعر بوخزٍ كالإبر في جلدي , لو كان فكّر في مثل هذه الأفكار فقد أجبْتُه إلى ما سأل , ها أنا ذي لا أحضر متأخرةَ فحسْبُ بل أتغيب بالكلية عن إحدى محاضراته .
وأفكِّر في نفسي وأنا ألومها : ألم يكنْ في وسعي أن أتنحنح أو أن أطلب الإذن بالدخول …
وأحاول أن أجد عذراً لعدم صنعي ذلك فأقول : ولكنني كنْتُ لأقاطعَه حينَها …
ولكن ماذا عن التوجه لأحد الكراسي والجلوس بدون إذن ؟ …
أرجع مرةً أخرى للتبرير : ولكن ماذا إذا كان لم يشعرْ بفتحِي البابَ ؟  وحينها كان سيرى توجهي لأجلس _ وأنا لم أستأذنْه لأدخل _ فلعلَّه يغضب .
أو لعلني في داخلي أردْتُ أن أجرِّب ما سيحدث عندما أخيِّب ظنه للمرة الأولى …
لعلي لم أخيِّبْ ظنَّه ؛ لعله لا يهتم بي , ولم يشعر بشيء ..
ولكن حينَها فما الضرر من تخييب ظنِّه إن لم يكن هناك شيءٌ ليُخيَّب .
ولكن إن كان هناك اهتمام بي , ثم خيبْتُ ظنه عامدة أو شبه عامدة , فما السبب الذي يدفعني لذلك ؟
لعلني أريد أن أتأكد من وجود شيءٍ ما , وليكن هذا الشيء : إعجاب أستاذ بطالبته , أو فخره بمستواه التدريسي الراقي الذي أثمر إيجاباً في هذه الكائنات التي لا يثمر في صحراء عقولها الجرداء شيءٌ ..
ليكنْ أياً من هاتين فيبدو أنني قانعة به .. وأنني مستعدة لتخييب ظنه لأتأكد منه .
وأفاجأ بهذه الفكرة : مِنْ هَرَبي من الاعتراف بإعجابي به , إلى تسليمي برغبتي في التأكد من وجود اهتمام ولو راجعاً إلى ما لا عاطفة فيه ..
هذا ليس حباً حتى , إن هذه مرحلة أخطر من الحب , شيءٌ شبيهٌ بما كان ذلك الشاعر الأحمق يتحدث عنه .. ما الذي قاله : يلذّ لي أن أعلم أنكِ تسبينني لأن في هذا اعترافاً بأنني أخطر على بالكِ.. أو شيءٌ من هذا القبيل .. هل وصلْتُ إلى هذه المرحلة ؟
استغرقتْ أفكاري بضع ثوانٍ …
فوجئتُ بتوقف الصوتِ عن الكلام ..
ما الذي يحدثُ ؟
كانتْ أول خاطرةٍ خطرتْ لي : ربما تذكَّر غياب طالبة معينة , فأنزل المايكرفون وسأل بصوته العادي عن فلانة أين هي ؟
ثم رجعَ إليّ عقلي مؤنباً , فتنبهْتُ إلى سذاجة الخاطرة ..
ثم رجعْتُ إلى الواقع ..
صوت خطواتٍ تتجه صوبي , أو صوب الباب المغلق للدقة ..
أحاول التفكير في ذعرٍ : هل أنصرف أم أبقى ؟
هل علم بوجودي من أحد الطلاب , وظن أنه لا تزال هناك فرصة لبقائي في الخارج , فهو يهم بفتح الباب ودعوتي للدخول ؟
أم هل أنهى محاضرتَه ويهم بالانصراف ؟
وأرد على نفسي : إنه شديد الدقة والاحترام لمواعيده ؛ لن ينهي المحاضرة قبل ميعادها , وأنا حضرْتُ في منتصفها تقريباً , ولم يمرّ وقتٌ كافٍ لتنتهي … أم هل تراني وقفْتُ مكاني لنصف ساعة كاملة وأنا أخوض في هذه الأفكار ؟
رددْتُ على نفسي في ثقة : من المحال أن أكون قد وقفْتُ لنصف ساعة كاملة دون أن أستشعر ذلك تعباً في رجليّ أو إحساسًا بالوقت بأي طريقة أخرى !
ولكن ماذا يضرّ أن أنظر في الساعة لأتأكد ؟
أرفع ساعة يدي إلى عينيّ , فيقاطعني صوتُ مزلاج الباب وهو ينفتح ..
كيف غفلْتُ عن ذلك ؟!
استعدِّي للقاء الحبيب , ماذا إذا سألك عن علة تأخركِ وتأكد لديكِ اهتمامه بكِ _ حتى لو كان اهتماماً أكاديمياً _ ونلْتِ منيةَ نفسك ؟
ولكن ماذا إذا كانتْ الأخرى وفوجئ بوقوفِك أمام الباب ؟
لعل من المناسب أن أهرب مرة أخرى ولكن هذه المرة لا وقتَ للهرب !
أتوجّه ببصري في ذعرٍ إلى الباب المفتوح لتقع عيناي على عيني المحاضر ..
ليس عيني المحاضر بالضبط ؛ عيناه وقد صَغُر عمره نحواً من خمس عشرة سنة …
لم يعد في أوائل الأربعينات , بل في أواخر العشرينات …
أعود لأتأمل وجْهَهُ فأفطن إلى خطئي …
هذا ليس المحاضر وإنما قريبٌ له ؛  أصغر من ابن وأكبر من أخ , ولكنه شديد الشبه به …
هل كان هذا المحاضر متزوجًا طيلة الوقت ؟
إنه لا يرتدي خاتم زواج في إصبعه , فلعله مطلق إذن ؟
ثم لا بد أنه أنجب في الخامسة عشرة أو قريباً من ذلك ليكون ابنُه في هذا السن !
وأرى في عينه ضحكة تطل برأسها من أعماق روحه ثم يزجرها فترجع إلى مكانها في داخله ..
ويقول لي بصوتٍ لا يزال يدافع أثر الضحكة :
– ” هل هذا التيهان يلازمكِ طيلة الوقت ؟ ”
أفكِّر فيما قاله , ثم أفطن أنه لا بد قد رآني وأنا أقف على باب المدرج فترة لا أتكلم فيها أو أدخل , ففسّر هذا على أنه تيهان …
أندفع لأرد عليه حتى لا يعتقد أن تفكيري في سؤاله إجابةٌ بالإيجاب ..ولكنه يبادرني..
ويضيف  :
– ” على أية حال لقد أوقفْتُ محاضرة أخي _ وبالنظر إلى أنك من طلابه فأنتِ على علم بمدى كرهه لذلك _  حتى أدعوكِ للدخول , فقد ظننْتُ _ نظراً لتيهانكِ _ أنكِ ستقفين فترةً أخرى خارج الباب تائهةً كما وقفتِ داخل المدرج ”
أجد الدماء تندفع إلى وجهي .. تائهة ؟ … هذا الوغد !
وأحاول أن أرد بشيءٍ ولكن صوت المحاضر _أخيه _ ينبعث من الداخل :
– ” هلّا دخلْتما أو بقيتما في الخارج ؟ إن لدينا محاضرة لنُتِمّها ! ”
دخلتما ؟
لقد قرنني بأخيه في كلمة واحدة , هل هذا مقصود ؟
هل هي زلة فرويدية كما تسمّى ؟
هل يفكر فيّ باعتباري مشروع فرد من الأسرة بصورة أو بأخرى ؟
هل هذه القشعريرة التي تعروني ناشئة عن البرد ؟
لا يبدو أن هذا المدرج بهذه البرودة !
يشير إليّ أخوه _ الوغد _ لأسبقه في الدخول , فأفعل , وأحاول أن أتمتم بكلمات اعتذارٍ أتوجه بها إلى أخيه , ولكنها تفشل في القضاء على أمارت الضيق البادية على وجهه !
ما علة غضبه ؟
إيقاف المحاضرة ؟
إيقاف المحاضرة بسبب طالبة ما _ ويُفْتَرَضُ بالطلاب أن يحضروا من بداية المحاضرة_  ؟
إيقاف المحاضرة بسبب طالبة معيّنة يفترض بها بالذات أن تحضر من بداية المحاضرة , وإن لم تفعل فإن الانشغال بغيابها يؤدي إلى قلق المحاضر ؟
يعود عقلي مرة أخرى للتأفف من هذا التفكير الطفولي الطموح , فأضطر لأن أسكت .
أتوجه إلى كرسيّ فارغ في أبعد مكان ممكن عن المحاضر وأجلس فيه , فيأتي الوغد إلى الكرسيّ المجاور لي ويجلس …
وأتساءل في نفسي عما يريده !
____________________________
الطبقة الثالثة : قاعدة الجبل الجليدي
أفتح البابَ وأنتظر …
الثواني تمر متثاقلة ..
لقد جئتِ متأخرةً , والتأخر ذنبٌ يستوجب عقوبة , والعقوبة مرغوبة والذنب حاضر , ففيمَ التلكؤ ؟!
لقد تأخر ميعادُ استيقاظكِ على الرغمِ من إعدادكِ المنبهَ ليوقظكِ , وعندما استيقظتِ متأخرةً نصف ساعة تساءلْتِ في ذعرٍ عمن أوقف المنبه ؟!
لقد كان ذلك أنا , أو كان ذلك أنْتِ للدقة , إذ لا أُعْتَبَرُ _قانونياً ولا أخلاقياً_ شيئاً منفصلًا عنكِ .
ولكني تعلمْتُ أن أنتظر أثناء يقظتكِ ليُسْمَعَ صوتي وغالباً ما تخرسينني بعد أن يصلكِ صوتي مباشرةً ..
أما وأنتِ نائمة فالسلطان سلطاني , ولا صوت يعلو على صوتي , وإذا كنْتِ ستحرمينني من نيل مرادي وتكبتين رغباتي _ أو رغباتكِ للدقة _ فلنمهد إذاً لتحقيق تلك الرغباتِ رغم أنفكِ …
هذا الرجل الوسيم …
 إنكِ لا تسمينه رجلاً , لأنه لا يليق بطالبة في العشرين من عمرها أن تتخلى عن اللياقة وآداب الخطاب وتصف أستاذها بأنه رجل , ولكن آداب الخطاب واللياقة لا تعنيني ؛ هو رجل وأنتِ أنثى , وهذا ما يهم …
هذا الرجل الوسيم الذي ظللْتُ أبثُّ في منامكِ أحلاماً متوقدةً عنه  , فإذا استيقظْتِ نفيتِها من ذهنكِ بالكلية , فقصرْتِ تأثير ما أفعله على دنيا المناماتِ ولم تطلْ تلك الأحلام دنيا اليقظة ولو حتى كذكرى حلم …
هذا الرجل الوسيم الذي تريدين أن يبقى مقدساً محميّ الجناب حتى عن أن يُفَكَّر فيه بـ ” ما لا يليق ” , سأجعلكِ تعيشين معه ما لا يليق .
كيف ؟
 إنني لا أملك التحكم فيه بالطبع , ولكني أعلم من أمره ما لا تعلمين …
عندما ينظر إليكِ تتشككين في حقيقة نظراتِه , ولكن عندما ينظر إليكَ لا يخفى عليّ من أمره شيءٌ …
لذا يقولون صدقي حدسكِ فهو يرى ما لا ترين … لقد صدقوا .. وأنا حدسكِ !
تلك النظرات ليست نظراتِ إعجاب أستاذ بطالبة , ولا نظراتِ حرصٍ أبوي ولا شبه أبويّ ؛ هذه نظرات تريد أن تلتهم الجسد فتصدها عنه الملابس فتلتهم الملابس , فإذا ما فَطِنَ صاحبُها إلى ما تصنعه حاول أن يشدّ لجامها فجرّته بلجامه خطواتٍ فلأياً بلأيٍ ما أوقَفَهَا ..
ولا شكّ أن من يقابلني في عقله قد فطن كذلك إلى آثار إعجابكِ به التي تحاولين جاهدةً أن تخفيها وتشدي لجامها أنتِ الأخرى , فإذا كنتُ أنا هنا وهو هناك على وعيٍ بما يجري , ثم لم نستطعْ أن نُنْفِذَ الأمر إلى غايتِه برضاكما فإنّا نُنْفِذُهُ قهراً …
فقط يحتاج الأمر إلى شعلة لتضطرم النار … لقد توفرَتْ كل الظروف المهيئة لاشتعال الحريق ولم يبقَ إلا لمسة البداية …
وأنا سأتكفل بها …
كلامُه لا يزال يدوِّي في أرجاء القاعة …
أنا مشغولة عن كلامه بحرج الموقف …
ها نحن أولاءِ !
انظري إلى ملامح وجهه …
لا شكّ أنه رآكِ في مجال بصره .. تلك الرؤية التي لا تذهب مباشرةً إلى وعيه بل إلى لا وعيه ليحللها ويرسل ما يستحق إليه .. لا شكّ أن لا وعيه _ هو الآخر _ يلحّ بهذه المعلومة عليه لينصرف إليكِ , والمسكينُ يحاول أن يخادع نفسَه . وملامحُ وجهِه تفضحه …
انظري إلي ملامح وجهه…
الرجل يجاهد ليكمل كلامَه … وينهى نفسَه _ هو الآخرُ _ عن الانصراف إليكِ وترك المحاضرة ومن فيها يذهبون للجحيم …
لقد كنْتُ أحسبكِ أشد ولعاً به , فإذا هو أشدّ ولعاً بكِ !
المستقبل يبدو مشرقاً  
عيون الطلاب والطالبات تفارق وجهه لثوانٍ لتنظر إليّ ..
حرجي يزداد …
بدأ الحرج يصل إلى درجةٍ لا يمكنُ معها أن أستمر في هذا الموقف…
حسناً هذه هي اللحظة التي يكفّ فيها عن التظاهر بأنه لا يراكِ..
 ولكن ليصنعَ ماذا ؟
إنه لا يملِكُ أن يشير إليك بالدخول وكأن شيئاً لم يكن .. ليس بعد كل هذه المدافعة …
ولكن ما البديل ؟ أن يستمر في التظاهر بعدم وجودكِ حتى تنصرفي ؟
أنا لن أستطيع أن أنهاكِ عن الانصراف ولا أن أحثّكِ على الدخول بدون إذن , فما الذي سأصنعه حينها ؟
أحاول موازَنَةَ الخيارات … ولكن عقلي قد وصل درجة من التأفف والذعر لا تسمح بموازنة …
إنكِ تهمين بالمغادرة !
