ما يشبه الرسم، نحو خمسٍ منه

على سبيل التنويه:

هذه المساهمة تحوي صورًا فاحشة فانتبِه!

ولك الشكرُ:

الرسمة الأولى:شيءٌ وقعْنا عليه مرسومًا بصورة كرتونية، وهي هذه السيدة المشغولة بما لا يخفى عليك، فلما فرغْنا من رسمها (أو ما يشبه رسمَها) قلْنا: ما أحسن هذا الحجر العريض وتين الفخذين اللفاوين، ويا ما أُحَيسِنهما لو احتملا مستلقيًا فانشغلا بمقلوبته بما لا يخفى عليك.. ولو غيري لمزق الورقة (أو ما يشبه الورقة) ولكنني قلْتُ: ما لا يدرك أيُّه لا يُتْرَكُ شَبَهه:

 الرسمة الثانية:أنا لا أحسن الرسم، ولا ما يشبه الرسم، ولكني _من قديمٍ_ أستنسخ وأحاكي.. ومن السخيف أن الرسم _على الأقل في نشأته_ كان هدفه الأسمى الاستنساخ والمحاكاة، ثم وقعوا على التصوير الفوتوغرافي فقلَّتِ الهمة في الاستنساخ والمحاكاة… وبعد ذلك بكثير برامج تحوير الصور… فقلَّتِ الهمة أضعافًا… فلما عافوها أخذتُها وفيما استغنى عنه الناس غنًى!

 الرسمة الثالثة:شيءٌ من هنا وشيءٌ من هناك وثالث من مكان ثالث… وهلم جرًّا وجرجرة… وأعجبني (إن جاز القولُ) براءة هذه الصافعة استَ صاحبِها… لو كنْتُ أحسن الرسم (أو ما يشبه الرسم) لجوَّدْتُ تلك البراءة تجويدًا… يا ما أميلحَ ويا ما أحيسن!

  الرسمة الرابعة:فلانة المستدبرة المشاهد (ولعلك رأيت [ذاك] فقلْتَ: فلانة؟ والواقع أنها فلانة فيما عدا ذلك، ربة الصورة امرأة في الأصل) أغرت فأغرَتْ فرُسِمَتْ (أو ما يشبه الرسم مبنيًّا للمجهول في حقها) ثم بحثنا لها (معذرةً: له) عمَّنْ يوليه ما هو أهله امتلاءً واكتنازًا، فأعيانا سبيل المانحين … حتى وقعنا على هذه السيدة فرسمناها (أو ما يشبه الرسم مفعولًا منا واقعًا على يأفوخها) فتم التزاوج بينهما كما كان يتم التزاوج بين الذكور والإناث في الزمان الغابر، فاتعظ! :

الرسمة الخامسة:هذه أهون من سابقيها أنْ اجتمع الفاعل والمفعول به في مصدرٍ واحدٍ، ثم أحوجَتْنا سرعة يد الفاعلة (فلم تظهر في الأصل) إلى يدٍ بديلة… والتفاتها بكليتها إلى صاحبتها (التي صارَتْ ذكرًا كذلك) إلى وجهٍ بديل.. وتفصيلة أو اثتنان في المفغول بها (معذرةً: به) استغرقَتْ زمنًا هائلاً على تفاهتِها عند أهل الاختصاص (والشاعر يقول: إذا لم تستطع شيئًا فدعْه …… وجاوِزْه إلى ما تستطيع. وغير الشاعر يقول: لو جرَّبْتُ كذا مكان كذا فلعله يستقيم… ولقد علم _وهو يقولها_:أنه لا يستقيم… ولكِنَّ لنفسِكَ عليك حقًّا كما أنَّ لِبدنك عليك حقًّا، ومن حقوق النفس تبليغها اليأس من مثل هذه الأمور، وإنْ عُلِمَ قبلَ التجربة أنها لا تكون… انتهى الـ ر ا ن ت ، ولك الشكر) وليتها على ما بُذِلَ فيها انتهَتْ نهاية حسنة، بل خاتمة سوء كما ترى… وحاولْنا أن نحسِّنَها بشيءٍ يشبه الحكي، فاجتمع فيها شبه الرسم وشبه الحكي فتم لها السخف الذي لا شبيه له– وهذه نكتة!


كل عام (بمناسبة الداخل من سبعة أيامٍ أو قريب من ذلك) وأنتم بخير… ولن يكون ذلك بالبداهة، فلن تنعدم الوفيات هذه السنة، ولا أنا قادرٌ على أن أقتطع من كتاب الغيب وريقاتٍ فأقتصر على الناجي السالم فأهنئه… ولِلَجِجٍ خَصِمٍ أن يقول: إنما هي على سبيل الدعوة لا الإخبار.. ولْيُخْبِرْنا _جزاه_ ما دلالة (كل) في تلك الجملة، فإنه يسرُّنا أنْ نعرف.. وهل يجرؤ سيادته أنْ يدعو بـ(كل) هذه في غير هذا الموضع؟ .. أما إنْ واصل الفذلكة وقال انتقلَتْ بالاستعمالِ… فلينتقِلْ بثقله وسماجتِه عنَّا _مشكورًا_.. دونك الشهورَ أو السنواتِ التي تحتاجها حتى تترك إرث المعتزلة إلى إرث المحدثين من “العجم”، ثم أنت في كل خطوةٍ تخطوها مستوقف مَنْ شهد لتخبره بصوابك وخطئه وإحسانِك وإساءتِه (وقد كنْتَ ترى بالأمس رأيَه!)..دونَك هذا وأضعافَ هذا، ولكني أرجو (دعاءً لا خبرًا) أنْ يتم ذلك بمعزلٍ عني، ولك الشكر…

Some Mainstream Spanking in Egyptian Media

Just a quick list of what I know of:

  • Inta Habibi, 1957

(M/F, face slapping-ish, literally 1950’s household, Movie, Husband/Wife)

  • The Egyptian equivalent of “Blue Hawaii”; Saghira Ala El-Hob, 1966

(M/F, age play-ish, Movie, Fiance/Fiancee, Music Director/Lead Singer)

Scene 1:  

Scene 2:

  • My Beautiful Lady, 1969

(M/F, and an F/M role reversal; the last one, Bourgeois Teacher/Pickpocket Student, Play)

  • El Eyal Kebret, 1979

(F/F, Mother/Daughter, Play)

  • Sok Ala Banatk, 1982

(M/F, Paddle-ish, Father/Daughter, Play)

  • Mazag El-Kheir, 2013

(F/F, Lady/Maid, TV show)


Some of these are more popular than other; El-Eyal Kebret, for example, has been seen by almost every Egyptian.
Another very famous play is Madraset El-Moshaghbeen, 1973, it doesn’t feature any spankings, but it’s centered around a female protagonist, a teacher, who is assigned to teach a class of misfits. She breaks the toughest guy’s arm to assert her dominance (it’s an Egyptian comedy!). And in a following scene he starts to comically cry, his broken arm is visible, and she is too tough to pity for him; “I didn’t come near you and you’re crying?”, she says. I was into that kind of stuff in my very younger days; the meanie mistress type. The character was old-fashion kind-hearted though, but anyhow there was a one slap with a ruler there on the top of some weird corner time-y thing:

حِوَارٌ .. حِوَارٌ … حِوَارٌ ( م / ف )


حِوَارٌ .. حِوَارٌ … حِوَارٌ

– بضعة تنويهاتٍ :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تلمح القصة إلى علاقة ذات طابع جنسي  ذكرٍ وأنثى ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 

تنويه 3 : مما تلمح له تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع هو ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

– القصة : 

– « ما الذي كنْتِ تقولينه له ؟ »
– « كنْتُ أسأله أنْ أنسخَ منه محاضرة أمسِ   »
– « لماذا لمْ تسألي غيرَه ، الدفعة فيها مئاتٌ »
– « أنا لا أحاول سرقة فتاكِ ، ولكنّي أحبُّ طريقة تنظيمه للمحاضرات ، وخطه جميل .. »
– « وشعره مسترسلٌ ، وخده أسيل ، وصدره عريض ، وقوامه ممشوق ، وطوله فارع ، وصوته فخم ، وابتسامته ساحرة … كل هذه الصفات تبدأ بـ : تنظيمه جيد ، وخطه جميل »
– « ( منى ) ! أنا أعرف أن بقية الفتيات تبحث عن أي سببٍ لتفتح به حوارًا مع حبيبكِ ، ولكني لستُ ” بقية الفتيات” ، أنا صديقتكِ المقربة ، لا داعيَ للغيرة المفرطة »
– « وهذا هو المدخل في المعتادِ ؛ ” أنا صديقتكِ المقربة ، لماذا تسيئين الظن بي ” ، ” هو حبيبكِ من خمس سنواتٍ ، لماذا لا تثقين به ” .. ثم فجأة : حبيبكِ وصديقتكِ المقربة يدعوانكِ لحفل زفافِهما .. هذا لنْ يحدَثَ معي … على جثتي يا (أروى ) ! »
– « ما الذي تريدينه مني ؟ »
– « هاتي كراسَتَه »
– « تفضلي »
– « شكرًا ، سأنسخ لكِ المحاضرة وأعطيها لكِ ، وفي المرات القادمة إذا أردْتِ محاضراته بإمكانكِ أن تطلبيها مني أنا ، وأنا سآخذها منه وسأنسخها لكِ وأسلمها لكِ مباشرةً .. هذا لن يضيع عليكِ ” تنظيمَه” و”خطَّه” ، ولن يضيع عليّ أنا ما سوى ذلك منه . مقبولٌ ؟ »
– « مقبولٌ .. ولكنْ كصديقتِكِ المقربة فعليّ أنْ أنصحكِ أنْ تكوني أقل غيرةً .. في بعض الأحيان تكون الغيرة مدمرة.. »
– « وفي كل الأحيان تكون الخيانة موجعة .. وأي عاقلٍ سيختار تجنب ما يحدث في كل الأحيان على تجنب ما يحدث في بعض الأحيان  »
*******
– « (أروى) ! .. لقدْ أحضَرْتُ لكِ النسخة ، وهذه هي الكراسة ..  »
– « ما الذي أصنعه بكراسة حبيبكِ ، تكفيني نسخة المحاضرة »
– « إن لم ترغبي في نسخِ شيءٍ آخرَ منها ، فبإمكانكِ أن تعيديها له بنفسكِ ، وفي المراتِ القادمة بإمكانكِ أنْ تطلبي منه ما شئتِ مباشرةً ؛ لا حاجة لتدخلي كوسيطٍ – إنَّ من الغيرة المذمومة أنْ أفترض أنّ أي حديثٍ له مع أنثى هو مشروع خيانة »
– « واو! هذه النقلة المفاجئة في المواقف بحاجة إلى دراسة .. ما الذي حدث ؟ هل شاهدْتِ فيلمًا رومانسيًّا فقدَتْ فيه فتاةٌ فتاها لغيرتِها ، فقرَّرْتِ تغيير نهاية ” فيلمكِ” »
– « شيءٌ من هذا القبيلِ .. آه ، وبالمناسبة : أنا آسفة لأنني شكَّكْتُ في وفائك لي .. أنتِ أحب صديقاتي إليّ ، ومن سوء الأدبِ أنْ أكلمَكِ بالطريقة التي تكلمْتُ معكِ بها البارحةَ ؛ أنا فعلًا آسفة »
– « واو! .. لقد كان فيلمًا مؤثرًا للغاية على ما يظهر .. وعلى أية حالٍ : الرجال يجيئون ويذهبون .. الأسرة تتغير مواقفها بسبب أو بآخر .. الحيوانات الأليفة تحب مَنْ يطعمها كائنًا مَنْ كان … لكن : الصداقة ؟ هذا شيءٌ آخرُ .. أنا معكِ لنهاية الدنيا يا صاحبتي »
– « تعالَيْ هنا ! »
– « حسنًا .. هذا عناق أصدقاء لا شك فيه.. ولكنَّنا في حرم الجامعة .. وهناك مراهقون ينظرون نظراتٍ مريبةً .. ربما علينا أن ننهي هذه المعانقة حرصًا على هرموناتهم .. ( منى ) ، هل .. هل تبكين ؟ »
– « أنا آسـ .. آسـفة ..  »
– « ششش .. كل شيءٍ على ما يرام .. لا داعي للبكاء .. لا داعي للأسف ..  شششش»
– « رجاءً لا تكرهيني بسبب ما قلْتُه »
– « لا خوف من هذه الناحية ؛ أنا مبرمَجَةٌ على حبّكِ .. كان عليكِ إدراكُ ذلك من سنين : مَنْ ستتَحمَّلُ كل سخافاتِكِ طيلة تلك السنين ما لمْ يكنْ حبُّها لكِ قهريًّا ؟ .. هذا أفضل ، الضحكُ يطيل العمر … منديل ؟ »
– « شكرًا …. واو! .. إن هؤلاء الأوغاد يحملقون فينا بالفعلِ »
– « إن أرادوا رؤية المزيد فعليهم زيارة الموقع ، ودفع قيمة الاشتراك  »
– « هناك دائمًا نسخة مسروقة في مكانٍ ما »
– « هذه حقيقة! .. وبالنظر إلى ما تشير إليه ساعتي ، فإن تأخُّرَنَا عن محاضرة ” ثقيل الدم ” هي حقيقة أيضًا »
– « تبًّا ! »
– « تبًّا ! »
********
– « لقد ردَّتْ صاحبتُكِ الكراسة مصحوبةً لا بالشكر ولا بالامتنان ، ولكنْ بالتهديد والوعيدِ : إذا خطرَتْ لي ولو مجرد فكرة أن أخونكِ أو أجرحَ مشاعركِ ، فستمزقني إربًا وتطعمني للكلابِ »
– « خذْ تهديدَها بجديةٍ ؛ إنها مُبَرْمَجةٌ على حبي .. خلافًا لجنسِ الرجال الخائنين ! »
– « ومع ذلك فقد شكَّكْتِ في ” المبرمَجَةِ على حبكِ ” البارحةَ ، من أجلِ رجلٍ »
– « وقد دفعْتُ الثمنَ ، أليس كذلكَ ؟ »
– « ومن الذي ساعدَكِ في دفع هذا الثمنِ ؟ »
– « شخصٌ مفرط القسوة  »
– « مفرطُ القسوة ؟! هل استخدم شيئًا أكثر من يده والحزام ؟ »
– « تبًّا ! اخفضْ صوتَكَ .. إن هناك أشخاصًا حولَنا »
– « ربما لو استمرَرْتِ في إعطائي أوامرَ على مرأى الناسِ ، لن يحتاج الناسُ إلى سماعٍ ، بل سأريهم عيانًا ما أفعله بكِ عندما تشاقيني»
– « آسفة »
– « يا ما أملحَكِ معتذرةً ، وقد نكس رأسُكِ ورفعْتِ بصرَكِ إليّ طالبةً السماحَ ؛ أما مَنْ لا يعرفكِ فيظن أن هذا الملاكَ لا يُذْنِبُ أبدًا ، وأما منْ يعرفُكِ فلا يخفى عليه ما وراء هذه البراءة من شقاوة مركبة »
– « أنا ؟ شقاوة ؟ »
– « يا للبراءة ! وما الذي عاقبْتُكِ عليه البارحةَ إذًا ؟! .. بالمناسبة : هل اعتذرْتِ لصاحبتكِ ؟ »
– « نعم »
– « وهل اعتذرْتِ لي ؟  »
– « لقد أوسعْتُكَ اعتذاراتٍ البارحة !  »
– « كان هذا والحزام يعزف سيمفونيات على مؤخرتكِ .. ولكني أريد اعتذاراً الآن ، بعد أن ذهب الألم وبقيَ العناد .. »
– « أنا آسفة يا حبيبي .. وبالمناسبة فقد ذهب الألم بالعنادِ .. أنا أطوعُ لكَ مِن بنانِكَ وكل أوامـ .. مَنْ هذه ؟ »
– « آه .. إنها طالبة معنا .. إنها من دولة شقيقة ثم بسبب الظروف هناك اضطرَتْ للمغادرة في نصف السنة والالتحاق بكليتِنا .. لقدْ وعَدْتُها أنْ أساعدَها في إدراكِ ما فاتَها »
– « ماذا ؟! .. ولكنّ الدفعة بها مئاتٌ .. لماذا تتحمل أنت هذا العبءَ؟! … ثم إنهـ – »
– « ( منى ) ! »
– « إنها شديدة الجمال ..  »
– « (منى) !! .. لا أحد أجمل منكَ في عينيّ ؛ هذا ما يهمّ »
– « هذا ما يقولونه جميعًا قبل أنْ يملوا القديم ويطلبوا الجديد »
– « هل سنحتاج إلى إعادة درس البارحة .. ظني بكِ أنكِ تفهمين الدرس من أول شرحٍ .. »
– « ليس إذا كان درسًا خياليًّا لا تطبيق له على أرض الواقع »
– « هذه هي .. ستنامين لليلة الثانية على التوالي على بطنكِ ! »
– « أنا آسفة ، ولكني أحبك .. وهذا هو سبب – »
– « وأنا أحبكِ ، ولكني لا أتصرف هذه التصرفات الخرقاء كلما كلمَكِ شخصٌ ما .. وإذا كنْتُ سأحتاج إلى إعادة درس البارحة كل ليلة حتى تشفَي من تلك التصرفات الخرقاء فسأفعل .. لذا من الأفضل أنْ تتعلمي سريعًا .. »
– « حسنًا .. سأكف عن التصرفات الخرقاء .. لا حاجة لإعادة ذلك الدرسِ  »
– « سبق السيف العذل يا حلوة .. وبإمكان درس الليلة أن يتضافر مع درس البارحة ليعطياكِ مناعةً مضاعفةً من تكرار تلك الغيرة السخيفة .. لا خطر من زيادة المناعة »
– « إممهمم  »
– « الآن تتمسكنين ، وتظهرينني بمظهر قاسي القلب الذي لا يَرِقُّ لملاكه .. ولكنْ أين كانَتْ هذه المسكنة قبل لحظاتٍ ؟ حزامٌ ! »
– « أرجوكَ .. أنا لمْ أتعافَ بعدُ من حزام البارحةِ ! »
– « طولُ لسانكِ مقياسٌ أفضل لدرجة تعافيكِ .. لو لم تكوني تعافيْتِ من تأديبِ البارحة لما قلْتِ إنني سأمل القديم وأطلب الجديد »
– « أنا لم أقلْ “أنتَ” لقد قلْتُ ” هم جميعًا ” ، وهناك استثناءات بالطبع »
– « وإنْ كنْتُ من المستَثْنَينَ فما علة ذكرِكِ القاعدةَ للإنكار عليّ ؟! .. لا تحاولي التذاكي عليّ يا صغيرة ، أنا مَنْ يدرس الفلسفة هنا  »
– « هل .. هل ..  »
– « لا يوجد هلٌّ .. يوجد حزامٌ وألمٌ وندمٌ وفتاةُ شقيةُ قد تعلمَتْ درسَها .. وسيأتيكِ تفصيلُ ذلك هذه الليلة »
– « لقد جاءني تفصيلُ ذلك البارحة  »
– « نعم ، “ولكني أملُّ القديمَ وأطلب التجديدَ” .. واللفظُ لكِ »
– « إممهم .. »
– « لو كانَ هذا المواءُ مع غيري لكان له مفعولُ السحرِ ، ولكنّكِ تزدادين “قططية” فأزداد ” سبعية” ، وتزداد رغبتي في التهامكِ ، فأكثري أو أقلي ! »
– « إمهممم »
– « تبًّا ! حسنًا ، سأكتفي بيدي في تأديبكِ هذه الليلة .. ولكنَّ هذا التساهل لن يتكررَ بعد ذلك … هل .. هل هذه ابتسامة ظافرة ؟! هل ابتسَمْتِ بظفرٍ قبل قليلٍ ؟! »
– «  لا ، أقسم أنني لم أفعل ..»
– « هل تزيدين في قائمة ذنوبك الكذبَ عليّ ؟ »
– « أعني : أقسم أنني لم أبتسم بتطرفٍ ، فقط ابتسامة ظافرة صغيرة  قابلة للإهمالِ  »
– « دعي لي تقديرَ المهملِ في هذه المعادلة .. هذه الابتسامة الصغيرة آخرُ ما يُوصَفُ بالمهمل .. إنها رقم ضخمٌ في أحد طرفي المعادلة ، فيستدعي قيمة ضخمة من الضربات في الطرف الآخر من المعادلة حتى يتساويا .. بإمكانكِ أن تشبعي من الجلوس حتى ميعاد عقابكِ الليلة يا صغيرة .. فعلى الأغلبِ لن تذوقي الجلوس بعدَها لفترة طويلة! »
– « إمممهممم »
– « لو تحولتِ إلى هُرَيْرَةٍ في هذه اللحظة فلَنْ ينفعَكِ .. »
*********
– « أنا آسفة .. إهئ إهئ … أنا آآآآآسفة … أنا .. إهئ »
– « أين توضع يدا الفتاة الصغيرة الشقية عندما تُعاقَبُ ؟ »
– « على الأرض .. على الــ .. إهئ »
– « وأين كانتا قبل قليلٍ ؟ »
– « تغطيان مؤخرتي .. إهئ .. أرجوك ..  »
– « وكيف يجب أن تكون مؤخرة الفتاة الصغيرة الشقية عندما تُعَاقَبُ ؟ »
– « غير.. مغطاةٍ.. بشيءٍ ..أرجوك.. أرجوك .. »
– « وهذا يستدعي عقابًا أليس كذلك ؟  »
– « أرجوك .. أرجو- »
– « ولكنْ كيف نعاقبُ فتاةً تعاقَبُ بالفعلِ ؟ »
– « أرجووووك ..  »
– « لا بد من اختراعِ شيءٍ يزيد في هذا العقابَ حتى يؤدي النتيجة المرجوة .. ولتَكُنِ الزيادةُ عددية أو مكانية أو توبيخية .. في الواقع سأترك لكِ حرية الاختيار أي أنواع الزيادة تريدين ؟ »
– « ما تريده ! .. افعَلْ بي ما تريده !! .. أنا فعلًا آسفة .. كل ما تريده ..إهـــئ … إهئ»
– « حسنًا يا صغيرة.. آخر مرةٍ أشفَقْتُ فيها عليكِ .. قابلْتِ شفقتي بغرورٍ بقدرتكِ على ترقيق قلبي عليكِ ..  »
– « أنا آسفة .. »
– « لو صفَحْتُ عنكِ الآن ، فهذا ليس عن ضعفٍ من جانبي ولا احتيالٍ من جانبكِ ، ولكن عن اقتناعٍ بأنكِ قد نلْتِ كفايتكِ ؛ والابتسام بظفرٍ يُذْهِبُ هذه القناعة .. هل هذا مفهوم ؟  »
– « أرجوووك .. لقد نِلْتُ كفايتي ، عندما أخطئ .. ستعاقبني .. ولا يوجد مخرج آخر .. تمسكن أو دلال أو غيره .. لقد تعلمْتُ درسي ، أرجوك..   »
– « وما هو الدرس ؟ »
– « أنْ أثق فيكَ ، ألا أبالغ في غيرتي عليكَ .. آه .. آه .. آآآه .. إهئئ… أرجوك »
– « وأهم نقطة في الدرس؟ »
– « آ..آ.. أنا لا أعرف .. أرجوك ، ليس المزيدَ من الصفعاتِ .. أرجووك »
– « ما الذي قلْتُه قبل أنْ تعلقي تعليقَكِ السخيفَ عن القديم والجديد ؟ »
– « آ .. آ .. أنّ عليّ أنْ أكف عن الشك فيك ؟ .. آ .. أنا لا أذكر .. أنا آسفة ..  »
– « هذه هي المشكلة يا حبيبتي .. أنتِ تركزين في السيء الواقع والمحتمَلِ ، وتهملين الجيِّدَ الواقِعَ والمحتمل .. دعيني أذكركِ : لقدْ قلْتِ شيئًا عن جمالٍ فتاةٍ ما لا محلَّ لها من الإعرابِ ، فما الذي كانه ردي ؟ »
– « أنني أجمل امرأة في عينيك »
– « تذكري هذا في المستقبلِ ! »
– « آه.. آآه … سأتذكره .. سأتذكره .. أرجوك .. »
– « حسنًا ، هذا يكفي .. لا أريد أنْ أسمعَ في المستقبل كلمة واحدة عن فلانة ولا فلانة .. لا يوجد غيرُكِ في الحقيقة فلماذا تفترضين احتماليات خيالية مستحيلٌ أنْ تقع ؟ »
– « أنا آسفة .. ولكني أحبكَ ..  »
– « إنّ مِنْ حبكِ لي أنْ تثقي في وفائي لكِ .. أنا لسْتُ لعبةً تحبينها وتخافين أنْ تُسْرَقَ !! »
– « أنا آسفة.. »
– « ثم إنكِ أجمل وأكمل وأعقل وأرق امرأةٍ في الكونِ .. وأكثرهنّ شقاوةً أيضًا .. فحتى لو كنْتُ أسوأ الناسِ وأخدعَ الناسِ وأحمقَ الناسِ فلنْ يفوتني أنْ ألاحظَ أنه لا منافسةَ لكِ لأهتم بها .. أنا مسرورٌ بتواضعكِ ، وظنُّكِ أنّ للأخرياتِ مثلَ ما لكِ .. ولكنَّ قليلًا من الواقعية قد يعالج هذه المشكلة .. أنتِ فوق الجميع .. هذه حقيقة .. على الأقل  : في قلبي هي حقيقة .. ولكنها حقيقة كونية أيضًا ، ليس ذنبي أنّ قلوب الآخرين لا تدركها ..  »
– « شـ..شكرًا ..»
– « لقد كان هذا مدحًا مخلوطًا بتأنيبٍ ، ولكنّ التفاتَكِ للمدحِ قبل التأنيبِ مؤشرٌ جيدٌ .. لا مزيد من الحملقة في النصف الفارغ من الكوب .. نعم ، جنس الرجال خائن في المجملِ .. ولكنْ على حد علمي فهذا ليس ذنبي.. أنا لكِ ، ولكِ وحدَكِ .. فلْنُنْهِ هذا الدرسَ بهذه الخلاصةِ »
– « نعم ..»
– « ولنُنْهِ هذا العقابَ بالوقوف في الزاوية ؛ بما تتيحه هذه الوقفة من تأملٍ في الماضي والحاضر والمستقبلِ في نقاء وصفاءٍ .. لقدْ جرَّبْتِ هذه الوقفة مراتٍ من قبلُ .. أنتِ مدركة لإمكانياتِها غير المتناهية .. »
– « إحممحم .. بالطبع !»
– « هذا جيدٌ .. »
– « هل يمكنني أنْ .. أعانقكَ ؟ »
– « بالمعنى المقدَّسَ أم بالمعنى الحرفي ؟ »
– « آممم ، كلاهما في الواقع ، و لكني عنَيْتُ قبل “الإقامة” في الزاوية .. »
– « بالمعنى الحرفي إذن ! .. تعالَي يا أميرة القلبِ  »
– « لسْتَ غاضبًا عليّ ؟ »
– « أنا مُبَرْمَجٌ على حبُّكِ أيضًا .. ربما في حياةٍ أخرى سنكون صديقتين مقربتين .. ولكنْ في هذه الحياة أنا حبيبُكِ.. ومهما شاع عن هؤلاء من خيانةٍ وتقلبٍ ، فأنا استثناءٌ يثبت القاعدةَ .. »
– « هل في صوتِكَ شيءٌ من الغيرة من (أروى ) ؟ لأنّ عليّ أنْ أصارحَكَ أنّ النظر إلى النصف الفارغ من الكـ –  آآآه .. لقد كانَتْ مزحةً ..»
– « إلى الزاوية يا حلوة .. مزاحُكِ سمجٌ ! »
– « ولكنَّكَ تعشقه كما تعشق كلَّ شيءٍ فيَّ ! »
– « حقيقة .. ليتَها تنهاكِ عنْ غيرتَكِ ! »
– « ولكنْ في النهايةِ الأخرى من الطيف هناك الغرور المقيتُ وعدم الاحتفالِ بكَ ثقةً في مكانتي عندَكَ ! »
– « وما المشكلة في الاعتدال ؟ »
– « الحاجة الدائمة لمَنْ يضبطُ المؤشر حتى لا يميل إلى أحد التطرفين ! »
– « الحزامُ موجودٌ ! .. وصاحبُ الحزامِ موجودٌ ! »
– « لسانك المعسول يا أميري ! .. هل يمكننا تجاوزَ الزاوية ..مع الاعتراف الكامل بإمكانياتها السحرية .. والانتقال مباشرة للمعانقة ؟ »
– « إلى الزاوية يا صغيرة .. لا مزيد من التساهلاتِ !  »
– « إمهممم »
– « تبًّا ! تعالَي هنا ! »
************

قصة : طبيعة صامتة ، ومتكلِّم ! ( م / ف )



قصة : طبيعة صامتة ، ومتكلِّم ! ( م / ف  ) 
– بضعة تنويهاتٍ :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تلمح القصة إلى علاقة ذات طابع جنسي  ذكرٍ وأنثى ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 

تنويه 3 : مما تلمح له تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع هو ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

– القصة :
ينفتح المشهد على زاوية غير مألوفة لكرسي زجاجي غريب المنظر ؛ ذلك أنّ زجاجيَّتَه تجعله شفافًا كالبلور فلا يحول شيءٌ منه بين الناظر وبين الجالسِ عليه ، أما الزاوية غير المألوفة فهي توازي ما كان الناظر لِيرَاه لو انبطح مستلقيًا على ظهره قريبًا من الكرسي ثم رفع نظرَه إليه .. ولا يخفى ما في شفافية الكرسيّ وما في هذه الزاوية من نذيرٍ بفحشٍ ، إن صحَّ التعبيرُ ..
ولِمَ لا يصحُّ التعبيرُ ؟ .. وأوَّلُ جالسٍ _ أو جالسةٍ للدقة _ تدخل المشهد الضيق ، فلا نرى منها سوى نصفِها السفليّ وحذائها الذي يغطي نصفَ ساقِها ، ثم تريح مقعدَتَها المثقلةَ على الكرسي الغريب غير عابئةٍ بما حولَها .. وما كان ليحجبَه كرسيٌّ آخر لم يحجبْه كرسيُّنا هذا ؛ الردفان اللذان يغطيهما قماش الجينز الغليظ يستقران على قاعدة الكرسيّ، فينضغطان تحت وزنِ الجذع ، فيتفلطحان بعض الشيء لتزايد مساحة السطح الملاصق للكرسيّ منهما ؛ أو هكذا يقول الدرس الهندسيّ الفراغيّ ! 
ويستقرّ المشهدُ على هذا الوضع فترةً من الزمنِ مع قليلٍ من التقلقل الذي لا يكاد يُلْحظُ ..
ثم تأتي لحظة الانصراف _ ولا ندري ماهية هذا الانصراف ، فقد يكون هذا مطعمًا مثلًا ، وقد فرغَتْ هذه السيدةُ من طعامِها ، أو غير ذلك ،  فالزاوية لا تسمح لنا برؤية الكثيرِ _ فيغادر الردفان موقعيَّتَهما مستعيدَين ما كانا فقداه مؤقتًا من تكوُّرٍ فاتنٍ ، ويُسْهِمان بدورِهما في انتصابِ الجذعِ ، كما يقرُّ ذلك علماءُ التشريحِ .. قبل أن يغادرا المشهد بالكليةِ .. ليبقى الكرسيُّ الزجاجيُّ فارغًا حينًا من الزمن..
ثم بدون مقدماتٍ يدخل إلى المشهد على عجلٍ قدَمان أكثرُهما عارٍ ، وأقلُّهما مغطًى بما تَجْعَلُه الزاويةُ التي نشاهد منها في حكم المُنْعَدِمِ هو الآخرُ … ثم تجلس الحسناء على الكرسي ؛ ولا بد أنها حسناءُ .. إذ لا يُظْهِرُ كلَّ هذا إلا مُعْجَبٌ بحُسْنِه !
ويحاط جانبا الكرسيّ بجانبي تنورةٍ قصيرةٍ مربعة الزخرفة ؛ كل مربّعٍ قد حوى لونًا غير لونِ مجاورِيه ، ولكنه يتكرر بنمطٍ ثابتٍ .. وتتيح لنا هذه الزاويةُ المبَارَكةُ للرؤيةِ النظرَ إلى ما بين جانبَي التنورة مما لاصق الكرسيَّ النمّام _ لأنه ينمّ عما كان يجب عليه أن يسترَه ! _ فنرى .. لا شيءَ !
وليس المقصودُ أنّ ما نراه عدمٌ أو هواءٌ ، ولكنّ المقصودَ أنّ التنورةَ جنسٌ من الملابسِ ، يغلبُ على الظنّ انكشافُ جنسٍ آخرَ من الملابس عند زوالِها _ أو عند حدوثِ ما هو في حكم الزوال ، كما هو الحال في مثالِنا هذا _  وبهذا المعنى ، فإننا لا نرى شيئًا .. بل نقابلُ الغاياتِ دونَ المرورِ بالوسائل ! فيتوجَّبُ علينا شكرُ الكرسيِّ والزاويةِ كما شكرناهما في المرة الأولى ، ولكننا نزيدُ في هذه المرةِ شكرَ الحسناء التي أسهمَتْ معهما في الوصولِ إلى هذه الدرجة الرفيعة في عالم الكشف والمشاهدة – ولا أعتقد أنّ السادة المتصوفة كانوا يعنُون هذا المعنى بهذا المصطلحِ ؛ ولكنْ كلٌّ يَبْكي على ليلاه .
أما الردفان محلّ التعرّي الكاملِ .. فهما دونَ سابقَيهما في الحجم وفوقَهما في دقة التكوينِ وتكامل الكرويّةِ .. ثم هما لا يستران ما بينهما ألبتة .. مع تفلطحهما بحكم الجلوسِ .. فنرى بجلاءٍ ما تُدَقُّ الأعناقُ دونَ رؤيتِه .. ويتوجّبُ علينا إضافةُ دقةِ تكوينِ الردفينِ لجُمْلةِ المشكورِ في الوصول إلى هذه الرتبة الساميةِ التي اختص بها أهل الباطن دونَ المشتغلين بعلوم الظاهر …
أما الذي هو بين الردفين مستقرٌّ استقرارَ الملك في قصرِه .. فيجلُّ عن الوصفِ .. ولا يُدْرَكُ كنْهُهُ بالنقلِ ، وإنما هو خبرةٌ ذاتيةٌ يخوضها المرءُ فيدركَها ، ومن لمْ يخُضْها لم يُدْرِكها بتعلمٍ!
وحسبُه في الشرف أنَّ حاجبَيه _ أو ما كان يُفْتَرَضُ أنْ يكونا حاجبيه لولا صِغَرُهُما _ مِنَ الحُسْنِ والكمال بحيث يُطلبَان لذاتهما.. ومَنْ يُفْدَى بِمُفَدًّى فهو عزيزٌ !
أما القلقلة بل الاحتكاك غير اللائق الذي تخوض فيه الحسناءُ خوضَ الفلاسفة في الجدلِ فحَدِّثْ ولا حرج ؛ لولا بقيةٌ من هيبةِ المكان العام _ ونحنُ نتوقّع أنّنا في مكانٍ عامٍ ، إذ لا سبيل إلى رؤية تفاصيل المكان _ لقام الكرسيّ الزجاجيّ مقام ما لا يصحُّ تسميتُه .. ويَصْعُبُ علينا _ مهما حاولْنا إبقاءَ بقيّةٍ من خصوصية صاحبتِنا _ أقول : يَصْعُبُ علينا ألا نرى أثرَ الاحتكاك الدءوب بالسطح الزجاجي الأملس – أثرُه في المحجوبِ بالردفينِ ؛ احمرارًا وتضخمًا وسيلانَ لعابٍ !
ويتوقفُ الاحتكاك والقلقلة فجأةً .. فنتساءل _ بموضوعية بحتةٍ _ عن علة التوقف .. ثم تقوم الحكّاكةُ عن الكرسيّ بالكليةِ.. على عجلٍ كأنها تذكرَتْ شيئًا فهي تُهْرَعُ إليه ، ونخطف نظرةً أو نظرتَينِ إلى المشهد الشريفِ قبل أن ينقضي سريعًا بارتحال صاحبتِه عن زاويتِنا الضيقة … فيزيد تساؤلنا الموضوعيّ عن سببِ هذا كلِّه ..
ونقضي فترةً تقترب من ربع الساعةِ في انتظارِ قادمٍ جديدٍ يُذْهِبُ بعْضَ تشوقنا العِلْمِيِّ القحّ إلى المزيدِ .. ولكنّ قدمَينِ شبه عاريَيْنِ شبه مألوفَين يعاودانِ الدخولَ إلى المنظور الضيق .. ويبدو في اضطرابِ حركتِهما أثناء مشيِهما ما يؤذنُ بخبرٍ مهم سنُطْلَعُ عليه …
ويعود الردفان مكتملا التكوين والتكور إلى الجلوس على كرسيِّنا .. وتعود التنورة إلى الانسياب على جانبي الكرسي، وقد أفْضَتْ بسرِّ ما تحتَها للكرسيّ ليَكْتمَه ، ولكنّ الكرسيّ _كما علِمْنا_ لا يُؤتَمنُ على سرٍّ ..
ولو جاز لنا التقاط صورةٍ لما نراه الآن والتقاط صورةٍ لما كان عليه المنظرُ قبل دقائق ، ومقارنة الصورتَين لخرجْنا باختلافَين جوهريين .. أما أحدهما فقريبٌ من الحدس، وأما الآخر فلا سبيلَ إلى معرفته تخمينًا حتى نُخْبَرَ به ..
فأما القريبُ من الحدسِ فاستتارُ ما بين الردفَين مما كان مكشوفًا قبل قليلٍ ؛ سَتَرَه _ ولم يستُر ما عداه_ قماشٌ رقيقٌ هفهافٌ أبيضُ .. سَلَكَ سبيلًا ضيقةً بين الحاجِبَينِ ليسترَ المحجوبَ ويدَعَ الحاجبَينِ على عُرْيانيّتِهما . ولو كان هذا القماش المقتَصِدُ في التغطية أوَّلَ ما قابَلَنا مِنْ هذه الحسناءَ لقَنَعْنا به أيَّ قناعةٍ ، ولكنْ إذا جاءَ النفيسُ بعد الأنفسِ حطَّ ذلك منه مع نفاستِه ..
 قلْنا : وهذا مما يسهلُ تخمينُه ؛ أنَّ صاحبتَنا انصرفَتْ لتغطّي هذا ثم عادَتْ .. ولقائلٍ أن يقولَ : إنها كانَتْ منغمسةً في فعْلٍ يناسِبُ الكَشْفَ لا التغطيةَ .. فَلِمَ تقطعُ فعلَها ذاك قبلَ تمامِه لتغطيَ ما حقُّه أنْ يُكْشَفَ حتى يكونَ انكشافُه عونًا على بلوغ الغاية التي كانَتْ بصددِ بلوغِها ؟
ونردُّ على هذا السائلِ فنقول : إنّ الإنسانَ قد يفعلُ الشيءَ مختاراً وقد يفعله جبرًا .. ولعلها لمْ تَقْطَعْ فعلَها ، وإنما قوطِعَتْ في أثنائه ، ثمَّ حَمَلَها مقاطِعُها على التوقفِ عن إتمام فعلِها ، ثمَّ لمْ يكْتفِ بذلك حتى ذهب بها إلى مكانٍ خاصٍّ _ بِفَرْضِ أنَّ هذا مكانٌ عامٌّ ، فيكون الكرسيّ في مطعمٍ مثلًا ، وهو ذهب بها إلى دورة المياه في ذلك المطعم _ وحملَها على ستْرِ ما كان منكشفًا زيادةً في الحيلولة بينهَا وبين ما قاطعَها وهي تفعلُه …
وللسائلِ أنْ يسْتمِرَّ في جدلِه فيقولَ : إنّ هذا تأويلٌ بعيدٌ ، إذ يفترِضُ أنّ هناك صاحبًا لها ، ثم أنّه علِم بما كانتْ تفعلُه _ ومن أين له أنْ يعلمَ ؟_ ، ثم أنه حملَها على التوقف فتوقفَتْ _ وماذا عليها لو خالفَتْه ؟_ ، ونحن نعلم ما يكون عليه المرء _ أو المرأة في هذا المثال _ في مِثْلِ هذا الموقفِ مِنْ حالٍ عجيبةٍ تأمُرُ ولا تُؤمَر ، ثم أنه ذهب بها إلى مكانٍ خاصٍّ _ وهذا كله احتمالٌ لا دليلَ عليه _ ، ثم أنه أمرَها بسَتْرِ ما كان منكشفًا بما يعني أنه كان يعلمُ بانكشافِه ، أو أنه _ وهذا أدهى _ استخبرَها فأخبَرَتْه ، أو أنه _ وهذا أبعد الثلاثة عن المألوف_ رفعَ تنورتَها فلمْ يجِدْ شيئًا ، فأمرَها بارتداءِ ما يسترُها .. ثم أنها أجابَتْه إلى هذه أيضًا … ثم إننا لو افترَضْنا ذلك كلَّه ، لبَقِيَ غيابُها لهذه الفترة الطويلةِ غيرَ مُبَرَّرٍ ، فقد كان حقُّ هذا كلِّه أن ينقضي في دقيقةٍ أو دقيقتين ، فأيُّ شيءٍ أخَّرَها ؟
ونردّ على هذا السائلِ بحجةٍ واحدةٍ تُذْهِبُ كلَّ ما ذهبَ إليه .. وهو قولُنا : حمراء !
وقد يعتقد السائل أنّ هذه سبةٌ مما يتسابُّ به العوامُ ، فيغضبَ .. ولكننا لا نلبث أن نفسِّرَ له قولَنا ، فيذهبَ غضبُه ، ويوافقَنا على صحة ما ذهَبْنا إليه ..
وهذا هو الفرق الجوهري الثاني بين الصورتين : حمراء !
فالردفان الدقيقان مكتملا التكوير ، قد غايَرَ لونُهما في الصورةِ الثانيةِ لونَهما في الصورة الأولى .. كانا في الأولى في لون ما فوقَهما وما تحتَهما ، فصارا في الثانية في لونِ ما بينهما .. ولهذا سببٌ لا يخفى على الفَطِنِ ، ونحنُ نبيِّنُه فيما يلي ..
وهو أنَّ العجمَ _ لفسادِ بيئاتِهم ، ولقلة المروءة فيهم _ يؤدبون صبيانَهم بل وبناتِهم ، بإيقاع آلة الضربِ بِرِدْفَي المضروب ، نقول: بل لا يتعفف بعضُهم منْ أنْ يجْعَلَ آلةَ الضرب على هذا الموضعِ يدَه ! ولولا أننا رأيْنا هذا بأعينِنا لما صدَّقْناه ! بل لقد أخبرَني الثقةُ أنّ بعضَهم ينزِع ما على المضروب من ثيابٍ في هذا المكان ، فيباشرَ جلدُ يدِه جلدَ استِ المضروبِ ، وهو يَعُدُّ هذا تأديبًا ، فاعْجَبْ !
قلْنا : وقد شاع هذا فيهم ، حتى صارَ بحكم العادةِ عندَهم ، يرَوْنَه ولا يُنْكِرُونَه .. قلْنا : ولما كان دأَبُ فريقٍ من أهل هذه الديار الشريفة تقليدَ الأعاجمِ في كلٍّ سخيفٍ من فعلهم مُسْتَرْذَلٍ .. فإننا لا نسْتَبْعِدُ أنهم أخذوا هذه _ في جملة ما أخذوه _ عن الأعاجم ، فهم يؤدبون غلمانَهم _ ونساءَهم كما في هذا المثال_ بهذه الهيئة المُسْتَبْشَعَةِ . 
ولولا أننا نعلمُ _ بكثرة الاطلاع ، طلبًا للعلم فحسبُ_ هذا الأمرَ ، لاحتَرْنا في بيانِ ما حدثَ ، ولكانَ في حجةِ ذلك السائلُ ما يقطعُنا عن الردِّ عليه ، فهذا من فضلِ العلمِ على أهله ، فَتَنَبَّهْ !
فنحْنُ نعودُ للجاج هذا السائلِ فنردَّ على حججه واحدةً واحدةً ، فأما قولُه إننا افتَرَضْنا وجودَ صاحبٍ لها . فنحن نردّ عليه : بشيوع هذا بين أبناء هذا الزمانِ وغلَبَتِه فيهم ، ونزيد على ذلك ما كانَتْ هذه الحسناءُ بالذات ترتديه ، فهي لا ريبَ ذات خدنٍ ، ولا يبعُدُ أنْ يكون رافقَها في هذا اليومِ .. والاعتراض بأنه ما كان يرضى أنْ تخرجَ مرتديةً مثلَ هذا – بعيدٌ .. فإنه يسرّه أن يرى الأعْيُنَ تمتد إليها ثم لا تطولُ ما فوقَ ذلك ، وهو يطولُ ما فوقَ ذلك . وليس في الرؤية _على مذهبِ هؤلاء_ كبيرُ شيءٍ ، كما قالوا :
فما لك منها غَيْرَ أنك ناكحٌ  |||  بعينيكَ عينَيْها فهل ذاك نافع؟!
فنكاح الأعينِ عند هؤلاء لا تدخله الغيرةُ _ تقليدًا لفعل الأعاجم في هذه أيضًا ، كما أسلَفْنا _ ..
وأما قوله : ومن أين له أن يعلم ؟ ، فالرد على هذا سهلٌ يبيِّنُه لنا علماء وظائف الأعضاء .. فإنّ الأعصابَ التي تعملُ بلا إرادةٍ من صاحبِها _ مِنْ مثلِ ما يُفْرِزُ اللعابَ بمجرد أنْ يشمَّ المرءُ الطعامَ الطيبَ _ تؤثر في كثيرٍ من جسم الإنسان عند مباشرتِه الجماعَ أو ما هو في حكم الجماعِ .. فتُنْتِجَ توسعًا في العروق فيتورد الخدان ويدفأ الجسم.. وهي تُبْطِئ التنفس .. وقد يثقل الجفنان ، فتغمض العينان .. وغير ذلك مما لا يخفى على الأريب .. فإذا رأى منها ذلك ، مع دلالة التقلقل .. ومع الانشغالِ عن كلامِه بما هي فيه .. أدرك ما وراءَ ذلك بلا عناءٍ ..
وأما قولُه : وما عليها ألا تَفْعَلُ .. فهذا مما يسهل الردُّ عليه، لأنها تقبلُ منه العقوبةَ الموجِعةَ فمِنْ باب أولى أنْ تأتمرَ بأمرِه .. فليس في هذا ما يُسْتَغْرَبُ ..
وأما استغرابُه مِنْ أنْ تُطْلِعَه على ما ترتديه .. فنحن نسأله: فتاةٌ تُطْلِع العالمِينَ على رجلَيها إلا شبرًا ، بأيِّ شيءٍ تخصُّ صاحبَها إنْ لمْ تخصَّه بخَبَرِ ما تحتَ الشِّبْرِ ؟!
بل نقيض ذلك هو ما يحمل على الاستغراب ..
وأمّا قولُه : فأيُّ شيءٍ أخَّرَها ؟ .. فالذي ذكرْنا .. انشغلَتْ باستقبالِ يد صاحبِها بردفيها ؛ عقوبةً ، بزَعْمِهم..
رَجَع الكلامُ …
وننظرُ إلى حال صاحبتِنا الجديد فنجد القلقة والحك قد عُدِما واسْتُبْدِلَ بهما تقعُّرُ الظهر حتى يشتدَّ التماسُّ بين الردفَين ومقعد الكرسيّ – ولا شكَّ أنّ مقعدَ الكرسيّ باردٌ يخفف بعضَ الحرارة عنْ مقعدة القاعدة على المقعد!
وبين الحك طلبًا للذة ، وزيادة المماسّة طلبًا لتخفيف الألم تشابهٌ ما ، ففي كلتا الحالتَين يقدِّم الكرسيّ الزجاجيّ خدمةً للجالسة عليه ؛ متعةً ، أو تخفيفَ ألمٍ ..
ولكنّ النظرَ المتفحصَ لا يتوقفُ عند الردفَينِ المكشوفَين ، بل يتعداهما إلى المستورِ بينهما ، فيجده متوثبًا من تحْتِ السترِ كأنَّ به حاجةً متوقدةً إلى شخصٍ أو شيءٍ ، ولولا القماشُ يمنعه لصرَّحَ بها لا يُكَنِّي .. ولكنّ القماش قد كَعَمَه ، فحجب صوتَه عنْ أنْ يُسْمَعَ .. فيحتالُ الذي هو مستقرٌّ بين الردفَينِ على القماشِ فيُسَرِّبَ من خلالِ ثنايا القماشِ رسالةً يعيها من يعيها ، على هيئة بللٍ لزجٍ لا حيلة للقماش الأبيضِ في سترِه ، وعلى هيئة عبيرٍ لو دنَتِ الأنفُ قريبًا منه ، لشَمَّتْ منه أطيبَ ريحٍ ..
قلْنا :  ولا شكَّ أنّ صاحبَ الفتاةِ يعلمُ رغبةَ صاحبتِه المشتدة ،  فهو قد باشر الردفَينِ العاريين قبل دقائق بالعقوبة الموجعة ، فلم يكُنْ يعجِزُه أن يثني عنقَه قليلًا ، فيطلع _ بلا حجابٍ _ على ما بين الردفَينِ ويرى حالًا لا يصحُّ معها صَبْرٌ … فصاحب الفتاة _لا ريب _عازمٌ على إتمام العملية التي قاطعَها قبل قليلٍ بمجرد أنْ يضمَّه والفتاةَ مكانٌ خالٍ ..
ويَبْعُدُ أنْ يكون ذلك المكان الخالي الذي سيضم الفتى وفتاتَه مُنْشَغِلَينِ بما لا يخفى على أحدٍ  . نقولُ : يبْعدُ أنْ يكون محتويًا على أثاثٍ زجاجيٍّ شفافٍ ، وعلى فرصةٍ للاطلاعِ _ من زوايا ملائمةٍ _ كما هو الحالُ الآن ..
ولذا فيجب على الحاذقِ الفطِنِ أنْ يَنْصَرِفَ بكليّتِه إلى المُتاح الآن ؛ وليسَ المتاحُ الآنَ قليلًا ..
ويجب عليه ألا يُذْهِبَ لذة اللحظة بتصور ما هو خيرٌ منها مما لا سبيلَ إليه للاطلاع عليه .. فإنّ القناعةَ كنزٌ لا يَفْنى ، على ما قرّرَ الحكماء الأوَلُ .. فاعَلَمْ ذلك !

قصة : مقهى + محل هدايا = مقعدة حمراء ! ( م / ف ، ف / ف )


قصة : مقهى + محل هدايا = مقعدة حمراء ! ( م / ف ، ف / ف ) 

– بضعة تنويهاتٍ :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين أنثيين ، وبين ذكرٍ وأنثى ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب مما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

– القصة :
الظهر المقعر .. اليدان المرتكزتان على الفخذين .. الركبتان المثنيتان .. النظر المصوّب إلى الأمام غافلًا بالكلية عن انشغال من وراءه بالمشهدِ ..
من الذي اخترع هذه الانحناءة الفاضحة ؟!
عضلات الردفين الريانين تكاد تمزق ما فوقهما من ثياب .. وكأنهما يصرخان بالعيون والأيدي والألسنة لتمتد إليهما .. صراخ عرائس بحرٍ لا يبقي في البحارة عقلًا ولا إرادةً ..
من الذي اخترع هذه الانحناءة الإباحية ؟!
ثم ما أتحرق شوقًا لفعله ؛ ما أنا مستعدٌّ لأن أبتاع بسنين من عمري فرصةً لفعلِه .. يقوم به غيري ..
طاااخ !
الانحناءة المخلة بالآداب تتحول إلى وقفة منتصبة مفاجئة ، المؤخرة ترسلُ رسالة احتجاجٍ إلى العقلِ بما فُعِلَ بها ؛ ” لقدْ صُفِعْتُ ، خذ لي حقي _ أيها العقلُ _ من صافعي ” ولكن المؤخرة المكارة لا تخبرُ العقلَ بما فعلَتْه هي في البداية ؛ كل ذلك الإغراء ..
  وتمتد اليدان البضتانِ ليغطيا الردفين المصفوعين حديثًا .. كأنهما يمنعان عنه مزيدًا من الصفعات المحتملة .. أو ليخففا أثر الصفعة السابقة .. أو مزيجًا من هذا وذاك .. وتقول صاحبةُ الردفين المصفوعين :
– « نحن في الطريق يا غبية !! »
ما الغباء في هذا ؟ طريقًا كان أو غيرَ طريقٍ .. لقد رأتِ الصافعةُ الردفين الرجراجين يطلبان العناية والاهتمام فأولَتْهما حقَّهما من العناية والاهتمام .. متى صار هذا ذنبًا ؟  لو كان اللومُ موجَّهًا لأحدٍ فللطالبِ لا الملبي !
وصاحبتُها تتجاهل ما حدث ، وترد عليها في لا مبالاة بينما تشير إلى المعروضات خلف زجاج العرض :
– « هل أعجبكِ شيءٌ ؟ »
تعود الانحناءة المثيرة مرةً أخرى .. إما أنها تتعمد إثارة البشرية التي توقفَتْ كلُّها عما تفعله لتتأمل المشهد الخالب للألباب .. وإما أن صاحبة هذه الانحناءة غافلة تمامًا عما تصنعه محاسنُها بقلوب النظّارة ، وهذه الغفلة تزيدُ الموقفَ اشتعالاً !
وللأسف يبدو أن القرارَ قد اتُّخِذَ سريعًا ، فانتصبَتْ واقفةً بعد لحظاتِ ، ثم دخلَتْ مع صاحبتِها إلى المحلّ .. وبعد ثوانٍ خرجت وفي يدها حقيبة هدايا تحوي على الأغلب ما قرَّرَتْ شراءَه قبلَ قليلٍ ..
ردفاها الفاتنان يرتجان في بنطالها الضيق بينما تغادرُ المحلّ وتسير إلى وجهتِها حتى غابَتْ عن نظري .. وبغيابِها عادَ إحساسي بالموجودات حولي .. أصواتُ النرد .. قرع الأكواب لخشب الطاولات بينما تنزل بها يدا النادلِ المدربتان على عجلٍ .. ليسرع صاحبُهما إلى زبونٍ جديدٍ وطلبٍ جديدٍ .. صراخ معلق مباراة كرة القدم عبر التلفاز ؛ بسبب هجمة ضائعة أو هجمة لم تضعْ ؛ إنه يصرخ في الحالتَينِ ..
لا تزال صورة المؤخرة الفتانة عالقة بذهني .. وصورة اليد المحظوظة التي لمسَتْها – ولو من وراء ملابس .. من غير اللائق أنْ أفكر هكذا أفكارًا ، ولكنْ كيف لمن رأى ذلك المشهدَ ألا يفتتنَ به ، وألا ينشغل عقلُه به ؟
ربما عليّ أنْ أقطع جلسة القهوة اليومية هذه سريعًا ، وأعود للبيتِ لأستعيد ذلك المشهد على مهلٍ .. وربما _ في خيالي _ ألعب دورَ تلك الفتاة المحظوظة صافعة الردفين الوافرين !
*******
أتملى النظر في هذه الهدايا السخيفة .. عندما طلبَتْ مني أن أتجهز لنخرج معًا كان تفكيري قد ذهب لشيءٍ آخرَ .. ثم اكتشفْتُ أن سبب الخرجة هو شراء هدية عيد ميلاد لصاحبة لنا ..
لا أدري لماذا يصرّ الناسُ على تبادل الهدايا في أعياد الميلاد ؟ .. لماذا يحتفلون بأعياد الميلاد أصلًا ؟ .. مزيد من الخطوات نحو القبر ! يا لفرحتِنا !
ثم حاولْتُ أثناء ذهابِنا لمحل الهدايا أن أسبر أغوارَها بلا جدوى .. لقد ارتديْتُ عامدةً هذه الثيابِ بالذاتِ حتى تكون مدخلًا لما بعدَها .. وبالنظرِ إلى ما حدث بيننا الأسبوعَ الماضي ، فكان ينبغي أنْ تثيرَ فيها هذه الثيابَ معاني التعلق والرغبة ، وربما الحب أيضًا ! ..
 ولكنّها لم تعلق حتى على ما أرتديه !
 ثم بلا مقدمات ..وبعد أن آيسْتُ من أنْ أسمع منها شيئًا ..  أشعر بيدِها تصفع مؤخرتي .. مرةً واحدةً ! ..  تلك الماجنة ! .. إننا في الطريق العام ! .. ماذا لو خمن أحدُهم ؟
وعلى الرغم مني أصرخ بها :
 – « نحن في الطريق يا غبية !! »
بمجرد خروج الكلمات من فمي أندم عليها .. إنّ إهانتَها هي آخرُ ما أرغبُ فيه .. ولكنّ الأمرَ يمر مرور الكرام ؛ إنها تتجاهل ما قلْتُه وتسأل في لا مبالاة مصطنعة :
– « هل أعجبكِ شيءٌ ؟ »
هكذا إذن ؟ .. تريدين التظاهرَ بأن ما بيننا هو ما يجري بين أي صاحبتين ؟ .. فليكن ! .. أرجع للنظر في تلك الهدايا السخيفة .. ثم أختار أحدها وأسرع لداخل المحل وأشتريها بدون أن آخذ رأيها .. وفي طريق العودة أتظاهر أنا الأخرى بعدم الاهتمام بها .. حتى إذا ما بلغْنا الزقاق المظلم الذي يؤدي إلى الطريق الذي تطل عليه عمارتُنا .. أشعر بيدها تلمس ردفيّ – ليس صفعًا ” صديقيًّا مداعبًا ” ، بل لمسًا لا شك في طابعه الجنسي الجِدّيّ .. وأتوقف عن المشي لأنظرَ إليها في استياءٍ ، نظرتي تقول بوضوحٍ : ” إما أن نعترف بما يحدث ، وإما أنه لا يحدث ، لا خيار وسطًا بينهما ” ، ولكنها تتجاهل ذلك للمرة الثانية .. وتزداد أفعالُ يدِها مجونًا وخلاعةً – نعم ؛ هذا الزقاق مظلم ، وخالٍ معظمَ الوقتِ من المارة ، ولكن ليس إلى هذا الحد ..
الآن ، بدأتْ تفقد قدرتَها على السيطرة على نفسِها – وأنا كذلك إلى حد بعيد – .. يدُها تتخلى عن اللمس من وراء حائلٍ .. وتنزلق بين بنطالي وبين ملابسي الداخلية ، ثم تكتشف أن هذا ليس المكان الذي أرادَتْ أن تنزلق إليه ، فتعود لتنسحب خارج البنطالِ .. وتتأكد هذه المرة من وجهتِها قبل أن تدخل .. بأن تلتصق بجلد ظهري من تحت البلوزة ، ثم تستفل تدريجيًّا لتضمن أنه لن يحول بينها وبين جلد مؤخرتي شيءٌ ، وعندما تطمئنّ إلى نجاح العملية تبدأ بالقبضات الولهانة .. وقبل أن أفقد ما بقي لي من قدرةٍ على الاعتراضٍ أحاول أن أفتح فمي في احتجاجٍ هامسٍ ، ولكنها لا تقبل مني حتى الاحتجاج الهامس ، وتغلق فمي إغلاقاً محكمًا بشفتيها ؛ هذه وسيلة ناجعة لمنع الاعتراضات الهامسة .. ووسيلة ناجعة لإزالة ما بقي من اعتراضٍ ..هامسًا كان أمْ غير هامسٍ .. ولذا فقد ذاب ما بقي فيّ من اعتراضٍ كأنما طلعَتْ عليه شمسُ الربع الخالي ، وينشغل فمي عما كان ينويه من همسٍ واحتجاجٍ بتقبيل الشفتين العذبتين..
المشكلة أني أحبها .. ما كنْتُ لأسمح بجزء من مئة جزءٍ مما يجري الآن  لو لمْ أكنْ غارقةً حتى الثمالة في حبِّها ؛ حتى من قبل أن أعي أن ما بيننا ” جنسي الطابع” كنْتُ لا أطيق فراقها لأننا ” صديقتان مقربتان ” .. والآن يجتمع لها عندي الصداقةُ والحبُّ .. وأفقد كل قدرٍ من التعقلِ في حكمي عليها وعلى أفعالِها .. وعلى شفتيها وعلى يديها !
صوتُ خطواتٍ يقتربُ .. إن المتع موكلةٌ بمنْ يهدِمُها – عامدًا أو غافلاً .. فأبتعد عنها سريعًا ، ولكنّ يدَها لا تغادر بنطالي قبل أن تقبض قبضة أخيرة على ما تطوله مني ..
الخطواتُ تدنو منا بينما نعاودُ المشيَ .. ثم تُحَاذِينَا .. ثم يتقدم صاحبُها أمامَنا ، وهو يجُدّ الخطْوَ .. لا أستطيع تبين ملامحِه في الظلام ، ولكن يبدو من مشيه السريع أن وراءه أمرًا مهمًّا ..
ولا يبتعد عنا كثيرًا حتى تعود اليد العابثة للقبض على ردفيّ – هذه المرة لم تتدرج وتبدأ من الخارج ثم تخترق البنطال ، بل انزلقتْ مباشرةً ليلمس الجلد الجلد .. وهذه المرة لم تكتفِ بالردفين بل انتقلَتْ بمهارة إلى ما تحتهما .. وبذلْتُ جهدًا خرافيًّا كي أواصل السيرِ وكي أمنع نفسي من أن أهوي لركبتي في صرخة جنسية فاضحة – هذه يد مدربة ؛ يد تصنع هذا الجنس من الأفعال منذ فترة مبكرة للغاية ؛ دع عنْكَ مَنْ يتلمسُ خطاه في استكشاف الجسدِ الأنثوي لأنه لا يملك واحدًا .. إنها تحفظ خريطة جسمي ، ومفاتيح لذائذي .. لأنها بعينِها خريطةُ جسْمِها ، ومفاتيح لذائذها ..
الزقاق يفضي إلى نهايتِه ، ويتسع الطريق ، فتنسحب يدُها ” المدربة ” مما كانَتْ فيه ..
وأنظرُ إليها في سمْتِها الأنثوي الفاتن ، فأراها تلعق أصابعَها ببراءةٍ كأنّها فرغَتْ للتوّ من غداءٍ أو عشاءٍ .. أأعجَبَكِ ما تذوقين طعمَه على أطرافِ أصابعكِ ؟ لأنّ لديّ المزيدَ منه !
 إن لمْ يكنْ هذا الذي أشعرُ به ” في الأسفل ” بللًا .. فقد صار بللًا الآن ؛ تبًّا لها ، لقد كانَتْ هذه اللحسات _ في الطريق العام ، على أعين المارة _ استعمالًا مفرطٌ للقوة !
ثم نستقبل العمارةَ ، ثم نصعدُ معًا الدرجَ حتى نصلَ إلى شقتِها في الطابق الثاني ، وتقول لي بإنجليزية ماجنةٍ :
– « وَنَا كَمْ … إنْ ؟ »
تبًّا لكِ .. ولألاعيبكِ اللفظية ! .. حنقي على عدم وجودِ سبيلٍ إليها – فأهلها في الداخل – يطغى على رغبتي في رد المجون بمثله ، وردِّ المشاكسةِ بشرٍّ منها ..
أهزّ لها رأسي وعيناي تريدان الفتك بها غيظًا وغضبًا وعشقًا وافتتانًا .. ثم أتركها واقفةً في حيث هي ، بلا ردٍّ ولا وداعٍ .. وأصعدُ للطابق الرابع وأطرق باب شقتِنا طرقتين فطرقتين فطرقتين .. فتفتح أمي البابَ دون أن تنظر في العين السحرية ..
– « لمْ تتأخرا ؟ »
أتجاوزها في عجلةٍ وأنا أقول مشيرةً إلى حقيبة الهدايا في يدي :
– « اشترينا هذا ، وعدْنا على عجل ! »
ثم أدخل غرفتي وأغلق بابَها .. لقد قلْتُ لها ” يا غبية ” – في رد فعلٍ غير متعمدٍ .. ثم تجاهلْتُ ” دعوتَها للدخول ” – في ر
 فعلٍ متعمدٍ ؛ نعم – تلك لمْ تكنْ دعوةً بالضبط ، إنها تورية لفظية أرادَتْ على الأغلبِ أنْ تُحْمَدَ عليها ، فتجاهلْتُها بالكلية وصعدْتُ لشقتي .. فإن يكنْ ما قالَتْه آخرَ مرةٍ ألْهَبَتْ فيها ردفيّ ألمًا وشهوةً حقًّا .. فأنا على موعدٍ مع جولة ثانية من تلك الجلسات العقابية الشهوانية مرتفعة الصوتِ – بما يستدعيه ذلك منْ ضمان مكانٍ مناسبٍ ووقتٍ مناسبٍ للخوض فيها .. وإنْ كانَتْ هذه الاحتياطاتُ عرضةً لأن يُضْرَبَ بها عرض الحائط بالقياس إلى ما فعلَتْه بي أمام محلّ الهدايا ذاك.. تبًّا ! .. لقد كانَ هناك مقهًى مقابلًا لذلك المحل ، ومَنْ يدري مَنْ يكون رآها تهوي بيدِها على مؤخرتي في الطريق العام ؟ .. ثم ما فعلَتْه في ذلك الزقاق .. ثم لعقُها أطرافَ أصابعِها في تلذذٍ ..
 تبًّا ! .. إنّ البللَ يزدادُ .. ومعه تزداد رغبتي فيها .. في عقابِها .. في ثوابِها .. في يدِها وكلّ ما تفعله يدُها .. وفي لسانِها وكل ما يفعله لسانُها .. هذه الأفكار في غيابِ طرفٍ آخرَ يترجمها إلى واقعٍ – هي مقدماتٌ حتمية تؤدي إلى نتيجة واحدةٍ .. لذلك أنزع ما عليّ وأتمدد على السرير وأدير أصابعي فركًا لما يحتاج إلى الفركِ ؛ لما يحتاج إلى الاهتمام العاجل قبل أنْ ينفجرَ ..
الغريبُ أنه على الرغم من أنّ هذا جسدي أنا ، فإن يدها أمهر من يدي بكثيرٍ في إشباع رغباته.. ولكنْ أينَ السبيلُ إلى يدِها الآن ؟ .. الجود من الموجودِ .. ولمْ يستغرقِ الأمر طويلًا .. كلّ تلك المقدماتِ _ صفعًا وقبضًا وفركًا ، في الطريق العام ! _ قد عجلَتْ بالنتيجة .. وفي ثوانٍ كانَتِ الحركةُ المتسارعة قد انتهَتْ إلى سكونٍ مسالمٍ , وحلَّ الخواء الحالم محل الرغبة العنفوانية .. لا أعتقد أن بإمكاني الحركة لبضعة دقائق على الأقل !
*****
على عجلٍ .. على عجلٍ ..
الطريق الواسع الفوضويّ يُسْلِمُني إلى الزقاق الضيق الخالي من الحياة ..
خطواتي تتسارع ..
يخيل إليّ أنني أسمع أصواتًا ذات طبيعة ماجنة .. ولكنّ مَنْ حالُه حالي لا تؤتمنُ شهادتُه ؛ كل شيءٍ قد صار ذا طبيعة ماجنةٍ في عينيّ بعد أن اصطبغتا بمنظر الردفين الرجراجين .. ثم ألمح شبح فتاتين .. وعلى الرغم مني أتساءل : أتُرَاهما الفتاتان التي قطعا عليّ جلستي القهوية اليومية ؟ .. ولكني أطرد الفكرة الساذجة من عقلي .. وأتسارع أكثر في اتجاه غايتي .. البيت .. غرفةً معينةً في البيتِ .. غرفةً أعلم أنّ زوجتي والعفاريت التي أسميهم أولادي لا يدخلونَها إلا بإذنٍ ..
وعندما أصلُ إلى تلك الغرفة _بعد أن أوصيْتُ أمّ العيالِ أنْ تمنع العيالَ من الاقتراب من الغرفة ، وأجابَتْ بهينمتِها المتبرمة ، ولكني لم أعبأ بها _ أبدأ في تذكر المشهدِ واستعادة تفاصيله على مهلٍ .. ثم أحَوِّرُ في التفاصيل وأقحم نفسي في السياق .. أنا _ وليس الصافعة _ من سيقوم بمهمة الصفع المقدسة .. ولن أكتفي بصفعةٍ واحدةٍ فقط ؛ هذا تفريطٌ في استغلالِ الموارد الضخمة الواسعة الشهية الرجراجة !
وعلى الرغم مني تتدخل بقية من الضمير في القصة الجنسية الخيالية التي أصوغها.. ويصرُخُ فِيَّ ما بقي من ضميرٍ بأن أرعوي ؛ بأنّ ما أفكر فيه لا يليق ، حتى لو كان خيالاً  .. فأحاولَ أنْ أزجرَه ، ولكنّه لسببٍ ما لا ينزجرُ .. ولا يغادر الساحةَ إلا بعد أن رَضِيَ عن إفساده لكل ما كنْتُ أبنيه ولكلّ ما كنْتُ “أنْهِضُه” ..
وكأنّ هذا “الإفسادَ الضميريّ” لا يكفي فقد وصلَني صوتُ بكاء ابني الأصغر ثم صوتُ تأنيبِ أمِّه ثم صوتُ احتجاج أخيه الأكبر ؛ لا يحتاج الأمر إلى شيرلوك هولمز ليفسر أن الأكبر ضرب الأصغر وتدخلَتِ الأمّ فدافع الأكبر عن نفسه .. لقد فسَدَتِ ” الجلسةُ ” تمامًا !
أقوم على عجلٍ ، وأفتح بابَ الغرفة فيسرعُ إليّ الصغيرُ باكيًا ، ويظهر الخوفُ على ملامح الكبيرِ ، وتحاول أمُّهما شرحَ ما حدثَ ، ولكني أصرخ بالجميع :
– « لا أريد أن أسمع شيئًا ؛ ( عادل ) اعتذرْ من أخيك الصغير ، وقبِّلْ رأسَه ! »
ابني الأكبر ينظرُ إليّ في ريبةٍ : منذ متى كان هذا إجراءً متبعًا في هذا المنزلِ ؟ .. وأفكر أن معه حقًّا .. ولكني أرغب في أقصر الطرق لطرد الولدين من الصورة ؛ إنّ لي همةً في الفرد الثالث الذي لمْ أنجبْه ولكنه يشاركني الشقة !
ويستجيب الأكبر فتبدو على ملامح الأصغر أمارات الاستياء ؛ لقد أراد أن تكون العقوبة مؤلمة وموجعة وليس اعتذاراً وتقبيلَ رأسٍ ! .. ولكني بعد أنْ أفسد عليّ ضميري التفكير فيما ليس من حقي قد انصرف تفكيري فيما يحقّ لي وأحق له .. وهو واقفٌ على بعدِ خطواتٍ ، فلا يفصلني عنه إلا خروج الطفلين من المشهدِ !
– « حسنًا ، أنتما الاثنان إلى غرفتكِما ؛ لتناما .. لا أريد أن أسمع اعتراضًا ! »
كان الغضبُ لا يزالُ في ملامحي وصوتي ، فلم يعترضا ، وجرجرا رجليهما لغرفتِهما ، وعندما اطمأنَنْتُ إلى خلوّ الأجواء تقدَّمْتُ من ربة المنزلِ في جلبابها العمليّ – لا فرصة للتأنق عندما يُطْلَبُ منك أن تدير سيركًا كالذي تديره هذه الصابرة الطيبة .. وبدون حوارٍ لفظي أدنو منها ، فتتنقل ملامحها من الإرهاق إلى الدهشة ، حتى تتلامس شفتانا ، ثم أقبلُها بعنفٍ – كأننا مراهقان كنا نستتر من أعين أولياء أمرِنا ؛ فما إنْ أتيحَتْ لنا الفرصة حتى شغلناها بما هو مهم – الكلام ؟ هذا مقدورٌ عليه أمام أعين الجميع فلنرجئه لما بعدُ ، أما التقبيل واللمسُ فلا فرصةَ له إلا في هذه اللحظة الضيقة ؛ من الغريب أن يتسبب الأطفال للآباء فيما كان يتسبب فيه الأجداد من قبلُ !  
 وفي البداية تضطرب حركتُها أنْ أُخِذَتْ على حين غرةٍ .. ولكنها سرعان ما ترد القبلة بمثلِها .. وهذه المرة لا يتدخل الضميرُ ليُشْعِرني بالذنبِ .. وأي ذنبٍ فيما أفعله ؟ .. فأتمادى ؛ نعم ، إنني أريد تقبيلَها وفعلَ ما هو أكثر من التقبيل ؛ ما نتج عنه هذان الصغيران المطرودان إلى غرفتِهما قبلَ قليلٍ .. ولكني أرغبُ بالإضافة إلى ذلك في شيءٍ آخر … وأقطع القبلةَ الطويلةَ لأقول لها على عجلةٍ :
– « لنقلْ إن عفويةَ اللحظة قد أعدَتني ، فجرأتْني على أن أصارحَكِ بشيءٍ أخفيتُه عنكَ طيلة تلك السنين  »
زوجتي التي خففَ من هزلِها تحملُ المسئولياتِ – تعودُ إلى طبيعتِها القديمة ، وترد في معابثة :
– « زوجة ثانية ؟ »
أفكر في أنْ أردّ ردًّا هازئًا من نوعية : “من بُلِيَ بواحدةٍ طُعِّم منْ أن يكرر الغلطة !” .. ولكني أفكر فيما أنا مقدمٌ عليه فأرعوي :
– « مَنْ وُهِبَ أجملَ ما في الأرض لم يطمَعْ في مزيدٍ ! »
وعندما سُرَّتْ بالرد المتملقِ ، سُرِرْتُ بسرورِها ، ثم عاودني القلقُ لما أنا موشكٌ على قولِه :
– « إنني أرغبُ في أنْ .. أن ..   »
– « تَنِيك ؟ »
ذكرياتٌ بعيدة من زمالتِنا في الجامعة تعودُ إليّ ؛ لطالما كانَتْ أجرأ فتاةٍ في الجامعةِ كلِّها ، ولكنْ مشاغل البيت والأولاد قد حجّمَتْ من هذه الجرأة .. من هذا المجونِ للدقة ، فإنها ليسَتْ جرأةً فحسبُ .. والآن تعودُ لجرأتِها ومجونِها القديم ، ويعديني مجونُها فأقولُ :
– « ليس بالضبطِ .. أعني .. نعم ؛ تنويعٌ على هذا ! »
زوجتي الصابرة المجتهدة ربة المنزلِ تلقي بكلّ ذلك ، وتلقي معه بشرقيّتها في سلة المهملات ، وتدنو مني لتهمس في أذني :
– « جَرْد السنة  »
أحدق فيها للحظاتٍ .. هناك زغاريدُ تجلجل في رأسي ، ولكني لا أصدق أنْ يكون الأمر على هذا النحو .. لا .. لا .. هذا في الأغلبِ شيءٌ آخرُ غير ما أفكر فيه .. ولكنْ ما الضررُ من أنْ أسألَ :
– « هذا ..هو .. ؟  »
– « اسم المجلد الذي تضع فيه كل الأفلام والصور والقصص الجنسية على حاسبك .. نعم ! »
مهلًا ! .. مهلًا ! .. هذا يعني أنها تعرف كلَّ ما أريد أن أطلعها عليه.. واو !
– « … »
– « حسنًا يبدو أن القط أكل لسانَكَ .. لهذا سأسهل عليكَ الأمورَ ؛ مجلد اسمه ( جرد السنة ) ما الذي يدفعني لفتحه ؟ .. فضولٌ ؟ .. شكٌّ في وفائك لي .؟ .. أيًّا يكنِ الدافعٌ فهذا أمرُ يستحق ” العقوبة ” ، أليس كذلك ؟ ثم عندما فتحْتُه وعلمْتُ ما فيه ، لماذا لم أخرجْ سريعًا ، وأترك لك خصوصيَّتَكَ ؟ بل إنني أمضيْتُ وقتًا طويلًا أطالع كلّ ما فيه .. فهذه ثانية .. ثم إنّ هذا الاكتشاف لذلك المجلد كان قبل أشهرٍ من الآن ، وقد تكررَتْ زياراتي لذلك المجلد مراتٍ ومراتٍ خلال هذه الأشهر ، فهذه ثالثة ..  ثم إنني قد علمْتُ من السرعة الفائقة التي يزداد بها حجمُ هذا المجرد أنّ ما فيه يشكل جزءًا أساسيًّا من رغباتك .. ومع ذلك فأنا لم أصارحْكَ بذلك .. وتركْتُكَ لما أنتَ فيه .. فهذه رابعة .. وهناك خامسةٌ ولكني أخجلُ من إعلانِها !  »
هذا جيدٌ ؛ إنها تخجل بعد هذا كله .. لقد ظنَنْتُ لوهلةٍ أنني في حضرة قاضٍ بمحكمة الأسرة أو ضابط في شرطة الآداب !
– « دعيني أخمِّنْ هذه الخامسة  »
– « أوووه ! »
هل قالَتْ ” أووه ! ” ، وغضَّتْ بصرَها ، وتورد خداها ؟ .. هل هذه زوجتي الجريئة المقدام ؟ أمْ أنّ تلك الجرأة كانَتْ واجهةً لإخفاء هذه الـ ” أووه ” وأخواتٍ لها كثيرات .. من الغريبِ أن تفاجئك زوجتُك بجانبٍ منها لمْ تكنْ تعلمه بعد سنين طويلة من الزواج !
عقلي يشير إليّ في عجلةٍ أنْ أستغلّ الفرصةَ .. ..  في النهاية لقد رأتْ ” جردَ السنة ” وتعلم ما فيه !
 وضميري يؤمن على الطلبِ : مع هذه – نعم ، مارسْ ما شئتَ .. مع فتاة لا علاقة لك بها – لا ، حتى لو كانَتِ الممارسةُ في خيالك ولا وجود لها في الواقع ..
ومنْ أنا لأردَّ أمرًا يطالبني به عقلي ويسمح لي به ضميري ؟
– « لنقلْ _ فرضًا _ أنني سأسيرُ الآن إلى هذه الأريكة لأجلس عليها – ربما كان الدافعُ وراء ذلك رغبتي في الاسترخاء .. ربما هناك مبارة كرة قدم تذاع الآن وسأشاهدها .. ربما هناك فتاة شقية على وشك أن تتمدد مستلقية على فخذيّ ، لتتلقى عقابَها .. الاحتمالات قائمة ..  لا شيءَ مؤكدًا وراء هذا الفعلِ ! »
خداها يزدادان تورّدًا .. وأعصر ما فيّ من تحكم بالنفسِ حتى لا ألتهمها في التو واللحظة ؛ هذه الفتنة التي غطتْها سنون من “التعود” الذي يفضي إلى الملل .. تنجلي عن جسد فتانٍ ووجه مشوقٍ وحبٍّ يتجاوز الرغبات الجسدية ، وإنْ كانَتْ تلك الرغبات الجنسية تشعل ذلك الحبَّ كما تشعل غيرَه ..
وأسير بخطواتٍ هادئة لأجلس على الأريكة .. ثم أكملُ تحقيقَ ما أمر به عقلي : 
– « ولكنْ لنفترض هذا الفرض الثالث الأخير .. أنّ سببَ جلستي هذه على الأريكة أنّ هناك فتاة شقية .. وأنّ هناك عقابًا على وشكِ أنْ يقع .. من وجهة نظرك العلمية البحتة كيف يفترض بهذا العقاب أن يسير ؟ .. ملحوظة : بإمكانك الاستعانة بما اطلعْتِ عليه في ذلك المجلد الذي اعترفْتِ بكونك مذنبة بالاطلاع عليه  »
تعلو شفتُها ابتسامة سريعة ، ثم تستحضر سمْتَ المذنبة البريئة ، الشقية المطيعة ، المؤدبة اللعوب ، الخاضعة المستقلة .. تلك الخلطة التي لا تحسنها إلا امرأة !
كم مَرَّ على زواجِنا ؟ سبع سنين  .. لماذا لمْ تنظرْ إليّ من قبلُ بهذه النظرة المنكسرة الفاتنة ؟ ولماذا لمْ أسمعْ منها من قبلُ هذا الصوت الخاضع اللذيذ ؟ .. لماذا لمْ تخصني ربةُ المنجم بكنوزِها تلك إلا الساعة ؟
– « أنا آسفة ! »
لا تسرفي في لعبكِ بقلبي ، فهو ملكُكِ ..
– « لو كان أسفٌ ينجي من عقابٍ لأنجاكِ يا أملحَ الناسِ .. ولكني قد سألْتُ سؤالاً فأريد جوابَه  »
تستمرّ فتاتي التي ردّها الدلالُ سنينَ إلى الوراء في نظراتِها المتوسلة ، وأجاهد حتى لا أقع في غوايتِها .. ثم لما آيسَتْ مَنْ أن ينجيها الدلالُ استعانَتْ بالذي لا يُرَدُّ .. وفي ثوانٍ كانَتْ ملابسُها قد التصقَتْ بالأرضِ .. وبدأتْ في الاستعراض .. متى كانَتْ آخر مرةٍ رأيْتُها عاريةً في هذا المكان من الشقة ؟ متى كانَتْ آخر مرةٍ رأيتُها عاريةً في أي مكانٍ من الشقة ؟ حتى الجنس صار يُخْطَفُ خطفًا منذ صارَتْ أمًّا وصرْتُ أبًا !
وفي قلة الممارسة دفاعٌ أحتجّ به لما أنا فيه من سيلان لعابٍ وجحوظِ عينين وهيئة منكرةٍ ؛ أنا لمْ أرَ هذه المفاتن منذ أزمانٍ .. ولكنْ حتى لو فعلْتُ ؛ حتى لو كانَتْ دائمًا عريانة تحت بصري .. لظل بصري طامحًا إلى تلك المفاتن ، ولظل جسدي بقلبِه وعقلِه يميل حيث تميل ..  
– « أرجوكِ .. بعضَ الرأفة ! »
ابتسامتُها الظافرةُ تزيد عريانيّتَها جمالاً على جمالِها :
– « مَنِ الذي يفترض به أن يترجّى الآخر في هذا الموقفَ ؟ »
هل هذا حثٌّ مشاكسٌ على التعجيلِ بعقوبتِها ؛ إنها تريد مِنْ هذا مثلَ ما أريد !   
– « لو لمْ تنتقلي إلى هنا حالًا ، فستمرين على المطبخِ في طريقكِ إليّ وتأتينني بملعقة الخشب من هناك ! »
كان هذا تهديدًا فارغًا ، ولكنْ في سرعة البرق خفَّتِ الفتنةُ الماشيةُ على رجلين إلى حيث أجلس وهوَتْ في حجري كما تمنّيْتُ لسنين أن تفعلَ ، ثم قالَتْ في خضوعٍ :
– « آسفة ! »
أكنْتُ أجلس سبع سنين على هذا الكنزِ ولا علمَ لي به ؟ .. ولو صارحْتُها لصارَحَتْني ، ولكنّ الإنسانَ عدوُّ نفسِه ! ربما لا يعودُ ذلك التهديدُ فارغًا ما دامَتْ بهذا التجاوبِ ..
يداي تربتان على عجزها الملآن .. لقد كانَتْ أنحفَ في بداية زواجِنا .. ولكنّي لا أدري بأي الحالَينِ أنا أولعُ .. لقد انتقلَتْ من حسن إلى حسنٍ .. التربيتُ لا يُرْويْ ، فتغوص الأصابع غوصًا في البحر الزئبقي البضّ ، وتنادي على اللسانِ ليساهم ، فأمنعه بالكادِ .. ليس هذا وقتُ الانشغالِ بالمفاتنِ ” التقليدية ” .. هذا ما تمنيْتُه طيلة تلك السنين .. فلْأبدأْ به .. ثم بعدَ ذلك نلبي بقية الرغباتِ الأخرى ..
ثم لما رفعْتُ يديْ لتنزل على الهدف المحبوب .. تذكرْتُ مشكلة الصوتِ .. صوتِ المؤخرة العريانة التي تهتزّ تحت صفعات الراحة الولهانة .. هذا شيءٌ لا يصح أن يسمعه أحدٌ غير صاحب الراحة وصاحب المؤخرة ..
 ويبدو أنني لم أكنِ الوحيدَ الذي فكّر في مشكلة الصوتِ تلك ، فقد انفتح التلفاز فجأةً وتحرك مؤشر الصوتِ الأزرق ليزداد عدة درجات رافعًا الصوتَ إلى حيث يغطي على ما يوشك أن يقع .. ونظرْتُ مبتسمًا لحبيبة القلب الممددة على حجري وهي تمسك بجهاز التحكم الذي كان مطروحًا على الأريكة ،  وتنقر زرّ رفع الصوتِ نقرةً أخيرةً ، قبل أن تعيدَ جهاز التحكم لمكانِه على الأريكة ؛ دائمًا ما تسبقني بخطوة تلك الحسناء الذكية .. هذا وقتُ المكافأة .. يدي تعلو وتعلو ثم يتبينُ لها في عليائها فريسةٌ لذيذة مكتنزة فتنصَبُّ إليها ؛
صفعة ..
– « آآآمم »
– « ليس هذا هو الصوتَ المطلوبَ يا صغيرة ! »
صفعة أخرى ..
– « آه  »
نعمْ ، هذا أقربُ إلى الألمِ ، وإنْ بقي فيه من الشبق الكثيرُ !
صفعة .. صفعة .. صفعة
– « إه..إه. إه »
هذه أصواتٌ تكاد تخلو إلا من التوجع .. فلولا أنّ مصدرةَ الصوتِ تزيد من تقعر ظهرِها فيزداد ردفاها الحسناوان إغراءً ويزدادُ ما بينهما انكشافًا – لولا ذلك لظنَنْتُها مستاءةً مما يجري .. ولكنْ إمعانًا في التأكد .. أتوقف لثوانٍ عن الصفعاتِ ، فيبدو لي من قلقلة الجسدِ الشهيِّ رغبتُه في المزيدِ .. ولكني مصرّ على أنْ أسمع الطلبَ صوتًا .. وتعلم حبيبة القلبِ ما أريده ، فتهم بقولِ شيءٍ ، ولا تجرؤ – عرفْتُ ذلك من هزة رأسِها بعد أن ندا عنها صوتٌ خافتٌ .. وتجدُ لذلك حلًّا ؛ فتغوصُ الرأسُ الحبيبة في الأريكة خجلًا حتى يجرؤ اللسانُ على المصارحة :
– « المزيدَ ! »
فلتحل بي اللعناتُ إنْ لم أستغلّ هذا استغلالَ بنكٍ لعملائه :
– « لم أسمعْ ما قلْتِه ، هلّا كرّرْتِه رجاءً ! »
الصوتُ الحيّي الذي لم أتصوّرْ من قبلُ أن يصدر عنها .. وبالإنجليزية :
– « فَكْ يُو ! »
– « إجابة خاطئة .. يا صغيرة .. إجابة خاطئة .. وسيدفع هذان البضان ثمنَها في التو واللحظة ! »
صفعة .. صفعة .. صفعة ..
صفعة .. صفعة .. صفعة ..
صفعة .. صفعة .. صفعة ..
صفعة .. صفعة .. صفعة ..
كنْتُ قد انشغلْتُ بالرتم لثوانٍ .. فلم أنتبهْ إلا لانتشار اللون الوردي في الردفين المثقلين .. وصوتُ تأوهاتِها الرقيق الذي يستتبع كل صفعةٍ كأنه توقيع موظف حكومي على أوراق روتينية .. فتوقفْتُ لثوانٍ ، ومرةً أخرى جاءني الحثّ الخجولُ :
– « المزيدَ ، رجاءً ! »
– « هذا يفترضُ به أن يكون عقابًا ! »
– « وهذا ما يجعله يلذ لي ! »
هذه المرة كان الصوتُ بالفعلِ على مشارف ألا يُسْمَعَ ..
– « هكذا إذنْ ! انهضي يا صغيرة ، هذا العقابُ لن تبلّغَه يدي وحدَها »
انهمرَتْ عليّ التوسلاتُ ؛ ستكون فتاة مؤدبة .. فتاة صغيرة مؤدبة .. وستسمع الكلامَ .. ولن تكرر ذنبَها مرةً أخرى _ وأنا لا أدري أساسًا ما هو هذا الذنبُ ! _ ولكنْ يبدو أنّ لعبَ الدورِ قد راق لها .. ومنْ بين توسلاتِها عاودني الخوفُ مِنْ أنْ أكونَ أتجاوزُ في حقّها وأنا لا أدري .. وبدا ذلك جليًّا على ملامحي ، إنني أريد أنْ أجاريَها ، وأخشى الطغيانَ ..وقبلَ أنْ أقولَ شيئًا عاجلَتْني همْسًا :
– « لتكنْ كلمة الأمان ( جرد السنة ) .. ولكنْ لا تفسِدْ عليّ الجوَّ كلّ بضعة دقائق بملامح الوجل التي تنتابك هذه .. »
ثم تضيف بالإنجليزية :
– « يو نُو ؟ جْرُو أ بَيرْ .. ! »
أما وقد ذهبَتْ كلمة الأمان تلك بمخاوفي .. فسيأتيكِ من التيستسترون ما سألْتِه وزيادة !