 عليّ أن أتدخلَ …
ماذا إذا رآكِ تحاولين الخروج ووقعتْ عيناه عليكِ حينَها وأنت لا ترينه , كيف سيكون رأيُه فيكِ آنذاك ؟
أحاول الخروج من الباب المفتوح بخطواتٍ أخطوها للخلفِ , لعله إن نظر تجاهي لا تقع عيناه على ظهري …
لم ينظرْ تجاهي حتى خرجْتُ من الباب المفتوح , وأغلقْتُه ورائي ..
الآن تنصرفين إلى البيتِ وتفشل العملية كلها ..
لا يمكنُ أن أسمح بهذا !
ليس بعد أن ظللْتُ لنصفِ ساعة كاملة أعاني الأمرَّينِ لأبقيكِ نائمة ؛ لئلا تستيقظي على عادتكِ في نفس الوقت التي تستيقظين فيه حتى في أيام الإجازات .
لقد بذلْنا الكثيرَ من الجهد لنسمح بضياع كل هذا الآن .
ما الذي تفكّرين فيه على أية حال ؟
… آه , لقد وصلتِ _ أخيراً _ إلى أنكِ معجبةٌ به ..
ولكنكِ لم تعي بعدُ أنه معجبٌ بكِ ..
فلنستغلَّ هذه الأفكار لنعيقكِ عن الهرب ..
فكّري في البدائل التي كانتْ متاحةً أمامكِ للتعامل مع هذا الموقف…
الشعور بالندم سينهاكِ عن الاهتمام برغبتكِ في الهرب وإفشال خطتي ..
أنظر في حسرة إلى الباب المغلق والصوت لا يزال يتسرب منه …
وأفكِّر في نفسي وأنا ألومها : ألم يكنْ في وسعي أن أتنحنح أو أن أطلب الإذن بالدخول …
وأحاول أن أجد عذراً لعدم صنعي ذلك فأقول : ولكنني كنْتُ لأقاطعَه حينَها …
ولكن ماذا عن التوجه لأحد الكراسي والجلوس بدون إذن ؟ …
أرجع مرةً أخرى للتبرير : ولكن ماذا إذا كان لم يشعرْ بفتحِي البابَ ؟  وحينها كان سيرى توجهي لأجلس _ وأنا لم أستأذنْه لأدخل _ فلعلَّه يغضب .
استغرقتْ أفكاري بضع ثوانٍ …
فوجئتُ بتوقف الصوتِ عن الكلام ..
صوت خطواتٍ تتجه صوبي , أو صوب الباب المغلق للدقة ..
نجحتْ الخطة , لقد أوقف المحاضرةَ لأجلكِ , وسيخرج أمام الطلبة جميعاً ليطلب منكِ الدخول ..
ولكن هذا يبدو غريباً وأكثرَ مما أردتُه ….
كل ما طمحْتُ إليه كان أن أغريكِ بالانتظار إلى نهاية المحاضرة ثم تدخلين حتى تعتذري من عدم حضوركِ ..
ولكن أن يخرج بنفسه ليعرض عليكِ الدخول …
هذا فعل مفاجئ غير مبرّر ..
أحاول التفكير في ذعرٍ : هل أنصرف أم أبقى ؟
هل علم بوجودي من أحد الطلاب , وظن أنه لا تزال هناك فرصة لبقائي في الخارج , فهو يهم بفتح الباب ودعوتي للدخول ؟
أم هل أنهى محاضرتَه ويهم بالانصراف ؟
وأرد على نفسي : إنه شديد الدقة والاحترام لمواعيده ؛ لن ينهي المحاضرة قبل ميعادها , وأنا حضرْتُ في منتصفها تقريباً , ولم يمرّ وقتٌ كافٍ لتنتهي … أم هل تراني وقفْتُ مكاني لنصف ساعة كاملة وأنا أخوض في هذه الأفكار ؟
رددْتُ على نفسي في ثقة : من المحال أن أكون قد وقفْتُ لنصف ساعة كاملة دون أن أستشعر ذلك تعباً في رجليّ أو إحساسًا بالوقت بأي طريقة أخرى !
ولكن ماذا يضرّ أن أنظر في الساعة لأتأكد ؟
أرفع ساعة يدي إلى عينيّ , فيقاطعني صوتُ مزلاج الباب وهو ينفتح ..
كيف غفلْتُ عن ذلك ؟!
حسناً إنه على وشك الخروج بنفسه إليكِ…
 قولي شيئاً على غرار إنكِ استحييْتِ من مقاطعة المحاضرة , وسيقول شيئاً على غرار إنه أحس بذلك , فاستاء من أن يكون الحييُّ محروماً والجريء غانماً فخرج بنفسه ليعطي كل ذي حياءٍ حقَّه ..
هذا سيذهب بحرج الموقف ..
ويعيدنا للمربع الأول ؛ الاعتذار بعد المحاضرة _ وبعد انصرافِ الأغلبيةِ أو الجميعِ حتى _ ..
وحينها سأحاول أن أختزن في ذاكرتكِ من حوارِكما ما يكون وقوداً يستغل فيما بعدُ في إشعال رغباتكِ الدفينة …
ستسير الأمور على ما يرام .
أتوجّه ببصري في ذعرٍ إلى الباب المفتوح لتقع عيناي على عيني المحاضر ..
ليس عيني المحاضر بالضبط ؛ عيناه وقد صَغُر عمره نحواً من خمس عشرة سنة …
لم يعد في أوائل الأربعينات , بل في أواخر العشرينات …
أعود لأتأمل وجْهَهُ فأفطن إلى خطئي …
هذا ليس المحاضر وإنما قريبٌ له ؛  أصغر من ابن وأكبر من أخ , ولكنه شديد الشبه به …
وأرى في عينه ضحكة تطل برأسها من أعماق روحه ثم يزجرها فترجع إلى مكانها في داخله ..
من هذا ؟!
ولماذا يبدو في عينيه شيءٌ من الاستمتاع بالموقف الممزوج بالعُجْبِ بالنفس الناشئ عن الاطلاع على سرٍّ لم يكن ينبغي أن يطلع عليه !
هل أَطْلَع ذلك المحاضِرُ غيرَه على سرِّ إعجابه بكِ ؟
هذا مستبعدٌ ..
كيف وهو لم يُصارحْ نفسَه بعدُ بهذا الإعجاب ؟
ولكن ماذا إذا فطِن هذا الشخصُ من تلقاء نفسِه إلى ذلك …
إن ملامحَه تشي بقرابة لا شك فيها من المحاضر ..
هل تطرق حوارُه معه في يومٍ ما إلى طالبة متفوقة يتوقع لها النبوغ ففطن هذا الرجل إلى ما وراء كلام قريبِه من إعجاب ؟
هذا ليس مستبعداً , وربما أصر بعد ذلك على الحضور معه إلى المدرج لـ ” يستمع إليه وهو يحاضر ” ..
بينما همّه الأول أن يرى الفتاة محلَّ إعجابِ قريبِه ..
لعله فكّر في نفسه : إن هؤلاء الأكاديميين _ على ظنهم أنهم أذكى الناس _ أحمق الناس في أمور القلبِ , فلنستوثق أن إحداهنّ لا تقوم بالاحتيال على قريبي , وتوقعه في شباكها طلباً لنجاح أو درجاتٍ ..
ولو كان هذا الظن صحيحاً , فإننا الآن تحت المجهر , لتُخْتَبَر مصداقيتُنا …
وأحاول أن أبثّ هذه المخاوف إليكِ , ولكن القريبَ يبادركِ ..
ويقول لي بصوتٍ لا يزال يدافع أثر الضحكة :
– ” هل هذا التيهان يلازمكِ طيلة الوقت ؟ ”
ويضيف :
” على أية حال لقد أوقفْتُ محاضرة أخي _ وبالنظر إلى أنك من طلابه فأنتِ على علم بمدى كرهه لذلك _  حتى أدعوكِ للدخول , فقد ظننْتُ _ نظراً لتيهانكِ _ أنكِ ستقفين فترةً أخرى خارج الباب تائهةً كما وقفتِ داخل المدرج ”
_على الأقل _هو لا يعتقد أنكِ مخادعة , أو نصّابة ..
أنت فقط ” تائهة ” و”حمقاء” ..
وإعجاب أخيه بكِ راجعٌ إلى هذه ” البلاهة ” التي تغري ذوي العقول بالوقوع في غرام أصحابها , لأن المتضادَّيْن يتجاذبان , كما يقال في دروس العلوم الأولية .
علينا أن نثبتَ جدارتَكِ الذهنية الآن …
ولكنكِ مشغولة بالاستياء مما قاله عن التفكير فيما قاله …
فلنرجُ أن تسير الأمور بخير ..
أحاول أن أرد بشيءٍ ولكن صوت المحاضر _أخيه _ ينبعث من الداخل :
– ” هلّا دخلْتما أو بقيتما في الخارج ؟ إن لدينا محاضرة لنُتِمّها ! ”
هذه نغمة صوتٍ تحمل ضيقاً من أي شيءٍ إلا توقفَ المحاضرة !
ولو كان لي أن أعترف بمهارتي_ التي لا شك فيها _ في تمييز العواطف من أصوات أصحابها , لقلْت إنها تحمل من الغيرة أكثر مما تحمله من التأفف !
إن المحاضر يفكِّر في أن أخاه ربما رأى من فتاتِه مثلَ ما رآه هو , وهو أقربُ منها سنًّا فهناك خطورة تستدعي التدخلَ .
هذا يعني أن الأمور قطعاً تسير بشكل جيِّد ..
يشير إليّ أخوه _ الوغد _ لأسبقه في الدخول , فأفعل , وأحاول أن أتمتم بكلمات اعتذارٍ أتوجه بها إلى أخيه , ولكنها تفشل في القضاء على أمارت الضيق البادية على وجهه !
واو … هذا رائع !
لو كان لي أن أفترض علةَ غضبه لقلْتُ إنه  يكاد يصارع أخاه على الملأ للفوز بكِ !
يخيّل إليّ أنه صار أكثر تواؤماً مع نفسه , واعترافاً بمكانكِ في قلبه ..
إن كنْتُ في شكٍّ من قبل , فلم يعد لديّ شكوكٌ الآن : أنكِ ستنالين قريباً ما أخفيتِه حتى عن نفسكِ طيلة هذه السنين …
أتوجه إلى كرسيّ فارغ في أبعد مكان ممكن عن المحاضر وأجلس فيه , فيأتي الوغد إلى الكرسيّ المجاور لي ويجلس …
وأتساءل في نفسي عما يريده !
*******************************
( 2 )
وِحْدَة !
عندما انتهَتِ المحاضرة , كنْتُ قد خلصْتُ إلى أنني ذاهبةٌ رأساً _ وليكُنْ ما يكون _ إلى المحاضر لأعتذر منه …
لقد ظل يرمقني طيلة الوقتِ بنظراتٍ غاضبة لم أفهم سببَها ..
لقد تأخرْتُ … حسناً … أنا معترفة , ولكن هل يستحق ذلك كل هذا الغضب ؟
ما الذي يريده مني ؟
أكاد أقسم أنني أرى في عينيه إعجاباً ما وراء كل هذا الغضب !
هل هذا حبٌّ متبادل ؟
ويأتيني صوتٌ من أعماقي وكأنه صوتُ شخصٍ آخر : إذا كنْتِ لم تعترفي لنفسكِ بإعجابكِ به إلا اليوم وظللْتِ مقتنعة أنكِ لا ترين فيه إلا الأبَ والقدوةَ  , فلعله هو الآخر لم يعترفْ بإعجابه بكِ بعدُ , فهو لا يزال يخفيه خلفَ وهمه بأنه لا يرى فيكِ سوى الطالبة النابغة التي لا يصح أن تتغيب عن نصف محاضرة حتى .
وأفكِّر في ذلك للحظة …
ثم تروعني الفكرة : لو كان هذا هكذا , فقد يَفْهم اعتذاري على أنه شيءٌ آخر , لعل من الأفضلِ ألّا أعتذر ..
ويفاجئني صوتُ أخيه :
– ” لا زلْتِ تائهةً ؟ ”
أجدني مندفعة بغضب لأجيبَه , ولكن للمرة الثانية يأتيني نفس الصوت من أعماقي : لا تنشغلي به .. انظري للمحاضر .. في هذه اللحظة .. الآن !
أنصرف عن الرد لأنظر إلى المحاضر , فأفاجأ به غاضباً كما لم أره من قبل !
أشعر بخوف في نفسي , ولكن فكرة تلح عليّ وكأنها كانتْ موجودةً فيّ منذ فترة : إنه يغار عليكِ من أخيه !
فكَّرْتُ للحظة في ذلك فارتسمتْ ابتسامة عابثة على شفتي ؛ يا للسذاجة , ليس إعجاباً فقط وإنما غيرة مرة واحدة !
وأرجعني للواقع ازديادُ الغضب على وجهِ المحاضر …
مرة أخرى يأتيني صوت أعماقي : إنه يظنّ أنكِ تضحكين بسبب غيرتِه عليكِ !
لم تنتهِ هذه الفكرة حتى جاء صوتُ أخيه مرة أخرى :
– ” هل بلغ بكِ التيهان إلى درجة ألا تجيبي سؤالاً عن التيهان ؟ ”
هنا دوَّى صوتُ المحاضر بعنف بالغ :
– ” (مالك)! هلّا حضرْتَ إلى هنا رجاءً ! ”
رد الأخ _ (مالك) _ في سخرية :
– ” هل ستطردني من القاعة ؟ وبعد انتهاء المحاضرة أيضاً ؟ “
نظرْتُ حولي فوجدْتُ القاعة فارغةً إلا من طالبين يفتحان الباب للخروج , فتوقفا قليلاً ليريا المشهد المضحك , ولكنَّ توجُّهَ المحاضرِ ببصره إليهما دَفَعَهُمَا للخروج .
القاعة الآن خالية إلا مني ومنه ومن أخيه …
وصوت أعماقي يعود : المسرح مهيّأ الآن .. فلم يبقَ إلا التخلص من الأخ !
أجد رغبتي في زَجْرِ هذا الصوتِ تخفتُ شيئاً فشيئاً ؛ لِمَ لا أعترف لنفسي أنني أيضاً أرغب في تهيئة هذا المسرح ؟
 أنني عشْتُ سنين طوالاً وأنا أدفن هذه الرغبة في مكانٍ لا يراه إنسٌ ولا جانّ حتى استحالَتْ وحشاً أخاف أن يلتهم كلَّ ما فيّ إن تمكّن مني ..