– « ركبتاكِ على طرف ذاك الكرسي ، ويداكِ على مسنديه ، ولا تلتفتي وراءَكِ حتى آذنَ لكِ  »
هذه المرة لا أعبأ بالتوسلاتِ التي تسوقُها على مسمعي، وأقتربُ منها خطوةً .. فتهرعُ إلى الكرسي وتفعل ما أمِرَتْ ، وهي تعتذرُ .. وأتركُها لاعتذاراتِها وأتوجه إلى المطبخ ؛ إلى تلك الأداة المطبخية البريئة المصنوعة من الخشب لتتحمل حرارة الطبخ ، فحولْناها نحن إلى منتجة للحرارة بدلًا من أنْ تكون متحملةً لها !
وفكّرْتُ في مَنْ ستستقبل الحرارة على يد تلك الملعقة بعد ثوانٍ ؛ إنها ممثلة بارعة .. وذعرُها يبدو ذعرًا حقيقيًّا ، ولكنْ في أعماقي أعلم أن جزءًا من هذا ليس تمثيلًا .. إن بإمكانها أن تُوقِفَ ما يجري في أية لحظة – هذه حقيقة .. ولكنّ التظاهر بأن ما يحدث خارج عن إرادتِها ، وأنها لا تملك له دفعًا هو ما يسبّب التشويق كلَّه ..
 تمامًا كما تقنِعُ نفسَك أنك لن تذهب إلى حفلٍ ما قد دعيْتَ إليه .. ثم مع اقتراب ميعاد الحفلِ تبدأ في ارتداء ملابسك الرسمية – هذا ليس إجبارًا على الحضورِ ؛ إنه استعدادٌ فحسبُ .. ثم تبدأ في التجهز للخروج من البيت – لا يزال استعدادًا فحسبُ .. ثم تركب السيارة .. ثم تقتربُ من مكان الحفلِ .. لا زال الخيارُ أمامَكَ .. ثم قد تذهب إلى ذلك الحفل ، وقد تعود مرةً أخرى لمنزلكَ بدون أنْ تذهبَ .. ولكنّ أحدًا لا ينكر أنّه في خضم هذا كلّه ، فإنك أنتَ شخصيًّا لمْ تعلمْ إلى أين ستسير الأحداثُ .. أعتقد أنّ ما يجري هنا شيءٌ مشابهٌ .. النفسُ البشرية ليسَتْ معادلة صفريةً .. هناك الكثير من درجات الرمادي ..
وعليه ، فعلى الرغم من وجود كلمة أمانٍ ، فإنني سأضيف قيودًا من عندي على الجانب الجسدي من هذه ” العقوبة ” ، أما الجانب النفسي التهديدي الوعيديّ فخطره أقلّ ، وتشويقه ومُتْعتُه أكبر ، فلْتَكُنِ القيودُ عليه أقلّ بكثيرٍ ..
وعندما عدْتُ للفاتنةِ في وضعيتِها التي أمرْتُها بها ، بدأتُ في الجانبِ النفسيّ ذاك :
– « بإمكانكِ أن تلتفتي إليّ الآن  »
العينان الجريئتان قد خلتا من الجرأة إلا قليلًا – فذاك القليلُ هو ما نستهدفُ !
– « تعلمين ماهية هذا الشيءِ الذي أمسكُ به الآن بالطبع  »
تهزّ رأسَها بالإيجابِ ، فأقول في غلظة مصطنعة :
– « الإجابة تكون باللسان يا صغيرة »
– « نعم ، إنها ملعقة خشبية .. يا سيدي ! »
سيدي ؟ .. إنها لا تزال تتقدمني بخطوةٍ ! .. حسنًا ؛ سيدي سيدي !
– « وما الذي سيصنعُه سيدُكِ بها بعد قليلٍ ؟  »
– « سيعاقبُ فتاتَه الصغيرة بها حتى يطمئنّ إلى أنها قد تعلمَتْ درسَها ، وبالمناسبة فهي آسفة جدًّا وتعِدُ أن تكون أكثر طاعةً في المستقبلِ  »
تبًّا ! إن مجاراتَها مستحيلة ؛ لماذا لمْ أتزوجْ امرأةً أقل مني ذكاءً أو مساويةً لي في الذكاء ؛ هذه هي نتيجة الطموح الزائد !
ما الذي أقوله الآن ؟ فلتكنْ همجية ذكورية بإزاء الذكاء الأنثوي :
– « عودي لاستقبال الحائط ببصركِ .. أيُّ التفاتٍ بدون إذنٍ .. أو حركةٍ تتزحزح معها يداكِ أو ركبتاكِ عن أماكنِها ، ستزيد العقابَ طولًا وشدةً .. هذا مفهومٌ يا صغيرة ؟  »
الصوتُ العقلاني المغلَّفُ بالفزع يزيد من التباين بين الهمجية الذكورية والذكاء الأنثوي :
– « نعم ، يا سيدي  .. أنا طوعُ أمرِكَ ، يا سيدي  »
أعودُ لتأملِ الجسد الحبيبِ بعد أن غاب عني بصرُه .. ويتعلق بصري بالردفين الورديين .. يا ما أملحَهما ! .. والقادمُ أحمرُ ! ..
أجاورُ الجسدَ الحبيبَ وأرفع الخشبَ القاسي ليهوي على الجلد البض اللينِ ، وتنهزم القسوة أمام الليونة البضة ، ولكنْ لكل نصرٍ ثمنُه ؛
طققْ !
– « أأيي !! »
صوتُ التلفازِ يغطي بالكاد على صوتِ الصرخة الباكية ، فأسير الخطوات القليلة التي تفصلني عن جهاز التحكم عى الأريكة لأرفع الصوتَ درجاتٍ حتى يقف على أعتاب الصراخِ هو الآخر ، ثم  أعودُ لـ ” صغيرتي ” التي تنتظر تمامَ عقابِها ، وهذه المرة أزيدُ الأمرَ حميميةً بأن أحيط خصرَها بيدي اليسرى ، فيلتصق كثيرٌ من جسدي بكثيرٍ من جسدِها .. وأمرّرَ الملعقة على الجلد العاري ، فتهِرُّ الحسناء ترقبًا لما توشك أن تفعله بها تلك الملعقة الشريرة .. وتأتي الهجمة الخشبية الثانية على الأراضي الناعمة المملوءة عسلًا ولبنًا ، وهذه المرة لا تقتصر الهجمة على ضربةٍ واحدةٍ ؛
طقْ ! طقْ ! طقْ !
– « إه إمممممهم !!!! »
الصرخةُ الباكيةُ تمسكُ بها الشفتان في آخر لحظة قبل أن تغادرَ الفم العذبَ ؛ إن مدافعة الصراخ ومدافعة البكاء أشد وطأة من الصراخ ومن البكاء ؛ هذه هي نهاية قدرتي على التحمل .. حتى لو لمْ تنطقْ كلمة الأمانِ بعد ؛ حتى لو كانَ في قدرتِها هي بقيةُ !
فألقي تلك الملعقة الشريرة على الأريكة ، وأغلق هذا التلفاز الصارخ ، ثم أنْهِضُ حبيبةَ القلبِ التي لا تزال تعاني آثارَ ما بعد المعركة الخشبية ، وأؤيها في حضني ، وقبل أن أسوق اعتذاراتي على الإفراطِ ، تسبقني هي _ كالمعتاد _  ، وبصوتٍ باكٍ تقول في أسى :
– « أنا آسفة .. أنا آسفة .. أعدُ أنني لن أكرّرَ ذلك أبدًا ! »
تكرر ماذا ؟ .. ولكني لمْ أشأ إفسادَ المشهدِ ما دامَتْ هي منخرطةٌ فيه :
– « ششش شش ! .. الأسوأ صار في الماضي الآن .. ذنبٌ فعقوبة فكأنْ لمْ يكنِ الذنبُ .. ولكنْ لو تكرر ما حدث .. »
الذي لا أعرف ما هو .. ولكنّها تقاطعني :
– « توبةً ! .. لنْ أعودَ إلى مثلِها أبدًا !.. توبةً !»
ثم كأنّ هذا الصوتَ الباكي الصادق لا يكفي فقد أزاحَتْ رأسَها قليلًا مبتعدةً عن صدري ، لتريني رأسَها الحبيب الذي يهتز بسرعةٍ في نفي قاطعٍ لأي احتمالية لتكرار ” الذنب” الغامض ، بينما العينان اللذان لم تقعْ عيناي على أحسن منهما من هذه الدنيا يتطلعانِ إليّ _ على مشارف البكاء _ في صدقٍ شاعريّ مؤثرٍ ..
وأتوه في هذين العينين .. هل أعتذرُ ؟ ..هل أتجاوز هذا كلَّه وأقبّلها ؟ .. هل أستمر في لعب الدور المسيطر هذا ؟ ..وقبل أنْ أفعل شيئًا أو أقولَ شيئًا تسبقني _للمرة المليون ربما منذ بدأتْ علاقتُنا _ وتخرج من لعب تلك الشخصية الخاضعة مبتسمةً ، وهي تقول :
– « هل كان هذا عندك كما هو عندي ؟ لأنني أرغبُ في تكرار هذا كلما أمكن ! »
– « مع تخفيف حِدّتِه ربما .. إنني لا أريد إيجاعكِ ! »
تلوح الحسناءُ التي استعادَتْ جرأتَها بعد خروجها من لعب دور الخاضعة – بيدِها قائلةً :
– « لقد أنجبْتُ طفلَينِ .. لو كان الألمُ ينهاني عن شيءٍ لما أنجبْتُ الثاني ! »
هذه الذكية المتذاكية .. العريانة !
– « أنا أحبكِ ! »
واو ! لقدْ كانَتْ هذه فلتةً قد تستغلها حبيبة القلبِ التي لا تهوى التصريح بحبها ؛  لو كررَتْ جملتَها الإنجليزية تلك فستصيبني في مقتلٍ ، وبالطبع فقد فعلَتْ :
– « جرُو أ بَيرْ ! »
– « لو سمعْتُ هذا التعبيرَ مرةً أخرى فستعودين لمكانكِ من الكرسيّ .. أين تلك الملعقة ؟  »
– « آسفة .. آسفة »
هل كان هذا التوسل تمثيلًا منها ؟ كرامتي الرجولية تخبرني أنه ليس تمثيلًا بل هي خائفة فعلًا من بطشي وقوتي ، ولكنّي أذكى من أنْ أصدقَ أي شيءٍ يوصف بـ ” الرجوليّ ” ؛ إنها ممثلة بارعة فحسبُ ، وإنْ وُجِد شيءٌ آخرُ فهو من أجلِها هي أولًا .. فإنْ شاركْتُها فيه فذاك ، وإلا فزمنُ ” طاعة الزوج ” هذا قد ولى إلى غيرِ رجعةٍ ..
 ولكنْ لِنَلْهُ بتلك الفكرة العتيقة التي خرجَتْ من أرض الواقع إلى مسرح الألعاب الجنسية :
– « هل لي أنْ أعرضَ على أميرتي حمْلَها إلى سريرِها .. متمنيًا أن يتلو ذلك تكرمها عليّ بإغداق متعِها المقدسة على هذا الجسد الولهان »
– « ولماذا لا تحمل الأميرة نفسَها إلى سريرِها بنفسِها يا سيدي الفارس ؟ »
– « معكِ حقّ ؛ فمهما كان هذا الفارسُ قويّ الجسد ، فهو قطْعًا لا يستطيع حمْلَ كلّ هذا وحده ! »
بووم ! بوووووم ! أنا فخورٌ بهذه الضربة تحت الحزام .. وجهُها في هذه اللحظة تصلح صورتُه أيقونةً للمفاجأة والشعور بـ ” الغدر ” !
وعلى الرغمِ منْ قوة التعليق ، إلا أنها بـ ” جنتلمانيتها ” المعهودة قد مدّتْ لي قبضَتَها كالمعترفة لي بالإجادة ، فقابلْتُها بقبضتي ، ثم حاكَتْ القبضتان آثار انفجارٍ عظيمٍ حصل في أعماقهما ..
إني أحبها بجنونٍ ؛ هذه المساوية لي إن شاءَتْ ، المسيطرة إن شاءَتْ ، الخاضعة إن شاءَتْ – لنكُنْ واقعيين ؛ إن الأمر إليها في النهاية .. كما كان منذ البداية !
*****
لماذا ارتدَتْ ذلك البنطال الضيق ؟
لماذا تعمدَتِ الانحناءةَ المغريةَ تلك بينما ” تتظاهر ” بالانغماس في مطالعة الهدايا لتنتقي منها واحدة ؟
الآن كل ما يشغل بالي هو صورة هذين الكوكبين الدائريين وهما يحاولان تمزيق ما يحول بينهنا وبين عينيّ .. وأتذكر تلك الليلة عندما ألهبْتُ هذين الكوكبين بالصفعاتِ ..
تبًّا ! نحنُ في الطريق العام ، ولكني لمْ أستطِعْ منْعَ نفسي من صفعةٍ أخرى في الحاضر تجاوب ذكرى صفعات الماضي .. وكان ارتطامُ يدي بالهدفِ المنشودِ كما تصورْتُه ؛ لذيذًا ، مرويًا ، مغريًا بالمزيد !
طاااخ !
ثم عاد إليّ عقلي .. بينما هي تنتصب واقفةً :
– « نحن في الطريق يا غبية !! »
معك حق ، ثم إن هناك مشكلة أخرى ، وهي أنني _ أثناء إعدادي لهذه الخرجة _ كنْتُ لا أزال أتقلقل بين أنْ أسدلَ الستارَ عما حدث بيننا ، وأنْ نعودَ ” صديقتين ” ولا شيءَ أكثر من ذلك .. وبين أن أصارحَها تلميحًا إلى رغبتي في المزيد من الليالي الحمراء !
ولكنّ صفْعَ مؤخرتِها بهذا الشكل ، وفي مكانٍ عامّ ، لم يكنْ خياراً مطروحًا ! .. ولكنّ عذري هو أنّ مؤخرتَها هي التي بدأتْ !
أحاولُ تجاوزَ كل ما يدور في ذهني وأشير إلى المعروضات خلف زجاج العرض:
– « هل أعجبكِ شيءٌ ؟ »
ومرةً أخرى تعود لتلك الانحناءة الملتهبة .. لو استمرَّتْ فيها أكثر من ذلك فسأصابُ بالحمى !
ثم لحسنِ الحظ أو لسوئه فقد انتهى العرضُ بسرعةٍ ، ودخلَتْ إلى المحلّ .. فتبعْتُها ..
وتمَّتْ عملية الشراء على عجلٍ .. ثم خرجْنا من المحلّ على عجلٍ .. أنا أعرفُ يقينًا أنّ كل ما مهّدْتُ له من مقاومةٍ لمشاعري تجاهها .. من ضبطٍ لنفسي في حضرتِها .. من نسيانٍ تامّ لكل ما جرى في تلك الليلة من أفعال ” غير لائقة ” بيننا …  كلّ هذا قد تبخر بنظرةٍ واحدةٍ إلى مؤخرتِها … فكيف بالنظر إلى مقدمتِها ؟ .. أنا غارقةٌ في هواها !
وعندما مررْنا بذلك الزقاق المظلم لمْ أستطعْ كبحَ جماح شهوتي أكثر من ذلك .. فتسللتْ يدي إلى أحب مكانٍ إلى قلبي ..  نظرتُها تنهاني عما أفعله ، واللزوجة التي تمسها أصابعي في ” ذلك المكان السريّ ” تحثني على الاستمرارِ .. ثم اتّحدَتْ رسالة العينين مع برقية ” المكان السريّ ” .. هذه النظرة الشهوانية في الأعلى تحكي اندفاع الرطوبة واللزوجة في الأسفل .. وأنا أستقبل هذه النظرة الراغبة المغرية ، ثم أرفع يدي إلى فمي لألعق ذلك البلل الصادق المعبر .. فأكاد أجنّ رغبةً فيها ..
وعندما عدْنا لعمارتِنا .. كان كلّ ما أريده هو أنْ أفعلَ بها ما فعلْتُه بها تلك الليلة ؛ تلك الليلة الحمراء- حقيقةً لا مجازًا !
لحسنْ الحظّ أنّ أبواي قد اصطحبا أخي الصغيرَ إلى طبيب الأسنان ؛ الشقة لنا :
– « وَنَا كَمْ … إنْ ؟ »
ها ها ! .. بالطبع إنها تريد .. تريد الدخولَ و”الدخولَ” ! .. لقد كانَتْ يدي في سروالِها قبلَ قليلٍ .. وأعلم ذلك علمَ اليقينِ !
ولكنّ صديقتي تهزّ رأسها ، وكأنها لا تصدق مجوني ، وعيناها الفاتنتان تحويان مزيجًا من عواطف متناقضة تغطي طيف الحب والكره كلّه ..
ثم فجأةً تتركني وحدي ، وتصعدُ لشقتِها !
ظلَلْتُ واقفةً لثوانٍ ، وأنا أحاولُ تخمينَ ما حدثَ .. لماذا غادرَتْ ؟ .. نعم ، أنا لمْ أخبرْها أن الشقة خِلْوٌ من أبواي وأخي .. ولكنّي كنْتُ على وشك إخبارِها بذلك ، لقدْ أردْتُ أنْ أبدأ بتلك الدعابة أوّلًا.. فلماذا غادرَتْ ؟
هل ظنَّتْ أنني أهزأ بشدة رغبتِها التي ” لمسْتُها ” قبل قليلٍ .. حرفيًّا ؟ .. تبًّا ! لأنا أشدّ منها رغبةً ، فلا شيءَ يُسْتَحى منه ! إني أريدُها .. عاريةً .. على حجري .. الآن !
ثم فاء إليّ عقلي : حسنًا ، هناك حلٌّ بسيطٌ .. سأدخل الشقةَ وأتصلُ بها !
****
يبدو أنني موشكةٌ على النومِ فعلًا !
هذا غريبٌ .. إن الليل لا يزالُ في أولِه .. ولكنْ لعلّ عقلي راغبٌ في لقاء حبيبتِه .. ويعلم أنه لا سبيلَ إليها في اليقظة ؛ لأنّ شقتي وشقتَها ليسَتْ قاصرةً علينا .. ومِنْ ثمّ فقد رأى أنْ ينامَ حتى يقابلَها ..هذه فكرة رومانسية : حسنًا ، فلْأعِدّ منبّه الهاتف المحمول.. أينَ هذا الهاتفُ المحمولُ ؟
تبًّا ! .. تـــبـــًّا !!
عشرون مكالمة لمْ يردَّ عليها .. وخمس رسائل .. وأنا لا أحتاج للاطلاعِ على المكالماتِ ولا الرسائل لأعرفَ مُرْسِلَها ، أو مُرْسِلَتَها للدقة .. ما الذي أفعله الآن ؟
سأتصل بها بالطبع .. لا داعيَ لقراءة الرسائل .. فلن يكون فيها خيرٌ على الأغلبِ .. سأتصل بها مباشرةً ..
– « لماذا لمْ تردّي ؟ »
هذا صوتٌ غاضبٌ .. ربما كان عليّ قراءة الرسائل أولًا !
– « أنا آسفة .. لقد كان المحمول على الوضع الصامتِ .. أنتِ تعرفينني : إنني أكره إزعاجه ! »
– « ألمْ تقرأي الرسائلَ التي أرسلْتُها لكِ ؟ »
– « لا ! خفْتُ أن يكون فيها لومٌ لا أستحقه .. فرأيتُ أنْ أتصلَ بكِ مباشرةً  »
– « قرارٌ حكيمٌ .. اللومُ على ما كنْتِ غافلةً عنه هو لومٌ غيرُ مستحقّ بالفعلِ .. ولكنْ ماذا عما فعلْتِه عمْدًا ؟  »
أوْ أوه ! إننا ذاهبتان في هذا الطريق !
– « هل تقبلُ حبيبتي اعتذاري لو قلْتُ إنني فعلًا فعلًا آسفة ! »
حبيبتي ؟!
– « ” حبيبتي ” ؟ »
تبًّا !
– « أعني .. أعني – »
– « لا تسحبيها !! ..حبيبتُكِ تريدُكِ الآن .. حالًا .. في هذه اللحظة .. انزلي بدون تغيير ملابسكِ حتى ، أنا في انتظاركِ »
– « ولكنْ .. أهلكِ .. »
– « إنهم في الخارج يا سخيفة .. لماذا دعوْتُكِ للدخولِ إذن ؟  »
– « أوه ، لقدْ ظنَنْتُكِ تتلاعبين بالألفاظ –  »
– « دعي عنكِ ذلكَ .. أنا . أريدكِ .الآن ! »
واو ! هذا الصوتُ لي أنا ؟ .. سأوافيها بسرعةِ البرقِ .. ولكنْ :
– « سأرتدي شيئًا لائقًا ، وأنزل مباشرةً !»
– « ما الذي قلْتُه قبل قليلٍ ؟ بدون تغيير ملابسكِ .. ولكنْ بما أنني رقيقة القلبِ فمسموحٌ لكِ بارتداء روب فوق ما ترتدينه ، ولكنْ لا أكثرَ من ذلك !  »
 تبًّا !
– « ولكنْ – »
– « لا اعتراضات ، وإلا زادَتْ عقوبتُكِ ! »
ثم أغلقَتِ الخطَّ مباشرةً ..
تبًّا !
 هل أجرؤ ؟
الدمُ يندفع إلى وجنتيّ ؛ أتُرَاني أجرؤ ؟ ..
فلأجرِّبْ .. الحريرُ الناعم يلامس جسدي العاري ، فيصف كلَّ شيءٍ وصفًا تفصيليًّا ؛ درجةٌ كاملةٌ لهذا الروب ؛ إنه لمْ يتركْ شيئًا لمْ يصِفْه !
هل أجرؤ ؟ ..
صوتُ والديّ في الصالةِ .. يتناقض تمامًا مع ما يجول في ذهني الآن .. ويدفعني دفْعًا للتخلي عن الفكرة الجنونية ..
ولكنْ .. حبيبةُ القلبِ أمرَتْ .. وأمرُها مقدّمٌ على كل شيءٍ آخرَ ..
آخذ نفسًا عميقًا .. ثم أفتحُ بابَ غرفتي .. وبمجرد أن أخطو خارجَه أندمُ ندمًا بالغًا على ذلك القرارَ الطائشَ .. ولكنْ لا تراجعَ الآن ! ..
لحسْنِ الحظّ أنّ أمي في المطبخِ ، وأخي يوليني ظهرَه مقابلًا الحاسبَ .. المشكلة في أبي الذي يحتسي الشاي ويقابلني تمامًا .. ولكنْ لحسْنِ الحظ أيضًا أنه مشغولٌ بالصحيفة !
أخطو خطواتٍ عجلاتٍ ، وأنا أتمنى ألا يرفع عينَه عن الصحيفة … في أي لحظة الآن قد يرفع عينيه فأضيعَ .. خطوتان أخريان .. خطوة إضافية ..
حسنًا ، لقدْ تجاوزْتُه ! 
ولكنّ صوتَ خطواتِ أمي توشك على مغادرة المطبخِ _ولو غادرَتْه لرأتْني _ يعيدني لمخاوفي ، فأقول على عجلةٍ ، وأنا أهرع إلى باب الشقة :
– « ماما ! سأنزلُ عند ( شيرين ) لبعض الوقتِ »
وقبلَ أنْ يصلني ردّها كنْتُ قد فتَحْتُ البابَ وخرجْتُ ..
الآن : المشكلة رقم ( 2 ) ؛ الجيران !
إن أفضلَ طريقةٍ لتعلم السباحة هي إلقاء نفسِكَ في الماء بدون ترتيبات .. أو شيءٌ من هذا القبيلِ .. وبناءً عليه : أقفز الدرجاتِ درجتين درجتين .. وأنا لا ألوي على شيءٍ ؛ كلما زادَتِ السرعةُ كلما قلَّتْ فرصةُ انكشافِ أمري ..
ثم تدنو الشقة ، ويدنو معها الخلاصُ .. وقبل أن تطرق يدي العجلى باب الشقة ينتهي إلى سمعي صوتُ خطواتٍ قادمة من الدرج السفليّ .. فأطرق البابَ بجنونٍ .. لو لمْ تفتحْه في هذه اللحظة ، فسيراني الصاعدُ أو الصاعدةُ على الدرج … وفي خلاصٍ ملحميّ تفتح الآمرة بهذه المصيبة التي أنا فيها بابَ شقتِها.. فأهرع داخلةً ، وأغلق الباب خلفي ..
– « ما الذي ترتدينه ؟! »
هل اعترضَتْ لتوّها على ما تسبّبَتْ فيه ؟!
– « أمرُكِ !! »
ثم جاءني ما كنْتُ أرغبُ فيه ؛ التصفيرَ الماجنَ من الشفتين الرقيقتين بينما العينان تلتهمان ما سُقْتُه لها، قبل أن تقول :
– « لقدْ ظنَنْتُكِ ترتدين شيئًا ، هل اتّصَلْتِ بي من الحمام ؟ »
الخجلُ يغزو ما تبقى من وجهي ، ويُدْخِله في جنس الطماطم، وقبلَ أنْ أجيبَها تبادرني بمجونٍ تُحْسَدُ عليه ، وقد فطنَتْ لما حدث :
– « آه ، لقد كنْتِ تصنعين ذلك الشيءَ .. إممهم ، هذا منطقي ، فلقد تركْتُكِ على الحافة.. المهمّ : هل أعدْتِ الشحنَ أم لا ؟ ..  فإني لا أريد أنْ أفعلَ بكِ شيئًا ، وأنتِ لا زلْتِ في مرحلة التعافي ! »
لا زال خدّاي يتوليان الإجابةَ عني ..
ثم اكتسبَتْ سمْتَ الصرامةِ ، وبدأتْ في إعطاءِ الأوامرِ الشهية :
– « سأفترض أنّ هذه إجابة بنعم .. انزعي هذا الشيءَ الرقيقَ الذي يغطي هذا الجسد اللذيذ »
ففعلْتُ ما أمرتْني به للمرة الثانية في هذه الليلة ؛ عاريةً كما ولدَتْني أمّي .. والروب قد تكوم في الأرض خلف رجليّ ..
ولأنّ مجونَ صاحبتي لا ينتهي إلى حدٍّ .. فقدْ بدأتْ في إصدار أصواتٍ حلقية لا يصح أنْ تصدر من ” سيدة مهذبة ” .. ولكنها تريد أن توصل لي ما يفعله جسدي بها .. ولا توجد ألفاظٌ مهذبةٌ لهذه المعنى …
 إن رغبتَها فيّ تزيدُ من رغبتي فيها .. هذه دائرة مغلقة !
تشيرُ بسبابتِها : أنِ استديري .. فأفعلْ .. ويفجؤني صوتُ اصطدام شيءٍ بالأرض من ورائي .. ثم عندما تقبض كفاها على ردفيّ ويغوصُ لسانُها فيما أمامَه .. أستوعبُ أنه كان صوتُ سقوطِها لركبتيها .. كممثل درجة ثانية أصابه سهمٌ !
هَبْها تدرَّبَتْ على الاستمناء على نفسِها فهي تتقنه لذلك ، فعلى مَنْ تدرَّبَ لسانُها ، فهو يدورُ في احترافية تحسدُها عليها مثليات مدينة القديس فرنسيس ؟ ومع دورانِه يدورُ كلُّ شيءٍ فيّ  .. من الظلمِ أنْ أطالَبَ بالتعرض لكل هذا واقفةً .. إن عضلاتِ قدميّ تحملني بالكادِ خلال هذه التجربة الأثيريّة !
ثم قبلَ أنْ نذهب لنقطة اللاعودة .. يبتعد اللسانُ البارعُ عما كانَ فيه.. فأعاني أعراض الانسحاب الحادة لحظيًّا ؛ لا توجد مخدراتٌ بهذه القوة في الدنيا الأرضية !
– « المزيدَ ؟ »
هذه المرة خداي ليسا في مواجهتِها ، فأضطر للرد :
– « أرجوكِ ! »
– « عندما حطأتُ هذين في الطريق قبل قليلٍ ، كيف كانَ ردُّكِ عليّ ؟ »
أووه ! إنّ هذا لنْ يمرَّ بدون عقابٍ ، أليس كذلك ؟
– « أنا آسفة ! »
– «  كان ردُّكِ ” أنا آسفة” ؟»
– « بل أنا آسفة على ما كانه ردّي ! »
– « ما هي اللفظة بالضبط التي تريدين التأسف عليها ؟ »
– « ” غبية ” ؟ »
الصفعة الأولى ترجّ الردف الأيمنَ ، فتصدر عني آهةٌ جنسية رغمًا عنّي ..
– « تؤ تؤ ! .. شقية !  »
الصفعةُ الثانية من نصيب الأيسر .. وهذه المرة أقبض على تلك الآهة الجنسية قبل أن تتسلل خارج شفتيّ .. فتقول في استمتاعٍ :
– « هذا أفضلُ  »
وأتأهب للثالثة .. ولكنّ الصوتَ العذبَ هو ما يأتيني :
– « هل يبدو لكِ هذا وضعًا طبيعيًّا لهذه العملية ؟ .. أنا أفضل التقليدية .. دعينا نذهبْ إلى سريري لأعاقبك هناك مستلقيةً في حجري! »
مثل المرة السابقة !
ثم لما لمْ أتحرَّكْ ربّتَتْ يدُها على مؤخرتي وهي تقول :
– « تشَبْ- تشَبْ »
فبدأتُ في التحرك لغرفتِها ، ولكنها ظلَّتْ على جلستِها على الأرض تحدّقُ فيّ .. ثمّ لمّا رأتِ الاستفسارَ في عينيّ قالَتْ :
– « إني أحب رؤيتهما وهما يرتجان من أثر المشي ! »
قبل أسبوعٍ واحدٍ فقط .. لمْ نكنْ نجرؤ على تقبيل ما هو أكثر من خد الأخرى ؛ قبلاتٍ أفلاطونية .. ثم بعد أسبوع واحدٍ نصل لهذا !
حسنًا ؛ بما أن هذا يروق لها فكذلك .. متّعي عينيكِ بكل ما ترينه ؛ فكل ما ترينه لكِ ! ..
وبدأتُ أبطئ في سيري الخطواتِ القليلة التي تفصلني عن غرفتِها ، وأعلم _ وإن كنْتُ لا أراها _ أنّ ما أفعله يروق لها ؛ كل اهتزازة قد انفصلَتْ عن الأخرى ؛ كل اهتزازةٍ تحظى بالوقتِ الكافي لتلتهمها العينُ المراقبة …  ثم عندما أقتربُ من بابِ غرفتِها أتراجع إلى الوراء وأنا أدير ذراعيّ كأنما هو شريطٌ مسجلٌ يعاد تدويرُه .. وتصلني ضحكتُها الخافتة المستمتعة ..  حتى إذا ما ابتعدْتُ عن الباب ورجعْتُ للجالسة على الأرض تراقبُ ” العرض ” شعرْتُ بيدها العجلى تلمسُ ما تطوله من جسدي ، ولكني أنهاها في رقةٍ :
– « أأْ أأ .. يُو كانْ سيْ ، بَتْ يو كانْتْ تَتْشْ ! »
 ثم أبدأ في الخطو المتثاقل مرةً أخرى جهة غرفتِها .. ويوقفني صوتُها الغارق في الرغبةِ :
– « تعاليْ هنا ! »
فأتوقف عن المشي ، وألتفتُ إليها .. إلى جلستِها على الأرض .. إلى تطلعِها إليّ كأنني ماءٌ باردٌ في يومٍ قائظٍ .. وهي ؟ .. هي تكاد تهلك من الظمأ !.. هذه النظرةُ تدفعني إلى أنْ أجرب حظي في النجاة من عقابِها :
– « ظنَنْتُكِ تريدين إتمامَ عقابي على سريركِ ! »
– « قد كان هذا قبْلَ أن يدافع عنكِ محاميان بارعان أقنعاني ببراءَتكِ .. فتعالي حتى أشكرَهما ! »
وأعودُ إليها .. فتقبض بيدِها على يدي وتنزلُ بي جهة الأرض .. ثم توجّهني يداها حتى تستقرّ مؤخرتي جالسةً في حجرِها ، وتحيط رجلاي بخصرِها .. ثم تقبضُ على ردفيّ كأنها غريقٌ يتعلق بمنقذِه .. هل هذا هو الشكرُ ؟ .. أنا راضية !
– « تذكرين المرة الماضية ؟ »
وهلْ هذا شيءٌ ينسى ؟
– « إمهم  »
– « هذه المرة سأطْلعكِ على شيءٍ مختلفٍ ، وإنْ كانَ من الجنسِ نفسِه  »
ومع قولِها ذاك تُبْعِدُ يدَها اليمنى عن ردفي الأيسر ، ثم تصفعه .. ليسَتْ صفعةً بالضبط .. درجةً بين الصفع والتربيت .. وقبْلَ أنْ أفصِحَ عن تلذذي _ صوتًا وصورةً _ بما فعلَتْه .. تكرر يسراها ما فعلَتْه يمناها .. ثم يعودُ الدورُ لليمنى .. ثم يشتركان في إقلاعهما من قاعدتِهما في مؤخرتي ليحلقا في الجوّ قليلًا ثم يعودان للقاعدةِ حاملَينِ معهما شيئًا من الألم وكثيرًا من اللذة .. هذا أمتع بكثيرٍ _ على المستوى اللحظيّ _ من المرة السابقة .. وإنْ كانَ للعاملِ النفسيّ _ في المرة السابقة _ أثرُه الذي لا يُنْكَرُ في تحريك غرائز أعمق وأكثر بدائيةً فيّ .. فمنظر انحنائي على فخذيها بينما يدُها تتولى إيجاعَ مؤخرتي .. وما يتصاحبُ مع ذلك من خضوعٍ لا يخلو من حبّ من جانبي .. ومن سيطرة لا تخلو من عطفٍ من جانبِها .. كان ذلك مشوّقًا .. ولكن هذا أيضًا مشوقٌ ؛ لكلٍّ فضلُه ..
– « أتريدين في المستقبلِ أنْ : واحد : أنْ” أشكر ” مؤخرتَكِ مثل هذه المرة ؟ أم : اثنان : أنْ ” أعاقبَها ” مثل المرة السابقة ؟ »
– « سيكْرِتْ أوبشِنْ ؛ نمبر ثريي : أولْ أوفْ ذي أبَفْ ! »
يبدو أنّ الردَّ أعجبَها لأنها أوقفَتْ التربيتات/الصفعاتِ لينشغلَ فمُها لثوانٍ بتقبيلِ فمي .. بينما يداها تصعدانِ قليلًا إلى أسفلِ ظهري لتدفعه جهتَها ، فتُحْكِمَ العناقَ بيننا ..
وحينَها سمعْنا معًا _ من وراء باب الشقة المغلق _ صوتَ صلصلة المفاتيح في سلسلتِها ، ولمْ يكنْ من الصعبِ تخمين أنّ أهلَها قد عادوا من خرْجتِهم !  
كنْتُ قد تجمّدْتُ لجزءٍ من الثانية .. ولكنْ لحسْنِ الحظّ فقد كانَ ردُّ فعلِها أسرعَ مني بكثيرٍ .. فحملَتْني حملًا ، وقامَتْ بي .. وأنا لا أزال محيطةً عنقَها بيدي .. وركضَتْ تجاه غرفتِها .. وبالكادِ كنّا قدْ دخلْنا غرفتَها قبلَ أن ينفتح بابُ الشقة .. ثم أغلَقَتْ بابَ الغرفةِ وراءَنا ..
الخطوة التالية : الملابس !
– « ارتدي أيَّ شيءٍ من ملابسي !.. سنخترع عذرًا فيما بعد »
– « إن الروب لا يزال – »
– « لا مشكلة ، فقط ارتدي شيئًا الآن !  »
– « ملابس منزلية ؟ أم ملابس خروج ؟ »
– « ملابس خروج بالطبع ، هل ستنزلين الدرج في ملابس منزلية ؟! »
وابتسَمْنا كلتانا لثانية ؛ لقدْ نزلْتُ الدرجَ عاريةً تقريبًا ! ..
 ثم شرعْتُ في تطبيق الخطة .. وعندما فرغْتُ من لبسِ بلوزتِها وتنورتِها .. فتحَتِ البابَ لتقابلَ أبويها ، وأخاها .. وتصْحبُني معَها .. ثم قالَتْ :
– « عدْتُمْ بسرعةٍ ؟ »
رد عليها أبوها :
– « حصل ظرفٌ طارئٌ للطبيب ، وأرجأ الموعدَ .. أو على الأقل هذا ما قالَتْه موظفة الاستقبال !  »
ثم أضافَ عندما رآني:
– « كيف حالكِ يا ( سمر ) ؟ آسفون أننا قطعْنا عليكما ما كنتما تفعلانِه ، بالمناسبة : هل هذا لكِ ؟ »
ما كنا نفعله ؟ ليس لديك فكرة ! ..
كانَتْ يده تشير إلى الروبِ ، فأجابَتْ ابنتُه :
– « آه ، لقدْ طلبْتُ منها أنْ تحضِره على سبيل الاستعارة ، ونسيْتُه هنا »
ثم أخْذَتْه من يد أبيها ، وهي تخاطبُني :
– « سأعيده لكِ لاحقًا .. كما اتفَقْنا   »
كان هذا دوري لأغادر ساحة الجريمة :
– « بالطبع .. بالطبع .. آمم .. سأتصل بكِ لاحقًا .. لنكمل ما كنا نتحدث فيه ..  تصبحون على خيرٍ ! »
لمْ تَفُتْني غمزتُها الخاطفة .. عندما ذكرْتُ ” إكمال ما قوطِعْنا في منتصفه ” ..
حقيقة أننا نلمح أمام أبويها بما لو عرفاه لجن جنونُهما .. وحقيقة أنني كدْتُ أفتضح أمام أبويّ عندما خرجْتُ من شقتي شبه عارية – طاعةً لأمرها الذي لم تتعمدْه أصلاً .. كل هذا يثير في قشعريرةً معربدةً .. ويجعل التجربة أشوق مراتٍ ومراتٍ ..
ولهذا عندما عدْتُ إلى سريري في غرفتي في شقتي في طابقي .. سرعانَ ما اتصلْتُ بها ..
وكانَتْ تلك أول مرةٍ أمارسُ فيها الجنس الهاتفيّ .. الجود من الموجود ..
نعم ، إنه لا يفصل بين غرفتي وغرفتِها سوى أرضيتين أو سقفين .. ولكنّ الظروفَ تحتم أنْ يكون معظم الجنسِ الذي بيننا هاتفيّ ! فتلك الليلة بالطبع لمْ تكنْ آخرَ مرةٍ نتبادل فيها المغازلات والقبلات وأصوات الشبق عبر الهاتف .. فبطاقات الشحن من فئة العشرين جنيهًا التي أستهلكها بشكلٍ أسبوعيّ هذه ليسَتْ تبرّعًا منّي لشركات المحمول .. !
فيما بعدُ قد تتاح لنا الفرصة ليصير معظم _ إن لمْ يكنْ كلّ _ الجنسِ بيننا واقعيًّا تفاعليًّا لا تتربح من ورائه شركات الهواتف المحمولة .. ولكنْ حتى ذلك الحين ، فأنا أستحق بجدارة لقب العميل المميز الذي تخصني به شركة الهاتف المحمول الذي أشتري بطاقاتِه !!
——– ( تــمَّــت ) ——–

قصة : الهيراركية ، جنون السلطة ، وأشياء أخرى ( ف / ف )


قصة : الهيراركية ، جنون السلطة ، وأشياء أخرى ( ف / ف )  

– بضعة تنويهاتٍ :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد  نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين أنثيين ، فإن كان هذا يسوؤك / يسوءك، فقد نوهنا به . 

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي _ وإنْ تلميحاً لا تصريحًا _ ما يقترب مما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ 

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ،  ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأيُّ حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يُسْألُ المؤلفُ عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

 – القصة : 


1- تسارعٌ
————————————————-
الرجال .. تبًّا لهم ! .. لماذا لا يتركونني وشأني ؟!
– « صباحنا قشدة ! »
صباحك قطرانٌ يا ابن الفاعلة ، فليتَ ما تتمنى فعلَه بي يحل بأبيك !
لماذا لم تربِّهمْ أمهاتُهم  ؟! لقد كانَتْ هناك فرصة لتقويمهم قبل أن يصير الصلصال فخاراً .. أما الآنَ فهم حالة ميئوسٌ منها ..
– « لا ردَّ ؟ »
بل سيأتيك الردُّ بين عينيك ، لو استمرَرْتَ في تحرشك !
– « إن مشاعري خالصة يا بنتَ الناس ، أنا طامعٌ في الحلال »
تعليقٌ آخر ، وسأضطر للرد ؛ سأضطر للسب الفاحشِ ..
– « وهل للأنثى هدفٌ غيرُه ؟ بيتًا يؤويكِ ورجلاً يحميكِ .. فنريد أن نقرب المسائل من الأجوبة !  »
هذه هي ! لقد كنْتُ أمني النفسَ أن أصلَ إلى الطريقِ العام ، وأستقلّ الحافلة ، وأتخلص من سماجتِه ، ولكنْ إن كانتِ السماجةُ بهذه الكثافة ، فلْتشهدِ الحارةُ الوجهَ الآخرَ لي ، لا يهم أن يسمعني عم ( فلان ) ولا عم ( علان ) ..
ويراني السمج أتوقفُ عن سيري وألتفتُ إليه..  فيعلو وجهه المُشْعِرَ ابتسامةُ انتصارٍ ، ويهيئ نفسَه لجوابي ؛ لا يهم القبول أو الرفض ، التلطف أو الإغلاظ ، المدح أو الذم – هذا كله ستحوله شهوانيتُه الذكورية العفنة إلى موضع فتنة وتلذذ ؛ كل ما يصدر عن امرأة هو دليلٌ _ في عقله الدنيء_ على الرغبة الدفينة والشهوة المكبوتة ، والهدف هو استخراجُها على يديه ليتمتع بالجسد الرخص الذي استطاع فك طلاسمِه وعجز الآخرون عن ذلك ؛ هؤلاء الرجال الأقذار ..
– « أمك ! »
كلمة واحدة مختصرة ..
الابتسامة لا تزال على شفتيه ..
– « أمي ما لها ؟  »
– « كانتْ تمشي يومًا ما في طريقٍ كهذا مليءٍ برجال مثلك  »
أليس هذا هو ما ينهاهم في المعتاد ؟ ما ستفعله بأخوات الناس سيُفْعلُ بأختك ؟ من تتحرش بها ستكون يومًا ما أمًّا لمثلك ؟ لا كرامة للمرأة ؛ ولكنْ على الأقل فلتكرمها من أجل الذكور المرتبطين بها ، حتى يكرم الذكور الآخرون أمك وأختك من أجلك ؟ ..
أليس هذا ما ينجع في نهي هذه الكائنات الأنانية ؟
– « ولكنّ أمي لم تكن ترتدي ملابس كهذه ، إذًا لقتلها جدي- ألف رحمة ونورٍ عليه  »
المخرج الأخير لانتهاء هذا اليوم سلميًّا قد تجاهله اللعينُ ؛ الآن تراه
طااخ
– « آآه .. يا ابنةَ المجنونة  »
طاااخ .. طاااخ
نعم هذا نتج عنه دمٌ ؛ سيفكر ألفَ مرةٍ بعدَ ذلك قبلَ أن يتحرش بامرأة ؛ قبل أن يتحرش بامرأة ترتدي حذاءً ذا كعبٍ عالٍ على الأقل
– « أدركوني يا ناس ! اطلبوا الإسعافَ  »
ها هو الطفلُ الباكي المذعورُ يعود لفطرتِه ، متمددًا على الأرض في دمائه – لنرجُ ألا يموتَ ، وما دونَ ذلك فعقابٌ مستحقّ ..
أما أنا فماضية في طريقي – الذي خلا بمعجزةٍ ما من أي متحرش ؛ اليد أنجع من اللسان في تأديب هؤلاء !
*****
طرقٌ عنيفٌ على الباب !
أبي يتجه إليه ، وهو عازمٌ على البطش بالطارقِ ..
وما إن يفتحِ البابَ حتى تتحول العزيمة إلى خورٍ .. ثم إلى خوفٍ ..
– « هذا بيت (فارس موسى)  ؟ »
هؤلاء الضباط يتلقون دروسًا في الأداء الصوتيّ على ما يبدو ، تماماً كالممثلين !
– « نعم يا أفندم ! أهناك مشكلة ؟  »
صوتُ أنثويّ يتدخل ليرد عليه – أنثوي جنسًا ولكنه بنفس العنف :
– « معنا إذن من النيابة بإلقاء القبض على ابنتك ( وردة فارس موسى ) ؛ هل هي في البيتِ ؟ »
عينا أبي تتوجه إليّ في ذهولٍ .. وغضبٍ .. وشفقة.. وغيظ .. كيف تجمع عينا إنسان كل هذا في لحظةٍ واحدةٍ ؟
ثم يعود للضابط الذكر والضابط الأنثى :
– « هل من الممكن أن أعرف سبب …  »
يقاطعه الضابط الذي اعتاد _على الذي يظهر_ أن يقتحم البيوتَ بلا استئذانٍ :
– « في ظروف أخرى كان الجوابُ ليكون بـ (لا) ، ولكنْ بالنظرِ إلى أنها امرأة ؛ فهاك إذنَ النيابة  »
تجري عيناه على أسطر الورقة ، ثم يقول في وجل :
– « ولكنّ ابنتي لا يمكن أن تكـ… »
– « نحن نسمع هذا كثيرًا ؛ كل المجرمين لهم آباء وأمهات وأبناء …. هل هذه هي ؟  »
كنْتُ قد اقترَبْتُ من البابِ لأزيلَ على والدي عناءَ التردد بين تسليم “المتهمة” ، وبين المحاربة دون ” أخذ ابنته ” ، وأهمس له قبل أن أنصرف معهم ..
– « آسفة ! »
وعيناه لا زالتا مشدوهتَين ، وهو يرقبُ ابنتَه الصغيرة في سيارة الشرطة التي تعوي في جنونٍ في طريقِها إلى قسم الشرطة ..
أما أنا .. فكان الخوفُ قد أغلق كل شيءٍ فيّ عندما أمسكَتْ تلك الضابط بي كأنها تخاف أن أضيع منها في زحامٍ .. ولم أعد أعقلُ شيئًا مما حولي ..
*****
– « هل أنتِ مقرة بضربك للمجني عليه ؟  »
– « لقد كان يتحرش بي ! »
– « ما الذي فعله بالضبط ؟  »
– « لقد قال الكثيرَ من ..  »
– « “قال” ؟ لقد ضربْتِه بطرف حذائك المدبب ، وأحدثتِ جرحًا استدعى عشر غرزٍ ؛ لأنه “قال” ؟  »
– « هل يمكن أن أرى محاميّ ؟ »
الضحكة تجلجل في الغرفة المغلقة ، وتستدعي جلجلتُها مشاركة الشرطي الواقف خلفي في الضحك ؛ لئلا يكون ضحك سعادة وكيل النيابة على شيءٍ لا يضحك ..
– « أتريدين أن أتلو عليك قانون (بيبسي) بالمرة ؟ .. هذه الأفلام الأمريكية قد أفسدَتْ عقولَ النشء ! »
صوتُ لغطٍ يقطع عليه استهزاءَه ، وقبل أن يطلبَ من الشرطيّ أنْ يستكشف الأمرَ ، يدخل إلى الغرفة وجهٌ مألوفٌ ترتدي صاحبتُه بذلة كاملة شديدة الأناقة :
– « لقد سحبَ المجني عليه الدعوى يا أفندم ، ومن ثمّ فإن …  »
وكيل النيابة يقاطعها في استياءٍ بالغٍ :
– « كلا ! إنه لم يفعلْ ، لم يسحبْ أحدٌ شيئًا ، ثم من أنتِ على أية حال ؟  »
– « المعذرة ؛ ما عنيْتُه هو أنه على وشك أن يسحبَها فهو ينتظر في الخارج .. »
– « مــن أنـــتِ ؟! »
– « أنا أختُ المتهمة .. وأيضًا محامية ، في الواقع لعل سيادتكم يتذكرني ، فقد كنا زميلَينِ في الدفعة نفسِها ؛ أنا من كتب مذكرة مادة القانون المدني التي ذاكر منها معظم الدفعة لعل سيادتكم يتذكر ذلك ؛ مذكرة م  ف م ( منى فارس موسى ) ، لقد كانَـ …   »
تبدو معالم الاستحياء على وجهه ، ويقاطع أختي :
– « حسنًا ، حسنًا ، أنا أذكر شيئًا من هذا القبيل ،  لا داعي للخوض في هذا الموضوع ، أين المجني عليه ؟  »
– « إنه في الخارج ، الشرطي لم يسمح له بالدخول ، ولا لي في الواقع ؛ فقد تسربْتُ منه بعد جهدٍ .. »
أشار وكيل النيابة إلى الشرطي ليُدْخِلَ ” المجني عليه ” ، ففعل ..
ودخل المتحرش وهو يضع يدَه على مكان الغرز كالمتألم مما أصابه ؛ عليه اللعنة .. إنه لا يزال على سماجتِه .. وسأله وكيل النيابة :
– « أنت متنازلٌ عن الدعوى ؟ »
– « لقد كانَتْ ضرباتٍ موجعةً يا سعادة البيه ، وأنا لم أفعل لها شيئًا …. »
– « ( عبده ) !! »
كان هذا صوتُ أختي المعترض على مرثيته لنفسه ..
– « ولكنني من أجل سلامة النفوس يا سعادة البيه ، مستعد للتنازل عن الدعوى ، ولكن بشرط أن تضمن لي سعادتكم حسنَ سيرة المتهمة معي في المستقبل ، وأنْ تردّ عليّ بأدبٍ ، وأن تلين لي في التعامـ .. »
كان المسكينُ قد أخطأ في التمييز بين من يجوز معه التزيد ، ومن لا يجوز .. فعاجله وكيل النيابة :
– « يا شرطي ، خذه للحبس »
– « تـمــام يـا أفـنـدم ! »
– « لماذا .. لماذا .. الحبس .. سعادتكم .. لماذا ؟  »
– « أتريديني أن أعمل قوّادًا لديك يا ( عبده ) ؟ أنْ أضمنَ لك ” تعاون ” المتهمة في المستقبل ؟  »
– « إطلاقًا .. إطلاقًا .. يا سعادة البيه .. ألبتة .. »
– « حسنًا ، سأتظاهر أنك لم تفعلْ ؛ .. وقع هنا .. وهنا .. ثم انصرفْ  »
– « تحتَ أمرك يا أفندم .. تحت أمر معاليكم !  »
وعندما انصرف القميء ، نظر وكيل النيابة إلى أختي ثم قال :
– « في المرات القادمة ، انصحي أختك أن تكون أكثر حذرًا ؛ إن القانون يحوي عقوباتٍ على الضرب ، ولكنّ عقوبات التحرشَ موادها غير قابلة للتطبيق ! »
– « سأثقفها قانونيًّا بكل الوسائل المتاحة يا أفندمْ ! شكرًا على رحابة صدركم  »
وخرَجْنا من غرفتِه .. ثم من القسم … وعندما ابتعدْنا عن مسمع الناسِ ، لهجْتُ بشكر منقذتي :
– « شكرًا يا (منى ) .. أنا مدينة لك بحياتي ؛ لقد ظنَنْتُ أنني سأسجَنُ بالفعل .. لقد كـ ..  »
– « الأمرُ لم ينتهِ بعد ، إن (بابا) يريدُ أن يطبخك على النار ويلقي بك مسلوقةً إلى الكلابِ .. كان عليكِ أن تسمعي صوتَه ، وهو يتصل بي !  »
– « لقد تحرش هذا الوغدُ بي ، فاضطررت لأن أفــ …  »
– «  ليست هذه هي الرواية التي وصلت أبي »
– « رواية ؟ »
فأوقفَتْني على قارعة الطريق ، ووجهت بصرها إليّ وكأنها تحاول نقل ما تقوله بلسانها وعينيها جميعا :
– « عندما اتصل بي أبوكِ وكان صوته محطما ..هدأتُ من روعه ، وأخبرته أن الأمر أبسط من هذا .. فقط علينا أن نعرف من هو هذا الشخص الذي قرأ اسمَه في إذن النيابة لنقنعه بالتنازل .. ثم بحثْنا سريعًا عن رافع الدعوى – صاحبكِ ( عبده ) .. وزرناه في بيته .. وتكفّل هو بسرد الرواية من وجهة نظره ؛ ملابس فاضحة … ” نصيحة أخ لأخته ” بأن ترجع إلى بيتِها حتى لا يتحرش بها أولاد الحرام .. مرتديةُ الملابس الفاضحة تنزل بطرف حذائها المدبب على جبهة “الأخ الناصح” ، وتكمل طريقَها في ملابسها الفاضحة.. لقد كاد أبوكِ يقبل يدَه وهو يرجوه أن يتنازل عن الدعوى ؛ لولا أن تدخلْتُ أنا وخلوْتُ بهذا الـ(عبده) ، وعرضْتُ عليه مئة جنيهٍ فوافق على سحب الدعوى بدون أن يريق والدُكِ ماء وجهه .. وجئتُ به إلى القسم ، وتوسلْتُ لأبيكِ أن ينتظر في المنزل ، حتى لا يرى صغيرتَه في الحبسِ ..  »
الآن تتضح الصورة المرعبة ؛ وأنا التي ظننْتُ أن الأسوأ قد انتهى :
– « هل صَدَّق ( بابا ) .. ؟  »
– « حبيبتي ، ربما يكون قسم الشرطة _ بمعنى من المعاني _ آمنُ لكِ الآن .. ولكننا سنعودُ إلى البيتِ على أية حالٍ ، وسأدافع عنكِ هناك كما دافعْتُ عنكِ هنا ، ولكني لا أضمن ألا يربط رجلَيكِ ، ويشرح لكِ عليهما شرحًا عمليًّا أساليبَ التعذيبِ التي برع فيها العثمانيون »
كانَتِ الصورةُ المرعبة تزداد وضوحًا ، وتدب فيها الحياةُ أمامَ عينيّ ، وامتقع لوني من الخوفِ ، فقالَتْ أختي الكبرى – مواساةً على ما أعتقد :
– « “علقة تفوت ، ولا حد يموت” ! »
يا لها طمأنةً !!  الآن ترتعد فرائصي !
********
بمجرد ولوج المفتاح في الثقبِ ، انفتح البابُ يدويًّا من الداخلِ ، وسحبَتْ أختي مفتاحَها في عجلٍ ، قبل أن يبتعد الباب عن متناول يدِها ، وكادَ العقابُ اللفظي يصل إلى أسماع الجيران ، لولا أن أدخلَتْني أختي بسرعةٍ , ودخلَتْ ورائي ، وأغلقَتْ البابَ :
– « يا أهلاً وسهلاً ، بالمجرمة الكبيرة ؛ آنسة العالم السفليّ ، التي أنجبْتُها ونمّيْتُها لتكون خزيًا وعاراً عليّ  »
أمي تبكي وهي تمسك بذراع أبي الذي يريد الانتقالَ من الكلام إلى الفعلِ ، والدموع تتسرب من عيني أمي إلى عينيّ بينما أتخذ أختي الكبرى حجاباً أستتر خلْفَه ..
– « ( بابا ) لا داعي للغضبِ .. اهدأ رجاءً !  »
– « انظري إلى أفعالِ أختِكِ أوّلًا .. ما الذي يبقى من الحِلْمِ بعدها ؟!  »
يده تحاولُ أن تصلَ إليّ فيتصاحبُ مع المحاولة ارتفاع عويلِ أمي ، وتحاول أختي أن تبعده عني :
– « ( بابا ) .. ما الذي تريد أن تفعله بها ؟  »
– « سأفتح رأسَها  »
– « هذه جريمة يعاقب عليها القانون بالإعدام ؛ أعني جدّيًّا : ما الذي تريد أن تفعله بها ؟  »
كان من الصعبِ على مَنْ وصل إلى هذه الدرجة من الغضب والغيظ ، أن يرد بعقلانية ، ولكنّ شيئًا من المنطق بقي في رأسه :
– « سأضربَها حتى تُشْفَى نفسي »
تنظرُ له أختي في معاتبةٍ ، بينما أنا وأمي غارقتان بالدموعِ :
– « حتى تشفى نفسُكَ ؟ .. لو كان الهدفُ تأديبَها ، أفلا ينبغي أن تُخْرِجَ نفسَك من المعادلة ؟  »
زمجرتُه الغاضبة تخفتُ قليلًا ، ويبدو أنه موشكٌ على الهدوءِ أو موشكٌ على الانفجار ، فهذا الهدوء قد يفضي إلى أيٍّ من النتيجتَين !
– « ما الذي تقترحينه ؟ »
– « سأؤدبها أنا ..  »
يدي الممسكة بظهر بذلتِها أمانًا بها من الخوف ، تشعر بالخيانة ؛ هل ستظاهِرُه عليّ ؟
– « أنا أعرف أنني أكبر منها بخمس سنواتٍ فقط ، ولكنّك غاضبٌ بتطرف الآن ، وقد تتسبب لها في عاهة مستديمة ، وأمي لن تضرب ابنتَها ، ولو قتلَتْ قيصرَ .. أعتقد أنني الأكثر مناسبةً لتأديبِها  »
إنها خيانةٌ كاملةٌ ! .. ولكنّ أختي تكمل عرضَها قبل أن يردّ أبي عليها :
– « ولكنْ ابتداءً _ ولأنني امرأة قانونٍ _ فأنا عازمة على أن نسمع منها دفاعَها عن نفسِها ، لقد سمعْنا ما قاله ( عبده ) ، وأعتقد أن سيادتك تتفق معي في أنه لم يبدُ رجلًا صالحًا .. وما رأيْتُه منه في القسم كان أشنعَ ، لقد هدده وكيل النيابة بالحبس حتى .. »
اتسعَتْ عينا والدي في استغرابٍ ، فأمّنْتُ على قولِ أختي :
– « أقسم أنه فعلَ »
كلُّ الهدوء الذي حضَّرَتْه أختي قد صرفْتُه أنا بمجرد أن سمع والدي صوتي ، وكاد يبطش بي ، فعدْتُ للاحتماء ببذلةِ منقذتي ..
– « ( بابا ) رجاءً !  »
ثم خاطبَتْني وأنا لا أزال مختبئةً خلفَها :
– « ( وردة ) .. لا أريد أن أسمع منكِ شيئًا حتى آذنَ لكِ  »
ازدَدْتُ التصاقاً بها وهمهمْتُ بشيءٍ ما ، ولكن ارتجافي في ظهرِها كان أبلغ في إيصال ما أريده .. وأكملَتْ عرضَها :
– « وبناءً عليه ، فأنا _ وأعتقد أن سيادتك تشاركني في ذلك _ لا أثق برواية هذا الـ ( عبده ) .. سنسمع من ( وردة ) .. وفي النهاية إن كان قرارك أنها تستحق أن تُضْرَبَ فسأضربها أنا  ..  »
من بين الغضبِ العاصفِ ، هزَّ رأسَه في شبه موافقة .. فأشارَتْ أختي له ولأمي حتى يجلسوا .. ولكنّ أبي ظل في مكانه حتى ابتدأتْ أمي في جره من يده ، فاستجاب بعد لأيٍ .. وجلسا على الأريكة ، وأجلسَتْني أختي على الكرسي المقابل لهما ، ووقفَتْ بيني وبين أبي ؛ كأنها تخاف أن أقول شيئًا يتسبب في هجومه عليّ .. ثم ابتدأتْ المحاكمة التي ظنَنْتُ أني نجوْتُ منها :
– « ابتداءً .. أريد أن أستوثق  _ وأنا أعلم أنه لا حق لي في ذلك كابنةٍ ، ولكنْ طلبًا لمنح الحق الكامل لأختي _ .. أريد أن أستوثق أنه سيسمح لها بعرض كل ما تريد عرضَه ، قبل أن نقرر ما سنصنعه بها .. أي أنه لن يبدأ عقابُها قبل أن تفرغ من سرد حججها ، هل هذا مقبولٌ يا ( بابا ) ؟ »
كان يتحاشى وقوع عينيه على وجهي ، فقال وهو مشيحٌ عني :
– « إن هذا الأمر يتحول إلى مهزلة ! »
– « ما المهزلة في هذا ؟ إن هذه هي نفس الإجراءات التي قد يتلوها أحكام الإعدامِ حتى ! .. فقط من حق كل إنسانٍ أن يدافع عن نفسِه ، هل هذا مقبولٌ يا ( بابا ) ؟  »
تعلو زمجرتُه التي قد تكون قبولًا ، وقد تكون رفضًا للإجابة ..
أختي تقرر أن تستمرَّ ما دامَتْ لا تملك خياراً آخرَ :
– « حسنًا .. ( وردة ) ! .. لا أريد تعللاتٍ ، ولا أريد كذبًا .. ستجيبين بصدقٍ ، وستؤخرين الاعتذاراتِ حتى آذنَ لكِ .. هل هذا مفهومٌ ؟ »
– « نعم  »
– « ما الذي كنْتِ ترتدينه عندما خرجْتِ البارحة ؟  »
الكثير من الاعتراضات لديّ على هذا السؤال ، وعلى ما فيه من عداءٍ للمرأةِ .. ما علاقة ما أرتديه بأي أحدٍ غيري ؟! .. ولكني لسْتُ في موطن قوةٍ :
– « قميصي الوردي ذاك أنتِ تعرفينه .. »
– « و .. ؟ »
– « وبنطال جينز اشتريْتُه مؤخرًا  »
– « ( بابا ) ! »
كان هذا التنبيه من أختي لأبي الذي أوشك أن يفقد حلمَه وأن يقوم من الأريكة .. ثم عاودَتِ السؤالَ :
– « هل كانتْ هناك ثقوبٌ في ذلك البنطالِ ؟  »
– « ربما ! »
– « ( وردة ) ! .. أنا أحاول أن أدافع عنكِ .. فلا تصعبي عليّ مهتمي  »
– « إنها موضة ! »
– « سأفتح رأسَها  »
كنْتُ أشبه بالفأر الذي تهجم عليه هرة .. ولكنّ أختي تدخلَتْ جسديًّا لتحول دون الانقضاضة الكاملة عليّ ، وبدأتْ في المعاتبة , وهي تزحزح أبي جهة الأريكة :
– « ( بابا ) ، لقد اتفقْنا على أن تهدأ حتى تنتهي من كلامِها .. أرجوك ! »
أمي تتشبث بيده وهي تحاول إقناعَه بالجلوسِ ، وبعد جهدٍ يجلسُ .. وتعود أختي لأسئلتِها :
– « هل ارتديْتِ شيئًا تحتَه ليستر مكان الثقوب؟  »
– « لا »
– « حسنًا ، ننتقلُ إلى موضوعٍ آخرَ ..  »
جاء صوتُ المقاطعة من أبي ، الذي لم تعجبْه إدارةُ ابنتِه للحوارِ أو للمحاكمة على وجه الدقة :
– « لماذا لا تسألين أختكِ عن مكان تلك ” الثقوب” ؟  »
هل زفر لهبًا من منخريه أم أنني توهّمْتُ ذلك ؟
 أختي تبدو وكأنها قد قبض عليها متلبسة بالانحياز لأحد الطرفين ، ولكنها تتماسك ، وتحاول أن تستعيد ثقة طرفي النزاع :
– « ( وردة ) ، اذهبي إلى غرفتك ، وأحضري ذلك البنطالَ حتى نراه رأي العينِ  »
أحاولُ أن أغمزَ لها في رعبٍ حتى تنتبه إلى مدى المخاطرة في هذا الطلبِ ، ولكنها لا تعبأ بي ..
فأجرجر رجليّ إلى غرفتي ، وأفكر وأنا في طريقي إليها أن أثقبَ بنطالاً آخرَ وأدعي أنه هو الذي خرجْتُ مرتديةً إياه ، ولكنْ من أين لي بمقصٍّ في الطريق إلى غرفتي .. ربما إذا تسللْتُ للمطبخِ ؟ .. ولكن المطبخ في الجهة الأخرى من الشقة … لم يكنْ هناك مخرجٌ .. وفي النهاية فقد عدْتُ بالتهمة إلى قاعة المحكمة , وسلمتُها لأختي .. التي نظرَتْ في عجالةٍ إلى موضع الثقوبِ ، ثم سلَّمَتْها لوالديّ وهي تقول:
– « حسنًا .. رجاءً يا ( بابا ) تمالكْ أعصابَكَ .. »
ولكنّ ( بابا ) لم يتمالكْ أعصابَه .. لقد أدخل قبضتَه بكاملِها ، في أعلى تلك الثقوبِ ، وعندما خرجَتْ من الجهة الأخرى ، وحاول تصوَّرَ كيف سيبدو منظري مرتديةً ذلك .. خرج اللهبُ حرفيًّا من منخريه !
– « ما الذي كانتْ ترتديه ” داخليًّا ” تحتَ هذه المرقّعة ؟ »
تدخلَتْ أختي في عجلةٍ :
– « رجاءً ! ( بابا ) ! .. لن نصل إلى هذه الدرجة  »
وجاء رده الزاعق :
– « ولماذا لم تفكر هي في الوصول إلى هذه الدرجة قبل أن تشتري هذا الـ”شيء” وترتديه في طريقِ الناسِ ؟!  »
ثم توجه ببصره إليّ ، لأول مرةٍ منذ عدْتُ من القِسْمِ :
– « ما الذي ارتدَيْتِه تحت هذا الهبائب ؟  »
لمْ أدرِ بما أجيبه .. ولكني قلْتُ في توسلٍ :
– « ( بابا ) ! أرجوكَ ! »
وتدخلَتْ أختي :
– « هل يمكننا أن نكمل ، ونعود لهذا السؤال فيما بعد .. ( وردة ) لقد قلْتِ إن هذا الرجل تحرّشَ بكِ ؛ ما الذي فعله ؟ »
– « لقد ظلّ يخاطبني بكلام سافلٍ ، وأنا لا أردّ بشيءٍ ، وأتجاهله .. ثم لما فاض بي الكيلُ قلْتُ له إن أمك كانتْ تمشي مثلي في طريقٍ فيه رجالٌ مثلك … لكي يرعويَ … فقال : لو خرجَتْ أمي في مثل هذه الملابس لقتلَها جدي .. أو شيئًا من هذا القبيلِ   »
– « ثم ؟ »
– « ثم خلعْتُ حذائي وضربْتُه به  »
لأول مرةٍ بدا على وجه أبي شيءٌ من الفخرِ – ذرة من الفخر ، في وسط غضبه العارم .. وفطنَتْ أختي لذلك أيضًا :
– « هل أنتِ نادمة على ما فعلْتِه ؟  »
– « على الملابس : نعم .. على ضربي لذلك الوغدِ : لا  »
في الواقع لم أكن نادمةً على أيٍّ منهما .. ولكن للضرورة أحكام .. ولما ذكرْتُ الوغدَ ارتبطَتْ ذرة الفخر بأخرى مكونة جزيئًا من الفخر على وجه أبي ، ولكنّ ذكرى الملابس كانَتْ لها المكانة الكبرى في تشكيل ردِّ فعلِه ، وعاد للسؤالِ :
– « ما الذي ارتديْتِه تحتَه ؟ »
الصدقُ خيرُ علاجٍ .. أليس كذلك ؟
– « لقد رأيْتُ أنه من غير اللائق أن تظهر .. ملابسي الداخلـ … أن يظهر ما أرتديه تحته ، .. فلم .. أر.. أر.. أرتدِ .. شـ..شـ.. شيئًا ..تـ .. تحته »
حتى أختي نظرَتْ لي في لومٍ .. وفي ثانية كانتْ يدُ أبي تمسكُ بخناقي ، وترفعني من الكرسيّ ..
– « ( بابا ) ! .. ( بابا ) !.. ( بابا ) ! »
– « إنه لم يَعُدْ ( بابا ) .. لقد صار قفصَ تفاحٍ على يديكِ .. »
أختي تحاولُ محاولةً أخيرةٍ أن تخلصني من قبضتِه :
– « ( بابا ) .. لقد اتفقْنا على أنني أنا مَنْ سيعاقِبُها ..  »
كان الاتفاقُ _ ومعه كرامتي _ يوشك أنْ تُمْسَحَ به الأرضية .. ولم تكنْ يدُه تجرني .. لقد كان يحملني من عروة قميصي حمْلًا بيدٍ واحدةٍ .. ويتجه بي إلى غرفتي ..وركضَتْ أختي لتلحقَ بنا .. ولكنّ باب غرفتي كان قد فتِح ، وحُمِلْتُ إليها ، ثم أغلق .. قبل أن تلحق بنا أختي ومعها أمي اللتان ظلتا تطرقان البابَ ، وتتوسلان له أن يصفح عنّي ..
على الجهة الأخرى من البابِ ، كانَتْ كوابيسي كلّها تتجسد أمامي .. هذا الغضب الحيواني الذكوري .. سخطًا على ملابسي؟ .. وهذا التهديد بالعنف .. وهذا الخوف مما سيحدث لي بعد قليلٍ .. والخوف مما سأفعله بعدما يحدث لي ما سيحدث لي .. هل سأعتذر ؟ .. هل سأكفر بمبادئي تحت إقناع القوة ؟ .. أين ( راتشيل مادو ) لتدافع عنّا عندما نحتاجها ؟ 
– « ( بابا ) .. هل لي أن أقولَ شيئًا أخيرًا ؟  »
عيناه تلمعان بالغضبِ :
– « لن يدفع عنكِ ذرةً من عقابكِ  »
– « أنا فخورٌ بأنني امرأة .. وفخورٌ بأنني أدافع عن حقي في ارتداء ما أشاء في هذا المجتمع الرجعيّ  »
أعتقد أنه كان يهيِّئ نفسَه لتجاهل اعتذاري وتوسلي ، فلما سمع ما ليس اعتذاراً ولا توسلًا ، بل تحديًا وإصرارًا .. ارتبك للحظة .. ثم تمالك نفسَه .. فنزعَ غضبَه وسلّمه لجدول الضربِ .. وتسلمه من الجهة الأخرى مضاعَفًا مراتٍ ومراتٍ … وأعاد ارتداءه ؛ الآن أرى كوابيسي وكوابيس الآخرين جميعاً ..
أعتقد أنني على بعد شعرةٍ من أن أتسبب له في سكتة قلبية ، فلأستمرَّ إذن :
– « وبالمناسبة فأنا مثلية الجنس ؛ أو ما يسميه المجتمع الرجعي شاذة أو سحاقية أو أيًّا يكن .. إنني أميل إلى النساء ، وليس إلى الذكورِ .. وبما أنك موشكٌ على قتلي ، فلا أقلَّ منْ أن تدركَ الحقيقةَ كاملةً : لا يوجد شيءٌ أبغضُ عندي مما تمثله أنت ؛ الذكورية الهمجية البطريركية المتخلفة  »
لماذا لم يبدأ في الهجومِ بعد ؟
هناك شيءٌ غيرُ منطقيّ فيما يجري ، من المفترض أن أكون ميتةً الآن ! فلماذا لا يحدثُ شيءٌ ؟
لم يستغرقِ الأمرُ كثيرًا حتى بدأتُ التفكيرَ فيما جرى ويجري ، وتكشف لي ما فيه من إغراقٍ .. ثم زال كلُّ شيءٍ ، وبدأ إحساسي بجسدي وبكل التفاصيل من حولي يعودُ لي :
العرقُ يغطي جسدي ، ويتسبب في التصاق عباءة النوم بي في لزوجة مقيتة.. صوتُ المروحةِ الرتيبِ يغري نبضاتِ قلبي بأن تهدأ وتجاريه … ضوء الصالة المتسرب من تحت الباب يزيد من شعوري بظلمة الغرفة … صياح الديكة المؤذنة يخترق خصاص النافذة نشيدًا وطنيًا للسلام والدعة…
يا له كابوسًا !
على الأقل لقد خرجْتُ من الخزانة _ كما يقول الرفاق في الولايات المتحدة _ واعترفْتُ لأبي بمثليتي الجنسية – في المنام .. بقي أن أفعلَ ذلك في اليقظة ، لأعرفَ كيف كان لينتهي الكابوسُ .. أعتقد أن أبي من النوع الذي يقتل باستخدام ماء النار ، وليس من هواة الضرب بالسيف أو الإلقاء من مبنى مرتفع ؛ هذا يستدعي قدرًا من الصراحةِ مع النفسِ ..لا يملكه في المعتاد مَنْ نشأ متقلقلاً بين الرجعية والتقدمية الزائفة …
كانَ النومُ لا يزالُ في متناول يدي ، والليلة يليها يوم دراسة ، فلم أشأ أن أضيع فرصة العودة السريعة للنوم ، ثم أجاهد بعد ذلك لفترة طويلة حتى أنام .. فرجعْتُ للتمدد في فراشي .. ومحاولة تصفية ذهني من آثار ما بعد الكابوس  ؛ لا تفكري في شيءٍ .. لا تفكري في عدم التفكير في شيءٍ … لا تفكري في لزوم الدورِ …تبًّا ! الآن طار النومُ رسميًّا !
 سيكون الغدُ مُجْهِدًا !
******
2- تباطؤ
————————————————-
هذه الغرفة لم تصمم لتسع كل هذا العدد من الأشخاص ؛ مشاريع الدكاترة ! .. الكراسات تتأرجح في أيدي أصحابِها طلبًا لتحريك الهواء باتجاه الوجوه المحتقنة .. ولكنْ مع التهام ستين فردًا لهواء الحجرة الضيقة .. لا يبقى الكثيرُ من الهواء ليحرَّكَ !
– « متى ستأتي بسلامتِها ؟ »
إحدى الزميلات تسأل .. ولا يجيبها أحدٌ … في المعتاد يكون هؤلاء المعيدون أكثر التزاماً بالمواعيد من الأساتذة الجامعيين ، بل من الطلاب أنفسهم .. ولكن لعله طرأ طارئٌ .. والنتيجة أننا بانتظار مجيء المعيدة لتبدأ الدرس العملي الذي يفصلنا عن العودة لبيوتِنا ..
وأنا لمْ أنمْ بما فيه الكفاية البارحة .. وجفناي يزدادان ثقلًا ثانية بعد ثانية .. لحسْنِ الحظ أننا في الصيف .. لو كان هذا شتاءً .. وكانتْ حرارةُ الغرفةِ دفئًا .. لغلبني النعاس رغم أنفي ..
متى ستأتي تلك المرأة ؟!
– « لو سمحتم يا دكاترة .. لو سمحتم .. فلننتبِهْ قليلًا »
من هذه الحسناء التي تأمرنا بالانتباه ؟ .. النوم يتزحزح .. ليفسح المجال أمام عيني للتحديق بالفتنة التي دخلَتْ للغرفة لتوِها … إنها على وشك الكلام مرة أخرى بعد أن التفتَتْ إليها العيونُ :
– « الدكتورة (منال) تعتذر عن الحضور .. وكان من المفترض أن يلغى الدرس العملي .. ولكني سأحل محلّها حتى لا تتأخروا عن بقية زملائكم   »
الغمغمات الغاضبة … حسنٌ قولُ (نعم) من بعد (لا) ، وقبيح قول (لا) بعد (نعم) .. وهي بدأتْ بذكر غياب ( منال ) .. فتمنت النفوس أنْ ينتهي العذاب سريعًا .. ثم قالَتْ ( لا ) للنفوس الطامحة للعودة لبيوتِها .. فوأدتِ الأملَ الوليد .. ليس بالنسبة لي على أية حالٍ .. فقد كنْتُ في شغلٍ بوجهها عن الدرس وعن العودة للمنزل .. بل وعن النوم نفسه الذي كان يلح عليّ إلحاح الدائن البخيل قبل قليلٍ ..
– « حسنًا .. أنتم لا تعرفونني .. أنا لست معيدة في قسم نظري .. ومن ثم فأنا لا أمارس التدريس ..   »
صوتُها يخفتُ في أذني بينما تتولى عيني إشغال عقلي برسائل متسارعة عن كل ذرةٍ من جسدها وملابسِها تطولها عيناي .. كانتْ تشرحُ للعيون المتضجرة .. وعيناها تقولان أنها أكثر استياءً منهم بسبب هذا الظرف الطارئ .. ولكنْ في النهاية هي في موضع القوة .. ويُنْظَرُ إليها على أنها هي من تجبر الحشد على البقاء بعدما ظنوا أنّ بوسعهم المغادرة … ومن ثم فقد صارت البطلة الشريرة لهذا الفيلم رغم أنفها ..
 وقد أكسبَتْها هذه النظرات العدائية الموجهة إليها من “الدكاترة” الصغار سلوكًا عدائيًّا مقابلاً ؛ فلكل فعلٍ رد فعل مساو له في القوة ، مضادة له في الاتجاه … وأواه  من الجمال الذي حل بها لما اكتسبَتْ تلك العدائية التي يبدو أنها ليسَتْ من طبيعتِها ؛ هذه المرأة فتاة أحلامٍ تجسدَتْ في دنيا اليقظة سهوًا .. ولكنها غاضبة وغضبُها موجه علينا ؛ لو كانَتْ مدرسة في المرحلة الابتدائية ، ورأتْ هذا التململ من طلابِها لكان رد فعلِها أن تعاقب أحد الطلاب لتنهى البقية عن هذه الغمغمات والاعتراضات الصامتة .. ويبدو أن كوننا في العشرين من عمرِنا ، وكونها طبيبة لا معلمة .. لم ينهَها عن استعمال أسلوب المرحلة الابتدائية ذلك ، وعلى مَنْ وقع عقابُها الذي أرادَتْ به أن يكف البقية عن لغطهم ؟ .. بالضبط ؛ عليّ أنا :
– « أنتِ في أقصى اليمين ، ما الذي قلْتُه قبلَ قليلٍ ؟  »
الأصابع تتطاير لتشير كل منها إلى صاحبتِها استفساراً عما إذا كانتْ هي المعنية بهذا السؤالِ … ولكنّي أعلم أنّ هذه المحنة نازلةٌ بي أنا لا بهنّ :
– « لا ، الدكتورة التي لا ترتدي غطاءً للرأس  »
كانتْ الدفعةُ كلّها فيها اثنتان فقط ينطبق عليهما هذا الوصف ؛ وإحداهما في مجموعة أخرى !
– « المعذرة ، لم أكن منتبهة  »
لقد كنْتُ منتبهة ، ولكنْ ليس إلى ما تقولينه ، بل إلى كل شيءٍ آخر يتصل بكِ ؛ لقدْ كنتُ مفرطة الانتباه إليكِ حتى إني غفلْتُ عن كلامكِ .. هل هذا عذرٌ مقبولٌ ؟
– « حسنًا ؛ أنا أعرف أنكِ تريدين الانصراف ، أنا نفسي لستُ مستمتعةً بإعطاء هذا الدرس .. أنا لا أستمتع بضجركِ ، ولكنْ بقية زملائكم في المجموعات الأخرى سيشرح لهم هذا الدرس هذا الأسبوعَ ، ولو تأخرْتمْ عنهم فسيضطربُ جدولُ الدروس العملية في حقكم .. لذا رجاءً ركزي معي حتى نفرغ بسرعةٍ ، فتنصرفوا بسرعةٍ ..  »
لم يكنْ هذا الكلامُ موجهًا لي .. لقد كنتُ وسيطًا يمر من خلاله التقريعُ لبقية الزملاء .. ولمْ أدرِ كيف أجيبها ، ولكني غمغمْتُ في حياءٍ :
– « آسفة ! »
وخيل إليّ أنها شعرَتْ بالذنبِ لأنها خصتني دون البقية بدون سببٍ .. ولكنْ هذا ما يفعله المدرسون. أليس كذلك ؟ .. نكِّل بمنْ تتاح لك فرصة التنكيل به ليرعوي البقية ؟ .. على المستوى الشخصي فأنا كنْتُ أشعر بالذنب فعلًا ، ليس بسبب انشغالي عما تقوله ، بل بسبب ما دفعني للانشغال عما تقوله .. لو اطّلعَتْ على ما يجول في ذهني الآنَ ، لدفنَتْني حيّةً .. من حق كل إنسان ألا يفكر فيه أحدٌ بهذه الطريقة .. ولكني كنتُ أغالبُ النومَ .. وقدرتي على ضبط نفسي تتلاشى شيئًا فشيئًا ، وهي حسناء بعنف ؛ حسناء بتطرف ؛ جمالها هو ..
– « شيءٌ لا يطاق ! »
واو! .. العيونُ تحدق بي .. الغمغمات المؤيدة تتعالى من أفواه الزملاء .. لقد صرْتُ زعيمةً للثورةِ !! .. أنا التي لا تتمنى شيئًا أكثرَ من البقاء لأطول فترة ممكنة مع هذا الملاك ، يُظَنُّ بي أنني راغبة أكثر من غيري في الرحيل! .. ولكنني لا أستطيع البوح برغبتي في البقاء بدون ذكر أسباب تلك الرغبة ، ولا أستطيع ذكر أسبابها دون “الخروج من الخزانة ” والدخول في السجن ، ربما !
– « ما الذي قلْتِه ؟! »
– « الحرارة مرتفعة للغاية ، إنها لا تطاق .. هل يمكن أن نفتح البابَ ! »
لم تبدُ مقتنعةً .. إنها تعلم أنني لا أعني الحرارةَ .. في الواقع أنا أعني الحرارة ، ولكنْ الحرارة التي تبقى في الشتاء كما هي في الصيفِ .. ما الذي سيفعله فتحُ البابِ بتلك الحرارة !
بدا أنها تزن خياراتِها ؛ هل تقرِّعُني ؟ .. هل تتجاوز الأمرَ وتقبلُ العذرَ الساذجَ الذي سقْتُه ؟.. هل تتجاهل ردي وتستمر في الشرحِ ؟.. ثم رأتْ أن تأخذ خيارًا راديكاليًّا ، إن السلطة تستخرج الأسوأ في الناس ، كما يقول السادة الأناركيون :
– « قفي لو سمحْتِ »
ماذا ؟ .. هل ستوقفني بقية الدرس العملي ؟! .. الهمسات والضحكات الخافتة تصلني وتزيد من شعوري بالخزي .. ليس الخزي بالضبط .. شيءٌ آخرُ لو وصل إلى نهايته لشعرْتُ بالخزي والعار .. والبلل !
وهأنذا واقفةً بين يديكِ .. على مرأى الناس ومسمعهم .. مقرّةً بخطيّتي .. أرقبُ عقوبتي التي توشك أن تتشكل كلماتٍ صادرةً عن فمكِ العذب .. لو طلبْتِ أن ألقي نفسي في النارِ لفعلْتُ .. لو أرَدْتَ أنْ –
– « اذهبي لنهاية الغرفة وقابلي الجدار وارفعي يديكِ فوق رأسكِ »
حسنًا .. ربما يكون الإلقاء في النار أفضل ! .. أعني إن الهمهمات الهازئة والنظرات الساخرة تكاد تسلقني حرارتُها .. ومع ذلك فالحرارة الكبرى ناشئة عن أسباب داخلية لا خارجية .. هذا بالضبط ما أحلم به .. جمالُكِ .. سيطرتُكِ .. عقابُكِ .. كيف لي أن أتمالك نفسي ..
– « هل أنتِ جادة ؟ »
– « أو ضعي بطاقتكِ الجامعية وانصرفي .. الخيارُ لكِ »
أيَّ خيارٍ يا سيدتي ومليكتي ! .. كل ما أتمناه قد جُمِع لي .. وأنتِ تهدديني حتى أقبلَه ؟ .. هذه الدنيا الهازلة !
أنحّي الكرسيّ لأتمكن من تنفيذ طلبِها .. فتواسيني زميلة أو زميلتان بعينيهما .. علام المواساة ؟ .. هذا ما أتمناه ..
ثمّ أزحزح قدميّ جهة نهاية الغرفة ..
واو ! .. هذه العملية تبدو أسهلَ بكثيرٍ متخيلةً عنها واقعيةً .. صوت الخطواتِ التي تتبرأ من صاحبتِها وكأنها خطواتِ شخصٍ آخرَ تطرق أذنيّ .. الشعور الحارق باختراق نظراتِ العيون لظهري ، أكاد أشعر بالوخز الناتج عن تلك النظرات ..
الجدار الذي لا يقترب على الرغم من المشي إليه .. الجدار الذي يهرول مسرعًا تجاهي ليعجل بالعقوبة .. الرغبة الحارقة في أن تنشق الأرض وتبلعني .. الرغبة الحارقة في ألا تفعل ! .. إن النفس الإنسانية متاهة ، وأنا ضائعة في متاهة نفسي ..
ماذا الآن ؟ .. الجدار يستقر أمامي أو أنني أنا مَنْ استقرَّ أمامَه .. إنه باردٌ بالنسبة لحرارة الغرفة .. هل ألتصق به بالكلية ؟ .. هذا سيظهر المزيد من الطاعة .. أنفي يلامس الطلاءَ .. من أجلكِ يا مليكتي .. الحرارة تزداد في أماكن لا يصح تسميتها .. على الأقل لا تصح تسميتها بالعربية .. إننا نذكر أسماءَها اللاتينية طيلة اليوم ! .. هل تتطلعين إلي يا فاتنةَ الحسنِ ؟ .. هل ترين جمال طاعتي ؟ .. أنا ملكُكِ .. أنا –
– « ويداكِ فوق رأسكِ ! »
هل هذه رنة استمتاعٍ في صوتِها ؟ .. هل هي مستمتعة بهذه السيطرة ؟ .. ثم صوتُ ضحكاتِ الزملاء يصلني ليردني إلى عالم الواقع .. هذه ليسَتْ غرفةً مغلقةً علينا ، ونحن حبيبتان نتبادل الألعاب الجنسية .. لا ، يا صغيرة .. هذه قاعة درسٍ علميٍّ له هيبته واحترامه .. وأنتِ تجاوزْتِ الأدبَ في خطابكِ لـ”مدرستكِ” ، والآن تعاقبين ، ويهزأ بكِ زملاؤكِ ..
هل يفترضُ أن يزيد هذا من شعوري بالأسف ؟ .. إن الحرارة تلتهب التهاباً في تلك الأماكن غير المسماة سالفة الذكرِ .. الحرارة سالفة الذكر تصنع ببروتينات مخي ما تصنعه الحمى ، فتذهب قدرتي على التفكير والتركيز والتمدن والتهذيب ! … أووووه ؛ إنني أريد لمسَه .. هذا الشعور الحيواني المنحط يملك عليّ نفسي ؛ فأشعر بالخزي .. فيزداد الشعور الحيوانيّ قوةً .. فيزداد شعوري بالخزي .. هذه الدورة ستقضي على كل ما تبقى لديّ من احترامٍ لنفسي .. أووه ، ولكنْ ما ألذّ فقدانَ الاحترام للنفسِ .. على يد ذلك الملاك أسيل الخد مغضب الملامحِ ..
ثم بدأتُ أفطن إلى شيءٍ : لماذا لا يكملُ ذلك الملاك شرحَه .. ردني إلى الواقعِ صوتُ خطواتِ الملاكِ خلفي .. خلفي خلفي .. تكاد تلتصق صاحبتُها بي .. آه ، لقد نسيتُ رفعَ يديّ في خضم انشغالي برجليّ أو بما بينهما للدقة !
يداها الباردتان تقبضان على كفيّ وترفعان يديّ إلى الأعلى ، إنها أطول مني بسنتيمتراتٍ ، فتمتد ذراعاي المقبوضتان إلى منتهاهما ولا زال في ذراعيها القابضتَينِ بعضُ الانحناء .. لو كنْتُ أقابلُها ولا أدابرُها .. لبدا وكأنها موشكةٌ على تقبيلي وقد جمعَتْ يداي في يديها حتى تحولَ بيني وبين الحركة .. تمامًا كتلك الصورة الفاتنة التي صرْتُ أحفظها عن ظهر قلبٍ من فرط تكراري النظر فيها على حاسبي الشخصي .. ولكني أدابرُها .. ولذا فكل ما أراه هو لون الحائط .. ولكني أشعر بكفيها قابضَين على رسغَيّ .. وأشعرُ بأنفاسِها الحارة تهب على أذني فترفع درجة الحرارة وتزيد من الرطوبة وتنذر بهطول الأمطار .. أما تلك الرائحة التي تفعم أنفي فقد أتَتْ على ما تبقى فيّ من عقلٍ .. وعلى الرغم مني أهمسُ برغبتي في لمسها .. في تقبيلِها .. في أكلِها ! .. وفي آخر لحظةٍ أحذف المرجوّ وأبقي الرجاء  :
– « أرجوكِ ! أرجوكِ ! »
فتتصور أنني مستاءةٌ من ” العقابِ ” ، فتقول همسًا وقد اصطنعتِ القسوةَ :
– « أنتِ مَنْ جلبه على نفسكِ ، فتحملي نتيجة أفعالكِ ! »
فيتحول الترجي إلى صوتٍ لا يصح أن يصدر عن امرأة مهذبة ، ولكني أكظمه في اللحظة الأخيرة قبل أن يغادر شفتيّ ..
ثم يصل إلى أذني صوتُ خطواتِها عائدةً إلى مقدمة الغرفة وقد تركتْني ممدودة الذراعين إلى الأعلى مستدبرةً الجمع – أيقونةً للطاعة والخضوع ..
 ويعود إليّ بعضُ عقلي بعد أن انحسر تشبع الهواء بعطرها الطبيعي الجِبِلّيّ الأنثوي الأخاذ الذي لم يحتجْ إلى عطارٍ ؛ فليس الطبع كالتصنع .. وأفكر فيما أنا فيه .. ويصلني صوتُها العذبُ وهي تكمل شرحَها منغمسةً فيه .. وأنا أواصل تفكيري بها منغمسةً فيها .. إذا كانَ الطبُّ موضوعُه الإنسانُ ، فلماذا لا تشرح عليّ ما تريد شرحَه .. فينغمس كلانا في الآخر ؟ ..
وما عاد إليّ من بقية عقلٍ قد ذهبَتْ به هذه الخاطرة .. ولمْ يبقَ إلا أصواتٌ حيوانيةٌ تخور وتهرّ وتموء وتزمجر .. إنني أريد .. وأريد .. فأسعِفْ يا زمنُ ! .. ولكنّ الزمنَ ينظر إليّ بعينين ناعستين قبل أن يغمضّا ويستسلم لنومٍ عميقٍ .. فتطول الدقائق والثواني حتى تصل إلى اللانهاية.. ويطول وقوفي مشتعلةً بنار الرغبة .. أتمنى ولا أطول .. ثم يفتح الزمنُ عينيه .. ويتمطى .. ويبدأ في الحركة ، رويدًا رويدًا .. ثانيةً فثانيةً .. نقترب من نهاية هذا الدرس العمليّ .. وأخيرًا تصل إلى أذنيّ أصواتُ توقف الأقلام عن الكتابة وانغلاق الكراريس .. ثم صوتُها يصلني :
– « حسنًا ، يا دكتورة ، ارجعي إلى مقعدكِ »
هذا ما خطَّطْتُ له .. لن أرجع إلى مقعدي .. لن أرجع وحدي على الأقلّ ..
يبدو أنها تهمّ أن تنادي عليّ مرةً ثانيةً ، ولكنّ صوتَ أحد الزملاء يسألها عن أحد الأشياء يلهيها عني .. شكرًا لذلك الزميل المجتهد .. الآن تنشغل بالإجابة عليه ، حتى ينصرف الجمعُ ، ثم يشكرُها وينصرفُ .. فتخلو الغرفة لنا .. أو هكذا بدا الأمرُ لي سماعًا .. إذ الرؤية لا تزال مقصورةً على لونِ الجدارِ ..
– « يا دكتورة ، لقد أنهينا الدرسَ ، وانصرف زملاؤكِ ، بإمكانكِ الانصراف »