ولكني الآن أقترب من هذا الوحشِ وأربِّتُ على عنقه , فيتمسّح بفروه في رجليّ ؛ وينفض عنه أماراتِ الوحشية ويتحول إلى هرّ أليف وادع ..
ويتكلم صوتُ أعماقي موضحاً : كل ما يريده أن تتيحي له الفرصة ليرى النور , إنه ليس عدوّك وأنت لستِ عدوّه … ستجدين كثيرين في الخارج يعادونكما أنتما الاثنين ؛ هذا وقتُ توحيدِ الجهود لا وقتُ شقّ الصف والصراعات الداخلية .
أؤمّن على ما قاله الصوت , فيقاطع حبلَ أفكاري صوتُ المحاضر وقد فقد حدّته , وبدأ يميل إلى الهزل :
– ” حسناً إن كان ما تريده هو طردُكَ من القاعة , فأنا على استعداد لتبليغكَ مرادكَ , تفضل بتركِ بطاقتكَ والانصراف من القاعة ! ”
لا يزال صوت أخيه عابثاً وهو يرد :
– ” بطاقة ؟ “
– ” لتكنْ أيّ بطاقة شخصية _بما أنك تخرجْتَ من سنين ولم تعدْ لديكَ بطاقة جامعية _ ضعها وانصرف ! ”
– ” وماذا عنها ” وأشار إليّ ” هي من بدأتْ بالكلام معي “
نظرْتُ إليه في دهشة , وعلى الرغم من عبثية الموقف , فقد أجبْتُ في جدية :
– ” هذا كذب ! أنا لم أردّ على سؤاله حتى ! “
جاء صوتُ المحاضر متظاهراً بالغضب :
– ” لن نقضي المزيدَ من الوقتَ في تحديد مَنْ صنع ماذا , ضع بطاقتكَ على الطاولة واخرج ! “
رد ( مالك ) :
– ” ولكن هذا ظلْمٌ _ كما هو واضح _ , أنا لسْتُ طالباً حتى , ومع ذلك فإنك تخصني بالطرد , وطالبتُكَ التي يتوجب عليها احترامكَ لا ينالها عقاب ”
أهم بالرد والتعليق بأنني لم أصنع شيئاً ولكن صوتَ المحاضر يرد في جدية مصطنعة :
– ” أنت تكلمْتَ بدون إذن… “
– ” بعد انتهاء المحاضرة ! “
– ” أنت تكلمْتَ بدون إذن أثناء المحاضرة وتسبَّبْتَ في إيقافها لدقائق حتى تتبادل حواراً طويلاً معها خارج القاعة  , وأرى أن هذا كافٍ لطردِك من القاعة , ولو بعد انتهاء المحاضرة . “
نظر إليه ( مالك ) في مكْرٍ وقال :
– ” ما الذي تعتقد أنني كنْتُ أتكلم معها فيه , لقد كنْتُ أدعوها للدخول , فظلَّتْ هي تفتح أبواباً للكلام معي وكأنها تريد أن تطيل حوارَنا عمداً , فإيقاف المحاضرة لدقائق ليس ذنبي ! ”
ذعرْتُ مما قاله _ وإن كان هزلاً _ ولكني ذعرْتُ أكثر لملامح المحاضر الذي عاوده الغضبُ _ ويبدو أنه صدّق رواية أخيه _ , فقلْتُ :
– ” أقسم أن شيئاً من هذا لم يكنْ , لقد ظل يتهكّم عليّ لأنني منشغلة بكَ عن الرد على أسئلته ! ”
فطِنْتُ بعد فوات الأوان لما قلْتُه , فحاولْتُ أن أصحح موقفي _ وابتسامة ( مالك ) تتسع , وابتسامة أخيه توشك أن تتحول إلى ضحك لولا مجاهدته نفسَه _ :
– ” أعني منشغلة بالتأخر عن محاضرتِك , هذا ما عنيْتُه , لقد كنْتُ مستاءةً بسبب تأخري عن محاضرتِك … وظل هو يهزأ بي “
رجع لصوتِه بعض الجدية وهو يقول :
– ” حسناً أعتقد أن تاريخَكِ كطالبة مجتهدة , وتاريخه كأخ عابث , يرجّح قولكِ على قوله .. مرةً أخرى : رجاءً ضع بطاقتكَ وانصرف ! “
– ” أتصدق غريبة وتكذب أخاك ؟ “
– ” إنها طالبتي ؛ ليستْ غريبةً بالضبط , ثم : نعم , إنك تكثر العبثَ حتى أظنّ أنك لا تحسن الجدّ ”
– ” حسناً , أي بطاقاتي تريد ؟ “
– ” أيُّها , لا يهم , إن المسألة كلها شكلية . “
أخرج ( مالك ) بطاقة , رمقْتُها على عجل فوجدْتُ فيها رقم هاتف , لا بد أنها بطاقة التعريف به إذن , ثم أخرج قلماً وكتبَ على ظهرِها شيئاً وتوجّه بها إلى أخيه , وقال في هزل :
– ” ها هي ذي , متى يمكنني أن أستعيدها ؟ ”
– ” سأردّها لكَ غداً  
– ” حسناً لنذهبْ إذن ! ”
– ” إنني لم أنتهِ من عقابِ “زميلتكَ”  
نظر إليّ ( مالك ) وهو لا يصدِّق نفسَه , ثم رجع ببصره إلى أخيه , وقال :
– ” أعتقد أن عليّ الانصراف بعد تسليم بطاقتي , وحينها ستشرع في عقاب ” زميلتي ” , أليس كذلك ؟ ”
– ” تماماً ! ”
– ” حسناً ربما عليك أن تقرأ ما على البطاقة إذن “
ثم انصرف ( مالك ) وأخوه يقرأ ما على البطاقة , فلما رفع بصرَه إليّ قال :
– ” لقد جئتِ متأخرة , ثم وقفْتِ لثوانٍ بعد أن دخلْتِ ثم خرجْتِ وكأنكِ في محلٍّ لم يعجبْكِ ما فيه فغادرتِهِ بلا استئذان , ثم تسبَّبْتِ _بصورة أو بأخرى_ في توقف المحاضرة , أعتقد أن كل هذا يستدعي عقاباً , أم كيف ترين ؟ ”
وجدْتُني أتجاهل سؤاله وأقول _وقد ذهبَ عني كل خجل منه ومما قاله _ :
– ” ما المكتوب في البطاقة ؟ ”
– ” المعذرة ؟”
– ” ما الذي قاله أخوكَ عني ؟ “
لم أدرٍ من أين أتتْني هذه الجرأة , كنْتُ كأنني أتعرف على جانبٍ من نفسي لا عهْدَ لي به قبل اليوم .
وفاجأني أنه رمقني للحظاتٍ ثم قال في هدوء :
– ” لماذا تعتقدين أن ما كُتِبَ فيها عنكِ ؟ ”
رددْتُ في جرأة يتمناها قائدُ جيشٍ :
– ” لأنكَ طلبْتَ من أخيكَ رأيَه فيّ , فكتبَه لكَ قبل أن يخرج , أم أنني أخطأتُ في حدسي ؟ “
كان وجهه قد استغرقتْه الدهشة حتى نسي فمه مفتوحاً للحظاتٍ , قبل أن يتمالك نفسه , ويرد في صوتٍ صارمٍ :
– ” ما الذي تعتقدين أني أفعله بالضبط ؟! أنني متفرغٌ لمطاردة طالباتي وأخذ رأي الأصدقاء والأقرباء فيهن ؟! “
– ” لا أعتقد أنك من النوع الذي يفعل ذلك . بل من النوع الذي يخاف أن يعترف بإعجابه بطالبة له , ولكنّ حالَه يفضحه , وأنَّ المقرّبين منك _ وعلى رأسهم أخوك _ قد فطنوا لذلك , وأرادوا أن يستوثقوا أن مَنْ أُعْجِبْتَ بها لا تخدعكَ , فهل هذا ما قاله ؟ أنها لا تخدعك ؟ ”
نظر إليّ في ذهول ثم قال :
– ” لقد قرأْتُ ما كتبه فلمْ أدْرِ عمن يتحدث ! ولكنْ بما إنك متخصصة في معرفة النوايا _على ما يبدو_ , فلنفرض أن مَنْ عناها بـ ( تائهة ولكن لا بأس بها ! ) هي أنتِ . هذا يعني أنكِ أنت وهو قد أخطأتما الظنّ في معرفة نواياي 
كاد الخجل يفضحني , ولكني تماسكْتُ , ليس الآن وقتُ الخجل والحياء , إن زمام المبادرة بيدي ولو توقفْتُ لتوقفَ , فقلْتُ :
– ” ولكنْ قبل أن تقرأ ما فيها , كنْتُ قد عزمْتَ على ” طرد ” أخيكَ والتفرغ لمعاقبتي , فإن كانتْ قراءتي لنواياك خاطئة فما الذي كنْتَ تنوي أن تفعله ؟ ”
– ” لا شيء ! كنْتُ سألومكِ وأتمنى ألا يتكرر ذلك في المستقبل “
– ” ولماذا لم تفعلْ ذلكَ أمام أخيكَ ؟ “
– ” احتراماً لحقكِ في الخصوصية عندما أؤنبكِ , لا أحد يستحق أن يُنْتَقَدَ علناً “
– ” يُنْتَقَدَ بسبب ماذا ؟ ”
– ” بسبب أخطائه ”
– ” ما الذي أخطأتُ أنا فيه ؟ ”
بدا متردّداً , لعل صوتَ أعماقي هذا كان محقّاً , لعله لم يعترفْ حتى لنفسه بحقيقة مشاعره , ثم قال :
– ” التأخر , وإيقاف المحاضرة .. ”
– ” الكثيرات والكثيرون يتأخرون , فلم تؤنب أيًّا منهم من قبل , وتوقّفُ المحاضرة تسبَّبْتَ أنتَ به , كان بإمكانكَ أن تستمر فيها حتى أدخل “
– ” ولكن كان ليفوتكِ المزيدُ منها لو فعلْتُ ذلك “
– ” لقد فاتني نصفُها ما الذي سيضيرني لو فاتتني دقيقة أخرى؟! ”
– ” فلماذا أوقفْتُها إذاً من وجهة نظرك ؟ ”
– ” لأنكَ تريد أن تسمع ما يقوله أخوكَ لي !”
– ” ولماذا أريد ذلك ؟ ”
– ” غيرةً على الأغلب  
كان هذا وقْتُ اعترافِه إن كان ينوي أن يعترف , لو أنكر الآن  فسيستمر في الإنكار , فقال في تردد : 
– ” لنفرضْ أنكِ محقة , ماذا إذن ؟ ”
– ” أولاً في هذا اعترافٌ بذكائي وقدرتي على إدراكِ خفايا الأشياء , ولعلكَ على علمٍ بذلك , ولكني أتمنى أن تنقل هذه الفكرة إلى أخيك , الذي يظن أنني أقضي يومي مندهشةً من كل ما حولي حتى يجرّني أحدٌ ليذهبَ بي إلى السرير لأنام “
علَتْ ابتسامة على شفتيه , فنظرت إليه كالمغضبة , ثم أضفْتُ :
– ” ثانياً : ما دمْتُ محقة , فلنفرضْ أن ما قمْتُ به كان فعلاً يستحق العقوبة المغلظة , ولتُجْرِ هذه العقوبة كما تراه مناسباً ”
بدا الاستغراب على ملامحه , ثم فطِن لما وراء كلامي , فقال :
– ” إذن فقد نقضْتِ قولي في أنك فعلْتِ ما يستحق العقوبة لتثبتي أن وراء قولي ذلك إعجاباً بكِ حتى إذا ما تقرر ذلك عدْتِ للتسليم أو _للدقّة _ لتمنِّي أن يحلَّ بك عقابي , هل يبدو لكِ هذا منطقياً ؟ ”
– ” أعتقد أنه يخفي وراءه الكثيرَ من اللبس حول التعريف الجامع المانع للعقاب ! “
– ” بالضبط , لأنه لو جعلْنا ما ترجين أن أفعلَه بكِ عقاباً , فسنضطر لتعريف العقاب بأنه : كل قول أو فعل قَصَدَ إلى نهي أو تحريض المعاقب على تكرار فِعْلِه , مما ينتج عنه رضا المعاقِب أو المعاقَب أو كليهما ”
– ” هذا تعريف جامع ولكنه ليس مانعاً , إنه يشمل الثواب والعقاب فمعظم ما يفعله البشر سيشْملُه هذا التعريف “ 
– ” فكيف تعرّفينه إذن ”
– ” كل قول أو فعل قَصَد _أصالةً أو ادّعاءً _ إلى نهي المعاقَب عن تكرار فعله , ونتج عنه رضا المعاقِب وسخط المعاقَب _ أصالةً أو ادّعاءً _ ”
– ” ففي السياق الذي نحن فيه أنت ترجين أن أعاقبكِ بمعنى أن أقول لك أو أفعلَ بك ..”