لعلها  هي أيضًا تريد الانصرافَ .. والعودةَ لبيتِها .. ولكني لن أتخلى عن هذه الفرصة .. وبالرغم من كرهي للكذب وللتظاهر .. فقدْ تظاهرْتُ بالبكاء ، وعلا صوتُ نحيبي المختلق ، وأنا أتظاهر أنني أحاول كبْتَه وخنْقَه .. لقد كنْتُ دائمًا ممثلةً بارعةً ، ولكنْ لاعتباراتٍ أخلاقية لم أكنْ أستغلَّ ذلك .. أما الآن فسأفعل كلّ ما بوسعي لأحظى بما أريد ..
صوتُ زفرتِها الموحية بالأسى ؛ إنها مستاءةٌ من تسببها في بكائي .. الخطة تسير كما أريد .. خطواتُها تقتربُ مني .. هذه المرة أنتظر حتى تكاد الخطواتُ تصلني ثم أبتعد عن الجدارِ بسرعةٍ ، وكأنني أفر منها ؛ خوفًا من أن تراني باكيةً .. وكما خطّطْتُ فإنها تمسك بي قبلَ أن أبتعد عنها .. وقد راعها منظرُ الدموع وصوتُ الشهقات الباكية .. يا لي ممثلةً عبقريةً ! .. ثم تسير الخطة أفضلَ مما توقعْتُه عندما تلقي بي في حضنِها معانِقةً مواسيةً ..
– « أنا آسفة .. أنا فعلاً آسفة .. لقد كان ما فعلْتُه مهينًا لكِ وأنا أعتذر  »
صراحتُها تحرقني .. المسكينة تشعر بالذنبِ .. بينما أنا المخططة لكل هذا – أمثل البكاءَ لأقتربَ منها وأستمتع برفقتِها ولو لدقائق .. الشعورُ بالذنبِ يعتريني … أهِمُّ في لحظة ضعفٍ بأن أعترف بالحقيقة كاملةً – مثليتي .. جمالها الفائق .. تظاهري بالبكاء .. استمتاعي بهذه المعانقة البريئة من طرفِها .. ولكني أنهى نفسي عن هذا الاعتراف ؛ ليس إلى هذا الحدّ .. نعمْ أنا مذنبة لاستغلالي لهذا الملاك ، ولكنّ اعترافي بذلك لن يزيد الأمرَ إلا سوءًا ..
فلأصْلِحْ ما يمكنني إصلاحُه ، ولأشعرْ بالذنبِ فيما بعدُ .. وأول ما يجب إصلاحُه التخلي عن هذه المعانقة التي تكاد تخرجني من الآدمية وتقترب بي من الوحشية الجنسية الشبقية .. فلنفك هذا التشابك الجسدي أولًا .. ثم لأمسحْ دموعي وأطمئنها أن الأمور على ما يرام ، وأتعلل بأن بكائي هرمونيُّ السبب وليس لها يدٌ فيه – على الرغم من أن هذا عذرٌ ذكوريّ رجعيّ .. ولكنّ الأهمَّ هو تطييبُ خاطرِها ..
فلنفكَّ التشابك الجسدي إذن ! .. أحاول زحزحة ذراعيها لأبتعد عن صدرِها الريانِ – على الرغم من توقي لأن أقضي السنين الطويلة قريبةً منه .. ولكنّ ذراعيها لا يتزحزحان .. فألجأ لتطييب خاطرِها أولًا :
– « لا مشكلة ، إنني في تلك الفترة من الشهر .. لا علاقة لكِ ببكائـ – »
– « وأنا أيضًا ! »
وأنتِ أيضًا ماذا ؟ .. أوه ! .. أكاد أفكر في أن هذا يفسر إحكامها معانقتي ، وصوتَها الذي يقترب من البكاء هو الآخر .. ولكني أنهى نفسي عن الانخراط في تلك الفكرة الذكورية ..
حسنًا ، هذه المعانقة لا تزال قائمةً ، وقدرتي على ضبط نفسي تتناقص ثانيةً فثانيةً .. أحاول التفكيرَ في شيءٍ آخرَ :
– « لقد كان شرحًا رائعًا ما قمْتِ به .. من سوء حظنا أنكِ لستِ معيدةً في هذا القسـ  »
صوتُ بكائها يقاطعني .. وكأنها ترغب في بقاء الحوارِ حول اعتذاراتِها وتطميناتي .. فأعود للتطميناتِ :
– « بالفعل لا توجد مشكلة ، لا داعي للبكاء يا دكتورة ، لقد كانَتْ مبالغةً من قِبَلي ، إنني آسفة عليها »
صوتُها الباكي يردّ عليّ :
– « ولكنكِ كنْتِ تبكين ، لقد تسبَّبْتُ في بكاء شخصٍ بالغٍ بسبب جنون القوة أو جنون السلطة أو أيًّا يكنْ ما شعرْتُ به .. »
هل أصارحُها ؟ .. ربما ، ألمِّح مزاحًا :
– « إن البعض قد يرغب في التعرض لجنون السلطة هذا ؛ ما يدريكِ لعلي من هذا البعض ! الناس وغرائبياتهم ؛ مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ »
التشابك الجسديّ ينفكّ ..
 هل أفرَطْتُ في التلميحِ ؟ ..
عيناها محدقتان بعينيّ .. وفيهما تساؤلٌ .. ولكني لا أعرف ماهيتَه ..
هل أفرَطْتُ في التلميح ؟ ..
 العينان تقتربان مني وكأنهما باقترابِهما يزدادان قدرةً على سبرِ أغواري .. وجهُها كله يطرح سؤالًا لا أدري كنْهه ..
 هل أفرَطْتُ في التلميحِ ؟ ..
العينان تقتربان بصورةٍ مخيفةٍ .. وانشغالي بهما ألهاني عن الشعور بشفتيّ المنضغطتَين .. كأنّ أحدًا قد وضع إصبعه عليهما .. هذا ليس إصبعًا ! ..هذان هما شفتاها ..
 أوووه ، لقد أفرطْتُ في التلميحِ ! ..
الشفتان تنفرجان هنا فتنفرج الشفتان هناك ..
اللسان يستكشف الفم الجديد الذي لم يرَه من قبلُ ، فيرد اللسان الآخر المعاملةَ بالمثلِ ..
العيون الأربعة تغمضّ لتتيح لسائر الأعضاء المزيدَ من الخصوصية  .. فتنزع سائر الأعضاء رداءَ الحياء وتعربد في مائدة الجسد الآخر .. مسحًا وعركًا وفركًا وقبضًا واحتكاكاً .. ما هي الـ ” فنكشن ” من هذه العملية ؟ .. لنرجُ أن تكون جزئية الـ ” فنكشن ” هذه عليها القدر الأقل من الدرجة ، لأنه لا يبدو أنني أعرف لها جواباً .. بل حتى المعيدة نفسها لا تعرف كيف تجيب عليها !
فجأة يبدو أننا قررْنا جميعًا أن نبطئ الرتم قليلًا .. لنمرّ على عجلةٍ على أمورٍ فائقة الأهمية ، وبدأتُ أنا _ من بين القبلات والقبضات _ :
– « أنا لم أحصلْ على موافقة صريحةٍ .. هل أنتِ موافقةٌ – »
– « نعم ، وأنتِ ؟ »
– « نعم ! »
تقبلني قبلةً عميقةً ، وكأنها مسرورة بهذه الموافقة الشفهية التي هي في الواقع تحصيل حاصلٍ بعد كل تلك القبلاتِ .. ثم يأتي دورُها لتتحدث عن شيءٍ أهمّ من الموافقة حتى بالنسبة لمجتمعنا هذا :
– « إن العاملَ على وشكِ أن يأتي –  »
– « نعم ، مكان آمن ؟ »
– « لا أدري ، إن شقتـ – »
– « الحمامات أقرب .. دعيْنا نذهبْ هناك »
أحاولُ تقبيلَها ، ولكنَّ اقترابَ صوتِ الخطواتِ التي لا بد أنها خطواتُ العاملِ يوقفني في مكاني .. ثم يأتي صوتُ صاحبِ الخطواتِ :
– « هناك أحدٌ هنا ؟ .. أوه المعذرة يا دكتورة ، هل لا يزال الدرسُ مستمرًّا ؟  »
– « لا ، لقد كنْتُ أجيب على سؤالٍ طويلٍ للدكتورة ، وانشغلْنا عن الوقتِ .. سننصرفُ الآن  »
كانتْ عينا العامل لا تزال معلقتَينِ بنا ، ثم فطنْتُ أنَّ يدها لا تزال محيطةً بخصري ! .. تبًا ! .. عليّ أنْ أقولَ شيئًا :
– « هذا هو المكان الذي كانَ يشكو من آلامه ، ليس من المحتمل أن تكون العلة هي الـ ” كيدني ” أليس كذلك ؟  »
فطَنَتْ المعيدة لما يحدثُ من إمساكها خصري ، فسألَتْ في تلقائية :
– « هل كان الألم مرتبطًا بوجعٍ في الـ ” تستكلز ” ؟  »
كدْتُ أقهقه رغمًا عني ، ولكنّ العاملَ لحسنِ الحظّ كان قد أشاح بوجهه عنا ، وبدأ يغلق النوافذ ويطفئ المصابيح والمراوح .. فكاتمْتُ الضحكة ، ونظرَتْ هي إليّ في تظاهرٍ بالتهديدِ ؛ إياكِ أن تضحكي ، فتفضحينا ..
– « لا ، لم يكنْ للألم علاقةٌ بالـ ..  »
كان من الصعبِ ألا أضحك ، ولكنّ نظرةَ النهي والتهديد في عينيها العسليتين الفاتنتين ، قد حوّلَتْ مشاعري من الضحكِ إلى شيءٍ غير لائقٍ أن يحدث أمام العاملِ .. الذي كان قد أنهى ما يفعله ولمْ يبقَ سوى إغلاقِ البابِ ، فسأل :
– « شيءٌ آخرُ يا دكتورة ؟  »
– « لا ، سننصرف حالًا .. حقيبتكِ ؟ »
– « آه ، سآتي بها ! »
كنْتُ قد انشغلْتُ تماماً عن حقيبتي وعن كتبي .. من يهتمّ بالكتبِ عندما يكون الدرسُ عمليًّا ؟ .. وفي ثوانٍ كنْتُ قد ذهبْتُ لمقدمة الغرفة وأدخلْتُ ما يخصني في جوف الحقيبة ، وعدْتُ مسرعةً للباب .. حتى يغلقه العاملُ ورائي .. وبدا وكأنه يستجمع شجاعتَه قبل أن يسأل الدكتورة في حياءٍ :
– « لا مؤاخذة يا دكتورة ، ولكن السؤال الذي سألَتْه الدكتورة لكِ في المعمل .. أنا أيضًا أشعرُ بآلامٍ في تلك المنطقة ، هل هذه مشكلة في الكلى ؟  »
لم يكنْ يعبثُ قطعًا .. ملامحه شديدة الجدّ .. ولكنْ من الصعبِ أن تتجاهل السؤال التالي ، ومن الصعبِ عليّ أنا أنْ أمسكَ نفسي ، وعندما سألَتْه :
– « هل الألم يرتبط به وجعٌ في الـ – »
كنْتُ قد انفجرْتُ ضاحكةً على الرغم مني .. ثم فطَنْتُ للألم الصادر من عيني العاملِ البسيطِ .. لقد شعر أنني أهزأ به .. فأقبلْتُ أعتذرُ :
– « أنا آسفة .. أنا آسـ – »
– « انتظريني خارج القسم لو سمحْتِ يا دكتورة »
كان صوتُها صارمًا .. لا مزاحَ في الاستهزاء بالبسطاء بالطبع .. ولكني لمْ أتعمَّدْ ذلك .. ثم رأيْتُ أن أطيعَها ، فانصرفْتُ .. وصوتُها وهي تعتذر من العامل وتجيب عليه يخفتُ شيئًا فشيئًا بينما بابُ القسم يقترب مني .. ويوازيني .. ثم يبتعد لخطواتٍ .. قبل أنْ أتوقفَ وأنتظرَها في مكاني .. وخاطرةٌ تشغل عليّ ذهني : هل ستعاقبني على ما فعلْتُه قبلَ قليلٍ ؟ ..
كانَتْ قد فرغَتْ من ردِّها على العاملِ ، وبدأتْ في السيرِ نحوي .. هل ستعاقبني ؟ .. كم أتمنى أنْ تفعلَ
***********
عندما وازَتْني غمغمْتُ :
– « أنا آسفة لم أقصد أن أسيء إليه »
– « لا مشكلة .. أنتِ لم تقصدي ، وأنا لسْتُ مصابةً بـ”جنون السلطة” حتى أعاقبكِ على شيءٍ لم تتعمديه ! »
أوه ، هكذا إذن ؟ .. كلانا عالمٌ بما يحدث هنا :
– « وماذا إذا كنْتُ متعمدةً ؟  »
ابتسامتُها هي أجملُ شيءٍ على ظهر الأرضِ ، وفي بطن السماء ، وفي الكون الواسعِ بأرضه وسمائه .. وهي تبتسم على ردي العابث ! .. يا ما أحسنَ حظي .. وأسعد طالعي .. ثم جاء ردُّها ليزداد حسنُ حظي أضعافًا :
– « ربما نكون قد انغمسْنا في اللحظة ، فتجاهلْنا المقدماتِ .. أنا لا أعرف اسمكِ حتى ! .. ولا أريد أن يكون هذا .. »
بدأتْ تحرك يديها ، وكأنها تبحث عن كلمة مناسبة ، وتمنَّيْتُ أن أسمع كلمةً بعينِها ، فجاءتْني :
– « شيئًا عابرًا ! .. إلا إذا كان هذا ما ترغبين فيه  »
– « هل تمزحين ؟ إنني أرغب في العيش معكِ الآن إذا أمكن ! … أعني أنا لسْتُ من هؤلاء المجنوناتِ بالطبع .. ما عنَيْتُه أنني أرغبُ في .. في .. إعطاء هذا الأمر فرصةً ليكون شيئًا أكبرَ .. إذا .. إذا رغب الأطراف في ذلك »
ابتسَمَتْ لتلعثمي ، فازددْتُ هويًّا في بحرِ عشْقِها .. لقد انتهى الأمرُ بالنسبة لي .. معها برضاها .. أو معها في خيالي .. لن يشغل أحدٌ غيرها مكانًا من قلبي .. ولكنْ عليّ أن ألعبَ دورَ الراسخة المتئدة .. كذلك علمَتْنا الأفلام الأمريكية ! ..
 ثم قالَتْ همسًا .. وكأنها تستحي من إخباري بسقطتي التي توشك أن تخبرني بها :
– « لا زلْتِ لم تخبريني باسمكِ ..  »
– «  أوه .. (وردة) .. و .. وأنتِ ؟»
كنْتُ لا زلْتُ مترددةً في خطابِها بالضمائر – بدون حضرتكِ أو ( يا دكتورة ) .. ولكنّي تذكرْتُ ما دار بيننا قبل قليلٍ فتغلبْتُ على هذا التردد  .. وقابلَتْني بملامح مرحبة بهذا التبسط ، ولكنْ فيها شبح معابثة توشك أن توقعها بي :
– « ألم أخبرْكِ وزملاءَكِ قبل قليلٍ باسمي ؟  »
عاودني الحياءُ ، وقلْتُ في خفرٍ أعلم عن تجربةٍ أنه يذيب القلوب القاسية :
– « لم أكنْ منصتةً .. آسفة ! »
– « أووه ، إنك تبدين فاتنةً يا صغيرتي ، ولكنّ هذا لن يمرّ بدون عقابٍ أيضًا .. على أية حالٍ : اسمي ( هند )  »
ظل الحوارُ واقفًا بعد ذلك لفترةٍ وهو يبتسم على ابتساماتِنا التي نتبادلُها ، ثم شعر بأنّ مشاعرِ هاتين الفتاتين العاشقتين فوق قدرتِه على التحمل ، فعاد للعمل :
– « هل .. موضوع .. الحمام هذا ..   »
كنْتُ أعلم أنّ هذا سيكلفني عقاباً ثالثًا .. ولكني لم أجدْ شيئًا آخرَ أسأله ..
– « هناك نوعان من الفتيات .. نوعٌ تعاقبه حبيبته عندما يخطئ _ كما فعل للتو _ في غرفة نومٍ .. وينتهي الأمرُ بالمعاقِبةِ والمعاقَبةِ مستغلتَين لإمكاناتِ غرفة النومِ .. والنوع الآخر يكتفي بالحماماتِ  »
كانَتْ ابتسامتُها العذبةُ فوق قدرتي على الاحتمالِ .. إن ما أريده عاجلٌ وملحٌّ وغيرُ قابلٍ للتأجيلِ .. ولكني أرغبُ في أن أكونَ من النوعِ الأولِ :
– « حسنًا سأكون فتاةً مؤدبةً وأصبرَ ، وسأتلهى بشيءٍ آخر في الوقتِ الراهنِ  »
كان التلميح أقربَ إلى التصريحِ ، فجاءني صوتُها العابثُ :
– « ” أتلهى بشيءٍ آخرَ ” ؟  »
عاودني الخجلُ رغمَ أنفي .. فاحمرّ خداي ، وعلى الرغمِ من خلوّ الممر الذي نقف فيه من الناسِ ، فقد شعرْتُ بالخوفِ من أن يطلع علينا أحدٌ عندما مالَتْ على خديّ وقبَّلَتْهما ، وقالَتْ :
– « صدقيني لو وضعْتِ نفسكِ مكاني لكان الصبرُ أشقَّ وأصعبَ عليكِ ، أنتِ لم تري جمالكِ من منظورٍ خارجيٍّ من قبلُ .. وبالمناسبة : غير مسموحٍ التلهي بأي شيءٍ بدون إذني ؛ لا يدكِ ولا يدُ غيركِ مسموحٌ لها بأن تقترب من هذا .. هذا ملكي أنا وحدي !  »
كانَتْ قد قبضَتْ على “هذا” بيدها بينما ترسم لي حدودَ ما يجوز وما لا يجوز في غيبتِها .. فكدْتُ أن أفقد قدرتي على ضبط نفسي ، وأعاود اختيارَ الحمام ، وليكنْ ما يكونُ .. ولكني لجأتُ للتوسلِ :
– « أرجوكِ ، أنا لا أعرف متى سألقاكِ مرةً أخرى ، على الأقل حددي لي عددًا لا أتخطاه »
ابتسمَتْ في معابثةٍ .. يبدو أنّ جنون السلطة هذا سيصل أبعدَ مما خطَّطْتُ له :
– « عددًا لا تتخطينه ؟ .. إنكِ لا تدركين ما أنتِ مقدمةٌ عليه يا صغيرة ..   »
ثم بدأتْ في رفعِ أصابع يدِها لتعدّدَ لي المحظوراتِ :
– « واحد : لا “تلهٍ” بأي شكل تحت أي ظرفٍ بدون إذني .. وإذا أذنْتُ لكِ فعلى الأغلب سيكون ذلك بيدي أنا … اثنان : يوميًّا ، قبل أن تنامي سيتوجب عليكِ أن تتلقي اتصالاً مني سأوسعكِ فيه وعودًا تفصيلية بكل ما أنوي فعلَه بكِ .. بتفاصيل التفاصيل .. وبدون حياءٍ ولا تورياتٍ .. ثم بعد ذلك ستكون مسئوليتَك أنتِ أن تنامي بدون أن تجدي ” شيئًا تتلهين به ” .. ثلاثة : لا أحدَ غيري .. وأنا أعني ذلك حرفيًّا .. لو كنْتِ تشاهدين مسلسلاً في التلفاز أو مرَّتْ بكِ فتاةٌ في الطريقِ وراقكِ حسنُها .. مباشرةً ستغلقين عينيكِ أو تشيحين ببصركِ عن تلك الفتاة الحسناء .. وإنْ جال بخيالكِ خاطرةٌ أو فكرةٌ عن أحدٍ غيري ستمتنعين مباشرةً عن التفكيرِ فيها   »
وجدْتُ أنّ علي مقاطعتَها لأستفسر .. ولكنْ بالدرجة الأولى لتكفّ عما تقوله قبل أن أصلَ إلى نقطة اللاعودة ، وألجأ للحمام – بيدي أو بيد عمرو .. :
– « من أينَ ستعرفين أنني فكَّرْتُ في غيركِ ؟ »
– « أنتِ ستخبرينني ، لا تتوهمي أنّ نفسَكِ ستناصرُكِ وتخفي سرَّكِ عني ، إذا طلبْتُ منكِ شيئًا فستجدين نفسَكِ عونًا لي عليكِ ..  »
كان هذا كبرًا مقيتًا في غير هذا الموضع .. ولكنْ في الحقيقة إنها محقة : أنا لا أجرؤ على الكذبِ عليها .. ليس بعدَ ما بدا لي منها ؛ إنها منْيتي من الدنيا ، وقد أتيحَتْ لي في اليقظة لا في الخيالِ ، فكيف أعصي لها أمرًا ؟
ثم لما رأتْ ذهولي عما حولي ، وأنا أفكر في صدقِ ما قالَتْه ، أخرجَتْ من حقيبتِها ورقةً وقلمًا ، ففطِنْتُ لما تنوي صنْعَه ، فأخرجْتُ هاتفي المحمولَ ، ولكنها قالَتْ :
– « إنني أرغبُ في الصورة التقليدية للأمور ، قبل اختراع الهواتف المحمولة ، كانَتْ الأرقام تتبادل في صورة ورقية ، وتخفيها الفتاة في تجاويف الحقيبة ، أو في طيات الملابس خوفًا من انكشاف أمرِها ، ثم تتسلل خفيةً إلى هاتف بيتهم لتهاتف حبيب القلبِ – أو في هذا السياق حبيبة القلب .. وهي تخشى أعينَ أهلها وآذانَهم في كل لحظةٍ .. هذا ما أرغب فيه »
– « هل تريدين أن أتصلَ بكِ من الهاتف الأرضي ؟   »
نظرَتْ إليّ في معاتبةٍ ، وقالَتْ :
– « فقط تظاهري بأن هذا ما يحدث .. وأنّ الورقة التي فيها رقمي مظنة أن تفضح أمركِ عند والديكِ ..  »
– « آه ، سيناريو إذن .. حسنًا ، لا بأسَ  »
نظرَتْ إليّ وهي تسلمني الورقة المحرمة .. ثم قالَتْ وكأنها تخاطبُ نفسَها :
– « ستقضين عليّ بجمالكِ هذا في يومٍ من الأيام  »
واو ! .. الواقع أنني لو كنْتُ مكروهةً منبوذةً من هذه الحسناء لظللْتُ مع ذلك أحلم بها ليلَ نهارٍ ، فكيف وهي تقول في حقي مثل هذه الكلمة ؟ ..
أنا أسعد الناسِ حظًّا !
ثم استدارَتْ وانصرفَتْ ، ولم تخطُ خطواتٍ يسيرةٍ ، حتى كان هاتفُها المحمولُ قد بدأ في الرنين ، فأخرجَتْه وضغطَتْ زر الرد ، وعندما قالَتْ :
– « صباح الخير ؟  من هذا ؟  »
جاءها الصوتُ مضاعفًا من سماعة هاتفِي ، فالتفتَتْ جهتي ، وهي تهزّ رأسَها في عدم تصديقٍ .. ورفعْتُ الهاتف لفمي ثم قلْتُ :
– « المعذرة على الاتصال في وقتٍ غير مناسبٍ ، ولكنّ والدي في الحمام ووالدتي في المطبخِ ، وأردْتُ استغلال فرصة –  »
ضحكَتْ ذاتُ الغمازتين في عتابٍ ، ثم قالَتْ في هاتفِها أيضًا :
– « هذه أربع عقوبات بانتظاركِ يا صغيرتي .. استمتعي بالجلوس في الفترة القادمة فعندما تقع يدي عليكِ في غرفة نومي ، لن تجلسي بعدَها لفترةٍ طويلةٍ »
كان هذا هو الزرّ الأخير الذي يؤدي الضغطُ عليه إلى الانفجار الأعظم ؛ أنا بحاجةٍ إلى هذا الآن :
– « أرجوكِ ! »
– « ماذا ؟  »
– « هل يمكنُ أن تقع يدُكِ عليّ في غرفة نومكِ الآن ؟ أرجوك ؟  »
أنْهَتِ ( هند )  المكالمة ، لتوجه كلامَها إليّ مباشرةً ، وبدا وكأنها تزنُ خياراتِها ، وعندما نحَّيْتُ خوفي من أن أكون نرجسية جانبًا .. فطِنْتُ إلى أنها بالفعلِ تتمالك نفسَها بصعوبةٍ وهي تنظر إليّ .. ثم قالَتْ :
– « لا أريد أن أتسبب لكِ في مشاكل ، إن أسرتَكِ بانتظاركِ  »
قلْتُ في عجلةٍ :
– « إنّ هناك ” كورسًا ” بعد ساعتين، وفي المعتاد أعود للبيتِ ، وآكل على عجلٍ ، ثم أنزل مرةً أخرى له ، وهذا ” الكورس ” سيستمر لساعتين ، هذه أربع ساعاتٍ لن يسألوا فيها عني ! »
كانَتْ المشكلة الفعلية هي في غرفة نومِها تلك .. كيف سنذهب إلى هناك بدون علمِ أسرتِها ؟ .. ولكنْ يبدو أنّها واثقة من قدرتِها على تجاوز تلك المشكلة ، فقد أشرق وجهُها عندما قلْتُ ذلك ، وقالَتْ :
– « لا مشكلة إذن ! وإنْ كنْتُ أشكّ في كفاية الأربع ساعاتٍ لفعل كل ما أرغب فيه بكِ ، ولكنّي سأحاولُ ضبط نفسي في الوقت المتاحِ »
ثم أشارَتْ إليّ لأماشيَها .. ففعلْتُ .. كان السيرُ إلى جوارِها ، ونحن مقدمتان على ما نحن مقدمتان عليه .. هو ألذّ شعورٍ مرَرْتُ به في حياتي .. هذا الإحساس بالأمان والسعادة .. بإمكانِ من شاء أن ينظر نحونا ، ولن يفكرَ في أكثر من أننا أختان .. أو صديقتان .. في الواقع نحن أقرب إلى أن نكون زوجتَينِ ؛ بما أنّ القانون يجرم أيَّ ممارسة جنسية خارج الزواج !
– « أنتِ تسكنين مع والدَيكِ ؟ »
كان عليّ أنْ أسألَ , فأجابَتْ مبتسمةً :
– « إنّ أسرتي من محافظة بعيدة .. جاء تنسيقي إلى هذه الكلية قبل عشر سنواتٍ ، وكنْتُ متفوقةً فيها .. فجاء تعييني فيها .. بحكم الأمر الواقع فأنا أسكنْ مع معيدة أخرى مغتربة في شقة صغيرة !  »
هكذا إذن ! .. لأول مرة يبدو أن هناك مكسبًا ما من تفاوت التنسيق للكلية نفسِها في الجامعات المختلفة .. ولكنْ ماذا عن تلك المعيدة الأخرى ؟
– « ماذا عن المعيدة الأخرى المغتربة ؟ »
– «  هذه هي الرواية التي قلْتُها لوالديّ .. في الواقع إنها ليسَتْ كاذبةً تماماً ، لقد كنا نسكنْ معًا لفترة بسيطة في البداية ، ثم تزوجَتْ بعد ذلك ، وبقيْتُ وحدي في تلك الشقة  »
هل ما أشعرُ به هو غيرةٌ ؟ بالطبع لا ؟ ولكنْ ما هذا الشعورُ الممضّ إذن ؟
– « نسكن معاً .. »
كان هذا همسًا ، لا أدري إن وصلَ إلى أذنيها ، ولكنّ ابتسامتَها الواسعة أخبرَتني أنه بلغها ، وقالَتْ في تلذذ بغضبي :
– « لا يمكنكِ تصورَ الأفعالَ التي قمْنا بها سويًّا أنا وتلك المعيدة .. واو ! »
كنتُ أعرف أنها تمزح وتهزل ! ولكنّ ملامحَ وجهي قد قررَتْ أن ما تقوله جدٌّ ، وتشكلَتْ على هذا الأساس ، لا بد أن منظري بدا مرعبًا ، لأن ( هندًا) تداركَتْ بسرعةٍ ، وإن ظلّ في صوتِها بقيةٌ من استمتاعها بغيرتي :
– « أنا أمزح بالطبع ، لم يكنْ بيننا شيءٌ إطلاقًا .. لا أعتقد أنها تفهم معنى المثلية أصلًا  »
لا زالَتْ ملامحُ وجهي على شكِّها ، وأسرَّتْ تلك الملامحُ إليّ أنْ أسألَها شيئًا ، فسألْتُها :
– « ولمْ يكنْ هناك شيءٌ من طرفك ؟ أو أشياء ظاهرها البراءة ؟ .. على غرار : ” أنا أشعر بالإعياء ، هلا دلكْتِ لي ظهري ” أو : ” كيف أبدو في هذه المنامة ؟ ” أو غيرها من السلوكيات المنحرفة ؟  »
سلوكيات منحرفة ؟ .. يبدو أنني من النوع الذي يغار فيفقد قدرتَه على التفكير بعقلانية .. ولكنْ بدا أنها مستمتعة بهذه الغيرة الغاضبة ، فقالَتْ وهي تضحكُ :
– « مرةً واحدةً أصيبَتْ بنزلة بردٍ ، وبدا لي منظرُها جالبًا للشفقة ، ولكنها شفقة صديقتين ، لا حبيبتين .. لا تخافي أنتِ أولُ فتاةٍ واقعيةٍ تثير اهتمامي .. عندما قلْتُ في شروطي قبل قليلٍ أنه : لا أحدَ غيري .. كان هذا اشتراطًا يلتزم به الطرفان  »
كان هذا مطَمْئنًا ، ثم أرَدْتُ أن أكسبَ شيئًا من وراءِ هذا الحوارِ :
– « ماذا عن شرط ” عدم التلهي بشيءٍ ” ذاك ، هل هو مما يلتزم به الطرفانِ ؟ »
نظرَتْ إليّ وقد عاودها ” جنون السلطة ” إياه ، وقالَتْ  :
– « لكِ عندي ألا أشرك معكِ غيركِ في ملكية قلبي .. ثم ليس لكِ أكثرُ من هذا .. والعكس غير صحيحٍ .. كل شيءٍ فيكِ لي أنْ أقضي فيه بما أشاء .. ما لمْ ترفضي بالطبعِ ، ولكني لا أعتقد أنكِ سترفضين  »
لنْ أرفضَ .. هي تعلم أنني لن أرفض .. وأنا أعلم أنني لن أرفض.. فلنرجُ أن تكون بي رفيقةً ، وألا تقسو عليّ ، ولكنّ ” عدم التلهي ” هذا هو قسوةٌ في حد ذاتِه ..
وقبلَ أن أعيد الإلحاح في هذه النقطة ، جاءني صوتُ انفتاح مغاليق أبواب السيارة الواقفة المجاورة لنا ، ونظرْتُ في يدِها فوجدْتُها تمسكُ مفتاحَها .. آه ، هذا ما كنا نمشي إليه .. لقد ظنَنْتُ أننا سنركب سيارة أجرة ..
– « هذه سيارتُكِ ؟ إنها فخمة ! »
قالَتْ في تواضعٍ :
– « تقسيط ! .»
– « ولو ! .. بالمناسبة .. ما تخصصكِ بالضبط ؟ »
– « ألمْ تسمعي شيئًا من ذلك الدرس ؟ .. أنا من الإناث القليلات التي انضمَمْنَ لقسم طب وجراحة العيون .. أنا جراحة عيون »
– « جراحة عيون ! .. عندما قلْتِ أنكِ متفوقة فقد عنَيْتِ ذلك ! »
كانَتْ قد فتحَتِ البابَ ، وانحنَتْ لتدخلَ ، فألقَتْ نحوي ابتسامةً متواضعةً قل أن يغيبَ وجهُها في السيارة ، وسرني أنها ليسَتْ مغرورةً بتفوقِها وبمالِها .. إن غرورَها مقتصرٌ على فخرِها بحبي وتمكنِها من قلبي ..ما الذي تتمناه الفتاة أكثر من هذا ! ..
 ثم دخلْتُ أنا الأخرى في السيارة ، وأغلقْتُ البابَ ..
ولثوانٍ بدا أنّها عازفةٌ عن تشغيل المحرك ، وكأنها تفكر في شيءٍ ما ، ثم بدأتْ في الضغطِ على ذلك الزر الذي تضغط عليه في السيارات الحديثة فيغنيك عن المفتاحِ ..
وكنْتُ أنا أتأملها متمعنةً في قسماتِ وجهها الفاتن وجسدِها الرشيقِ .. هذا الجمالُ هو ما أنتج الحربَ على المرأة ؛ الحرب على تعليم المرأة .. على قبول عمل المرأة كطبيبة .. على قيادة المرأة للسيارة .. على حب المرأة لمن شاءَتْ وإن رفض أهلُها ذلك الحبيبَ.. أو وإن رفض المجتمع تلك الحبيبة .. كل هذه الحروبُ نتجَتْ عن جمال هذا الوجه وملاحة هذا الجسم .. وكل هذه الحروبُ قد انتصرَتْ فيها المرأة على أعدائها .. وكل هذه الانتصارات قد تمثلَتْ أمامي في هذه المرأة بالذات ؛ وكان شعوري بالفخرِ وأنا أتأملها أكبرَ من أن يبقى حديثَ نفسٍ :  
– « إنني أشعر بالفخر عندما أنظر إليكِ  »
لم يكنْ ردُّها محفليًّا ؛.لم تلقِ خطبةً عصماءَ عن معاناتِها حتى تصلَ إلى ما وصلَتْ إليه .. لم يظهرْ عليها فخرٌ ولا كِبْرٌ .. فقط اكتفَتْ برفع يدي إلى شفتيها ، وتقبيلِها ، ثم قالَتْ في هدوءٍ  :
– « وأنا يكفيني من الدنيا أن تشعري بالفخر عندما تنظرين إليّ  »
..ثم سارَتْ بنا السيارة إلى وجهَتِها ..
وإن لم يكنْ يقينًا من قبلُ أنني ملكٌ لهذه الجراحةِ الحسناء .. فقد صار يقينًا الآن ؛ افعلي بي ما تشائين يا سيدتي ؛ لقد أضناني مجتمعٌ يعاديني على أساسٍ كروموزوميّ ، وأنتِ كل شيءٍ يلتجأ إليه من صحراء ذلك المجتمع !
***************
2- الزمن يساوي صفرًا
————————————————-
متى سأعتاد هذا كله ؟ ..
هذه هي المرة العاشرة التي أقف فيها هذا الموقف ..
هذه هي المرة العاشرة التي يصلني فيها صوتُ قرع المعلقة لحواف الكوب بينما تدير ما فيه من شايٍ لتذيب فيه السكرَ .. هذا الصوتُ شديد العادية والنمطية يصل أذني فتاة عارية مودعة زاوية غرفة نوم حبيبتِها .. التناقض بين الصوت العادي والوقفة الاستثنائية يلهب مشاعري التهابًا ..  ويبدو أن هذا التناقض متعمدٌ من قِبَلِها .. وإلا لما واظبَتْ عليه ..
صوتُ خطواتها الحافية تخرج من المطبخ الضيق وتقطع المسافة القصيرة بينه وبين غرفة النوم ثم تنتهي الخطوات عند ما أعرف أنه كرسيها الذي هيأتْه ليواجهَني .. ليواجهني لو كنْتُ أواجهه ؛ أما الآن فهو يدابرني ويتيح للجالسة عليه أن تكون عيناها في نفس مستوى مؤخرتي .. العارية .. المرتقبة لما تفعله بها حبيبة قلبها .. قلب المؤخرة ؟ .. نعم ، فلو كانَ لمؤخرتي قلبٌ لكانَ ملكًا لهذه الحسناء ؛ تمامًا كقلبِ الجسد الذي منه المؤخرة ..
صوتُ رشفاتِ الشاي ..
صوتُ كوب الشاي وهو يستقر على الطاولة المجاورة لها ..
الوقتُ يسير بطيئًا ، ولكني أعلم أنها تتطلع في جسدي العاري .. فأعض على شفتي ، وأبدأ في زحزحة قدمي انفراجاً .. ببطءٍ .. ببطءٍ .. أعلم أنها لا بد مبتسمة الآن وهي ترى ما أصنعه .. ربما تهز رأسَها وتدير عينيها في محجريهما .. كما تفعل عندما أعابثها .. آهٍ ، يا حبيبتي .. إن ذكرى ملامح وجهك الأقمر الذي لم تمض أكثر من عشر دقائق على رؤيتي لها تثير جنوني .. إني أريد أن ألتفت حتى أراكِ .. أزحزح قدميّ أكثرَ .. وأنا أعلم أن ما ينكشف لها من جسمي سيعجبها .. هذه هي بضاعتي .. أريد استبدالَها بقبلةٍ أو عضةٍ أو حتى نظرةٍ إلى وجهكِ المليحِ ..
– « استديري يا حلوة ! »
أخيرًا ..
أقابلُ حبيبة القلبِ ، في ابتسامتها المسيطرة .. فأبتسم لها ، قبلَ أن أفطنَ إلى ما يستقر على الطاولة إلى جوارِ كوب الشاي .. فيعتريني الفزعُ .. وترى نظرتي الفزعة .. فتربت يمناها على ما أنظر ، وتقول :
– « لا تخافي ، إنها لا تعضّ !  »
إنها لا تعضّ ؟ .. ما الذي فعلْتُه حتى أعاقبَ بهذه الآلة الشيطانية ؟ .. إن عليّ أن أعترضَ ..
– « إمم هممففف همف ! »
الحسناءُ تزداد ابتسامتها الحسناء اتساعاً على اعتراضي المكتوم .. وتقوم من قعدتِها .. وتخطو نحوي ، ثم تزيل ما يكتم اعتراضي ، وقبل أن أفصح عما أعجمت عنه ، تقبل فمي المكشوف حديثًا ، وأذوب في القبلة .. وعندما تبتعد شفتاها عني .. تعيد يداها حشوَ فمي بما يمنعني من الكلام .. والصراخ فيما بعد !
– « سأمددكِ على سريري .. وسأضربكِ نفْضَ سجاد العيدِ ، وإذا زاد العرض على قدرة السوقٍ على الاستيعابِ ، فاضربي برجليكِ جميعًا ثلاث مراتٍ على المرتبة ، وسأتوقف …. ربما ! »
لماذا يزيد هذا من شهوتي ورغبتي فيها ؟ ..
ولا تمنحني فرصةً لأستغرق في تفكيري فيما قالَتْه قبل أن تسوقني من يدي إلى السرير .. وعندما أستلقي عليه .. تعود لالتقاط عصا الخيزران تلك من فوق الطاولة .. ثم تشق بها الهواءَ .. فأبث شكواي لما يحشو فمي فحيحًا غيرَ ذي معنى ..
– « ذكريني بما قلتِه لي في الهاتف البارحة ! »
آه ، هذا هو سبب هذا … لقد كنْتُ أمزح في مكالمة البارحة تلك ! .. ولكنها لا تحب المزاح في هذه الأمور ..
أرفع ذراعيّ فوق رأسي ، وألصق راحتيّ ببعضهما البعض كالمعتذرة .. لا بد  أن منظر حبيبتِها مستلقيةً على السريرِ .. عاجزةً عن الكلامِ بدافع خارجي .. عاجزة عن الحركة بدافع داخلي .. رافعة كفيها في اعتذارٍ أقرب إلى التوسل – لا بد أن هذا مما يثير فيها الشفقة عليّ .. ثم إنه كان مزاحًا !
– « مشكلتي أنني لا أقوى على تأديبكِ بجمالكِ ودلالكِ هذا .. حسنًا سأعفيكِ من الخيزرانة هذه المرة .. ولكنْ في المرة القادمة. إن تكرر منكِ ذلك- جدًّا أو هزلاً .. فستنامين على بطنكِ لأيامٍ . هذا مفهوم ؟ »
– « إمف إمف ! »
– « ولكن هذا لن يعفيكِ من العقابِ بالكلية ، هل أتيتِ بفرشاة شعركِ ؟ »
كانَتْ هذه هي عادتُنا في هذه اللقاءات الأسبوعية ؛ إنها تفضل معاقبتي بفرشاة شعري أنا .. لتبقى معي أداة عقابي بقية الأسبوع .. رمزًا لسيطرتِها لا يغيب عني في غيبتِها ..
– « إههمف ! »
– « “إههمف”  نعم ، أم “إههمف ” لا ؟»
لو لم أكنْ معقودة اللسان لردَدْتُ ردًّا يكلفني مزيدًا من الصفعاتِ ، لكنْ لحسنِ حظي أن ما أفكر فيه لا ينقله لساني لسمْعِها ..
– « وهذه الفكرة التي خطرَتْ لكِ الآن ، ستكلفكِ مزيدًا من الصفعاتِ .. لا تحسبي أني لم “أسمَعْها” ! »
تبًّا ! .. يفْترضُ أنْ نبقى معًا لسنين قبل أن تتمكن من قراءةِ أفكاري !
– « لسْتُ بحاجةٍ لأن أعرفكِ لسنين حتى أستطيع قراءةِ أفكاركِ ! »
طوية نفسي مكشوفة أمام العينين الحبيبتين فما الداعي للكلام إذن ؟ .. كأني أستطيع الكلامَ على أية حالٍ ! .. رأسي تستشعر وثارة الوسادة لثوانٍ .. فأتغافل عما يوشك أن يقع .. فيقع !
– « آهفف »    
لقد كانَتْ هذه ضربةً موجعةً .. والذنبُ ذنبي ؛ من بين كل فرشات الشعر لم أخترْ سوى هذه الفرشاة الخشبية العتيقة ، فلما صارَتْ أداة عقابي أدَّتْ بامتيازٍ
صفعة أخرى على الردف الآخر لينال حظه من الاحمرار ، فلا يحسد أخاه على حمرتِه !
– « آآهففم »
– « دعينا نتذكرْ مرةً أخرى فعلكِ الأسودَ في مكالمة البارحة .. الآن وقد صارَ ردفاكِ الحبيبان في مرمى فرشاة شعركِ  »
ثم بدأتْ تقلد صوتي ، ولكنتي , ومواضع نبراتي .. فكدْتُ أذوب عشقًا :
– « ” آه ، بالمناسبة يا ( هند ) ، هل أخبرتكِ عن ذاك الفتى الوسيم الذي ناولني كتابي عندما سقط مني في الجامعة … أووووه يا ( هند ) ما أجملَه ، أوووه ” »
كانَتْ هذه مبالغة .. كلّ ما قلْته أنه وسيم ؛ بدون كل هذه التنهيداتِ .. ولكنْ إحقاقاً للحق فقد قلْتُ ذلك عمدًا لأغيظها ، وقد اغتاظَتْ !
طقْ ! طقْ ! طقْ !
طقْ ! طقْ ! طقْ !
طقْ ! طقْ ! طقْ !
الثلاثيات تتوالى على جلدي البض ، فتتجمع الدموع في عينيّ .. إنها في المعتاد رفيقة بي .. كأنها هي التي تتألم من وقع الضربات لا أنا .. ولكنّ غيرتَها تفقدها رقتَها .. ومع ذلك فغيرتها وغضبها وحبها لي كل هذه تزيدها جمالًا في عينيّ ..
– « لا فتيان ولا فتيات غيري .. مفهوم ؟  »
كأنكِ بحاجة إلى ضماناتٍ ! .. أنا لكِ وحدَكِ للأبد .. ولكنّ المعابثة طبعٌ !
– « إمهم إمهم إمممهم »
أعلم أن الإلحاح في إظهار الطاعة والأسف على ما بدر مني سيرقق قلبَها عليّ .. في الواقع أنا لا أدري أينا أجدر بالشفقة ؛ أنا المعاقَبة المنبطحة على بطنِها في خضوع يحسبها الناظر لا حول لها ولا قوة .. أم هي المعاقِبة رقيقة القلبِ شديدة الحبّ لي والخوف عليّ فهي طوعُ بناني ، وإن لم يبدُ للناظرِ هذا إلا بعد تدقيقٍ ! ..
صوتُها العذبُ يصلني وفيه رنة ندمٍ ؛ ندمٍ على ما تسببْتُ أنا فيه ؟  آه يا حبيبتي كم أعشق عشقَكِ لي !
– « حسنًا ، أنا لا أريد أنْ أؤلمكِ – على الأقل ليس هذا النوع من “الألم” ؛ أنا أحبكِ .. ولكنْ بسبب حبي لكِ .. فلا أريد أن أسمع عن آخرين غيري ، إنني شديدة السخاء في غير هذا المجال ، فيما يتعلق بحبكِ وإعجابكِ فأنا أبخل الناس ، ولا علاج لبخلي فأطلبَه ، ولا أريد أن أعالج منه حتى لو كان له علاجٌ »
أووه ! فكّي هذا الذي يمنعني عن الكلام حتى أشكركِ كما يليق !
– « حسْنًا ، سأحل “عقدةَ لسانكِ ” »
كأنها تقرأ خواطري !
وعندما حَلَّتْ ” عقدة لساني ” أوسعها ذلك اللسانُ شكرًا ، ومع ذلك فهو لمْ يتكلم ! .. وإن شفتيها هما ألذ ما ذاقَتْه حلماتُ ذلك اللسان المحرر حديثًا ؛ تشريحيًّا لا بد أن هناك مصدرًا للـ(سكروز) تفرزه غددٌ ما إلى سطح هاتين الشفتين الحبيبتين ..
 الرغبة الجامحة في تقبيلِها تدفعني بجنونٍ إلى إحكامِ شفتي على شفتيها ولسانِها .. وكلما ازدادا إحكامًا ازدادَتْ الرغبةُ جموحًا .. طالب الجمال كطالب العلم لا يرتوي .. والفكرةُ التي تخطر لي ؛ أنه لا يزال الكثيرُ من جسد حبيبتي _غير الشفتين والفم _ يعدني بمتع لا تعد ولا تحصى .. يلهبُ فيّ العواطف المتلاحقة .. فأشاغب تلك الفكرة ، وأرجئ استمتاعي بسائر جسد محبوبتي إلى أطول فترةٍ ممكنةٍ .. إني أجد في تقبيلها منتهى اللذة ، وأعلم أن الآتي سيجعل “منتهى اللذة” تلك نقطةً في بحرٍ .. كل هذا لي ؟!
 لو كنْتُ سأصابُ يومًا بسكتة قلبية من شدة الفرح ، فهذا موضعُها !
ثم طغَتِ العاطفةُ على العقلِ ، فانتقلْتُ _ لا إراديًّا _ إلى بقية محاسنِها .. شفتاي تتحسسان طريقَهما سفلاً إلى أخدودٍ بين رمانتين ، ويضيق الأخدودُ فتلامس الرمانتان خديّ .. هذه النعومة وهذا التماسك ؛ هذه الشدة وهذه الرقة .. لا يطيق الخدُّ نقلَ كل هذا الكمالِ ؛ لتتولَّ حلماتُ اللسان اكتشاف حلمات الرمان .. ثم أنتقل كالمجنونة من هذا الثدي أطيش في صفحته بلساني فيتوق اللسان للثدي الآخر ؛ فأقنعه أنهما سواءٌ فلا يقتنع .. ويطير إلى الآخر .. ثم يشتاق للأول .. فلا يمهلني أن أجيبه إلى طلبِه حتى يسير من تلقائه إلى غايتِه ثم يعود إلى منطلقه الأول .. وتضحك صاحبةُ الرمانِ :
– « حددي هدفكِ ! »
ويبتعد لساني بقدر ما يسمح له بقرع مخارج الحروف ليقول على عجلٍ :
– « الكلام أسهل من التنفيذ »
ثم يرجع لحيرتِه وتنقله بين الحسْنَيين ! ..
ثم تكفيني حبيبتي حيرتي ، بأنْ ترد عليّ بعضَ ما منحْتُها ، وبدلاً من أن أقرر الخطوة التالية تتولى هي الهجومَ وأستمتع أنا بالتلقي .. فأصيرَ تحتَها وهي فوقي ، وتقبض بفيها على ما أمكن من ثديي ، ثم يدور اللسان بمحتويات الفم ، حتى إذا شبع من الدوران انسحب الفمُ من احتلاله للأرضي الصدرية ، وقبل أن يزول الاستعمارُ الفموي بالكلية ينغز حلمة ثديي نغزةً بأسنانِه ، ثم يبتعد .. فأتخلى طوعًا عن الاستقلال وأندفع بصدري إلى فم المستعمر طلبًا للمزيدِ ! .. هذه المرة .. الدورُ على الثدي الآخرِ ، حتى ينال كلٌّ نصيبَه .. ولا يقع “نيرُ” الاحتلال على مكونٍ من مكونات الصدر دون الآخر فيقع بينهما التحاسد ! أمَا وقد وقع عليهما جميعًا القدرُ نفسُه من اللعق والعض والشفطِ .. والمتعة ، فهذا أوان الشد فاشتدي (زيم) !
و(زيم) ترقب من مكانِها ما يحدث في الأعلى ، وتتمنى أن تنتقل إلى مسرح الأحداثِ ، فينتقلُ إليها مسرحُ الأحداثِ .. وحقّ ( زيم ) أنْ تكون في الختام ، ليكون الختامُ مسكًا ، أو لينتج عن الختامِ ” مسكٌ ” .. وعندما نقلَ الفمُ جبهة عملياته إلى الأسفلِ ، كانتْ ( زيم ) في استقباله مفتوحة الذراعين – حرفيًّا ! .. فعرّج عليها حتى إذا مسها أو كاد حادَ عنها فقبّلَ أعلى الفخذِ هذا .. ثم قبّلَ أعلى الفخذِ ذاك .. حتى إذا كادَتْ ( زيم ) تفصح _على عجمتِها_ عما تعاني من لاعج الأشواق ، أتاها عذرُ اللسانِ فروى غلَّتَها ، وسقى عطشَها .. ثم اشتط فخاض في أعماقِها خوضًا .. تاركًا السطحَ للشفتين تمتصان ما لعله بلل اللعاب أو بلل ( زيم ) أو بلل كليهما .. وقد انغرسَتْ اليدان مقلمتا الأظفار في جانبي فخذيّ المحيطتين برأسِها الحبيبِ ..
لطالما خلب لبي هذا المنظرُ ؛ منظرُ الرأس المدفون بين الرجلين المنفرجتين ليتاح الكنزُ لطالبتِه ، خلب لي هذا المنظر وهو صورٌ لا حياةَ فيها أحدق فيها على شاشة الحاسب ، وأمني النفسَ أنْ أنالَ يومًا .. فقد نلْتُ ؛ لقد دبَّتْ في تلك الصورِ الحياةُ ، وشتان ما بين الصورة والأصل … ولقد زاد في إحساسي بعظمة هذا الموقف اشتراك البصر والشم والسمع ومغرس يديها في فخذيّ ومدفن لسانِها في أعماقي .. والتهابُ جسدي الذي تراكمَتْ عليه كلُّ تلك الحواسِ ، تظمئه وتسقيه ، وتعده وتوفيه .. والقلْبُ راضٍ عن شهوة الجسدِ ، فالتي تبلغ الجسدَ شهوتَه هي حبيبة القلبِ ! فلا اعتراضَ من السامي ولا اعتراض من الشهوانيّ .. كلاهما قد ارتبط في هذه اللحظة الحميمية بما تفعله بي ساكنة القلب وملهبة الجسدِ …
ثم انزلق الجسد الولهانُ إلى منجرفٍ جليل خطرٍ ، فارتعد وحق له أن يرتعد ، فواساه القلبُ فسري عنه .. وخلص من رعداتِه إلى مثل ما يخلص إليه الراهبُ أسالَتْ دموعَه الرهبةُ والرغبةُ .. فآبَ نقيّ السريرةِ صافيَ النفسِ ..
وابتسمْتُ لساكنة القلب وملهبة الجسدِ وقد نهضَتْ من محرابِها بعد أن أوسعَتْه عنايةً ورعايةً ، ولعقَتْ شفتيها لتزيل ما بقي عليهما من آثار تلك العناية والرعاية .. فتحرك في جسدي ما كان سكَنَ .. ووضعَتْها في حيث كانتْ وضعَتْني وفعلْتُ بها ما كانتْ فعلَتْه بي .. وذبْتُ فيها كما لا شك أنها ذابَتْ في .. وارتعدَتْ كما ارتعدْتُ .. ثم سكنَتْ ، فأودعْتُ ما كنْتُ منشغلةً به قبلةً أخيرةً .. ثم ارتقيْتُ لتقابلَ عيناي عينيها .. وقطعتِ العيونُ وعودًا لا سبيل للسانِ إلى إدراكِ كنهها .. وانغرسَتْ سهامُ الحبّ أعمق في قلبَينا ، وكنتُ حسبْتُها بلغَتْ القعرَ ، ثم قلْتُ لها شيئًا فسمعْتُه من شفتيها في الوقتِ نفسِه :
– « سيقضي عليّ حبُّكِ يومًا ما يا أميرتي »
– « سيقضي عليّ حبُّكِ يومًا ما يا أميرتي  »
ابتسامتانا تتسعان ، ونذوب في قبلةٍ لاهبةٍ …
ولو كان لي أن أرسم نهاية مثالية لهذه الحياة ، فلتكنْ في مثل هذا الموقفِ ؛ بين ذراعيها .. شفتاي على شفتيها .. هذه التي قد استوطنَتْ قلبي تسرح فيه وتمرح ؛ ليس فوق هذا مزيدٌ !
——— ( تـمَّــت ) ———–

قصة : أطفالٌ كبارٌ ! ( م / ف ) Light Erotica

قصة : أطفالٌ كبارٌ ! ( م / ف ) Light Erotica

يوم : ( 1 )


“سمِّي سبْعةَ أشياء تبدأ بحرف الخاء” ! … مَنْ يسأل مثل هذه الأسئلة في هذا الزمن ؟! .. ولكنّ الأطفالَ في كلِّ زمنٍ مولعون بهذه الأسئلة … هل ( خرنج ) كلمة ؟ … ما دمْتُ قلْتُها فهي كلمة .. ولكنْ هل من اللائق أن تُذْكَرَ أمامَ طفلٍ ؟

– « أنت لا تعرفين ! »

– « إن السؤالَ … سـ .. سخيفٌ »

– « كلا ! ليس كذلك .. بل أنتِ لا تعرفين ! »

– « ( ماهر ) ! لا تضايقْ خالتَكَ ! »

– « ولكنّي لم أفعلْ شيئًا ! »

كان اعتراضُ الأمِّ كافيًا لآخذ صفَّ الطفلِ .. _مع أنني كنْتُ ضقْتُ ذرْعًا به قبلَ قليلٍ_ .. فتدَّخلْتُ :

– « لا يوجد مشكلة يا ( سماح ) ، إنه لم يفعلْ شيئًا »

أشرق الوجهُ الطفوليّ بابتسامتِه ؛ لقد ساند أحدُ البالغين قولَه ضدَّ قولِ أمِّه !.. هذا حدثٌ نادرٌ !…

والتفتُّ جهَتَه لأجيب على السؤال السخيف :

– « حسنًا .. دعْنا نفكِّرْ : خوخ .. »

– « هذه واحدة ! »

– « إمهم … خوف »

– « الخوفُ ليس (شيئًا) ! »

بالطبع .. لا بد من اعتراضٍ سخيفٍ طفوليٍّ ..يدفعني دفْعًا لفقد أعصابي :

– « حسنًا .. شيءٌ مادّيّ .. خسّ »

– « هذه ثانية »

ألنْ يملَّ ؟! .. هل سيتابع السبعة كاملةً ؟! ..

– « خـ .. خـ .. لا أدري .. خمر ! »

البراءة الطفولية تتساءل :

– « ما هو الخمر ؟ »

الحرص المرضيّ على بقاء البراءة الطفولية كما هي – يتدخل :

– « ( ماهر ) ! اذهبْ إلى غرفتِك ، والعبْ بلعبِك ! »

– « ولكني لا أعرف ما هو الخمر ؟ »

– « لقد كانتْ زلَّةَ لسانٍ من خالتك ، هذه كلمة خاصة بالبالغين »

– « كل شيءٍ خاصّ بالبالغين ! »

– « ( ماهر ) ، الآن . غرفتَك ! »

جرجر ابنُ الخامسةِ رجليه .. منكّسَ الرأسِ إلى غرفتِه تاركًا غرفة ( الصالون ) مشعّةَ بنظرات الاعتراض التي توجّهها لي أختي ..

– « خمر ؟! »

– « لقد كان الخيارُ الآخرُ هو (خراء) ، وأعتقد أن هذا أسوأ »

الابتسامةُ تداعبُ ركني الفمِ ، ثم تختفي ، ويحلُّ محلُّها تظاهرٌ بالغضبِ .. _أو على الأقلِّ أنا أرجو أن يكون تظاهرًا_ :

– « ( حنان ) ، أحياناً أشعرُ أنكِ أولى بالتقويم من ابني ! »

– « المشكلة في السرعة .. لو كان ( ماهر ) بنفس سرعتي .. لانتهى بك الحالُ واقعةً على البلاط في كل مرة تحاولين إمساكَه »

الابتسامةُ تعاود التسلل لركني الفمِ ، وهذه المرة تبقى لفترةٍ أطولَ قبل أن تغادر :

– « لقد كنْتُ أسرعَ منكِ في صبانا »

أرفعُ يديّ في اعتراضٍ مسرحيّ :

– « متى خرجْتُ من الصبا ، حتى تشيري إليه بـ ( كان ) ؟! .. تحدثي عن نفسِكِ ! »

الضحكة الطفولية المكتومة .. ربما على رفع يديّ ، وليس على ما قلْتُه ..

– « ( ماهر ) !! عدْ لغرفتِكَ ! »

الخطوات الطفولية الراكضة إلى غرفتِها ! .. هؤلاء الأطفال !

– « لقدْ صرْتِ أمًّا يا ( سماح ) ! »

الابتسامة الهازئة على مُحيَّا أختي :

– « لقد حدث هذا قبلَ خمس سنين ! أينَ كنْتِ طيلة تلك الفترة ؟! »

لقدْ كنْتُ بجوارِكِ طيلة الوقتِ .. حتى في المستشفى ! .. ولكنَّ السخرية _ كما حتَّمَتْ عليها أنْ تسألَ استهزاءً_ تحتم عليّ أنْ أجيبَ استهزاءً :

– « كنْتُ في انتظار المولود الثاني حتى أهنئ بهما مرّةً واحدةً ، فكثرة الهدايا من الإسراف ! بالمناسبة هل هناك أخبار .. ؟ »

الملامح الحزينة تظهر لجزءٍ من الثانية قبل أن تختفي .. والتظاهر بـ ( كونِ الأمورِ على ما يرام ) لا يخفى على عينيّ :

– « نحن لا نرغبُ في المزيدِ ! .. ( ماهر ) ملأ علينا حياتَنا ! »

– « (نحن) .. ؟! »

يبدو أنني وقعْتُ على الجرحِ ، والنظرةُ التي تقولُ بجلاءٍ: ( رجاءً ! دعينا لا نخضْ في ذلك ) تنبعث من وجه أختي … ولكنّي أرغبُ في مواساتِها ؛ ليس التطفلَ بل المواساة :

– « رُبَّ ضارةٍ نافعةٍ ، على الأقلِّ بإمكانِكما أن تتفرغا ( لأمورٍ أهمّ ) الآن .. بإمكانيْ حتى أنْ آخذَ ( ماهرًا ) للنزهة في بعض الأوقاتِ .. هه ؟ .. هه ؟ »

غمزةُ عيني تقع على العصبِ الحسّاسٍ ، وبدلًا من أن تضحكَ ( سماح ) تغرورقُ عيناها بالدموعِ ، لقدْ أصبْتُ جللًا ، فالرامي يصيدُ وما يدري ! :

– « ماذا هناك ؟ .. هل أساء لكِ ذلكِ اللعين ؟ .. أقسم بكلِّ مقدّسٍ أن أيتّم ( ماهرًا ) بمجرد أن تقع عيني عليه ! »

الابتسامةُ تعود للوجه الحبيبِ ، ولكنّها جرَّتْ معها سيلاً من الدموعِ ! .. لا شيءَ يثيرُ فيّ الأسى مثل هذه الابتسامات الباكية … ومن بين دموعِها :

– « ” لولا ( ماهر ) لردَدْتُكِ إلى بيت أهلكِ ” »

– « الوغدُ قال هذا ؟!! »

هزةُ الرأس دامع العينينِ تُذْهِبُ كلَّ ذرةِ تعقّلٍ مني ؛ كيف يجرؤ – ذلك الخنزيرَ .. ولكنَّ أختي تفتحُ فمَها باحثةً عن كلماتٍ جديدة ، فأنحي الغضبَ قليلًا لأسمع شكواها :

– « أعتقد أنّ المشاكل بدأتْ بولادة ( ماهر ) ، هؤلاء الرجال أطفال كبارٌ .. إنهم يغارون من أبنائهم .. كان الأمر متحمَّلًا إلى حدٍّ كبيرِ .. حتى بدأتُ أفكّر في الإنجاب مرةً أخرى .. وهنا بدأتِ المشاكلُ تزيدُ ، حتى تظاهرْتُ بأنَّ الفكرةَ ليسَتْ مطروحةً على الطاولة ، وأننا سنتكتفي بطفلٍ واحدٍ … كان من المفترض أن نكون سعداءَ بعد ذلك ، وقد كان .. لفترةٍ طويلةٍ … ولكنْ مؤخرًا بدأتِ الاختلافاتُ تزيد … ووصل الجدالُ والشجارُ لحدٍّ مرهقٍ … وبدأ يلمّح للـ .. الطلاق ! »

كانَتْ دموعُها تلحّ لتسأثرَ بوجهها وتمنعه عن الكلام .. فلما ذكرَتِ الطلاقَ خلا لها الجوُّ فعربدَتْ … ونهضْتُ لأجلس بجوارِها ؛ على حافة الكرسيّ المقابل لي ، فألقَتْ بوجْهِها _بدموعِه ومخاطه_ في صدري .. ليس الرجالُ وحدَهم هم الأطفالَ الكبارَ .. الجنس البشريّ كلُّه كذلك ! … أربِّتُ على الكتفين المهتزّين من أثر البكاءِ ..وأحْكِمُ معانقة الباكية حتى يغوصَ أنفي في شعرِها ..

– « لعله يعودُ لرشده ، أيًّا يكنْ ما رأيتِه فيه حتى تزوجْتِه فهو لا يزال هناك ! »

الاهتزاز العنيفُ لرأسِها في صدري – يجبرني على الابتسام .. هذا اعتراضٌ طفوليٌّ .. لماذا أعتقد أنَّ بإمكاني أنْ أسْهِمَ في إنقاذ هذه الزيجة .. نرجسية ؟ .. ربما .. ولكنَّ إحساسًا عميقًا يراودني بأنَّ ( ماهرًا ) سينشأ بين أبيه وأمه … وأنَّه سيستغرق سنين طويلة حتى يعرف معنى كلمة ( طلاق ) .. ليس من العدلِ أن يجهل الطفلُ معنى (الخمر) ثم يقاسي أهوال طلاقِ والدَيه ! … منعُ هذا هو واجبي ؛ أنا من أوشك على تعليمه الكلمة الثانية ، فعليّ أنْ أحول دون تجربتِه الكلمةَ الأولى !

***


يوم : ( – 1500)


– « نائمٌ ؟ »

– « نائم . ولكنْ علينا أنْ نكونَ هادئَينِ »

هناك شيءٌ ما يُفْقَدُ في الزواجِ ؛ تلك المتعة المختلَسَة .. الخوفَ من الآخرين .. اقتناص ما تسنح به الفرصة ..
بعد الزواجِ .. حتى والديكما يعرفان بطبيعة ما تصنعانِه .. ويتوقعان منكما أن تستمرا فيه !
ولكنْ مع وجودِ طفلٍ جاهلٍ بالكلية عما يجري في البيت الذي يعيش فيه ..متوقعٍ أن يكون محور اهتمامِ أبويه ؛ لأنه بالتأكيد لا توجد أفعالٌ أخرى تحول دون التفرغ المطلق له !
عندها – تعود تلك المتعة المختلسَةُ مرَّةً أخرى .. مضافاً إليها حقيقةُ أنَّ الوقْتَ كلَّه أمامكما .. كلَّه إلى حدٍّ ما – فبإمكان ( ماهر ) أن يستيقظ ويحيلُ أيَّ شيءٍ آخرَ غيرَه إلى موضوعٍ ثانويّ قابل للإجهاض .. ولكنَّ هذه الاحتمالية تزيد من لذة اللحظة !