قاطعْتُه :
– ” تقول لي وتفعل بي , ليس فيما أتمناه اقتصارٌ على أحدهما , ولكن إذا كنْتَ ولا بد مقتصراً فبإمكانك أن تغلق فمكَ أثناء عقابي , ولكن لا يمكنكَ أن تكفّ يدك ! العقابُ المقتصرُ على فتح الفم وكف اليد قد شبعْتُ منه في البيتِ وهو لا يعنيني ”
ابتسم ثم قال :
– ” …أن أقول لكِ وأفعلَ بك ما ينهاك _ادعاءً_ عن تكرار فعلكِ , وينتج عنه _ ادعاءً _ سخطُكِ “
– ” بالضبط ! ”
– ” ولكن ما الذي أعاقبكِ عليه ؟ “
– ” التهمة جاهزة : التأخر وإيقاف المحاضرة وهذا الكلام الفارغ … “
– ” ولكن هناكَ تهمةً أكثر واقعية بكثير ؛ طالبة تقول لأستاذها : “بإمكانكَ أن تغلق فمكَ” , و: “ما الذي قاله أخوكَ عني؟” , و”غيرةً على الأغلب ” , وتصف كلامه بأنه كلام فارغ , أعتقد أن بأيدينا ما يكفي لإحالتَكِ إلى لجنة تأديب _ لو لم أكنْ مستعداً لمعاقبتكِ بنفسي _ أم كيف ترين ؟ ”
بدأ الخوف يعتريني , ولكن شبح الابتسامة الذي لا يزال مرتسماً على شفتيه قد ذهب به , أو ذهب بأكثره للدقة , فإن البقية الباقية منه كان لها مفعول السحر في توقّد مشاعر أخرى لم أعرفْ عنها شيئاً قبل اليوم , وقلْتُ له في خجل غير مصطنع , أو أن أغلبَه غير مصطنع :
– ” أرى أن مرتكبة هذه الأفعال تستحق كل ما يقرر أستاذها أن يفعله بها , ولكن إن كان لي أن أضيف : فإنني ألتمس تخفيف العقوبة بالنظر إلى أنني لم يسبقْ لي أن استحققْتُ العقاب قبل ذلك “
– ” وهذا أدعى إلى تغليظ العقوبة لا تخفيفها ؛ لم يسبقْ لكِ السير في الطريق المعوجّ , ثم فجأة تركضين فيه بسرعة مئة ميل في الساعة , بهذا المعدل قد ينتهي بكِ الحال نهاية مأساوية , قد لا ينتهي الفصل الدراسي إلا وقد تجرأتِ على سبّ أساتذتكِ في حضرتِهم … مهلاً : لقد فعلْتِ ذلك للتوّ عندما قلْتِ أن بإمكاني أن أخرس ! “
– ” أنا لم أقل ذلك بالضبط ! ثم إن هدفي كان توضيح فكرة , وليس السبّ لذاتِه ”
– ” وها أنتِ ذي تخطين خطوة أخرى باتجاه الشقاوة المثالية ؛ فتحترفين التبريرات والاعتذارات ”
نظرْتُ إليه في توسّلٍ , ولما بدأتْ ابتسامته في الاتساع , قلْتُ في صوتٍ طفوليّ  :
– ” أنا معترفة بكل ما بدر مني , ولن أعود مرة أخرى ! “
كان هذا دورُه لينظر إليّ في توسل :
– ” لا داعي للاستعمال المفرط للقوة ؛ أنا لا أعتقد أن بإمكاني عقابَكِ لو استمررْتِ في هذا الدلال ”
تظاهرْتُ بأنني أمسح دمعةً _ لا وجودَ لها _ بقبضتي , وأني أجهش بالبكاء , فقال :
– ” أوووه .. أكل هذا جزعاً من عقابكِ ؟ لا حاجة بنا إلى ما يسوءك .. تعالي هنا “
فاقتربْتُ منه وأنا لا زلْتُ أتظاهر بالبكاء _ بينما أبتسم داخليًّا , وأهزّ رأسي _الداخليّة_ في جذل _  فلما صرْتُ قريبةً منه قام من مقعده وجلس على حافة الطاولة وأدنى جسدي منه , وهو لا يزال يكلمني كأنني طفلة :
– ” هل استقر أننا لن نعاقبَ؟ .. حسناً ! … ما الداعي إلى البكاء إذن ؟ .. هل نخاف من شيءٍ ما أو شخصٍ ما  ؟ “
أشرْتُ بإصبعي في طفوليّة إليه , فقال :
– ” أوووه .. لا داعي للخوف منّي .. أنا لن أبدأ في عقاب طفلةٍ صغيرة حتى تملَّ من لعب الدور وتضحكَ من سخافة الموقف .. ”
حاولْتُ الاستمرار في التظاهر بالبكاء , ولكن الضحكة كانت واقفة على باب شفتيّ وهي تدفعه دفعاً لينفتح , فلما آيسْتُ من منعها رفعْتُ كلتا يدي إلى فمي … ولم أفرغ من ضحكتي حتى كان قد مال بجسدي ليستقر بين رجليه وقد انحنيْتُ متكئة بيدي على الطاولة وراءه …. ونظرْتُ في قلقٍ إلى الباب , وكأنه فطِن إلى ما يقلقني فقال في هدوء :
– ” لا أدري إن كان بلغَكِ الخبر أو _الإشاعات للدقة , إذ لم يُعْتَمَدْ كخبرٍ _ عن ذلك الأستاذ الذي فَتَحَ أحدُ العمال بابَ القاعة التي كان فيها فوجده في وضع مخلٍّ مع إحدى الطالباتِ “
– ” نحن لسنا بالضبط في وضع مخلّ “
– ” وأنا لا أتحدث مجازاً , لقد حدثتْ تلك القصةُ العام الماضي وحكاها لي العاملُ شخصياً … “
– ” وما الذي جرى ؟ “
– ” لا شيء ! وهذه هي الفكرة ؛ إن كنْتَ تستطيع أن تنال ما ليس حقَّكَ , فلا أقل من أن تستمتع بحقِّك ؛ في أي لحظة ترغبين أن تغادري فيها فأنا لن أمنعكِ _ على الرغم من أني أستطيع منعكِ من التواجد في مكان أو مغادرة مكان بدون إذن وفقاً لقوانينهم _ , وإذا طلبْتِ مني درجة واحدةً زائدةً عن حقكِ فلن أعطيكِ إياها _ على الرغم من أني أستطيع أن أزيد درجاتكِ أو أنقصها كما أشاء وفقًا لقوانينهم _ , فإذا أراد أحدٌ أن يتَّهِمَنا _ وفقاً لقوانينهم _ بتجاوز ما يراه لائقاً , فهذه من الفرص النادرة التي يتوقف فيها قانونهم غريبُ الأطوار هذا عن العمل عندما يصطدم بقانون آخر من قوانينهم أكثر رسوخاً .. “
– ” وما هو القانون الأكثر رسوخاً ؟ ”
– ” (لأستاذ الكلية أن يصنع بطلابه ما يشاء !) ”
ومع قولِه هذا رَفَعَ تنورتي حتى استقرَّتْ بكاملها على ظهري , وازددْتُ غوصاً بوجهي في ساعديّ عملاً بالقاعدة الشهيرة : ما لا تراه فهو على الأغلب غير موجود . ولكن ماذا عمّا تحسه ؟ لم يكن تباعُدُ ملابسي الداخلية عن ردفيّ ثم إحساسي بنزولها حتى استقرَّتْ قرب نعليّ ناشئاً عن حركة يديّ أنا , فعن أيّ شيءٍ نشأ ؟ هذا هو وقتُ القول بالصدفة ؛ لا شكّ أن هناك انفجاراً عظيماً قد تسبّب في كل هذا .
ثم جاءني صوتُه قائلاً :
– ” أهناك مشكلة يا ( فواز ) ؟ “
جاء صوتُ العامل ( فوّاز) ليقضي على أي أملٍ في أن تكون هذه خدعةً يخدعني بها , _ ولكنني لم أسمع صوتَ الباب _ :
– ” لا مشكلة على الإطلاق يا سيدي , لقد سمعْتُ صوتًا بعد انتهاء المحاضرات فظنَنْتُ أن وراءَه طالبين يمارسان ما لا يليق , فأردْتُ أن أفتح الباب بهدوء لأفاجئهما متلبسَيْن , ولكن لم أتوقّع أن سيادتكم تواصلون العملية التعليمية بعد نهاية المحاضرات , فالمعذرة “
– ” ستستمر العملية التعليمية لبعض الوقت , فلو أغلقْتَ الباب وانصرفْتَ , بإمكانكَ أن تتركَ المفتاح , إن لديّ محاضرة في السادسة من صباح الغد سأقابلكَ حينها وأعطيه لك , حسناً ”
هذه المرة سمعْتُ الباب وهو يغلقُ , وما إن سمعْتُ ذلك حتى جاءني صوته :
– ” هل نبدأ هذه العملية التعليمية ؟ “
التفتُّ بوجهي تلقاءَه وقلْتُ  لمؤخر رأسه _لأنه هو الذي يقابلني _ :
– ” هل حدث للتو ما أظن أنه حدث ؟ ”
– ” هل رأيْتِ شيئاً ؟ “
– ” لا , ولكني سمعْتُ … “
قاطعني :
– ” لا تصدقي حتى تَرَيْ ”
ثم أهوى بيده إلى مؤخرتي فارتفع الصوت وانتشر الألم , ولم أشك أن ( فوّازاً ) قد سمع _في طريقه للخروج _ إما صوت الضربة وإما صوت صراخي بسببها , وخيّل إليّ أنني لن أستطيع الاستمرار في تلقي هذا العقاب لو استمر في صفعي بهذه القوة , ولكن الصفعة الثانية كانتْ أقلّ قوةً بكثير من الأولى , فلعله لم يردْ إلا أن يعلمني أنه لا يخاف من ( فوّاز ) ولا غيرِه أن يسمعه , خطر لي خاطر على الرغم من ألم الصفعاتِ التي لا زالتْ تهوي على ردفيّ , فقلْتُ في صعوبة :
– ” هل هذه أول مرة ؟ ”
توقف عما يقوم به , ثم سألني :
– ” أول مرة ماذا ؟ ”
– “أول مرة يسمعك فيها ( فواز) تقوم بهذا الفعل ؟ “
أخبرَتْ يدُه مؤخرتي بالجواب , فأرسلتْ لي مؤخرتي برقية بفحوى إجابته : نعم !
ثم أضاف :
– ” إن كان وراءَ سؤالكِ ” غيرةٌ على الأغلب ” , فلماذا لا تسألي نفسَكِ كـ”عالمة بالنوايا” عن ذلك ؟ ”
– ” إني أثق في أنه ليس هناك غيري , ولكني أريد أن أسمعها منكَ ”
– ” ليس هناك غيرَكِ , وما دمْنا في جولة المصارحة هذه , فأنا بحاجة إلى معرفة عنوان بيتكم , حتى تتاح لأخي الفرصة التي طالما تمناها ليمارس هوايتَه هو الآخر في ” العلم بالنوايا ” تجاه أسرتكِ بكاملها … أعتقد أنه سيخلص إلى أنها أسرة محترمة ولكن العروس تبدو وكأنها تكره أثاث منزلهم فهي واقفة لا تجلس إلا للضرورة “
– ” أعتقد أن أخاكَ لا يحتاج للحضور , إن والدكَ يكفي وشيئاً من الشيكولاتة “
– ” نحن لم نشرعْ بعدُ في شيءٍ , وأنتِ تريدين أن تتسببي في قطيعة مع أخي ؟! هذا العقاب لن ينتهي مبكراً كما أردْتُ ”
– ” لم أقصدْ ذلك , إن بإمكانه أن يزورنا فيما بعدُ _ لو دعتِ الضرورة إلى مثل تلك الزيارة _ ”
– ” حسناً ! قياماً ! ”
– ” هل انتهى العقاب ؟ ”
– ” بل لم يبدأ بعد , قومي رجاءً “
وقفْتُ أمامه وقد تركت تنورتي تنسدل لتخفي ما يحتاج أن يخفى , فقال في هدوء :
– ” أبقي هذه التنورة في المكان الذي رفعْتُها إليه ”
قلْتُ في خجل :
– ” إن الجاذبية تحول دون بقائها في مكانها ”
– ” إن يديكِ قادرتين على منع الجاذبية من ذلك “
– ” ولكن الجاذبية قد قالتْ كلمتها بالفعل , فكيف أمنعها الآن من إنزالها ”
كنْتُ في أعماقي أعلم ردّه , ولكن ما البديل ؟ على الأقل لقد أخَّرْتُ الأمرَ قليلاً …نزل بجذعه حتى قبض على أطراف تنورتي ثم رفعها حتى انكشفَتْ عانتي وما تحتها , ثم قال :
– ” الآن فلتمنعي بيديك عملَ الجاذبية ذلك “
قبضْت بيديّ في خجل على حاشية التنورة فامتنع عملُ الجاذبية فيها وبقيَتْ مكانَها , فقال وهو يبتسم :
– ” لو كنْتِ طلبْتِ أن أتركها منسدلةً حتى أحنيَكِ لبقية عقابكِ لأجبْتُك , ولكنّ السفسطةَ لا يجازى فاعلُها بخيرٍ , والآن إلى بقيةِ عقابكِ , ومشكلتُكِ التي لا أدري سببَها مع أخي .. ”
قاطعْتُه قائلة :
– ” إنه يصر على وصفي بالتائهة ! “
– ” إنه لا يعرفكِ بعدُ , ولكنه عنيدٌ مثلكِ ؛ فإذا ” حدس ” شيئاً ظنه حقاً , ولكن على الأقل من جهتكِ أنتِ _ لأن هذا ما أملكه _ ستكونين لطيفة , فيتخلى هو عن عناده في رؤيتك “تائهة” أو أيًّا يكن “
– ” حسناً , أنا موافقة ! ”
– ” هلّا تراجعْتِ للوراء خطوةً ! “
فتراجعْتُ خطوةً للوراء , فوقف أمامي , وبدأ في حلِّ حزامَه , ففطنْتُ إلى ما ينوي صنعَه …
– ” أرجوكَ ! لا داعي لذلك ! “
– ” هذا العقاب سيشتبه تعريفكِ له بالتعريف الأصلي له عندما أنتهي منه , فلا توطِّني نفْسَكِ على تكرار ما تسبَّبَ فيه “
– ” أرجوك ! لن أتناول أخاكَ بكلمة واحدة بعدَ اليوم , لو خطر لي ما يسيء إليه سأزيل الخاطرة من ذهني , ولكن أرجوك ! “
بدا على وجهه التأثرُ , ثم قال :
– ” هل سبق لأحد أن ضربكِ بحزام ؟ “
– ” لا , ولكن صديقةً لي في المدرسة كان أبوها مولعاً بذلك , ولا أنسى الذعرَ الذي كانتْ عليه وهي تروي لي ما حدث “
– ” لذلك إذاً … لا تخافي , لن أكون بعنف أبي صاحبتكِ تلكَ , كما أنكِ لسْتِ طفلةً أيضاً … ولكن هذا العقاب لن يكون نزهةً … على أية حالٍ متى شعرْتِ أن الأمر قد جاوز طاقتكِ فأوقفيني وسأتوقف “
ظللْتُ أنظر في رعبٍ إلى الحزام , ولكنّي حاولْتُ طمأنة نفسي ؛ لو بلغ الأمر فوق احتمالي فسيتوقف , هذا نقيض ما كانتْ صاحبتي ترويه لي عن أبيها المتوحش الذي لا يكفّ عن إيجاعها حتى يبحّ صوتها من الصراخ متوسلة أن يتوقف وهو مستمر , ثم إنني لسْتُ طفلةً أيضاً كما قال .
وبدون أن يطلب توجهْتُ للطاولة وانحنيْتُ حتى اطمأننْتُ لاستقرار تنورتي فوق ظهري ثم فارقَتْ يداي مكانَهما الممسك بالتنورة , وأسندْتُ مرفقيّ إلى الطاولة , وباعدْتُ قليلاً بين رجليّ لأقعِّر ظهري , وجاءني صوتُه :
– ” لقد كنْتُ أنوي أن أجعلها عشْرَ ضرباتٍ , ولكن هذه الطاعة قد نزلتْ بهنّ إلى ثمانية ! “
– ” شكراً ! ”
– ” العفوَ ! ”
وصلتْني ضحكتُه في نفس وقت صدورها عني , ثم قال :
– ” بما أن هناك حدًّا أقصى مراعًى لقدرتِك على التحمل فإن وقوفكِ بسبب بلوغكِ هذا الحد سينهي العقابَ مباشرةً , ولكن وقوفكِ قبل ذلك لداعي الألم سيَزِيدُ مكانَ الضربة التي أوقفتْكِ غيرَها , هل هذا واضح ؟”
– “من الذي يحدِّد إن كان وقوفي لهذه أو تلك ؟ ”
– ” أنتِ من سيفعلُ , إنني واثقٌ من صدقكِ … حتى لو نشأ عنه زيادةٌ في العقابِ ! “
سُرِرْتُ من ثقتِه , ثم تذكرْتُ ما أنا مقدمةٌ عليه … وأنصتُّ لصوتِ الحزام وهو يغادر مكانَه من بنطاله , ثم لصوتِه وهو يطوى ليزدادَ وقعُه ألماً , ثم لصوتِه وهو يشقّ الهواءَ كأنه يعلن عن قوّته , ثم جاءني السؤالُ :
– ” مستعدة ؟ “
– ” نعم ! “
وهوى الحزام على ردفيّ ….
إن كان محقّاً في أن هذه ليستْ أقصى قوةٍ لديه , وكان محقّاً في أن هذا العقاب تخف وطأتُه مع السن , إن كان محقّاً في كلا الأمرين فإن والدَ صاحبتي ذاك يستحقُّ الإعدام !
لم أستطع أن أمنع نفسي من الصراخ ولا أن أحمل نفسي على البقاء في مكاني ولا على أن أكفّ عن البكاء والعويل , حتى ضمّني إلى صدرِه , وهو يلهج بالاعتذاراتِ :
– ” أنا آسف , لم أتصور أن تكون ردةُ فعلكِ بهذه الشدة “
قلْتُ من بين دموعي :
– ” لا أعتقد أن هذا الألم يبقى معه أيُّ إحساسٍ آخر لديّ سوى انعدام الأمل في أيِّ شيء ! “
– ” إذن فليذهبْ هذا الألمُ وما سبّبه إلى الجحيم , لن أرتدي سوى حمالات بنطال من هذا اليومَ فصاعداً “
ضحكْتُ من وسط شهقاتِ البكاء , فجعل وجهي بين كفَّيه , وقال :
– ” إن كان كل هذا يسوؤك فلا داعي لكل هذا … إن كنْتِ ترغبين في بعضه وتكرهين بعضَه فعلْنا ما ترغبين فيه وانتهيْنا عما تكرهينه … لا شيءَ فيما سنفعله في المستقبل له غايةٌ غيرُ إرضائك . هل هذا واضح ؟ “
هززْتُ رأسي , وقد بدأتِ الدموع تحول بيني وبين نقاء الصورة , ثم قلْتُ ما أفكِّر فيه _ فهذا يومٌ قد غاب عذّالُه كما يقال _ :
– ” إني أحبّك ! ”
– ” حسناً ! إني لا أريد أن أكرِّرَها ثم تكرهين ارتباطَ المناسبة بواقعة الحزام , فلو أخَّرْنا مبادلة الـ ” إني أحبك ” لمناسبة أخرى سعيدة ”
قاطعْتُه , ولا يزال أثر البكاءِ في صوتي :
– ” هذه مناسبة سعيدة , ليستْ ” واقعة الحزام ” وإنما واقعة ” لا شيءَ غيرُ إرضائكِ ” …لن توجد لحظةٌ أخرى أكثر مناسبة .. “
ثم كرَّرْتُ وقد زاد ما أشعرُ به قوةً :
– ” إني أحبكَ ! “
– ” إني أحبكِ ! ”
ثم قبَّلني , باكيةَ العينين , مرتعشةَ اليدين  , مستقرةً ملابسي الداخلية فوق حذائي , ولكنْ مغمورةً من قمة رأسي حتى أخمص قدميّ بحبِّ هذا الرجل !
– ” هل والدكِ سيكون في المنزل مساء الغد ؟ ”
هززْتُ رأسي , فأضاف :
– ” وهل ستستطيعين الجلوس أمام والدكِ عندما يجيء خاطبكِ ليخطبكِ ؟ ”
– ” من هيبة الموقف ؟ “
– ” أنا واثقٌ أنكِ جريئة على هيبة الموقف , ولكن بسبب هذين ؟ “
وقبض بيديه على ردفيّ قبضاً رفيقاً , فدفنْتُ رأسي في صدره , وقلْتُ :
– ” سأقنعهما بتجاوز اعتراضهما على الجلوس تلك الليلة “
– ” وأخبريهما أن من تسبّب في ألمهما نادمٌ على تجاوزه الحدّ ؛ إنه لم يعلمْ مدى رقّتهما فيراعيها … أخاف أن يكرهاني فيما يأتي ”
– ” لا شيء فيّ يكرُهك ؛ لا هما ولا غيرهما , لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل ! “
– ” تصوّري منظركِ بعد سنتين وأنت تتساءلين عما دفعكِ للزواج بهذا الأحمق ! ”
– ” إن قلْتُ ذلك فلا رفعتَ عني الحزام ! “
– ” إنّ ” رفعْتَ عنّي ” تختلف عن ” رفعْتَ عليّ ” ”
– ” وأنا أعي ذلك , وأعي كرهي لهذا الشيء المقيتَ , ولكنْ الإنسان الذي يكرهُكَ لا علم لي به , فإذا تحولْتُ إليه , فمن يدري ؟ لعلّه يهوى من ذلك الشيء المقيت ما أكرهُه أنا ! “
– ” هذا _منطقياً_ مقبولٌ إلى حدٍّ ما , لا أدري ما الذي رآه أخي منكِ حتى وصفكِ بالتائهة ! ”
– ” هل لا يزال هناك حظرٌ على الإفصاح برأيي في أخيكَ هذا ؟ ”
– ” الحظر لا يزال قائماً , ولكن العقوبة على خَرْقِه قد تغيَّرَتْ .. ”
– ” حسناً , دعْنا نقلْ  في لغة شديدة التهذيب : إنني لا أعتقد أن ما بيني وبينه من خلافاتٍ ستُحَلُّ في المستقبل المنظور ”
نظرْتُ إليه وهو يحاول أن يجد ردًّا , ثم انتشرَتْ ابتسامة واسعة على شفتيه , وقال :
– ” ربما يجدر بكِ أن ترفعي هذه , قبل أن تتحدثي عن اللغة شديدة التهذيب ! “
لم أحتجْ إلى تتبع إشارتِه لأعرف ما يعنيه … طيلة هذا الحوار ظلَّتْ رجلاي مقيدتَيْ الحركة بشيءٍ لا يصحّ أن يراه أحدٌ غيري في هذا المكان . وقبل أن أردّ وجدْتُه يضيف :
– ” هل أستدير حتى … ؟ “
لا أدري متى عاودني الخجلُ هذا اليومَ , ولكنني قلْتُ :
– ” إن هذا سيكون لطيفاً منك ! ”
– ” حسناً ”
– ” هل أنتَ مغمض العينين ؟ ”
– ” إن عينيّ ليستا في مواجهتكِ , لماذا أغمضهما ؟ ”
– “  لأنني لا زلْتُ خجلى , فرجاءً أغمضهما ! “
– ” حسناً , إن كان هذا سيريحكِ ”
نزعْتُ ما يُفْترضُ أن أرفعَه .. لقد كان أقربَ إلى الأرض على أية حال .. ثم درْتُ حوله , وهو لا يزال مغمض العينين ثم مددْتُ يدي فأودعْتُ ما فيها جيبَ بنطالِه , فلما أحسّ بيدي فتح عينيه , وابتسم :
– ” هل صنعْتِ ما أعتقد أنكِ صنعتِه ؟ “
– ” أعتقد أن الإجابة هي نعم ! ”
– ” وهل تحسبين أن هذا سيمرّ دون عقاب ؟ “
– ” لو كان لديّ ذرةُ شكٍّ واحدةٌ في أنه سيمر دون عقاب لَمَا فعلْتُه ! ”
– ” فالمشكلة في الحزام إذن وليستْ في العقاب نفسِه ”
– “العقاب هو الغاية وليس المشكلة “
دخلَتْ يدُه في جيبِه ثم خرجَتْ بما فيه , فقال :
– ” وما الذي يفترض أن أفعله بهذه ؟ ”
– ” بإمكانكِ أن تستفتح بامتلاكها قبل أن تمتلك ما كانتْ تغطّيه ”
– ” أنا لا أمتلكُ ما كانتْ تغطّيه ؟ “
– ” هذه يا سيدي غير مشمولة بقانونكم ولا بقانونهم , هذه يستدعي تمامُها أن تصافح يَدُك يدَ والدي على مرأى الناس ومسمعِهم ”
– ” وأنا على تمام الاستعداد لذلك ! “
– ” حتى ذلك الحين إذن ! ”
لوّحْتُ له بقبلة , ثم خرجْتُ من باب القاعة وأنا أفكر في هذه العبارة الأخيرة ؛ جزءٌ مني كان مسروراً بها : أنتِ لا تزالين _ إلى حدٍّ ما _ غيرَ متاحةٍ لكل من هبّ ودبّ ؛ من أرادكِ فليدخلِ البيتَ من بابِه …وجزءٌ آخر يسخر من أولويّاتِ الجزء الأول ويهزأ به ويعدِّدُ ما جرى للتوّ من أحداث تتجاوز دخول البيتِ إلى الإقامة في المطبخ ! …وجزء ثالثٌ يحاول أن يتلمس طريقه بين الاثنين …
ووجدْتُني أتدخّل لأنهي الجدال : الجميعُ سينال مرادَه ؛ لا داعي للشجار … هل ما حدث يندرج ضمن السلوك القويم الذي تقرّه لا أدري ماذا ؟ : بالطبع لا ! …. هل هو تسيّبٌ كاملٌ وبذلٌ لكل شيءٍ ؟ : بالطبع لا , أَلَمْ يَقُلْ ذلك الشاعرُ العربيد : حدَّثَنا عنْ بِعْضِ أشياخِهِ || أبو بلالٍ شيخُنا عن شرِيْكْ  .  لَا يَشْتَفِي العَاشِقُ مِمَّا بِهِ  ||  بِالضَمِّ والتقْبِيلِ حتَّى يِنِيْكْ ؟  والذي يطلب الوسطيّة , فهذه وسطيّةٌ بمعنىً من المعاني . فلتكفوا إذن عن صراع الديكة يوماً واحداً فقد أوشكْتُ أن أصيرَ مدرِّسةً في حضانة من صراع بعضكم لبعض !
ويخيَّلُ إليّ أنهم هزوا رءوسَهم في اقتناع أو شبْهِ اقتناع …
 ولأول مرة أشعرُ بهذا القدْرِ من السلامِ الداخليّ ؛ كل شيءٍ في مكانِه ..
لم أعُدْ حلبةَ صراعٍ بل ساحة وئامٍ أو ساحةً لما يقترب _ على قدر الإمكان _  من أن يكون وئاماً ..
هذا شعورٌ لا يعدله شعورٌ آخرُ !
لماذا يطمح الناس لتحقيق السلام الخارجي , والسلام الداخليّ لمّا يحقَّقْ بعدُ ؟!

قصة : الآثار الإيجابية للتعامل السلبي مع التماثيل ( م- ف )


قصة : الآثار الإيجابية للتعامل السلبي مع التماثيل ( م- ف )
– بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ هذه القصة أحلاماً جنسية لفتاة تشمل تلك الأحلام علاقة ذات طابع جنسي بينها وبين بعض الرجال في إطار تلك الأحلام , فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك , فقد  نوهنا به .

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة  ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ,  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه , وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة , وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف , وليس حثاً على الحقيقة , ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به . 

تنويه 5 : وهو فرعٌ على ( تنويه 4 ) : إن المؤلف يُقِرُّ _ كما سيتضح من القصة _ بجهله المطبق بكل ما له علاقة بالمجال القانوني وعمل المحاكم والقضاة والمحامين , فكل ما جاء من هذا القبيل في القصة فهو مغرقٌ في الابتعاد عن الواقع , فإن كان هذا الإغراق في مجافاة الواقعية _في هذا الباب بالذات_ مما يسؤوك/ يسوءك فقد نوهنا به . 
– القصة 
( 1 )
(سليمان) المحامي
– ” هناك شاب يريد مقابلتك , يقول إن الأمر يتعلق بقضية عاجلة ”
أتاني صوتُ سكرتيرتي عبر الإنتركوم , فكان أولُ ما فكرْتُ فيه : لعله طالب حقوق آخر يريد أن يتعلل بأي علة حتى يعرض عليّ أن يتمرن عندي .. كان هذا يحدث بشكل دوري في إجازة الصيف من كل سنة .. طلاب وطالبات حقوق _بعضهم لا يزال يكمل دراسته  _ يريدون أن يتمرنوا علي يديّ .. وفي كل مرة أرفض .. حتى صار معروفاً في أوساطهم أنني لا أريد متمرنين , ولا محامين مساعدين أيضاً ؛ مما جعل البعض يلجأ إلى هذه الحيل .
قد يقول قائل : إن كنْتَ لا تستعين بأحدٍ أفلا يعني ذلك أنك تقوم بجهدٍ فائقٍ في تتبع كل التفاصيل في كل قضية ؟ .. والجواب هو نعم , ولكنني لا أبالي ؛ إن لديّ استعداد أن أعمل من لدن زقزقة العصافير إلى الساعات الأولى من الفجر إن كان هذا هو السبيل الوحيد لإتمام العمل على الوجه الذي يرضيني .. وللأسف فلا بديلَ آخرَ ؛ فجيل الشباب هذا كله مستهتر متواكل لا يحسن القيام بشيء , وليس لديه الاستعداد لتقبل تبعات ذلك ..