– « نكونَ هادئين ؛ فلا نفعلُ ما يُنْتِجُ صراخاً ؟ أمْ نفعله ثم نحاول جاهدين ألا نصرخَ بسببه ؟ »

– « الوضع الأول أسلم .. »

– « بالطبع ! »

– « ولكنْ أينَ التحدي في ذلك ؟ »

– « هذه هي فتاتي التي تزوَّجْتُها »

الصالةُ المغطاة بلعب الأطفال تصرخ احتجاجاً على التناقض بين البراءة التي كانتْ فيها قبل دقائق … ( والأفعال الفاضحة ) التي يتجه إليها الحوارُ .. ولكنْ من يهتم بالصالة ؟ .. وتنظرُ الزوجة إلى زوجِها منتظرةً منه المبادرة .. ولكنّه تصلّبَ في مكانِه محدِّقًا فيها ، وكأنَّه قد فقد عقلَه ؛ هذا الفستان يصف الأجزاء المهمة ، ويمر سريعًا على ما دون ذلك ؛ كأنه يراجع المراجعة النهائية في ليلة الامتحان … وتدرك الزوجة ما يعانيه زوجُها … ( مرض فقدان القدرة على الاتزان بسبب الحرارة المنبعثة من فتاة جميلة ) إنه شائعٌ في المراهقين من الذكور .. ولكنْ أحياناً يصابُ به الذكور في مراحل سنية أخرى … وتبتسم الزوجةُ ، وهي تمسك بيد زوجِها لترشدَه في الطريقِ ؛ … مع ما يعتمل في جسده الآن من الهرمونات فقد ينتهي به الطريق إلى المطبخ ! …لهذا تقوم الزوجة المحبة بسوقه خلفها إلى غرفة النومِ …والطريقُ إلى غرفة النومِ قصيرٌ .. ولكنْ عندما تحدّقُ في هذين المهتزّين أمامكَ وهما يقودانك للهدف .. فكل لحظةٍ يتأخر فيها النوالُ أليمةٌ طويلة مريرة .. والردفان يواصلان الإغراء ببراءة .. مَن؟ .. أنا ؟ .. لا ، أنا لا أرغبُ في أن يسيلَ لي لعابُك .. إنني فقط أحاولُ الانزلاق على أخي الآخر ، حتى نقوم بدورنا في تحريك الرجلين لتمشي زوجتُكَ ….. ماذا ؟ .. لا ، إن اقتحام نسيج الفستان بيني وبين أخي .. ليس مقصودًا البتة .. إنه قضاءٌ وقدرٌ !
لماذا لا تقتربُ غرفة النوم ؟ .. هل صارا يسكنان قَصْرًا ؟! …

ثمَّ الحدثُ المشئومُ : البكاءُ ينبثق من اللا مكانٍ .. ثمّ يتحدد مصدرُه مع علوِّ صوتِه .. يدُ الأم تتخلى عن يد الذكر الذي ليسَ ابنَها .. لتتجه للذكر الذي هو ابنُها .. بدون إيضاح سبب .. بدون إعادة جدولة ميعادٍ جديدٍ للزيارة .. لا شيءَ يهم ! إن وليَّ العهْدِ يبكي .. أما الملكُ فبإمكانِه أن يتولى شأنَ نفسِه … ولكنْ هل بإمكانِه ذلك فعلًا ؟ .. لقد كانتْ أولُ لعنةٍ تُصَبُّ على وليِّ العهدِ هي في هذه اللحظة … في بيته .. على يد أبيه .. ولو رفع الأبُ صوتَه قليلًا لوصل صوتُ اللعنةِ إلى أذنِ الأمِّ ، ولكنّها كانتْ قد فتحَتِ البابَ مسرعةً إلى الباكي الصغيرِ .. سارق الأضواءِ .. وهادم اللذاتِ …

ووصل إلى الزوجِ صوتُ الهدهدة منبعثًا من مصدر اللذة المفقودة ، وهذه المرة كادتْ اللعنةُ أن تُسْمَع من قِبَلِ الأمِّ ، لولا التصاقُها بمصدر البكاء الذي حال دون سماعِها لعناتِ زوجِها ..
ومِنْ قبلُ ما حال دون اهتمامِها بآمالِ زوجِها المبعثرةِ على أرضية الصالةِ .. تماماً كبعثرةِ ألعابِ ذلك الشيء .. ذلك الـ(هو) .. الأهم … الأول .. المقدَّم … اللعين !

***
يوم : ( 30 )


– « أربعة أشياء تبدأ بالباء وتنتهي بالباء .. »

كان التنويع الجديد قد توصل إلى إدخال شرطٍ جديدٍ في ( الشيء ) ؛ ليس الحرف الذي يبدأ به فقط ، وإنما ما ينتهي به كذلك .. جنون العظمة يغزو العقل الطفوليَّ إعجاباً بهذا الإبداع الفريد ..

– « يبدأ ، وينتهي ؟ .. وبنفس الحرف ؟ .. أنتَ ماهر يا ( ماهر ) ! »

الضحكُ الجنونيّ المميّز للأطفال .. النرجسية المحببة للنفس …

– « بررررب . هذا يبدأ وينتهي بالباء »

وقبل أن تعترض السنون الخمسة المتراكمة في الجسد الصغير ، كانتْ يدا خالتِه تدغدغانه ، وهي مستمرة على نفس الإجابة :

– « برررب .. بررررررب »

الطفل يضحك … ويعترض على الضحك .. ويضحك على الاعتراض .. وبين الضحكات يعاود الاعتراض :

– « هذه ..ههه .. ههه .. ليست كلـ …ههه ..ههه »

ثم تكف اليدان عن دغدغته .. فيستمر في الضحك قليلًا .. ثم يتذكر اعتراضَه :

– « ليسَتْ كلمة ! »

فتعلو اليدان ، وكأنهما تهددان بمزيد من الدغدغة ، فيضحك الطفل بلا مؤثر خارجي .. ثم لحظة الصدق الفلسفي الطفولي :

– « ما الذي يصنعه ( بابا ) و ( ماما ) عندما تأخذينني معكِ ؟ »

العينان البالغتان تتطلعان في العينين البريئتين .. طلبًا للمزيد من الإيضاح .. المزيد من سبر الأغوار الطفولية …

– « لأنهما لم يعودا يصرخان ، ويتظاهران بالكف عن الصراخ عندما أدخل عليهما .. كما كانا يفعلان قبل أن تبدئي في أخذي معكِ »

تضمه اليدان البالغتان لتحتضنه .. الأطفال مقدسون .. لماذا يُجَرُّون إلى معمعة اختياراتنا الخاطئة .. وإلى كوارث أفعالِنا المدمرة ؟

– « ريكونّيكتْ »

– « هذه كلمة خاصة بالبالغين ؟ »

البشري الأول يقترب من ( بروميثيوس) ليتلقى عنه جذوة النار … فداحة المسئولية الملقاة على عاتقه .. ضخامة التضحية التي قام بها الإله المحب للبشر حتى يهبه الحكمة .. كلّ هذا يدعوه للهمس جلالاً وتقديسًا .. وتنظرُ خالته / (برومثيوس) إليه وهي تكاتم ضحكتَها :

– « لن نخبرَ أحدًا بأنني من أخبرك بها ؟ »

الرأس الصغيرةُ تهتزّ نافيةً في حماسٍ .. هل تظنه خالتُه طفلاً ؟! بالطبع لا !

سينام هذه الليلة في بيت جده وجدته ، في الغرفة التي كانَ يشغلُها كلٌّ من خالتِه وأمِّه .. وبما أنَّ سريرَ أمِّه صار فارغًا ، فقد منحَتْه له خالتُه .. سريرًا كبيرًا له وحدَه !

وفي الصباح سيعود إلى بيت والدَيه بعد أن قاما بالـ ( ريكونيكتْ) ، الذي يعتقدان أنه لا يعرف اسمَه .. ولكنّ خالَتْه قد أخبرَتْه به .. وإن لم يكنْ يدري بالضبط ما هو .. ولكنّ الأسماء مهمة ..ولذا فإنه يحب خالتَه مانحة الحكمة ..
كما يسرّه أنّ ذلك الـ ( ريكونيكتْ) قد قضى على الصراخ في بيتِهم … الأمور جميلة ..
والحلوى التي اشترَتْها له خالتُه _ مع أنّ أمّه تمنعه من شرائها لأنها ضارة بالصحة _ لا تزال بقيّتُها في جيبِه .. وسيأكلُها فيما بعد على مهلٍ ، حتى لا تفرغ قبل أن تعود خالتُه لأخذه في الخميس المقبل .. وتعود لمنحه حلوى جديدة تكفيه بقية الأسبوع ..إنه يحب خالتَه مانحةَ الحلوى ! ..
ولعلها تخبره بالمزيد من الأسرار المقدسة لدنيا البالغين !

هؤلاء الذين يهبون الحكمة لا يمانعون في أكل الأشياء اللذيذة .. هذا درسٌ مهم في الحياة !

***
يوم : ( 1 )

– « سآخذه لبعض الوقت ، هذا سيحل المشكلة .. صدقيني .. »

الرأسُ تبتعد قليلاً عن صدري ، لتنظر أختي إليّ في دهشةٍ ، ثم نفطن جميعًا في نفس اللحظة لما حدث :

– « لن أخطفَ زوجكِ الذي تخافين أن يطلقكِ بالفعلِ .. النساء ! »

وتهزّ هي رأسَها في اعتذارٍ :

– « آسفة ، إنَّ كلَّ هذا قد ترك أثرَه على قدراتي الذهنية … »

ثمَّ رجعَتْ لما كنْتُ أقولَه – بعد إزالة ما لحق به من تحريفٍ .. فعلا وجهَهَا _الذي لا تزال فيه آثارُ البكاءِ_ أماراتُ الشكِّ :

– « لا أعتقد أنَّ ( ماهرًا ) يقبل أن يقضي بضعة ساعاتٍ خارج البيتِ ، وبعيدًا عني وعن والدِه ، كما أنَّ ( بابا ) يكره الأطفالَ .. أنا لا أعرف كيف ربَّانا أصلًا … »

– « دعي هذا عليّ .. قبولُ ( ماهر ) ، وفوبيا الأطفال لدى ( بابا ) .. سأتغلبُ على هذه وتلك .. وانتبهي أنتِ لدوركِ ؛ إن لمْ تكنْ لديكِ ملابس داخلية جديدة فاشتري واحدةً ! »

وقعُ المفاجأة على الوجه الحبيب .. لقد كنْتُ دائمًا ما أميل إلى هذه التعليقاتِ .. وكانتْ دائمًا ما تستحي بسببها .. حتى بعد زواجِها ؛ لا زالتِ الآنسة أجرأ من ( المدام ) .. فلأتمادَ :

– « لا أعتقد أن الأمر مقصورٌ على الملابس المثيرة .. بالنظر إلى ملامح وجهك المفاجأةِ .. أعتقد أنَّ زوجَكِ له حقٌّ في شعوره بالملل .. أنا لا أدرك كيف أنجبْتما (مـ .. »

تلك النظرة التي ردَّتْني ستَّ سنين إلى الوراءِ ؛ عندما كانَتْ في الجامعة ، وكنْتُ في الإعدادية ! ، وكأن النظرةَ لا تكفي فقد شاركها الصوتُ الناهي :

– « ( حنان ) ! »

– « آسفة »

تبًّا ! إنها لا تزال أختي الكبرى ، ولديها بعض السلطات الأموميّة عليّ .. على أيّةِ حالٍ .. بقية الخطة ..توجهْتُ لغرفة الصغيرِ ، وأنا أناديه :

– « ( ماهر ) ! »

يقتربُ مني ، فأحملَه ، وأعود لغرفة ( الصالون ) ، وقد مسحَتْ أمُّه دموعَها بالكاد ، فأكمل خطتي :

– « هل ترغبُ في أن نعودَ معًا لبيت ( جدّو ) .. هناك الكثير من الحلوى هناك ..؟ »

الأم تتدخل في حوارٍ لم تُدْعَ إليه :

– « معظم الألوان الصناعـ »

الابنُ الذي سمع ذلك الاعتراضَ مراتٍ من قبْلُ – يجدُ فيّ ملجأً :

– « نعم ! »

– « فكذلك إذًا .. دعْنا نترك عدوّةَ الحلوى هذه في البيت الخالي من الحلوى .. ونأكل كل ما نريده في بيتنا »

– « نعم ! »

– « ( حنان ) ، لا حلوى بألوان صناعية ، ولا طعاماً غيرَ صحيّ ، وإلا فلن أسمحَ له بالخروج ! »

– « إنَّ ما لا تعرفينه لن يضرَّكِ ! .. سأعيده غدًا ، في الصباح المتأخر .. هل انتبهْتِ لجزئية : (المتأخر ) هذه ؟ »

– « ( حنان ) ! »

– « قل وداعًا لـ ( ماما ) يا ( ماهر ) ! »

لوَّح الصغيرُ بيده لأمِّه ، وهمسْتُ أنا لها :

– « فقط ركزي على دورِكِ »

ثم انصرفْتُ ومعي وليّ العهدِ الذي يهدد عرشَ أبويه !

***
يوم : ( 300 )


– « هل يمكنني أن أحملَها ؟ »

– « على مهلٍ .. انتبهْ للرأسِ ! »

اليدان الطفوليتان تحيطان بالجسد الرضيع ، والأم تتوقع أن تبكي رضيعتُها في أية لحظة .. ولكنّ الرضيعة تبدو منشغلةً بالوجه الجديد الذي تتطلع إليه :

– « أنا أخوكِ يا ( حنان ) »

عندما يحاول الطفلُ أن ينزل بلكنتِه الطفولية لمرحلة أعتى في الطفولة حتى تفهمه أختُه الرضيعة.. هؤلاء الملائكة ! ..

ويبدو أنّ ( حناناً ) فوجئتْ بأنّ أخاها يتكلم .. فبدأتْ تحرك عينيها الصغيرتين بحثًا عن أمِّها .. وأماراتُ الاقترابِ من البكاء تتراكم على محيّاها ..

تلتقط الأمُّ الطفلةَ من يدي أخيها .. وتحاول مواساتَه :

– « إنها لا تزال صغيرة .. يومًا ما ستكبر ، وستكونان صديقَينِ مقرَّبينِ »

– « مثلكِ أنتِ وخالتي ( حنان ) ؟ .. كلتاهما ( حنان ) ! »

العقلُ الصغيرُ وصل للمصادفة وحدَه ! … والأمّ التي تعلم أنها ليسَتْ مصادفةً تبتسم له :

– « تمامًا مثلي أنا وخالتُكَ »

هذا التشبيه بدنيا البالغين يبعث في الطفلِ مشاعرَ الزهوّ .. لقد صار أخًا كبيرًا بعد أن كان طفلًا صغيرًا .. يا للمسئولية الضخمة !

***
يوم : ( 1 )


بابُ الشقة ينفتح .. لا أحدَ في استقبالِ الملكِ ! .. ولكنَّ صوتَ اصطدام أدواتِ الطبخِ يأتيه من المطبخ ..

يشعرُ بالاستياء بسبب تأخره ، ولكنه يواصل الخطو المثقلَ إلى غرفة الجلوسِ .. حتى يأتيه صوتُ زوجتِه – مرتفعًا كي يصلَه من المطبخ :

– « على وشْكِ الانتهاءِ من التسخين .. لقد جهَّزْتُ لك العشاءَ قبل ساعتَين ! »

والمعنى المبطَّن لهذه الجملة : لماذا تأخَّرْتَ ؟ .. وأجابَ من بين أسنانِه :

– « لقد جدّ شيءٌ ما في العملِ .. »

الصوتُ المرتفع يأتيه من المطبخ :

– « المعذرة ؟ لم أسمعْ ما قلْتَه ! »

– « مـشكــلــةٌ فـي الــعــمــلِ !! »

ما الداعي إلى الصراخ ؟ .. أنْ يصلَ صوتُه إلى المطبخ ؟ لقد وصل إلى مطابخ العمارة كلِّها !

أصواتُ إعدادِ الطعامِ تتوقَّفُ قليلًا .. وكأنه احتجاجٌ صامتٌ من ربة البيتِ على هذه الإجابة الصارخة .. يبدو أنَّ الليلة لا تسير إطلاقاً إلى خيرٍ.. الصمْتُ يستمرُّ قليلًا .. وكأنَّ الزوجةَ تزن خياراتِها ، ثم قبلَ أن تسأله عن سبب عدم اتصاله ليخبرَها أنه سيتأخرُ .. جاءَها سؤالُه :

– « هل ( ماهر ) نائم ؟ »

لم يكنْ من عادته أن ينام في العاشرة مساءً .. وأمّه لا تطيق مفارقتَه ، فأين هو ؟

– « على الأغلبِ لا .. ولكني لا أدري .. إنه مع خالتِه .. أتدري ماذا ؟ .. سأتصل بها لتعيدَه » ثم أضافَتْ لنفسِها : (لقد كانتْ خطةً فاشلةً من البداية .. )

الزوجُ ينتبه إلى ما يجري بعدَ فواتِ الأوانِ .. يحاولُ الاستدراكَ :

– « ولكنْ ربّما يكون قد نام بالفعلِ .. والمواصلاتُ الآن .. »

تقاطعه الزوجةُ التي تركَتْ المطبخَ جهة الهاتفِ :

– « إنه لا ينام في هذا الوقتِ ..وأبي سيقله بسيارتِه .. إنه على الأغلبِ سيكون مسرورًا بالتخلص منه .. لا مشكلة »

بل هناك مشكلة .. المشكلة أنَّ الطريق من المطبخ إلى مكانِ الهاتف بالنسبة للجالس في غرفة الجلوس .. يصلح ممرًّا لعرضِ الأزياء .. وما ترتديه الزوجة _ عملاً بنصيحة أختِها _ كان ( أزياءَ)..
ولذلك فالمحاولة الخجولُ من الزوجِ لثني همة زوجتِه عن إجهاض الخطة قد استحالَتْ محاولةً عنيفةً ؛ في ثوانٍ كان قد هرع إلى سلك الهاتف ونزعه من المقبس .. لو لمْ تكن الزاوية ملائمةً لنزعِه ، لكان تمزَّق السلكُ في يده ..

– « إن الخط مقطوعٌ للأسفِ »
يعلم أنَّ هذا غيرُ كافٍ لمحو شهورٍ من المقارعاتِ .. ولكنه يحاولُ .. وزوجتُه ترد في حيادٍ – لا غضب ، لا رضا ، لا ابتسام ، لا تقطيب :

– « سأعودُ لتسخين الطعام »

كانتْ تعلم أنه يلتهمها بعينيه في طريقِها إلى المطبخِ .. ولكنَّ هذا لم يخفِّفْ من استيائها ؛ هي لا تريد أن تعامَلَ كجسدٍ ؛ شيءٌ من الاحترام سيكون أنجعَ ..

– « أنا آسف ! »

الصوتُ يأتيها من خلفها .. فيذيبَ بعضَ الجليدِ ، ولكنّ الجليدَ متراكمٌ من مدةٍ بعيدةٍ ، فلن تزيلَه كلمتان !

– « لا مشكلة ، لقدْ كانتْ هناك ظروفٌ في العملِ »

هي تعلم أنه لا يعتذر عن تأخرِه ، ولكنّها _عامدةً_ تُخَفّفُ تركيزَ اعتذارِه بتوجيهه إلى حدثٍ واحدٍ ، وليس إلى شهورٍ بأكملِها ..

الكتفان يعلوان في حيرةٍ ، ولكنّ الزوجةَ في طريقِها إلى المطبخ لا تراهما .. الكتفان يهبطان في يأسٍ بينما يهمس الزوجُ :

– « ( سماح ) .. أنا أحبك .. »

لو كان صرخ بهذه بدلاً من تلك .. ولكنّ التفاهاتِ دائمًا أعلى صخبًا .. وعواطف القلب يضيع صداها وسط اللغط .. لمْ يصلِ الهمسُ إلى أذني الزوجةِ .. وسرعان ما آواها مطبخُها ، وعاد صوتُ قرع المعالق للحلل ليصل إلى زوجِها الواقف في مكانه في حيرةٍ .. عقلُه يحاولُ البحثَ عن مدخلٍ جديدٍ للكلام .. خطأ واحدٌ آخرُ .. قد يعجِّلُ بكلِّ شيءٍ إلى الهاوية … هل عليه أنْ يتبعَها إلى المطبخِ ؟ .. هل ينتظرُ ؟ .. هل يقولُ شيئًا ؟ .. هل يصمتُ ؟

صوتُ الخطواتِ يقتربُ .. تخرجُ صاحبتُها من المطبخِ وهي تحمل له طعامَه .. وهو لا يريد الطعامَ بل يريدها هي!

الطعامُ يستقر على الأرض ؛ واحدةً من تنازلاتٍ كثيرةٍ قدَّمَتْها له في بداية زواجِهم : ما دام زوجُها قد اعتاد أن يأكل على الأرض فسنستعمل المائدة لرص الكتب ! .. أين ذهبَ هذا كلّه ؟

– « ستظل واقفًا عندَك ؟ »

– « … »

يداه تعلوان وتهبطُان .. إنه لا يدري ماذا يصْنعُ .. وتشعر بالأسى له .. لماذا لا تمنحه فرصةً أخرى ؟ ..

تحاولُ أن تَزِنَ ما ستقدمه له بالميزان ؛ لئلا يتوهم أنَّ كلَّ شيءٍ صار على ما يرام ، أو أنَّ دَينَه قد سُدِّدَ بتمامِه :

– « الأكل سيبرد ، وسأضطر حينَها لتسخينه مرّةً أخرى .. من أجلك »

هل هذا أقلُّ مما رغبَتْ في منحه أم أكثر ؟ .. ولكنْ يبدو أنه مستعدٌّ للتعلق بأي شيءٍ :

– « من أجلي ؟ »

هل تزيد ؟ .. نفسُها تأمرُها بأن ترسخ وتتزن ، ولكنّ منظرَه مثيرٌ للشفقة .. لقد تبخَّرَتْ تلك العدوانيّة المنفّرَة .. وحلّتْ محلّها هذه الهيئة التائهة .. إنها تَرِقّ له ؛ ستعطيه فرصةً أخيرةً :

– « بما أنك لن تذوق شيئًا ساخنًا آخرَ هذه الليلة ! »

طفْلٌ في متجر حلوى ؛ هذه هي ملامح زوجِها في هذه اللحظة .. ولكنّه يريدُ أن يستوثق أن المتجر مغلقٌ ، وأنّ أحدًا لنْ يُفْسِدَ عليه حفلتَه :

– « ( ماهر ) عند خالتِه ؟ »

الابتسامةُ تتغلبُ على الشفتين .. هذا هو الأحمق الذي تزوجَتْه .. ولكنّ أشباح الماضي لا تفارقُ ذهنَها بعدُ .. وعلى الرغمِ منها :

– « هل تريد أن تلحقَ به أمُّه عند خالتِه ؟ »

لماذا قالَتْ ذلك ؟ .. إنّ بعض الأقوالِ والأفعالِ لا تُمْحى بسهولةٍ من الذاكرةِ .. وهو من قال ذلك ؛ لماذا قالَ ذلك ؟

– « منِ الحمارُ الذيْ لمَّحَ إلى ذلك ؟ »

إنه يوشكُ على تسوية الدَّينِ .. بقيَ هناك زرٌّ واحدٌ عليه أن يضغط عليه :

– « أنا فعلًا آسف .. على كلِّ شيءٍ .. وعلى هذا التلميحِ بالذات ! »

بإمكانِه أن يكذبَ على من شاء ، ولكنْ ليس على هذه .. لو لمْ يكنْ صادقًا في أسفِه لفطِنَتْ له :

– « الأكلُ سيبرد »

– « ليس وأنتِ بجوارِه ؛ الأقربُ أن يحترقَ »

الابتسامةُ هذه المرة لا تتنازع مع أشباحِ الماضي ، بل خلا لها الوجهُ .. زوجُها يتظاهرُ أنه لا يصدّقُ أنّ كل هذا قد أتيح ، فيتصنع القلقَ وهو يسأل :

– « واثقة أنّ ( ماهرًا ) عند خالتِه ؟ »

حبلُ الكلامِ يقصرُ رويدًا رويدًا مع اقترابِ الزوج من زوجتِه .. وتريد أن تكون لها الكلمةُ الأخيرةُ :

– « لن يُلْهيَني عنك أحدٌ هذه الليلة يا صغيري ! »

واشتعلَ الطابخُ والمطبوخُ له ..

وبردَ الطعامُ !


— ( تـمَّـت ) —

قصة : جنازةُ محاربٍ ، وماضِيْ مَلِكٍ ، وأمانيُّ أميرٍ ( م / م )


قصة : جنازةُ محاربٍ ، وماضِيْ مَلِكٍ ، وأمانيُّ أميرٍ  ( م / م )

هذه القصة تقعُ بعد وقوعِ أحداثِ قصةٍ سابقةٍ بعنوانِ ( ابن ( المكب ) والقصر الملكي ) فيرجى مراجعةُ تلك أوَّلًا ، وهذا رابطُها :-

http://tamerfaryak.blogspot.com/2016/07/blog-post_10.html

– بضعة تنويهات :

تنويه 1 : هذه القصة تعمد في كثير من أجزائها إلى استخدام لغة قد تعد مرتفعة قليلاً عن عربية الجرائد والصحف ، فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد نوهنا به .

تنويه 2 : تصوِّرُ القصة في معظمها علاقةً ذات طابع جنسي بين ذكورٍ ؛ واثنان من هؤلاء تجمعهم صلة قرابة من الدرجة الأولى فيما يُشار إليه بالإنجليزية بـ Incest ، وإن يكنْ خيالاً .. فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك ، فقد نوهنا به .

تنويه 3 : مما تشمله تلك العلاقة ذات الطابع الجنسي ما يقترب من أن يكون ما يعرف بالإنجليزية / بالإنكليزية بـ

Erotic Spanking

فإن كان هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

تنويه 4 : هذا العمل ضرب من الخيال لم يقع ولا أجزاؤه ، ولا قَصَدَ إلى تصوير ما وقع بكليته أو بجزء منه ، وشخصياته ليست محاكاة لشخصيات واقعية وأي تشابه بينها وبين أي شخصية واقعية حية أو ميتة علمنا بها أو لم نعلم محض صدفة ، وأي حثٍّ على فعل أو على الامتناع عن فعل بناءً على ما في القصة مما تُوُهِّم أنه مغزى فهو غيرُ مقصود من المؤلف ، وليس حثاً على الحقيقة ، ومتى وقع الفعل الذي تُوُهِّم أنه حُثَّ عليه فالفعل مسؤولية / مسئولية فاعله ولا يسأل المؤلف عن ذلك .

فإن كان أيٌّ من هذا مما يسوؤك / يسوءك فقد نوهنا به .

– القصة :

( 1 )

الوجومُ يخيِّم على القصرِ الملكيّ .. والأعلامُ الملكيّة الذهبية والزرقاء قد نُكِّسَتْ حتى لمسَتْ ترابَ وبلاطَ القصرِ … أصواتُ همهماتٍ تَصِلُ إلى أذنِ الملك الحزين المتكوّمُ على عرشه .. ولكنه لا يعيرُها اهتماماً .. بينما يحدِّقُ في الفراغِ كأنّه يمنحُ الفرصةَ لعقلِه أن ينشغلَ بالماضي ولا يغوصَ في التفاصيلِ المريرة للحاضرِ المفجع؛ الكثيرُ من الذكرياتِ السعيدة قد اقتصر الماضي على امتلاكِها ، فلنفزَعْ إليه .. ويطيع العقلُ سيَّدَه وملِكَه .. فيبدأ في الدوران كشريطٍ سينيمائي ليعرض صور الأيام الخوالي على الملك المفجوع ..

***

– ” حارسًا شخصيًا ، يا سمو الأمير ؟ “

– ” نعم ، يا جلالة الملك .. إذا تكرَّمَ جلالتُكم “

كان هذا حوارًا يدور بين ابن وأبيه ، وليس في المكان غيرهما .. ويعلم كلا الطرفَينِ أنَّ الدافع من وراء الحوارِ يتعلق بأمور الجنس .. ومع ذلك فلا بد من (سمو) ولا بد من (جلالة) !

كان الملك قد أخبره اللواءُ (شكري)  بتفاصيل الترتيبات الجديدة التي اتخذها فيما يتعلق بـ ” مشكلة ولي العهد ” كما كان الملك يحب أن يسميها .. وبدا له الحل مقبولًا ، ما دام شكري هو من يؤكد على ولاء ذلك الضابط صغير السن وأنه ثقة  ، وشكري ثقة ، وثقة الثقة ثقة .. ولكنّ الحارس الشخصي هو منصبٌ خَطِرٌ ..

– ” إن الحارس الشخصي منصب خطر ، فهو سيلازمك طيلة الوقت .. وبالنظر إلى .. إمم .. طبيعة العلاقة بينكما .. وبالنظر إلى عدم تعوّد ذلك الضابط على المراسم الملكية  .. وبالنظر إلى كون افتضاحِ ” طبيعةِ ” علاقتِكما خطرًا على المملكة كلها .. بالنظر إلى هذا كلِّه .. فربّما يكون من الأنسب أن يبقى الضابط في منصبه ؛ أحدَ حراس القصر “

بدا الحزنُ على وجه وليّ العهدِ ، فَرَقّ له أبوه ..

كان هناك دافعٌ آخرُ غيرَ حنان الأب يدفع الملكَ إلى إجابة ابنِه إلى طلبِه ؛ منذ جاء هذا الضابط إلى القصر وقد صارَ الأميرُ متفرِّغًا تماماً لواجباته الأميرية .. صار مشروعَ ملكٍ ناجحٍ ، بعدما كان تلميعُه أمامَ الرأي العامّ يحتاج جهودًا مضنيةً من مسئول القصر الملكي لشئون العلاقات العامة .. كان هذا تطوّرًا إيجابيًّا مهمًّا .. ولا يرغب الملك في المقامرة به .. ولذا فقد أضاف :

– ” على أيّة حالٍ ، فمعظم تلك المخاوف من الممكن إزالتُها إذا خضع الضابط لدوراتٍ مكثفة على يدي مسئولي التشريفات الملكية ، ومعلمي الآداب الملكية .. ولكنَّ هذا سيستغرق منه بعضَ الوقتِ .. ثمّ بعدَ ذلك بإمكانِه أن يكون حارسَك الشخصيّ “

بدا وقعُ الكلمةِ جنسيًّا حتى على أذن الملك نفسِه .. فحاول طرد الصورة الذهنية التي تصاحبَتْ معها سريعًا .. وسرّه أنّ أساريرَ وليِّ العهد قد تهللَتْ لهذا النبأ .. ثم عاد عقلُه يربط بين تهلل أسارير ابنِه وبين سببِها الحقيقيّ ، فعادَتِ الصورةُ الذهنيّة تغزو عقلَه .. ووجد نفسَه مدفوعًا ليسأل ابنَه :

– ” هل لي أن أسأل عمَّا يحدث بالضبـ .. “

– ” لا ! .. أعني .. جلالتَكم .. أنا آسف على مقاطعةِ جلالتَكم .. ولكنْ .. أعني .. ربما من الأفضلِ أنْ .. “

– – ” صدقْتَ ، ربما من الأفضلِ أن يبقى الأمرُ سرًّا حتى عنّي أنا ، هل هناك أحدٌ غيركما يعرف بالتفاصيل ؟ “

– ” لا أحدَ باستثناء الأميرة ( ليلى )  “

– ” إن الأميرةَ ( ليلى ) ثقة .. لا بأسَ …  بإمكانك الانصرافَ الآن يا سموَّ الأميرِ “

فقبَّل الأميرُ الأرضَ بين يدي أبيه ، وانصرف ..

وفي تلك الليلة عندما اجتمع الأميرُ بـ ( سيف ) في مخدعهما الملكيّ – وقد جلس هذا في حِجْرِ ذاك عارَيَيْنِ –  .. أبلغه بالأنباء الجديدة ، وكانَ سردُ الأميرِ متقطّعًا بسبب انشغال فمه بين كل كلمة والأخرى بشيءٍ آخرَ غير الكلام .. وعندما أتمّ الخبرَ ، قال له ( سيف ) :

– ” المعذرة ، ما الذي كنْتَ تقوله ؟ لقد كنْتُ منشغلاً بشيءٍ آخرَ .. “

ضحك الأمير المراهق وقبّل حبيبَه قبلةً اخيرةً ، ثم قال في سردٍ غير متقطع :

– ” لقد وافق أبي على أن تكون حارسي الشخصي بشرط أنْ تخضع لدورات مكثفة في المراسم الملكية وآداب الملوك .. وأشياء أخرى سخيفة .. “

– ” إنها أشياء أخرى سخيفة بالنسبة لك ، ولكني أكره التقيد بهذه البلاهات .. إنّني أشعر بالاختناق كلما ارتديْتُ هذا الزيَّ الموحد الذي أُجْبَرُ على ارتدائه ، فما بالك بالإتيكيتات الملكية ! “

– ” إن هذه الروح المتمردة هي أكثر ما يعجبني فيك .. ولكنْ إنْ أردْتَ أن نبقى معًا طيلةَ اليومِ .. ولا تكونُ زياراتٌ متباعدة .. فهذا هو السبيل “

كان الضابط قد اعتاد أن يحصل على ما يريده بقوّة قبضتِه وقوّةِ مُدْيتِه وقوّة مسدسِه.. ولكنْ هذه المرة لا سبيلَ لما يريده إلا بالإذعان والممالأة .. كان هذا شعورًا ممضًّا :

– ” هناك بديلٌ آخرُ : أنْ أخطفَك من هذا القصرِ ، ونعيش وحدَنا بلا قيود ولا مراسم ملكية ! “

– ” لم يمْضِ عليك سوى شهرين .. وقد بدأتَ بالفعل التخطيطَ لخطفِ وليِّ العهدِ ! .. ولكنْ بعيدًا عن الهزلِ : الأمرُ ليس بهذه الصعوبة ، أنت لا تُعَدُّ لتكون مستقبِلاً ملكيًّا للوفود الأجنبية .. كلّ ما في الأمر أن تعرف كيف تنحني ، وكيف تخاطب أصحاب الرتب المختلفة ، وأشياء من هذا القبيلِ..ولكنَّ الأهم من هذا وذاك هو أن تعرف كيف تُبْقِي يديك لنفسكَ عندما لا نكون وحدَنا ! “

كانَتِ اليدان تتجولان صعودًا وسفلاً وقبْضًا ومسْحًا على كلِّ ما تمران به من جسد الأميرِ الذي يحاول جاهدًا التركيزَ فيما يقوله ..

– ” لنفرِضْ جدلًا أنَّ هذا ” التهذيب ، والتمدن ” لم يأتِ بنتيجة ، وأنني فعلْتُ بك أمامَ الناسِ ما أفعله بك الآن … ما الذي سيحدث ؟ “

– ” سيضطرون لقتلِك ، والقولِ أنَّ ما فعلْتَه _ مما رآه الناس _ لمْ يكنْ بإرادتي ؛ ” لأنّ وليَّ العهدِ لا يشعر بهكذا مشاعرَ مع من يماثله في الجنس ويقل عنه في الرتبة ” .. وتموت أنت في سبيل تلميع صورتي ! “

– ” هذا خطِرٌ يا ( حسّان ) .. قد يموتُ حرسُ القصرِ الملكيّ كلُّهم وهم يحاولون صنْعَ ما ذكرْتَه قبلَ قليلٍ  “

ضحك الأميرُ على غرورِ الضابطِ ، ثم قال :

– ” حتى لو كان فيهم ( شكري ) ؟ “

نظرَ ( سيف ) في وجه أميرِه في تحدٍّ ، ثمّ قال :

– ” هذا سيجعل الصراع متكافئًا إلى حدٍّ ما ، ولكني لا أزال أعتقد أنني سأنتصر .. على أيّةِ حالٍ ، يُفْترَض بدروس الإتيكيت هذه أنْ تحول دون وقوع تلك المعركة من قبل أن تبدأ ..أليس كذلك ؟  “

– ” بالضبط .. وهذا أفضلُ للجميع .. ستعاملني في الأماكن العامة على أنني أنا الأمير رفيع القدر وأنت مجرد حارس شخصي .. فإذا أصبَحْنا وحدَنا صرْنا متساويين ! “

– ” متساويان ؟ .. ألا يُفْترَضُ _ إحقاقًا لمبدأ المعاملة بالمثل _ أن تكون أنت الأعلى أمام الناس ، وأنا الأعلى في خلوتِنا ؟ “

– ” هل ترى في نفسِك المؤهلات الكافية للمطالبة بهذا الوضع المعكوس ؟! “

كانَتِ الكلماتُ تقطرُ عسلًا .. والعينان تشعان رغبةً وعبثًا .. و( سيف ) ينظر إلى أميرِه الفتّان وهو يتظاهر بالجلد والبأس .. والمنظر يخلبُ لبَّه ..

– ” وضعٌ معكوسٌ ؟ “

– ” إممهم .. أنا الأميرُ فلا تنسَ ذلك ! “

– ” بالطبع .. وكونُكَ أميرًا ، وملكًا فيما بعدُ .. يجعل من الغريبِ أنْ تنام  مستلقيًا على بطنِكَ _ لأسباب كثيرة _هذه الليلة .. أليس كذلك ؟ “

– ” بالضبط ؛ إنني أحاول تصوّرَ الفكرةِ مجرَّدَ تصوّرٍ .. فلا أستطيع “

الابتسامتان تزدادان اتساعًا .. بانتظارِ من سيفقد قدرتَه على التظاهر بالجدِّ أوّلًا ؛ فيستغرقَ في الضحكِ … وكان ( سيف ) يرغب في الفوزِ :

– ” لذا لنفرضْ أنَّ هذين .. المعذرة : ما اسمُ هذين مرّةً أخرى ؟ “

– ” هذان اللذان تقبضُ عليهما بيديك الآن ؟ “

– ” نعم . “

– ” أعتقد أنّ البعْضَ قد يدّعي أنهما ردفاي ، ولكنَّ هذه دعوى غريبة ، فمن أين لحارسٍ في القصرِ أن يقبض على رِدفَيْ وليّ العهد ؟ “

– ” دعوى غريبة بالفعلِ .. ولكنْ لنفْترَضْ أنّها حقيقية .. فحينَها .. لو زحزَحْتُهما بقبضتيّ حتى انفرجَا ، ودسَسْتُ إصبَعًا فيما كشفَه انفراجُهما .. كما أفعل الآن .. فأين كان ليكون هذا الإصبع ؟ “

كان من الصعبِ التركيزُ الآن .. ولكنّ الأميرَ جاهد ليمنع آهتَه الجنسية :

– ” أنا .. لا أجيد .. التشريح ، ولكني أعتقد .. أنه _ وفقًا لوصْفِكَ _ .. سيصبح ذلك الإصـ .. آآه “

– ” المعذرة ، ما الذي كانه ذاك ؟ “

– ” كفّ عن التساخفِ ، وواصلْ ما بدأتَه ! ”

– ” للأسفِ أنا لا أستطيع ذلك .. حتى تسمّيَ الأشياءَ بأسمائها ! “

– ” هذا استغلالٌ دنيءٌ “

عادَ ( سيف ) ليواصلَ ما بدأه ، ثم توقف فجأةً ، فكاد ( حسان ) يجنّ :

– ” إن لمْ تستمرَّ الآن .. فسآمرُ بـ .. بــ .. “

– ” بماذا يا أميري المدلَّل ؟ بضرب عنقي ؟ ولكنّ هذا سينُهِي قدرتَي على تحريك أصابعي ، وتحريك ما هو أكبر من أصابعي .. وأعتقد أنَّ هذا هو ما ترغبُ فيه .. أليس كذلك ؟ .. فضربُ عنقي ليس حلًّا ! “

– ” أرجوووك .. “

– ” هذا أليقُ .. ترجوني ماذا ؟ “

إن كان للعينان لغةً .. فقد تكلمَتْ عينا ( حسان ) شِعْرًا .. شعرَ رغبةٍ ومجونٍ وتوسّلٍ .. ولكنَّ ( سيف ) كان مصرًّا على أن تصله الرسالة بلغة اللسان لا بلغة العينين ..

– ” ترجوني ماذا ؟ “

– ” أ.. أ.. أنْ تُدْخِلَه فيه “

ثم غطَّتِ اليدان الوجهَ خجلاً ..

– ” هذا غير كافٍ يا صغيري .. الضمائرُ لا تُحْسَبُ .. أنا أريد أسماءً بلا كناياتٍ حتى ! “

كان الخدّان يزدادان احمراراً ، ومع ذلك يأبى اللسانُ أن ينطق .. فهزّ ( سيف ) رأسَه في يأسٍ ممزوجٍ بالاستمتاع بالموقف :

– ” الغريبُ أنني أفعل بك ذلك بشكلٍ شبهِ يوميٍّ .. ومع ذلك فوصفُ ما حدث بالفعلِ – هو ما يُخْجِلُكَ أكثرَ من الفعلِ ذاتِه .. إنَّ الإنسانَ كائنٌ غريبٌ بالفعلِ .. أتدري ماذا ؟ سنكسرُ حاجزَ الخجلِ من التسمياتِ هذا .. انهضْ .. ثمَّ تمدَّدْ لي على السريرِ “

وكأنَّ الأمْرَ باللسان لمْ يكفِ ، فقد بدأتْ راحةُ اليدِ تصفع الردفين الشهيين صفعاتٍ قصيراتٍ كالتربيتِ ، كأنّها تحثّ صاحبَ الردفين على النهوض .. فنهض ثم استلقى على السرير كما أُمِرَ ..

– ” الجهةَ الأخرى يا عزيزي ! “

تقلّبَ الأميرُ محترقُ الخدَّينِ خجلاً .. حتى استلقى على بطنه .. وأخذ ( سيفٌ ) وقتَه .. ثم طغى على أوقاتِ الناسِ فأخذها أيضًا .. وكان المنظرُ الذي يلتهمه بعينيه التهاماً يجيزُ له هذا الطغيانَ ..

واو ! .. هذا منظرٌ يُرى ولا يُوصَفُ .. ولكنْ من بينِ الأعضاءِ المتناسقات العذباتِ كان الردفان الرجراجان ألوطَ بالقلْبِ مما عداهما …

وأراد ابنُ ( المكبِّ) أنْ يزيدَ خجلَ ابنِ الملكِ ، فقال :

– ” أتعرف تلك النكتةَ عن الرجل الذي فتح ثلاجتَه فوجد طبقًا من الجيلي يهتزّ ، فطَمْأنَه أنّه لن يأكلَه ! “

كان الخدَّان قد فاق احمرارُهما لونَ الدمِ ، فأضافَ ابنُ ( المكبِّ ) :

– ” للأسف ، ليس بوسعي تكرار النكتة بحذافيرِها ، فأنا سأبدأ بالتهام الجيلي ! “

وسار كالمنوَّمِ مغناطيسيًّا صوبَ ” الجيلي ” ، ثم تذكَّر شيئًا :

– ” آه .. فوبيا التسميات التي نريد التغلبَ عليها .. كاد المُسمّى يلهيني عنها .. فلنبدأ .. “

– ” لا ، أرجوك .. “

وقعَتِ الصفعةُ على الردفِ الأيمن ، فتوجَّع لها الأميرُ وتلذّذ بها في الوقتِ ذاته ، وحكى صوتَه قصّة هذا المزيج ..