تأخرَتْ إجابتي على سكرتيرتي بسبب انشغالي بهذه الأفكار , فجاءني صوتُها مرة أخرى :
– ” هل أسمح له ؟ ”
تغلَّبْتُ على شكوكي , وقلْتُ :
– ” اسمحي له ! ”
وبعد لحظةٍ فتحتْ سكرتيرتي باب مكتبي وأشارتْ إلى الشاب بالدخول , وما إن رأيْتُهُ حتى استغربْتُ فهو لا يبدو وكأنه قد تجاوز الثامنة عشرة حتى , ورأيْتُ في يده ملفاً , فقلْتُ في غيظ :
– ” هل ترغب في التدرّب عندي أنت أيضاً ؟! ”
نظر الفتى إليّ مستغرباً , وقال :
– ” إنني لم أنهِ سوى السنة الأولى من دراستي الحقوقية , فلماذا أرغب في التدرّب من الآن ؟! “
ثم أكمل :
– ” إن الموضوع يتعلق بقضية رُفِعَتْ على أختي “
ثم وضع الملف أمامي , فلم أمدَّ إليه يدي, وقلْتُ :
– ” ولماذا لم يحضرْ والدُكَ  _أو غيره من الراشدين_ ليطلب مني الترافع عنها  ؟ ”
بدا على الفتى شيءٌ من الخجل , وقال :
– ” حسناً ! إن هذه هي المشكلة , فنحن لا نريد أن يعرف أبوانا بما حدث لأنه أمر محرج ؛ فقد اتفقْنا أنا وأختي قبل أسبوع أن نقوم بزيارة للمتحف الوطني كنوع من الاحتفال ببداية إجازة الصيف وانتهاء الامتحانات , وأثناء وجودنا في المتحف مررْنا بهذا التمثال الذي يشير بشكل مضحك بإصبعه وكأنه يرى شيئاً غير مرئي … ”
كنْتُ أعرف تماماً ما يتحدث عنه ؛ فهذا المتحف لا يقصده الشباب إلا لسببٍ واحدٍ ؛ هو هذا التمثال .. بالنسبة لجيلي أنا فالتمثال هو تمثال ( فالح العربي ) ؛ أحد الأبطال القوميين من أبناء الطبقة العاملة الذي كافح ليحصل العاملون في زراعة الأرض على ملكيتهم لها , ومن ثُمَّ فقد تسبَّبَ _ بصورة أو بأخرى _ في أن أتيحَتْ لنا نحن _ أبناءَ الفلاحين _ أن نتعلم ونكمل تعليمنا وينتهي بنا الحالُ في مناصبنا التي انتهينا إليها .. بالنسبة لجيلي فإن اسم ( فالح العربي ) يختزل مبدأ القدوة والمثل الأعلى في شخص واحد .. ولكن المثَّال الذي صنع التمثال _ وهو أيضاً من جيلي _ كان مفرطاً في حسن النية , فأراد أن يصوّر في جلاء ما وهب ( فالح العربي ) حياتَه من أجله , فجعله يشير إلى الأرض ؛ إلى الزرع ؛ إلى الاهتمام بمن هم أسفل بإزاء الاهتمام بمن هم أعلى , أما بعض الرجعيين فقد فَسَّرَ إشارةَ التمثال على أنها شُكْرٌ لمن هم أسفل بإزاء شُكْرِ (ما هو أعلى ) .. ودارتْ حروبٌ كلاميةٌ بين الطرفَيْن _ فانتهتْ للأسف برغبة السلطة في إرضاء الطرف الأخير _ فتم نقل التمثال من مكانه في أشهر ميدان في المدينة إلى المتحف حتى تراه عيونٌ أقل في أوقات أضيق .. حتى هنا كان الأمر لا يزال قابلاً للتحمل بالنسبة لي ولجيلي … ولكن ما فاق كل احتمال كان ما صنعه هذا الجيل الجديد الطائش ؛ عندما اكتشف أحد الطلاب في رحلة مدرسية إلى المتحف أنه إذا وقف الشخص بزاوية معينة وولى دبره للتمثال وانحنى كالراكع فإن إشارة التمثال تتحول فجأة لتكون شيئاً آخر يرقى إلى درجة الفعل الفاضح في مكان عام , وكانَتِ الصورةُ التي التقُطِتْ لذلك الطالب قد شاع تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي حتى شكَّلتْ ما يسمى بظاهرة إنترنتية , ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتى بدأ أبناء الجيل الضائع هذا بالتوافد زرافاتٍ ووحداناً على المتحف لالتقاط صورٍ تحاكي الصورة الأم .. ما الذي فعلتْه الدولة ؟ أثنَتْ على مدير المتحف ” لدوره ” في زيادة أعداد الجماهير المتوافدة على المتحف  , وبخاصة مِن الشباب الذين يدل توافدهم بهذه الكثرة على أنه قد بدأ يزيد وعيهم واهتمامهم بتاريخ وحضارة بلدهم !
ويبدو أن أحد أبناء جيلي قد ضاق ذرعاً بهذه الممارسة فقرر أن يرفع دعوى على أحد ممارسيها , فوقعتْ عينُه على صورةٍ لأخت هذا الشاب وهي تحطّ من هيبة التمثال بتلك الطريقة ,  فكانت هي المرفوع عليها الدعوى ..
عندما انتهى الشاب من وصف ما حدث كان قد صدَّق على ما ذهبتُ إليه , ثم أضاف :
 – ” إن السبب الرئيسي لذهابنا لذلك المتحف كان أن أبانا شاهد مرة إحدى هذه الصور فثارت ثائرتُه , فلما وجدني أنا وأختى نضحك عليها , لم يصدِّقْ عينيه وقال كلاماً كثيراً عن الجيل الفاشل الذي لا يعرف تاريخه ولا أمل في مستقبل يتولى فيه مقاليد الدولة … وساءتْني أنا وأختي هذه الخطبةُ العصماء فقرَّرْنا أن نذهب للمتحف ويلتقط كل منا صورة مماثلة , فأما أختي فالتقطْتُ صورتَها في تلك الهيئة , وعندما جاء الدور عليّ تذكرت كلام أبي فساءني أن أعصيه فارعويْتُ , وظلتْ أختي تهزأ بي بقية رحلتنا , فلم تكن إلا أيام حتى اكتسبتْ صورتُها تلك شهرة ضخمة ثم  فوجئنا بالدعوى المرفوعة عليها وأن ميعاد عقد المحاكمة بعد يومين , وأصرَّتْ أختي ألا نخبر أبوينا , فقلْتُ لها إنهما سيعلمان لو انتهت القضية بسجنك أو غرامتك , فقالت إنها ستطلب أن يترافع عنها محامٍ ماهرٌ هو مثلها الأعلى طيلة دراستِها , وطلبت مني أن آتي إليك ”
– ” ولماذا لم تأتِ هي بنفسها ؟ ”
– ” لا أعتقد أن انتقالها من مكان إلى آخر في هذه الظروف بالسهولة التي يبدو عليها ؛ إن بعض المهاويس صاروا يتتبعون مساراتِها وكأنها ممثلة مشهورة ”
بدا ليّ أن الوضع شديد الغرابة .. والقضية ليستْ مضمونةً تماماً , ثم إن التجهيز للمرافعة قد يستغرق وقتاً , ثم تذكرْتُ قوله ” إن ميعاد عقد المحاكمة بعد يومين ” فسألته :
– ” المحاكمة بعد غد ؟ ”
– ” لا لقد وصلَنَا الخبرُ أول ما وصلنا عندما كان قد بقي على ميعاد المحاكمة  يومان , وقد كان ذلك أول من أمس ”
نظرْتُ إليه وأنا لا أفهم , فأكمل :
– ” إن المحاكمة في الخامسة عصر اليوم ” .
– ” ولماذا لم تأتِنِي قبل يومين ؟ “
– ” استغرقْتُ ذلك الوقتَ حتى وجدْتُ سعراً مناسباً لحاسبي اللوحي , فلم أُرِدْ أنا وأختي أن نطلب مالاً من أبوينا حتى لا يسألاننا عن سببه فيعلما بالأمر , ولم تشأ أختي أن تبيع شيئاً من مقتنياتها , فتطوَّعْتُ أنا ببيع حاسبي لتوفير أتعابك , فاستغرق الأمر يومين حتى وجدْتُ أفضل سعرٍ وبعْتُه لقاء أربعة آلاف , وأنا أعرف أن هذا المبلغ أقل بكثير مما تتقاضاه في المعتاد , ولكن بالنظر إلى أنه لم يبقَ على المحاكمة إلا ساعات فإنك لن تتعب كثيراً في الإعداد لمرافعتكَ ونحن راضيان عن نتيجة المحاكمة أيًّا يكن ما ستنتهي إليه 
نظرْتُ إلى الفتى مرة أخرى , وقلْتُ في نفسي : إن هذا الفتى حسن الطوية , لقد امتنع عن إهانة التمثال لئلا يغضب أباه , وباع حاسبه اللوحي _ وهؤلاء الشباب شديدو الارتباط بهذه الأجهزة _ لأجل أخته .. ووجدْتُنِي ألينُ له :
– ” حسناً , ولكنني بحاجة إلى كل دقيقة من هذه الساعات المتبقية لأدرس القضية , وسأحتاج أيضاً إلى سؤالك عن بعض التفاصيل _ بما أن أختكَ ليست هنا _ ولنرجُ ألا يطلب الادعاء سؤالَها ؛ لأنه لا وقْتَ لنعدُّها لذلك _ وهي ليستْ هنا أصلاً _ … حسناً ! بإمكانك أن تنتظرني في الخارج , وستطلب منك ( لمياء ) _ سكرتيرتي _ أن تعود إلى المكتب عندما أفرغ من قراءة أوراق القضية لأستفسرك عن بعض الجزئيات .”
هز الفتى رأسه في استيعاب ثم خرج من المكتب , وانشغلْتُ أنا بقراءة ملف القضية …
********
( 2 )
(سليمان) المحامي
عندما انتقلْتُ مع الشاب الذي اتضح أن اسمه ( سالم ) إلى قاعة المحكمة فوجئْتُ ببعض كاميرات الصحفيين حاضرة بالإضافة لما بدا وكأنه كاميرا تلفزيون تبث بثاً مباشراً وأمامها مذيعة تتحدث إلى ميكرفون .
لقد صارتْ قضيةَ رأي عام , وأعترفُ أن أول ما بدر إلى ذهني هو أنني لم أحضِّر دفاعي بما يتناسب مع قدر المناسبة , ثم عدْتُ إلى عقلانيتي وبدأتُ في التركيز فيما هو أهم , مصير المتهمة .. لقد كانت ( دنيا ) أخت ( سالم ) حريصة على ألا يعرف أبواهما بالقضية بالكلية , كانت صورتها تلك قد حازت شهرةً لا بأس بها في العالم الافتراضي , ولكن ليس إلى حد أن يصل الخبرُ إلى أبويها , أما من حيث إبلاغ المحكمة لوالديها فذلك لم يكن وارداً فقد كانت ( دينا )  قد تجاوزت الحادية والعشرين بشهور كما أن أخاها لم يُتَّهَمْ بشيءٍ  , فكان من الممكن بالفعل ألا يعرف أبوها شيئاً عن المحاكمة لو انتهت إلى براءتها , أما الآن  ومع كل هذه الكاميرات فالدنيا كلها ستعرف بتهمة ( دنيا ) . وألقيتُ عليها نظرةَ شفقةٍ فوجدتها تنظر إليَّ كأرنب مذعور , فأردت تهدئتها , وقلْتُ :
– ” أهم ما في الموضوع هو أن تحصلي على البراءة , إن معرفة أبيكِ بما جرى ليست بهذه الأولوية الآن ”
فقالتْ في حدة :
– ” ومن أين ستأتي البراءة ؟ لقد صارتْ قضيةَ رأي عام , والقاضي سيحكم بحكم يتناسب مع ذلك؛ لأكون ” درساً ” لأبناء جيلي التائهين , أو أياً يكن ما يقوله هؤلاء المتخشبون ”
ثم فطِنَتْ _ على ما يبدو _ أنني داخلٌ في جملة المتخشبين هؤلاء , فأضافَتْ :
– ” أنا لا أعنيك أنت بالطبع يا أستاذ ( سليمان ) فأنت مثلي الأعلى , ولكن اسمح لي أن أقول إن جيلك _إلا فيما ندر _ جيلُ ديناصورات ”
عقدَ لساني ما هي عليه من الجرأة التي تصل إلى الوقاحة , وتمنى جانبٌ مني لو ترافعْتُ مرافعة هزيلة لعلها تؤدي إلى حكم قاسٍ حتى تكون بالفعل ” درساً ” لهذا الجيل المستهتر , ولكن احترافيتي واحترامي لعملي سرعان ما نهَيَا ذلك الجانبَ عن وساوسه . وقلْتُ لها وأنا أحاول ألا أفقد أعصابي :
– ” إن وجود الإعلام أو عدم وجوده لن يؤثر في حكم القاضي الذي يتحرى الحياد أياً تكن الظروف ”
نظرَتْ إليّ وكأنها تشاهد طفلاً يخبرها بالطريق الذي سلكه بابا نويل في عيد الميلاد السابق حتى جاءه بهديته , ثم قالت بصوت يفيض سخرية :
– ” هل تصدق هذا الكلام الفارغ ؟! ”
– ” ألستِ طالبةً في كلية الحقوق ؟! ”
– ” بلى ! وأنا في العشرة الأوائل في دفعتي لثلاث سنوات متتاليات ”
كدْتُ أشد شعري , إن كان هذا هو ما تؤمن به المتفوقات فماذا عن البقية ؟ وقلْتُ :
– “ومع ذلك فأنتِ ترين أن القضاة يغيرون رأيَهم بتغيُّر ظروف عقد المحاكمة ؟ ”
– ” أليسوا آدميين ؟! من في الناس لا يتغير رأيه بتغير الظروف ؟! ”
كانَتِ الإجابةُ على هذا السؤال هيّنة بالنسبة لي : القضاة . وقَطَعَ حوارَنا دخولُ القاضي , وبعد المرافعة الابتدائية انشغلْتُ _إلى حدٍّ ما _ عن متابعة القضية بفكرة ظلت تلح على ذهني حتى كادت تحول بيني وبين الإنصات لما يُقال , وهذه الفكرة هي : من سيتولى المكان الذي يشغله هذا القاضي بعد عشرين سنة ؟ بعد ثلاثين سنة ؟ ماذا عن وظيفتي أنا ؟ …. من سيسد الفراغ الذي سينشأ عن موت جيلنا ؟ ووجدتُ الإجابةُ تملؤني ذعراً .. ثم رجع اهتمامي بكليته ينصبُّ على القضية عندما حَلَّ وقتُ المرافعة الختامية , كانتْ هذه هي الفرصة لأركز على فكرة واحدة رئيسية لأجعل كل الأفكار الأخرى تبدو ثانويّةً ؛ تدور في إطارها .. بعض المحامين يجعل مرافعتَه الختامية أشبه بالملخص لكل النقاط التي دافع بها عن المتهم والتي هاجم بها الادعاءات الواقعة عليه ؛ ولكنني أنا كنْتُ من أنصار الفكرة الواحدة الغائية التي تعلو ولا يعلى عليها ؛ ولذلك قلْتُ :
– ” مقامَ القاضي المحترم !
لو سُمِح لي أن أخرج قليلاً عن الموضوع المباشر للدعوى لأتحدث _ في شيءٍ من التجريد _ عن فكرة قد تبدو بدهية ولكننا نراها أساسية لوضع هذه الدعوى في سياقها الصحيح ..وهذه الفكرة هي : لماذا وُجِدَ _من الأساس_ ذلك التمثال الشهير لرجلٍ رحل عن دنيانا قبل عقود ؟ لقد تسبَّبَ التعاملُ مع هذا التمثال في هذه القضية التي بين أيدينا اليوم , ولكن ما الذي فعله صاحب ذلك التمثال حتى يكون صاحبَ تمثال ؟ أنا لا أزعم أنني أعلم عن حياة ( فالح العربي ) أكثر مما يعرفه المؤرخون ودارسو العلوم السياسية , ولكنني أعرف _ على المستوى الشخصي _ ما الذي جعل هذا الرجل يحظى بمكانة لا تدانيها مكانة أخرى عندي .. لم يكن ذلك لدفاعه عن حقوق الفقراء والمهمشين , ولا لمحاربته الجشعين والمستغلين , ولا لنذره حياته لذلك الدفاع وتلك المحاربة .. كثيرون قاموا بذلك فلم يصلوا إلى مثل ما وصل إليه ؛ .. ما جعله بتلك المنزلة هو أنه عاش حياته يحارب لأجل الضحايا فلم يَقَعْ _ولو للحظة_ فيما وقع فيه غيرُه من لوم الضحية وتحميلها وزرَ ما انتهى إليه حالها ؛ كان ( فالح ) يقول : وا رحمتا لضعفاء الأرض أنهكَهُم أقوياؤها .. فيخرجُ له من بين الضعفاءِ من يلعنُه ويشتمه وما جاء به .. فلا ينبسْ ( فالح ) ببنت شفة يرد بها سبَّ هؤلاء بمثله , لم ينْعِ حظَّه لأن الفقراء “المغيبين لا يفهمون فلسفته ولا يعون أين مصلحتهم”كما نعى غيرُه حظَّه .. كان إذا قال الرجلُ الغنيُّ المستكبرُ قولاً يلعن فيه الضعفاء ثم قال الرجل الفقير المستضعف القول نفسَه حارب الأول حتى لم يدع له مكاناً ليهرب إليه , وخفض جناحه للثاني حتى كأنه صاحب فضل عليه .
والحق يا سيادة القاضي أن هؤلاء الذين لم يسفَّهوا ولم يُقَلْ في حقهم : (إن كررتم مقالة من تعدونه أسيادكم فلتنتهوا إلى مصير أسيادكم . ) إن هؤلاء هم من بنى هذه الدولة بساعديه , وكان من الممكن أن يكون مصيرهم السجون والقبور ؛ لولا أن فَطِنَ رجل من مستضعفي هذه الأرض إلى أن من بين ما رُزِئَ به الضعفاءُ سلْبَهم حقَّهم في أن يعوا أنهم ضحايا وأن مستغليهم مجرمون .
سيدي القاضي إن من بين أكثر أصحابِ الاختيار محدوديةً فيما يختارونه القضاةُ عند الحكم , وأنتم أعلم مني بمضمون القانون وأعلم بحدوده الضيقة التي يتحرك في إطارها الحكمُ صعوداً ونزولاً , ولكن ما أرجوه من سيادتكم أن تسترشدوا _ في هذا الإطار المحدود للاختيار _ بروح ( فالح العربي) وتنظروا في المتهمة أمامكم ؛ هل هي من المُسْتَغِلّين الذين سلبوا غيرَهم حقوقهم , أم هي من المستَغَلّين الذين حيل بينهم وبين أن يعرفوا عدوَّهم من صديقهم ؛ فسخروا بمن سخّر حياتَه لنفعهم , وتقلدوا سبيل من يحتقر وجودهم ؛ ليست هي وحدها _ سيادةَ القاضي _ هي وكل جيلها . فإذا خلص سيادتكم إلى جواب هذا السؤال , فليحكمْ سيادتكم بما يتراءى لكم .”
وانتهى الحكمُ إلى البراءة , وقال القاضي في حكمه كلاماً عن ضرورة التعامل مع الشباب على أنه كنزٌ يُلامُ مَن يُفَرِّطُ في خيره , لا على أنهم مصدر عدوى يُحْمَدُ مَن يَحُدُّ من شره .
وبدا أن هذه القضية قد انتهت بما فيها عند هذا الحد !
**********
( 3 )
(دنيا)
نزلْتُ مع ( سالم ) من الباص الذي توقف على بعد عشرات الأمتار من المتحف الوطني , وذكَّرْتُ نفسي مرة أخرى بالخطة : سندخل إلى المتحف .. سيلتقط كل منا صورة للآخر عند هذا التمثال القبيح , سيعتقد ( سالم ) أن الأمر انتهى عند هذا الحد , وهو بالفعل سينتهي عند هذا الحد بالنسبة له  , ولكن بالنسبة لي أنا فإنه سيبدأ من هذا الحد .. سأنشر هذه الصورة في كل مكان ؛ مواقع التواصل الاجتماعي , المنتديات التي يرتادها هؤلاء الوطنيون , صفحات أنصار الحركة العمالية العالمية , كل مكان من الممكن أن يستاء رواده من مثل هذه الصورة .. أما السبب الذي يدفعني لفعل ذلك فلا أعرفه .. أو للدقة أكثر : لا أريد أن أصارح نفسي أنني أعرفه .. عندما تلحّ عليّ نفسي بالسؤال عن السبب , فإنني أجيب ببساطة : “إن لم أقمْ بهذه الأفعال الطائشة في هذا السن فمتى سأقوم بها ؟!” ولا يبدو أن نفسي تنخدع بهذه الإجابة الساذجة , فتستدرجني قائلة : “وماذا عليك ألا تقومي بها أبداَ ؟” فأرد في هدوء مصطنع : “لا شيء , هما سيان عندي .”  ولا تريد نفسي أن ينقضي الحوار دون أن أعترف صراحة بدافعي , فتقول في خبث : ” ولكن كيف يكونان سيان , وأحد الخيارين لا يؤدي إلى مكروه .. والخيار الآخر _ خيار الاستمرار في الأفعال الطائشة _ قد يؤدي إلى مكروه .. قد يؤدي إلى الكثير من المكروه ” فأرمق نفسي شزراً وكأني أحذرها من التمادي , فتضيف ” ربما تَسْمِيَتُهُ بالـ ” مكروه ” ليست دقيقةً , ربما الأولى أن أسميه ” المحبوب ” أو ” المشكوك في موقفكِ منه ” أو أي اسم آخر يبيّن حقيقة افتتانكِ به ” وهنا يبلغ بي الحرج مبلغه , فأضع إصبعيّ في أذنيّ حتى لا أسمع شيئاً آخر مما تصارحني به نفسي .
وفي تلك الليلة ستسغل نفسي فرصةَ نومي لتترجم كثيراً مما صمَمْتُ أذنيّ عن كلامها عنه  إلى أحلامٍ ؛ فأجدني فجأة قد أحاطتْ بي غابة من غابات الأمازون , ويخرج من بين الأشجار فجأة رجل مفتول العضلات , لم تَفْتِلْ عضلاتِهِ زياراتٌ للجيم , بل فَتَلَتْهَا محاربةُ “الأشرار” والقضاء على “المستغِلّين” , وأراه يمسك في إحدى يديه صورتي التي تظهرني أمام ذلك التمثال , ويلوح بها أمامي  , ثم يقول شيئاً بلغة لا أفهمها , ثم يمسك بذراعي فيطرحني على الأرض ممدة على بطني , ويرفع يده بالحزام _ متى وصل هذا الحزام إلى يده ؟! _ ويهوي به على مؤخرتي , ويتبدل المشهد فجأة فأجدني في غرفتي ممددة على سريري وقد رُفِعَتْ تنورتي إلى ما فوق ردفيّ ونزل ما تحتها إلى باطن ركبتيّ , وقد دفنْتُ وجهي خجلاً في مخدة قد أحاطتْها ذراعيّ , وأنا أسمع _ وأكاد أموت خجلاً _ حواراً يدور بين أبي وبين ( فالح العربي ) خارج غرفتي  شخصياً , ويقول (فالح) أنه مسامحٌ في حقه , فيرد أبي أن هذه البنت الشقية ستعاقَب على أية حال , ثم يخيِّرُ (فالحاً) بين أمرين : أن يتولى ( فالحٌ ) عقابي ويهوِّنَ فيه كما شاء , أو أن يستمر في رفضه وحينها سيتولى أبي عقابي وسيخرج عصا الخيزران من القبو _ متى كان في بيتنا قبو ؟! _ ولن يكف عن إنزالها على مؤخرتي حتى تنكسر نصفين , وحينَها يضطر ( فالح ) _حفاظاً على حق المستغَلّين في ألا تهوي على مؤخراتهم عصيُّ الخيزران _ أن يتولى هو عقابي . ويفتح الباب , ويزداد وجهي غوصاً في المخدة , ويقول في صوت عذب : ” لقد جعلْتِ هذا الشيءَ” ويريح يدَه على مؤخرتي العارية ” صوبَ تمثالي صباحَ اليوم , ويبدو من اللائق أن يتولى صاحبُ التمثال معاقبة نفس الجزء الذي هزأ بتمثاله . أم كيف ترين ؟ ” وتصدر عني حشرجاتٌ لا أدري أذهبَتِ المخدة بمعانيها أم أنها صدَرَتْ عني غيرَ ذات معنى من البداية ؟ فيبتسم ( فالح ) _ كيف عرفْتُ أنه ابتسم ؟! _  ثم يجعل يسراه على أخرياتِ فِقَار عمود الفقري ويهوي بيمناه على ما تحت ذلك , وهو يقول ” لو رأى روّاد ذلك المتحف ما يفعله أصحابُ التماثيل بمؤخرات الفتيات الشقيات اللواتي يصوِّبْن أردافَهنّ تجاه أصابع التماثيل المسكينة , لعلموا أن الجزاء من جنس العمل ” يزداد وجهي غوصاً في المخدة وكأنها قد أصبحَتْ بحراً لا قاع له , وأكتشِفُ فجأةً أنها بالفعل قد صارت بحراً وأنني أهوي بلا هوادة تجاه القاع , وتزول ملابسي عني بالكلية كأنها تبخرت , وفجأة يتوقف هَوِيَّ وقد بلغْتُ القاع  فأنظر أمامي فأرى مدينة كاملة تحت البحر تحيط بها قبةٌ من بلور ,  وأرى رَجُلَين يهرعان خارجين من باب في القبة البلورية , ويمسكان بي ويقودانني إلى داخل المدينة ويغلقان خلفي باب البلور , ثم يقفان بي أمام الأمير _ الذي تتطابق ملامحه مع ملامح ممثل مشهور شديد الوسامة , فلا عجبَ أني جعلْتُه أميراً ! _ ويتكلم الأمير _ بنفس صوت الممثل المشهور وطريقته _ ويقول :
– ” هذه ثالث فتاةٍ هذا الشهر , إن حِرْصَنَا على إنقاذ أرواح البشريات قد أغرى الفتياتِ بإلقاء أنفسهن على باب مدينتنا ؛ من المحال أن ترضى لنا أخلاقنا بتركهن يمتْن غرقاً , ولكننا لن نسمح أيضاً بأن نُبْتَزَّ ! ”
ثم يشير الأمير إلى الجنديَّيْنِ القابضَيْنِ على ذراعيّ فيسوقانني إلى ما يبدو كمكتب مرتفع وأعتقد أنهما سيحنيانني عليه فأفاجأ أن أحدهما قد رفعني وأجلسني عليه ثم مددني على ظهري وجاء من ورائي وثبت رسغيّ على المكتب بيديه , ثم طار الآخر _ نعم , طار ! _ فصار فوقي ورجلاه جهة السقف ويداه تجاه المكتب فجعل يمنى رجلاي في يمناه ويسراهما في يسراه وارتفع بِرِجْلَيّ وفرّجَ ما بينهما حتى تمنيت أن تنشق الأرض وتبلعني , ثم وقف الأمير بين رجليّ وعيناه تقابلان عيناي ثم تنحدرُ عيناهُ فتتمعنان فيما بين رجليّ ثم تعودان لتقابلا عيناي وقد علت شفته ابتسامة , ثم جلس على يمين جسدي الممدد وقد أولاني ظهره وأراح راحة كَفَّه اليسرى على ما بين رجليّ وربّت عليه مراتٍ كأنه يواسيني , وقال :
– ” سيضطر صاحبُكِ هذا للانتظار طويلاً حتى نلبي له رغبتَه , فربما كان عليكِ أن تنصحيه أن يضبطَ نفسه فقد بدأ يسيل لعابُه ”
ولما ظنَنْتُ أنه لا حدَّ للإحراج فوق هذا قاطع مشهدَنا دخول صديق الأمير _ وله ملامح مغنٍّ مشهور لا يقل عن وسامة الممثل _ فقال للأمير :
– ” مولاي ! على الرغم من حَرَجِ اللحظة , إلا أن جلالةَ الملك قد طلب لقاءكم بشكل عاجل ! ”
نظر إليه الأمير وكأنه طفلٌ قد سُحِبَتْ من يديه لعبته المفضلة , وسأل :
– ” بشكل عاجل عاجل , أم بشكل عاجل فقط ؟ “
– ” أخشى يا مولاي أنه بشكل عاجل عاجل ”
تنهد الأمير , ثم نظر إلى اتجاهِ نَظِرِ صاحبه , فبدأ يشرح وقال :
– ” حسناً ! هذه ” وأشار إليّ ” بشريّة تستحق أشد أنواع العقوبة بجرم ابتزاز الذات الأميرية , وغوايةِ الذات الأميرية , وانكشافِ أشياء من جسدها قد ذهَبَتْ بلبِّ الذات الأميرية .. ” ثم أشار إليّ في اتهام وقال ” ومن جرائمِها _التي وقعتْ للتوِّ_ عضَّتُها هذه التي عضَّتْ بها شفتها السفلى ” ثم عاد بجسمه إليّ وأضاف ” والتي تسبَّبَتْ في تأخُّرِ الذات الأميرية عن الطلب العاجل للقاء الذات الملكية .. “
قاطعه صديقه :
– ” أعتقد أن هذه الجريمة الأخيرة لم تقع بعدُ مولاي , وربما من الحكمة ألا تقع ”
بدا وكأن الأمير يجاهد نفسَه جهاداً شديداً , ثم تغلب صوتُ العقل فيه , فقال :
– ” حسناً ! سأذهب للقاء الملك , ولكن ” وأشار بإصبعه مهدداً صاحبه ” إياك أن تلهوَ بشيء منها , هذه _بالذات_ أريدها لنفسي ! ”
أجاب صاحبُه بهدوء :
– ” وهل سَمِع الأمير عني قبل اليوم عصياناً لأمره  فيشكَّ فيّ ؟! ”
هز الأمير برأسه مؤكدا على صحة كلام صاحبه , ثم انصرف , فقال صاحبه لي :
– ” إن صاحبَ السموِّ لم يُعَرِّفْ بالضبط المقصودَ بـ ( تلهو ) ولكني أعتقد أنه .. أخضر وجميل يا نعناع ! “
رمقْتُه في ذهول وأنا أقول :
” أخضر وجميل يا نعناع ؟! ”
هنا بدأ صوته يرتفع ويتحول إلى صوت آخر مألوف , ومد عنقَه صائحاً :  ” أخضر وجمييل يا نعنااااااع ! ”
وتبخر الحلم , وفتحْتُ عيني في تثاقل ليعود الصوتُ مرةً أخرى يقرع سمعي :
– ” أخضر وجميييييييل يا نعنااااع ! ”
كانتْ علاقتي ببائع النعناع هذا ملتبسة ؛ من جهةٍ فقد كان مرورُه بشارعنا كل يوم في السادسة صباحاً أشبه بالمنبّه المجاني , ولقد كدْتُ أنام عن محاضراتي في أيام كثيرة لولا صوتُه , ولكن عندما تأتي إجازة الصيف أو غيرها من الإجازات فإنه يتحول من نعمة إلى نقمة .
– ” أخضر وجمييل يا نعناااااع ! ”
حاولْتُ إبقاء عيني مفتوحتين , وشيئاً فشيئاً بدأ النوم يزيل آثاره عن جسدي ويرحل , ففتحت جهاز الحاسب ودخلت إلى صفحتي على الفيس بوك لتهولني كمية الإشعارات وطلبات الصداقة ؛ ما سبب ذلك بالضبط ؟! أجابني لا وعيي في توجس : لعل له علاقة بصورتك في المتحف ! ولكنني استبعدت ذلك , نعم لقد نشرْتُ هذه الصورة في كل جنبات الإنترنت ولكن آلاف الفتيات والفتيان قد فعلوا ذلك من قبل ؛ لماذا أكون بدعاً فيهم ؟ ولكن توجس لا وعيي كان في محله ؛ مليونا إعجاب لصورة واحدة ؟ أنا لا أعتقد أن هذا يحدث حتى لصور المشاهير .. ووجدتُني من باب الفضول لا إلا أذهب لصفحة الممثل المشهور والمغني المشهور اللذين حلمت بهما قبل قليل ؛ هل لدى أيٍّ منهما مشاركة تزيد إعجاباتها عن مليونين ؟ وكان الجواب : لا . وقلْتُ في نفسي : مبروك لقد أصبحْتِ مشهورة …. ولم أعلم أن هذه الشهرة لم تكن إلا في بداياتها فحسب , فبعد أيامٍ سيرفع أحد الحمقى دعوة قضائية عليّ وسأتصور أن بإمكاني أن أخفي أمر المحاكمة عن والديّ فأتفاجأ ببثّ المحاكمة صوتاً وصورة على كبرى المحطات الفضائية ؛ إن حياتي كنكرة _لا يعرفها إلا أهلها وأصحابها_ كانت قد انتهت في ذلك اليوم .
********
( 4 )
(دنيا)
فلاش الكاميرات يومض على جانبيّ …وبضعة ميكروفونات تمدها أيدي أصحابِها تجاه فمي ..وأسئلة تتناثر عن يميني وشمالي .. وأحاول أن أسير في هذا الحشد البشري الصحفي الإعلامي فلا أكاد أتحرك … إحدى المذيعاتِ تقول في حماسة وقد  رفعتْ صوتَها عمن حولها :
– ” ما هو شعوركِ وقد تعهَّد رافع الدعوى بالطعن على قرار البراءة ؟ “
فاجأني السؤال ؛ هل هذا الأمر لم ينته بعد ؟! وفوجئْتُ بصوت الأستاذ ( سليمان ) المحامي وهو يرد على هذا السؤال من ورائي _وهو الآخر يجاهد ليشق طريقه في وسط الكاميرات والميكروفونات _:
– ” لا أعتقد أن احتمالَ نقضِ الحكم بهذا الارتفاع , بل بإمكاننا أن نقول في ثقة إن حكم المحكمة اليوم _هو على الأغلب_ دائم ”
التفتَ الصحفيُّون فجأة تجاهه وكأن إجابَتَهُ أغرتْهم أنَّ بإمكانهم الحصولَ منه على شيء , وقال أحدهم :
– ” ماذا كنْتَ ستفعل لو كانت المتهمةُ ابنتكَ , وهل عدم صدور عقاب لها من المحكمة كان ليحميها من عقابٍ في البيت ؟ ”
نظرْتُ في ذهولٍ لهذا الصحفيّ المتبجح , ولكن جانباً مهماً من هذه المهنة _على ما يبدو _ قائم على التبجح , وأجاب ( سليمان ) في هدوء :
– ” لا تعليق ! ”
كرر الصحفيُّ السمجُ سؤاله :
– ” هل معنى ذلك أنك ترى _ في حق المتهة وغيرها _ أن جانباً من العقوبات يجب أن يقوم به أولياء الأمور في البيوت , وألا تشغل المحاكمُ نفسَها به ؟ ”
ردّ ( سليمان ) في ضجر  :
– ” هي لم تعد متهمةً وقد صدر بحقها حكمٌ بالبراءة , ثم إنها في الحادية والعشرين من عمرها , وليستْ في السادسة ! “
فعاد الصحفيّ لتبجحه _وقد سره أنه حصل على إجاباتٍ أكثر ممن سواه _ :
– ” ولكن الفعل الذي قامتْ به المتهمةُ  لا يصدر إلا عن طفلة في السادسة ”
كنْتُ قد بدأْتُ في الخروج من هذا الحصار وتبعني ( سليمان ) بعدها بلحظاتٍ , وقال وكأنه يواسيني :
– ” رغم عملي لثلاثين سنة في المجال القانوني , فإنني لا أزال مندهشاً من عدم اعتبار ممارساتِ الصحفيين هذه جُنْحَةً ..أو جناية حتى ! ”
قلْتُ له :
– ” ربما لم يكنْ عليكَ أن تجيب على أسئلتهم حتى لا يطمحوا إلى مزيدٍ من الإجابات ”
نظر إليّ وكأنه يقول : هل قمْتِ لتوِّك بتوجيه نصيحةٍ لي ! فكدْتُ أضحكَ لولا أن ارتفع رنينُ هاتفي المحمول , فالتقطْتُه ونظرْت في الشاشة ثم قلْتُ :
– ” هل لي أن أطلبَ منك خدمةً , باعتبارِنا محاميين زميلين ؟ ”
سرَّني أن نظر ( سليمان ) لي شزراً , وكاد أن ينفجر فيّ لولا أن بادرْتُه :
– ” إن المتصل أبي , وهو رجل لطيف المعشر , ولكنه إذا غضب لم يتمالكْ نفسَه _ كلاماً لا فعلاً _ , فهل ترد أنْتَ عليه وتخبره أنني نادمة على ما بَدَرَ مني وأنها كانتْ صفحةً وطويَتْ ؟! ”
لمعَتْ لأول مرة عينا ( سليمان ) وكأنه قد خطرتْ له فكرة شريرة , ثم التقط الهاتف المحمول مني , ولكنه لم يضغط زر الرد حتى كان قد ابتعد عني خطوات حتى لا أسمع الحوار الدائر بينه وبين أبي . ولما طال هذا الحوار دقائق بدأ القلقُ يعروني .. تُرَى ما الذي يتحدث فيه هذان بالضبط ؟
ثم أقبل عليّ ( سليمان ) , وسلمني الهاتف المحمول , وقال :
– ” أبوكِ موافق ! “
– ” هل طلبْتَ يدي من أبي قبل قليل ؟! ”
لم يستطعْ ( سليمان ) منع نفسه من الضحك , وقال :
– ” بل هو موافق على أن تتدربي على المحاماة عندي في إجازة الصيف هذه ! “
لم أكنْ أجهلُ سمعةَ ( سليمان ) في هذا الصدد ؛ كل أوائل كلية الحقوق في كل السنين الدراسية يتمنون هذه الفرصة ويرفضهم هو , فلماذا يخصني بها ؟ وكأنه قرأ تساؤلي من قبل أن أسأله , فقال :
– ” إنني أعتقد أن مشكلة جيلكم هذه أنه بحاجة إلى أن يفرض عليه الانضباط من خارج ؛ لأنه يبدو جلياً أنه غير قادر على الانضباط من داخل , وقد قلْتُ ذلك لأبيكِ لأهدئ من غضبه عليكِ , وأكدْتُ له أنني أعاني أيضاً من عدم وجود شباب ذوي انضباطية  .. مما يدفعني إلى العمل وحدي وعدم قبول متدربين , وكان رد أبيكِ رائعاً على هذه النقطة … “
بدأ شيءٌ من الخوف يتسرب إليّ , وقلْتُ بصوت خافت :
– ” إن أبي ليس من أنصار “الانضباط من خارج ” هؤلاء ! ”
ابتسم ( سليمان ) ابتسامة فيها من المكر ما فيها , وقال :
– ” على أيِّ قرائنَ بنيْتِ هذا الحكم ؟ ”
عاد قلبي يخفق بقوة أكبر , وقلت كأنني غريق أتمسك بالهواء :
– ” إنه لم يفرضْ عليّ عقاباً في حياتِه ! ”
– ” هناك فارق بين النية وبين التنفيذ   , لعله نوى في أكثر من مناسبة قريبة وبعيدة أن يعاقبكِ ثم لما أراد أن ينفذ نيتَه لم يستطعْ حمْلَ نفسِه على ذلك . هذا مقبول منطقاً , أليس كذلك ؟ ”
كان التوجس والرهبة قد بلغا مني مبلغهما , فعاجلْتُه قائلةً :
– ” ما الذي قاله أبي بالضبط ؟ ”
– ” قال لي : إنكَ على الأقل لديكَ سكرتيرة , فكيف تحملها على إتقان عملها , إذا كان الجيل كله غير منضبط ؟ , فقلْتُ إن سكرتيرتي (لمياء ) ذات طبيعة نادرة فهي  تقبل أن تُعَاقَب إذا أخطأت . وعندها طلب مني مباشرة أن أقبل بكِ متدربةً عندي , وأن أعاقبكِ كما أعاقب ( لمياء ) ”
ازداد صوتي خفوتاً وأنا أسأل :
– ” وكيف تعاقب (لمياء ) ؟ ”
– ” في المعتاد أزيد في ساعات عملها_ مدفوعة الأجر _ بعد الدوام   , وأكلفها خلال هذه الساعات أن تعيد مراجعة ما أخطأتْ فيه , وألّا تأتيني به في الغد إلا وقد خلا من كل خطأ ”
لوهلة بدا لي أن ( سليمان ) يتحدثُ عن شيء آخر؛ فلما قال ما قاله  بدا وكأنني قد نجوْتُ لتوي من حادث طريق . فلما رأى ارتياحي لما قاله , أضاف :
– ” أما إذا جاء الغدُ وظلتِ الأخطاءُ موجودةً بعد المراجعة , فإن (لمياء) تقضي معظمَ ذلك اليوم واقفة ”
عاد قلبي ينبض بسرعة ألف ميل في الساعة , ولكنني وجدتُنِي مدفوعة دفعاً للسؤال :
– ” ولماذا تقضي معظم ذلك اليوم واقفةً ؟ ”
– ” لأنه من الصعب أن تجلس مرتاحةً بعد ما عوقِبَتْ به ”
لم يكن هناك حاجة لمزيد من الإيضاح , ولكن خاطرة خطرَتْ لي فجأة فامتقع لها لوني :
– ” هل ناقشْتَ كل هذا مع أبي ؟ ”
– ” لقد توقف بنا الكلام عند الساعات الزائدة , ولكن _إن كان لي أن أبديَ رأيي _ فقد بدا لي صوتُه محبطاً قليلاً عندما وَجَدَ العقابَ مقصوراً على ذلك . من يدري ؛ ربما يوماً ما قد أُخْبِرُهُ بتمام الخبر , وعندها فمن يدري ؛ ربما تجدين نفْسكِ تعاقبين في البيت كما تعاقبين في المكتب ”
كنْتُ قد نسيتُ تماماً أننا لا نزال في الطريقِ , وبدا لي أن احمرار خديّ قد بدأ يشد أنظار المارة , وانتبه ( سليمان ) إلى ذلك , فقال :
– ” ربما يفترض بنا أن نذهب إلى المكتب ” ولما رأى امتقاع لوني أضاف : ” حتى أبدأ في توزيع القضايا عليكِ , ونتفق على جدولِ عملك”
مرةً أخرى بدأت أتنفس الصعداء , وكأنه قد أعجبتْه لعبة إخافتي ثم طمأنتي ثم إخافتي هذه , فقد أضاف :
” أما سؤال ذلك الصحفيّ عما إذا كان حكمُ البراءة الذي نلْتِهِ ينسحب على كل أنواع العقاب الأخرى  , فلو كان لي أن أجيبه بأثر رجعي لقلْتُ : عندما يبدأ عقابُ الآنسة ( دينا ) على ما فَعَلَتْه في تلك الصورة فإن جزءاً منها سيتمنى لو تستبدل به عقوبةَ المحكمة , وعندما أنتهي من كامل عقابها فإنها لن تقابل تمثالاً بعد ذلك بمؤخرتها أبداً حتى لو كان تمثالَ زوجها ! ”
وقد كان !
******************