– ” أيُّ تمنعٍ أو تلكؤٍ في الإجابات ، وستحلقُ بهذه الصفعةِ أخواتٌ لها .. مفهوم ؟ “

– ” نعم “

وإن لمْ يدرِ ( سيف ) بالضبط : أهذا تهديدٌ أم حثٌّ ؟ .. ولكنْ من يهتم ؟ .. كانَ الدرْسُ على وشكِ أنْ يبدأ .. والمدرس والطالبُ والمادة المشروحة كلهم على السريرِ .. ففيم الانتظار؟

– ” ما اسمُ هذا الشيءِ الذي أمسكُ به ؟ “

– ” أأ .. أأ … “

صفعةٌ ..

ذلك التأوّهُ الذي يحكي قصَّتَيْنِ ..

– ” نفس السؤال السابق مرةً أخرى ؟ “

كادَتِ الصفعةُ تهوي ، قبلَ أن ينطق ( حسان ) بصوتٍ يتسرَّبُ بصعوبةٍ من وراء حاجز الخجل :

– ” عضوي التناسلي  “

صفعة ..

– ” عضوك التناسلي ؟ ما هذا؟  درس أحياء ؟ ثم إنّ الأعضاء التناسلية كثيرة .. أنا أريد اسماً لهذا الشيءِ بالذات ! “

– ” أرجووك !  قلْه أنتَ وسأكرره أنا .. “

صفعةُ ..

– ” لماذا ؟ ألا تعرف أنتَ اسمَه حتى أخبرَكَ به ؟! “

كان الأميرُ يحاول أن يكون مطيعًا ، ولكنّ لسانَه قد صارَتْ له حياتُه الخاصة ، وهو يأبى ويتأبى .. وعلى الرغمِ منه انفجر :

– ” لا أستطيع ، صدِّقْني .. أنا لا أستطيع ! “

كان الأميرُ يحاولُ أن يُقْنِعَ حبيبَه ، دون أن يبدو وكأنّه يتحامقُ عليه ، فأرادَ حبيبُه طمأنتَه :

– ” ششش .. لا بأسَ .. لقدْ كنْتُ أظنّك تتمنّع .. نحنُ بحاجةٍ إلى كلمة سرية تخبرني بها إذا بلغْتَ نهايتَكَ .. أنا لا أريد أن آمرَك بما لا تستطيعه  “

– ” هذه فكرة لطيفة .. أنت لطيف ! “

– ” إن أخرَ ما أوصفُ به هو اللطفُ يا صغيري .. ولكني أحبك .. هذه أستطيع أنْ أقولَها – جِدًّا بلا تصنع .. “

– ” هل صرَّحْتَ بحبِّكَ لي قبل قليلٍ ، أم أنني أخطأتُ السمعَ ؟ “

كان هذا دورَ ابنِ ( المكبّ ) ليخجلَ .. والتفتَ الأميرُ برأسِه وراءَه ليرى ما الذي أعاق حبيبَه عن الإجابة ، فرأى حرجَه وحياءَه :

– ” أوه .. أهذا ما يخجلكَ ؟ .. إن الإنسانَ كائنٌ غريبٌ بالفعلِ ..  أنا أفضّلُ الخجلَ بسبب المصطلحات الجنسية عن أنْ أخجلَ بسبب إعلانِ مشاعري .. “

وكانَ هذا أيضًا دورَ ابن ( المكبّ ) ليفكّرَ فيما قاله الأميرُ ، وعلى الرغمِ منه صرَّح بصوتٍ عالٍ فيما يدورُ في ذهنِه :

– ” لقد قُتِلَ أبواي وأنا في السادسة ! هذا يجعلُ إعلانَ المشاعرِ عسيراً نوعاً ما ! “

كان الصوتُ فيه رنّةُ بكاءٍ ! ابن ( المكبِّ ) يبكي ؟! ..  وعندما أسرعَ ( حسان ) في نهضتِه من السريرِ ، ليعانقَ حبيبَه ، كانَ المحاربُ متصلّبَ المشاعر فد انخرط في البكاء فعلاً … لأول مرةٍ منذ اثني عشرَ عاماً .. شيءٌ ما خلال هذين الشهرين قد أعيدَ خلقُه في نفسِ الحارس الملكيّ الذي تحوّل إلى رجلٍ رغم أنفِه في ريعان الطفولة .. والآن يعود له شيءٌ من طفولتِه وهو في ريعان الشباب ..

كانَتْ هناك اتفاقات مسبقة ، وديناميكية سيطرة وخضوع ، ومعاقِبٌ ومعاقَبٌ ، وأعلى وأدنى ، وآتٍ ومأتيٌّ .. ولكنّ كلَّ هذا قد ألقِيَ به في سلة المهملاتِ .. وصارَ بكاءُ الأعلى في صدرِ الأدنى نحيبًا.. بينما هو يواسيه ويخفف عنه ..

وبعد دموعٍ كثيرةٍ ، كان حرجُ الموقفِ قد بدأ يحتلّ المكانةَ الأولى في عقل ( سيف ) ، فقال وهو يستعيدُ هيئتَه السابقة _ وكأنه يلوم نفسَه_  :

– ” يُفْتَرَضُ أنني محصًّنٌ من الدموع ! “

– ” ويُفْترَضُ أنَّنِي _كملكٍ قادمٍ_ محصَّنٌ من المشاعرِ ! .. الناسَ وما يفرضونه علينا !  .. ولكنْ ليس هناك ناسٌ هنا .. لا يوجد غيري .. وأنا أحبك .. ليس الصورة المفترضة ، بل ما أنت عليه … فافعلْ ما تشاء ! “

– ” إلى الأبد ؟ “

– ” إلى الأبد ! “

وعلى الرغمِ من أنّ ما فعله الشابّان بعدَها لم يختلفْ كثيراً من حيث الماهية عما فعلاه في ليالٍ كثيرةٍ سابقةٍ ، إلا أن سَبْقَه بهذه التصريحات وهذه الاعترافات قد جعله كأنه من جنسٍ آخرَ .. لمْ تعدْ هناك رغبةٌ زائفةٌ في إثارة إعجاب الطرف الآخر .. لا خوفَ مِنْ قبولٍ أو رفضٍ يستدعي منهما إخفاءَ شيءٍ أو التظاهرَ بشيءٍ … كانَ الأمرُ قد قضِيَ في تلك الليلة : إلى الأبد !

وقد كانَ !

***

وقد كان !

لقد أتى الأبدُ وصدَّق على صِدْقِهما ؛ فالآن ماذا ؟

كانَتِ الدموعُ على وشكِ أن تنهمرَ من مقلتي الملك محطم الفؤادِ ، فخاف مسئول التشريفات الملكية أن يدخلَ الملكُ في نوبةٍ جديدةٍ من البكاءِ ، فعاجلَه :

– ” جلالتَكم ، لقد حرصْنا على الالتزام بأوامرِ جلالتِكم ، وترك جلالتِكم بدون مضايقاتٍ ما أمكنَ .. ولكنْ .. جلالتَكم .. المعزّون على وشكِ الوصولِ ، وملابس جلالتكم … إلى حدٍّ ما .. بحاجةٍ إلى انتباه جلالتكم إلى طبيعتِها ! “

والمعنى المستتر خلف كل هذا التملق : غيِّرْ ملابسَكَ ، حتى تقابل الناس !

 كان الملكُ قد ألغى ما أمكنَه إلغاؤه من طقوس ورسميَّاتٍ ليتفرغ لحزنِه .. ولكنَّ العزاءَ الرسمي لم يكنْ من الملغيِّاتِ … لقد أراد الملك ( حسان ) أن يخلّد ذكرى حبيبِه الذي لا تزال علاقتُه به مجهولةً بالنسبة للشعبِ .. على الأقلّ سيعد عزاءً ملكيًّا رسميًّا له ، وسيدفنه في مقابر الملوك .. على الرغم من اعتراض الأسرة الملكية ، ومن صخب مسئولي التشريفات عندما أخبرهم بقرارِه ..ولكنه الملك .. والكلمة الأخيرة كلمتُه !

***

اصطفَّ الأمراءُ وكبارُ رجالِ الدولة ، ورجَّتْ جنباتِ القصرِ الألحانُ الجنائزية الملكية .. وقام المؤبِّنُ الملكيّ ليتلو خصال الفقيد :

–  ” جلالةَ الملكِ ، جلالةَ الملكةِ ، صاحبَ السموِّ وليَّ العهدِ ، أصحابَ السموّ الأمراءَ ، الحضورَ الكريمَ …

اليوم نجتمعُ لنذرف الدموعَ ونلفظَ الآهاتِ لفقْدِ عميدِ الدولة ، وفارسِ الحربِ والسلمِ ، وحارسِ مليكنا المفدّى طيلة أربعين سنةً ، اللواء : ( سيف كريم ) … “

كانَ صوتُ المؤبِّنِ يبعد شيئًا فشيئًا في ذهن الملكة ( مليحة ) ، بينما هي تنظرُ إلى مدافَعَةِ زوجِها لدموعِه ، ويستعيد ذهْنُها ذكرى زواجِها من ملكِها ..

***

– ” ابْنَ ملكِ (العامرة) ، يا سموَّ الأميرة ؟ “

– ” نعم ، يا جلالة الملكِ .. إذا تكرَّمَ جلالتُكم “

كانتْ ( مليحة ) لا تصدِّقُ حسْنَ حظِّها بينما هي تخوض هذا الحوارَ مع أبيها ..

 فعندما تقدَّم لها ابنُ عمِّها بعد بلوغِها الثامنة عشرة بأيامٍ ، كادَتْ تموتُ غمًّا .. وفاتَحَتْ ( ميرفت ) في الأمرِ ، فهدَّأَتْ ( ميرفت ) من روعِها ..وأخبرَتْها أنَّ المشكلة ليسَتْ في تقدم ابنِ عمِّها لها .. فأبوها يكره أخاه على أية حالٍ ، ويتمنى لو تقدم لابنتِه أميرٌ آخرُ .. المشكلة هي في البحث عن هذا الأمير الآخر .. ولكنْ ( مليحة ) لمْ تفْطِنْ لمراد ” وصيفتِها ” الوفيّة .. وسألَتْها :

– ” أميرٌ آخرُ ؟ وما الفارق ؟ “

– ” الفارق يا أميرتي ؛ أن ما يدعوكِ لرفضِ الزواج بابن عمكِ ، هو ما سيدعو ذلك الأميرَ الآخرَ إلى رفضِ الزواجِ بابنة عمه أيضًا “

– ” لم أفهم .. “

– ” أي أنه هو الآخر يشعر تجاه الإناث بما تشعرين أنتِ به تجاه الذكور .. “

– ” آآه .. هذا سيكون رائعًا حقًّا .. ولكنْ من أين لنا أن نجدَ أميرًا كهذا ؟ “

كانتْ هذه هي المسألة .. ولكنَّ البلاطَاتِ الملكيّة _مهما حرص أصحابُها _ تنتقل فيها الأسرارُ بسهولةٍ … وسرعان ما كانتْ ( مليحة ) على رادار ( حسان ) ، وكان ( حسان ) على رادار ( مليحة ) … واتفق الأمير والأميرة على الزواج الاسمِيّ ليتخلّصا من القيل والقال ..

وهي الآن تحاول إقناعَ أبيها ، وتعلم أنه لن يرفض ..

– ” ولكنْ لماذا الزواجُ من أميرٍ من بلاد بعيدة ، وقد تقدم لكِ ابنُ عمِّكِ ؟ “

– ” إن ابنَ عمي _مع كفاءتِه التي لا ينكرها أحدٌ_ ليس أخي ! “

– ” المعذرة ؟ “

– ” إن وليَّ العهدِ هو أخي ، وليس ابنَ عمي .. بينما أميرُ البلاد البعيدة ذاك – ( هسّان ) هو وليُّ عهْدٍ .. وأنا أرغبُ أن أصبحَ ملكةً في يومٍ من الأيامِ “

كانتْ هذه هي العلة الساذجة – من وجهة نظر ( مليحة ) – التي لقَّنَتْها إياها وصيفتُها – التي هي في الحقيقة حبيبَتُها- ( ميرفت ) .. ولكنّ أباها بدا مسرورًا بما قالَتْه ، وقال :

– ” طموحٌ مشروعٌ .. طموحٌ مشروعٌ .. تعجبني طريقة تفكيركِ .. ولكنَّ المشكلة أنَّ تلك البلادَ بعيدةٌ ، وجيشَها قويٌّ ، فإذا أساءَ إليكِ ذلك الأميرُ فلن أستطيعَ غزوَ بلادِهم لتأديبِهم .. “

– ” جلالتَكم .. لا يوجد غزوٌ وتأديبٌ في زواجي .. إنني أستطيع أنْ أغزو قلْبَ زوجي بلا جيوشٍ .. لا توجد مشكلةٌ هنا ! “

كان وقعَ كلمةِ ( زوجي ) في حد ذاتِه مقيتًا في أذنِها ، ولكنْ للضرورةِ أحكامٌ  ، وازدادَتْ ابتسامةُ أبيها اتساعًا .. وقَبِلَ ..

وفي قصْرِه الملكيّ كان الأمرُ أكثرَ تعقيدًا على ( حسان ) فوالدُه يدري طبيعة “المشكلة” ، وإن كان الأبُ الذي لا يزالُ يمنّي نفسَه أن تكون “مشكلة” عارضة لا دائمةً ، قد تصوَّر أنَّ ابنَه ربما يكون _ على الأقل _ قد وسَّع دائرةَ اهتماماتِه ، إن لم يكنْ نقلَها بالكلية من هذا الجنس إلى ذاك … ومِنْ ثمَّ  فقد قَبِلَ .. وسمّوا ميقاتاً للزواج..

وعندما حلَّ الميقاتُ جلسَتِ الأميرة في زينتِها إلى جوار ولي العهدِ في بهرجه ، وإلى جوارِ وليّ العهد وقف حارسُه الشخصيّ متأنِّقًا بحكم المناسبة ، وإلى جوار الأميرة وقفَتْ خادمتُها التي لا تقل عن مخدومتها جمالاً وفتنةً .. كان المنظر خالبًا للألباب .. أربعتُهم كملوا جمالاً وحسْناً ..

وقالَتْ إحدى وصيفاتِ القصرِ لصاحبتِها : تصوّري لو كان حارس وليِّ عهدِنا هو الآخرُ زوجاً لهذه الوصيفة ، كان هذان الثنائيان ليكونا أجمل أربعةِ أشخاصٍ في مملكتِنا .. ولم تدرِ الوصيفتان أنّ الأربعة مرتبطون بالفعل ، ولكنهما أخطأتا التوصيلَ !

ثم انفضّ المحفلُ ، ورجع وليّ العهدِ والأميرةُ إلى مخدعهما الملكيّ .. ومعهما الحارس الشخصيّ ( ليحميَ وليَّ العهدِ من الأخطار ! ) ومعهما وصيفة الأميرة ( لتقوم بخدمة أميرتِها ! ) .. ثم استغرق الحارسُ الشخصيّ في ” حماية ” وليِّ العهدِ في ليلة زفافه حتى أشرقَتِ الشمسُ … كما استغرقَتْ الوصيفةُ في “خدمة” أميرتِها طيلة الليل كذلك !

وفي صباحِ تلك الليلة خرج الزوجان حديثا الزواجِ معاً ليستقبلا التهانيَ ، بينما هما يتثاءبان من قلة النوم .. والحشد المهنئ يجاهد ابتساماتِه وهو يصوِّر لنفسِه منظرَ الزوجين متلهيين عن النومِ بما لا يخفى على أحدٍ – في الواقع باستثناء الحارس الذي يجاهد هو الآخر لإبقاء عينيه مفتوحتين ، وباستثناء الوصيفة التي بدأ رأسها في التطوح .. باستثناء هذين ، مضافاً إليهما الزوجان ، فإنَّ الجميع كان مخطئًا فيما يفترضه .. على الأقلِّ مخطئًا في ماهية الأطراف ، وإن لم يكنْ مخطئًا في طبيعة الفعل !

كان هذا قبْلَ أربعين سنةً ، ومن بين الأربعة ظل ثلاثةٌ أحياءَ ، وماتَ واحدٌ .. وكان هذا الواحدُ صديقًا للثلاثة الباقين ، ولكنه كان حبيبًا لأحدهم دون الاثنتين الأخريين .. كان حبيبَ الملكِ !

***

الألحان الجنائزية تعوي ألمًا ، والمغنيَاتُ قد بدأنَ في مزاوجةِ اللحنِ بأصواتِهنَّ ، فبدا وكأنَّ الكونَ كلَّه يحتضرُ .. حتى من لا يعرفُ شيئًا عن الفقيدِ ، كان يبكي للحنِ والغناءِ .. أمَّا من كان يعرف الفقيدَ .. من كان يعرفُ كلَّ شيءٍ عن جسد الفقيد وروحِه ، فهذا يتماسك بالكاد ، ولولا الحياءُ من العيونِ لشقّ الجيوب ولطم الخدودَ ..

وتُدْني ملكتُه يدَها من يدِه ليعتصرَها في حزنٍ .. إنها تفهم ألمَه .. يومًا ما ستموت هي أو تموت ” وصيفتُها ” ، وستتمنى الباقيةُ لو تخبرُ الناسَ بعلاقتِها بالفقيدة ؛ ( لقد كنْتُ أحبُّها ) .. ( نعم ، لقد كانتْ محبوبةً من الجميع ) .. ( ولكنني لسْتُ الجميع ؛ لقد كنْتُ أحبها وتحبني ) .. ( نعم ، لقد كانتْ تحب الجميع ويحبها الجميع ) .. هذا ليس كافيًا على الإطلاق … ولهذا تدنو الملكةُ من أذنِ ملكها وتهمسُ :

– ” لو كان حيًّا ، ورأى دموعَكَ عليه  لتأكدَ له قدرُه عندَكَ … أنتَ لم تكنْ مختاراً في إبقاء الأمر سرًّا .. لا تشعُرْ بالذنبِ ! “

كانَتْ تضع يدَها على الجرحِ ، وزادَتْ دموعُ الملكِ ، ولكنْ صاحبَها شيءٌ من الارتياحِ لمْ يشعرْ به منذ بلغه الخبرُ .. لقدْ حاولَ أن يقنعَ نفسَه بأنه فعل ما عليه .. ولكنْ منظرَ الناسِ ، وهم يتساءلون _ ولو بأعينِهم _ عن سبب هذه الجنازة الفخمة لـ ” حارس شخصي ” مهما كانتْ قدراتُه .. قد أعاد إليه الشعورَ بالذنب … وخفف من حدة ذلك الشعورِ ما قالَتْه الملكة ، ولكنّه لا يزال رأيَ طرفٍ واحدٍ من طرفي العلاقة ، فمال على أذنِها :

– ” هل هذا هو رأي ( ميرفت ) كذلك ؟ “

ابتسَمَتِ الملكةُ في أسًى :

– ” على الرغمِ من مأساوية الموقف ، فهذا هو المتاح .. لو صرَّحْتُ بعلاقتي بها ، فعلى الأغلبِ سيتم الانتقامُ منها هي ، وليس مني أنا .. إنها تتفهم ذلك .. وأنا واثقة  أنَّ ( سيفًا ) تفهَّمَ ذلك أيضًا .. “

وبين الملك والملكة ذهبَتْ نظراتُ المواساة ونظراتُ الأسى وجاءَتْ ..

*******

(2)

كان العزاءُ يوشك أن تنفضّ جموعُه … بينما الملك والملكة يتبادلان الهمسَ ، وبين المعزِّين يرمقهما ابنُهما بنظراتٍ فاحصةٍ .. وهو يدرك ماهية حوارِهما ..

 من حسن حظ الآباء أو سوء حظّهم أن يكون أبناؤهم فائقي الذكاءِ .. إنْ كانَ ما يرغبُ فيه الوالدان هو أن يخفى سرُّهما حتى عن ابنِهما فذكاء ذلك الابنِ الذي كشف الأمر هو من سوءِ حظّهما ..

 وإن كانا راغبَيْن في أنْ يطّلعَ أكبرُ قدرٍ ممكنٍ من الناس على حقيقةِ مشاعرِهما ، وأول هؤلاء الناس أقرب الناس إليهما – وهو ابنهما .. فذكاؤه كان من حسْنِ حظِّهما ..

 في النهاية .. ما يهمّ هو أنّ ( معتصمًا ) كان يدركُ تماماً ما يجري .. يدرك علاقة أبيه بـ”حارسه الشخصي” ، ويدرك علاقة أمِّه بـ ” وصيفتِها ” .. ويدرك أن تخصيبَ بويضةِ أمِّه بحيوان أبيه المنويّ – الذي تمّ في أنبوبة .. ليس سببُه طبيًّا على الإطلاقِ … بل هو وثيق الصلة بطبيعة أبيه الجنسية وطبيعة أمه الجنسية …

  ثم ماذا ؟

ثمّ إن الابنَ هو الآخر كان يشارك تلك الطبيعة الجنسية التي لعله ورثها من أبيه ومن أمه ..

ثم ماذا ؟

ثم إنه كان لا يزال في  الحادية والعشرين من عمره .. وما كان يغلي في دم أبويه وهما في مثلِ سنّه ، يلْهِبُ مشاعرَه التي لا يجد من يشاركُه فيها .. فتنبعث على هيئة خيالاتٍ جنسية في عقله ، ومنيٍّ ضائعٍ من جسده .. ولا أحدَ يعلم بهذه ولا ذاك …

ثم ماذا ؟

ثمّ إنّ القصرَ يعجّ بالمتع اللحظية .. وبالأشخاص الذين يقدمون “خدماتٍ” بـ”مقابل” .. وكانَ ( معتصم ) يجاهدُ نفسَه لينهاها عن الانخراط في تلك المتع وفي تلقي تلك الخدمات … ما كان يرغبُ فيه هو شيءٌ يُكْتَبُ له الدوامُ – تماماً كالذي كان بين أبيه وبين المعزَّى فيه اليومَ … وهذا شيءٌ نادرٌ أن يتفقَ عرضًا ..

 كان يعلمُ أيضًا _ وإن بصعوبةٍ بالغةٍ _ ما حدث عندما بلغ أبوه الثامنة عشرة .. كانَتْ الدائرةُ الضيّقةُ التي تعلم بالتفاصيل تقل سنةً بعد سنةٍ بوفاة هذا وذاك .. ولكنَّ الابن كان مصرًّا على أن يعرفَ..  وفي النهاية .. فقد وجد التفاصيل الكاملة في مذكّراتِ عمّتِه ( ليلى ) التي تركَتْها مخفيّةً في إحدى جنبات القصر بعد وفاتِها – لماذا لم تحرِقْها ؟ .. لعلها كانتْ تخطط لذلك ولمْ تتَحْ لها الفرصةُ ، فقد ماتَتْ فجأةً ، وبالنظر إلى عدم وجود غبارٍ على تلك المذكرات ، فيظهر أنّ هذه المذكرات كانت تعاد قراءتُها بصورةٍ دوريةٍ ، حتى ماتَتْ صاحبتُها ..

كانتْ تلك المذكرات تحوي كنوزًا ؛ قصصًا كتبَها والدُه – ويظهر مما فيها من أخطاء إملائية أنه كتبها وهو صغيرُ السنّ .. ثم قصة انكشاف سرِّ والده على يد ذلك الطبيب النفسي .. وما تبعها من محاورات أفضَتْ إلى ” تعيين ” الضابط ( سيف ) كـ “ملبٍّ ” لرغبات وليّ العهد .. ثم التفاصيلُ الكاملة لليلة لقاء والده بـ ( سيف ) … بعد هذا يخرج والدُه من الصورة ، وتبدأ المذكرات في سرد صورٍ موغلةٍ في التفاصيل عن علاقات عمّتِه العديدة بكثيرٍ من الرجال والنساء ، وعما صنعَتْه _ أحياناً _ ، وصُنِع بها _ كثيرًا _ على يد هؤلاء الرجال والنساء … يبدو أنّ هذا الولع الجنسي ” غير التقليدي ” يسري في العائلة كلها !

ولكنّ هذا ليسَ شيئًا إذا قيسَ بالنصفِ الآخر من الجيناتِ الذي يحمله ( معتصم ) .. القصص التي جاءتْه من البلاط الملكي لأمِّه .. كان شيئًا آخرَ … ومن الغريبِ أنّ ما بلغه من أخبارِ من هناك كان يلمح إلى وجود علاقة بين أمِّه وبين (ميرفت) ، ولكنْ يبدو أنَّ مثلَ هذه العلاقات _ في حدودٍ ما _ تُعَدُّ مقبولةً هناك .. أو على الأٌقلّ : مقبولةً على مستوى نساء القصر الملكي هناك … وكان جدُّه لأمِّه _ إنْ صحَّ ما وصل إلى ( معتصم ) من إشاعاتٍ _ بطلَ عالمٍ في الجنسِ .. من الغريبِ أنه لم ينجبْ سوى ثمانية أولادٍ فقط .. ولمْ يكنْ أخوالُ وخالاتُ ( معتصم ) بأقلّ عراقةً من أبيهم في صولاته وجولاته ، وأحدُهم بالذات – خاله الأكبر – لو كانَ قابلَ أباه في مرحلة مبكرةٍ من عمريهما ، ولمْ يكنْ من أصلٍ ملكيّ ، فلعله كان ليصْبِح هو حارسَه الشخصيّ مكانَ ( سيف ) !

كان ( معتصم ) مهيأً لتئول إليه الرياسةُ في عالم الممارسات الجنسية ، بالنظرِ إلى ما يجري في عروقه من دماءَ … ولكنْ مع ذلك ، فهو لم يجرِّبْ شيئًا على أرضِ الواقع بعد … كلّها خيالاتٌ ..

ومن حسْنِ حظِّه أنَّ عادة التزويج بمجرد بلوغ الثامنة عشرة هذه ، قد امَّحَتْ على يد أبيه .. ومن ثمّ فهو لمْ يضطر لخوض تلك الملحمة الاعترافية التي خاضها أبوه  ..

كان المعزّون قد انصرفوا ، وخفتَتِ الألحانُ ، وبدأ الخدمُ في إعادة المجلس الملكي لترتيباته الطبيعية …

وشعر ( معتصم ) أنَّ عليه أن يواسي أباه ، ولكنه لمْ يدرِ ماذا يقولُ .. وقد اقتربَ من أبيه متصوّرًا أن الكلام سيأتي وحدَه عندما يدنو منه ، ولكنّه ظل صامتًا ..

– ” هل هناك شيءٌ يا سموَّ الأميرِ ؟ “

– ” لا شيء يا أبي ! “

وصل صوتُ الاحتجاج المكتومِ من فم مسئول التشريفات على هذه اللفظة ، فاستطرد ( معتصم ) :

– ” بإمكاني أن أناديكَ بـ( أبي ) .. أليس كذلك ؟ أعني لقدْ فقدْتَ ” حارسَكَ الشخصيّ ”  ، وأنا أريد تعزيتَك فيه .. من المنطقيّ أن يستدعي ذلك تجاوزَ بعض الرسميات الجافة وتجاوز أهلَ السماجة القائمين عليها أيضًا “

كان مسئول التشريفات يلح بنظره على الملك ، وكأنه يحثه على أن ينهى ابنَه ، فحاول الملكُ أنْ يأخذ موقفًا وسطًا :

– ” لا داعيَ لإهانة موظفي القصر ، يا سموَّ الأميرِ “

– ” أنت تدافع عن موظفي القصر الذين نصحوا بمنع دفْنِ أقربِ الناس إليك في مقابر الملوك ؟! “

فطن الأمير الشاب فجأةً إلى عبارة ( أقرب الناس إليك ) .. ولمْ تخفَ على أذني مسئول التشريفاتِ الذي قال بسرعةٍ  :

– ” إن أقربَ الناس إلى جلالة الملك لا تزال جلالتُها حيَّةً ، يا سموَّ الأميرِ  .. ونحن _ رعيّةَ جلالتِه _ ندعو لجلالتِها بطول البقاء ووافر الصحة “

كان غيظٌ الأميرِ الشابّ قد وصل مداه ؛ هل قام ذلك الوغدُ بالمزايدة عليه في حبِّ أمِّه – حرفيًّا ؟! .. ولكنَّ التساؤلَ المشوبَ بالغضبِ في عيني أبيه ، كان أولى بأن يراعيَه ، فاستدركَ :

– ” لم أعْنِ : أقربَ ، وإنما : من أقرب “

– ” لا يزال استعمال سموّ الأمير لهذه اللفظة غيرَ مناسبٍ ليوصَفَ بها خادمٌ للملك .. “

– ” اتركونا وحْدَنا .. “

كانتْ هذه الصرخة من الملك ! ولسوء حظ مسئول التشريفات ، فإنَّ الملك لمْ يكنْ ينظرُ في جهةٍ معينةٍ  عندما أصدر ذلك الأمْرَ ، فَوَجَبَ _بحكم الرسميَّاتِ ، على الرغم من غضب الملك _ أن يستفسر :

– ” المعذرة جلالتَكم .. ولكنْ من المقصود بضمير الجمع المتكلمين في ( اتركونا) ، فهل هو مقصورٌ على اثنين أم أكثر ؟ “

– ” لقد قصدْتُ أن يغادر ابني مع بقية الخدم ، لتبقى أنتَ هنا ، فأتملى محاسنَ سَحْنتِك الكئيبة !! “

كان مسئول التشريفات راغبًا في الاعتراض على استخدام ( ابن ) بدلاً من ( سمو الأمير) ، ولكنْ بقية الجملة أخرسَتْه ، فتراجع بظهره ، وهو يكرر اعتذاراتِه ..

ولما خلا الأبُ بابنِه ، كانَتِ الابتسامةُ الساخرةُ بمسئول التشريفات لا تزال على فم الأميرِ الشابّ .. ولكنّ نظرة أبيه الغاضبة خسفَتْ بها .. لسْتَ بحاجةٍ إلى أن تكون ملكًا ليكون لنظرتِك هذا التأثيرُ على ابنِك ..

– ” ما الذي تعرفه ؟ “

كان الأمير الشابّ يريد المناورةَ ، ولكنّ نفس النظرة نهَتْه عن المناورة كما نهَتْه عن الابتسام ..

– ” أنك كنْتَ تجد صعوبةً في الجلوس في أحيان كثيرةٍ بسبب ما يفعله بك “

– ” كرِّر هذا عليّ !! “

– ” أنت مَنْ سأل عما أعرفه ! “

– ” هذا لا يليق في خطاب أبيك ! “

– ” وهلْ هذا يليق في وداعِ حبيبِك ؟! “

كانتْ هذه ضربةً تحتَ الحزامِ .. كل ما قامَتْ به الملكة قبل قليلٍ لتقلل شعورَه بالذنبِ قد بخَّرَه هذا السؤالُ …

– ” أنا آسف !  .. لقد فعلْتَ ما في وسعِك لـ .. “

– ” كلا ! لم أفعلْ ما في وسعي ، حتى مجرد وَصْفِهِ بأنه من أقرب الناس إليّ لمْ يرضِ مسئول التشريفات ؛ لأنه يراه خادمًا للملك ! “

– ” نعم ، ولكنَّ هذا ليس ذنبَكَ .. إنّ قدرتَك على أن تزيلَ صفتَه كحارسٍ للملكِ لتستبدل بها صفتَه كحبيبٍ للملك هي وهمٌ ، كل ما في الأمر إنك كنْتَ ستزيل معها صفتَه بأنه كائنٌ حيٌّ ، وتعجل به إلى قبرِه .. حتى لو استطعْتَ أن تتغلبَ على الاعتراض العظيم على تصريحك بعلاقتك به ، فإنَّ القصرَ مليءٌ بالدسائس .. بالسيف أو بالسم أو بما بين ذلك – كان سيقضى عليه ، وربما عليك أيضًا ؛ .. إبقاؤك الأمر سرًّا ليس ذنبَك ! “

كانَتْ هذه الجملُ على قصرِها أنجعُ في تخفيف حدة الألم من جمل كثيرة طويلة تبادلَها مع أمِّه ..

– ” أنتَ تجيدَ استعمالَ لسانِك “

– ” ليس مع جلالتِك ! يععع “

كانَتْ هذه أولَ مرةٍ يضحك فيها الملك منذ وفاة ( سيف ) ..

– ” إن سلاطةَ “لسانِك” كانتْ لتروقَ للفقيد .. “

– ” وليس معه أيضًا ! يععع .. إنه بمثابة أبّ ؛ رُبَّ أخٍ لك لم تلدْه أمُّك .. وربّ أبٍ لك كاد أن يلد منه أبوك ؛ لولا اعتبارات التشريح !  “

ابتسم الملكُ مرةً أخرى ، ولكنّ شيئًا ما فيما حواه قولُ ابنِه كان بالضبط هو ما يريدُ أن يسمعه ولكنه لا يدري ما هو ، فلما سمعه تهللتْ أساريرُه..  :

– ” أنت لا تشعر بالعار أو بالخزي بسبب كوني ..؟ “

– ” ألبتة .. في الواقع أنا أيضًا مثلَك “

– ” أنتَ مِثلِيْ  .. ؟ “

– ” ها ها ها .. سخيفة ! “

– ” واو ! .. أنا أذكرُ أنني أزلْتُ الكلفةَ مرّةً مع الملك الراحلِ ، ولكنّك قطْعًا ستحصل على اللقب في هذا المجال .. تصوَّرْ لو سمعك مسئول التشريفات “

– ” ما كان لِيَفْعله بي آنذاك … هذا – كان ليروق للفقيد ! “

كان هذا دورَ الملك لتصدرَ عنه الـ ” ييععع ” !

***

كانتْ تلك الـ ” يعع”ـات صادقةً تماماً – على مستوى الوعي .. على مستوى اللاوعي ؟ .. الأمر معقد !

لقد كان المرحوم ( فرويد ) يعتبر المثلية الجنسية انحرافاً – إلى حدٍّ ما ، فقد اعترفَ للمثليين بالمساهمة الضخمة في الإبداع البشري .. ولكنْ من حيث المبدأ فقد كان المرحوم ( فرويد ) يرى أنَّ ميل الطفل إلى والدته ، وميل الطفلة إلى والدها ، ومن ثم مشاعر الطفل العدائية ضد والده ، ومشاعر الطفلة العدائية ضد والدتِها ، سلوكاً فطريًّا تحتاج إليه السويّة الجنسية كمرحلةٍ في تكوينِها .. فإذا كانَ هذا ما تحتاجه السوية الجنسية ، فمن يعترض على الانحراف ؟

ولم يكُنْ وعيُ ( معتصم ) مستعدًا لقبول آراءِ ( فرويد ) على علّاتِها ، ولكن لا وعيَ ( معتصم ) لم يكنْ بحاجةٍ إلى أن يقبل تلك الآراءَ .. فهو مصدرٌ لا باحثٌ ، وهو في الحقيقة مأخوذٌ عنه لا آخذٌ … فهو أصلٌ تبنى عليه نظريات ( فرويد ) العميقة – على علّاتِها .. وتبنى عليه آراءُ ( معتصم ) السطحية – على نفاذِها للأعماق أحياناً …

وقد كان ذلك اللاوعي مشغولاً أيّ شغلٍ بكثيرٍ مما دار في حوار الليلة بين ( معتصم ) وأبيه .. ومشغولاً أيَّ شغلٍ بكثيرٍ مما قيل وسُمِعَ وحَدَثَ ورُئِي وتُخُيِّل وتُمُنِّيَ سنواتٍ طويلةً قبل هذه الليلة … ومشغولاً أي شغلٍ بصياغة أحداثٍ لا منطقية تربط هذا بذاك .. ولو قُدِّرَ للمرحوم ( فرويد ) أنْ يطّلِع على ما رآه ( معتصم ) من أحلامٍ في تلك الليلة .. لوجده معينًا لا ينضب لكثير من الدراسات اللاحقة ، والتصويبات على الدراسات السابقة .. لقد كانتْ أحلاماً مهمةً بالفعل ..

***

السماءُ في الأسفل !

هذا وضعٌ غريبٌ .. ثم اكتشف أن السماء تتحرك ..

 إنه يطير !

اعتدل في طيرانِه فصار بطنُه للأرض وظهره للسماء .. كانَتْ هذه فرصة مناسبة ليقتنصه العقابُ ذو الرأس الآدمية بينما هو مشغولٌ بالنظر إلى الأرض ..

– ” الملك بانتظارك “

– ” أنت تتكلم ، هذا جميلٌ .. أيُّ ملكٍ ؟ أبي ؟ “

فجأة لم تعدْ هناك سماءٌ ولم يعد هناك عقاب .. إنه عارٍ يجلس على مقعدتِه على بلاط القصر البارد .. ولكنه لا يشعر بالبرودة ، بل يشعر بالدفء .. صوتٌ يأتي من خلفه :

– ” أبي ؟ “

يتفاجأ بنفسِه ، وهي تجيب رغم إرادتِه :

– ” هذه كلمة سأزيلُها من قاموسي تماماً ! “

كان الصوتُ متقطّعًا بفعل النشيج .. إنه يبكي ! الآن يبدو ذلك الدفء  مبررًا ..

– ” جلالة الملك ؟ “

– ” هذه هي الكلمة المقبولة في خطابي لأبي .. أعني لجلالة الملك ! “

صاحبُ الصوتِ يكمل دورتَه حول العريان الذي يستغل برد البلاط ليخفف حرارة مؤخرتِه .. ثم تلتقي عيناهما :

– ” يبدو أنك لم تتعلمْ درسَك بعد ! “

– ” أرجوك .. أرجوك .. أرجوك ! “

– ” يا حارس ! “

– ” هناك حارس ؟ “

لم يكنْ هناك حارس ، ولكنّه انبثق من العدم .. فارع الطول ، تامَّ البنية ، فاحم السواد ، عضلاتُه كأنما قُدَّتْ من صخر ، كتمثال من أبنوس فرغَ من نحتِه آلهة الأوليمب لتوهم .. فهو في آخر درجات البشرية وأول درجات الآلهة ؛ نصف إله !

يكرِّرُ مسئول التشريفات بصوته الحادّ :

– ” يا حارس ! هذا الولد الشقيّ مستمرٌّ في إظهار الاستخفاف بمليكنا المفدى ، وقد عاقبْتُه فما نفع .. فهو بحاجةٍ إلى عقابٍ فوق بشريّ علَّه يتعلم درْسَه “

– ” أرجوك .. أرجوك .. أرجوك .. “

الصوتُ اليونانيُّ الفخمُ ينبعث من الحنجرة السمراء الفارهة :

– ” استهزاءٌ بملكٍ ؟ هذا أمرٌ غيرُ مقبولٍ ! “

لا يدري ( معتصم ) متى أتقن اليونانية ، ولكنه بدأ في سرد اعتذاراتِه بها في طلاقةٍ .. ومع كلّ اعتذارٍ كانَ ركنا الفم الضخم يتسعان قليلاً ليفسحا المجالَ لصفّ الأسنان ناصعة البياض لتظهر .. مَنْ سمِع بنصف إلهٍ غرَّتْه توسلاتُ بشريٍّ أحمر المؤخرة من قبل ؟ إن المحاولةَ نفسَها مضحكة !

– ” هذه الاعتذاراتُ لن تحسِّن من موقفي .. أليس كذلك ؟ “

– ” إنها مسلية مع ذلك ! “

– ” يا حارس ! كفّ عن إضاعة الوقــ .. “

كان هذا آخرَ ما قاله مسئول التشريفات قبل أن يتحول إلى إصبع كفتةٍ تحت قبضة نصف الإله ..

– ” لقد كان مستفزًّا .. وحده ( زيوس ) يناديني بهذه الصفة ! “

– ” أيّة صفة ؟ حارس ؟ “

– ” أنت فعلاً لا تتعلم درسَك .. أليس كذلك ؟ “

– ” أعني .. لقد كان مجرَّدَ استفسارٍ .. أنا آسف ! “

– ” انهضْ ، واستدَرْ ! “

ولمّا لمْ يجبْ عليه سوى خدَّي ابن الحادية والعشرين احمراراً .. أضاف في استهزاءٍ :

– ” لأرى مدى حمرة ردفَيكَ ، وأبني عليها بقية عقابِك .. وليس لما يدورُ في ذهنِك ! “

ولمّا لمْ يستجبْ ( معتصم ) .. أكمل الحارسُ _الذي لا يناديه بهذه الصفة سوى ( زيوس) _ :

– ” وإذا كنْتَ مطيعًا ، وتلقيْتَ عقابَك بلا لغطٍ .. فقد أفعلُ بك ما يدورُ في ذهنِكَ “

في جزءٍ من الثانية كان الشابُّ قد نهض وولى دبرَه لنصف الإله ..

– ” واو ! .. بحق ( زيوس ) لقد ألهب ذاك القميءُ مؤخرتك الفاتنة ! “

جاءه الردّ من الوجه الغائبِ عن نظره ، في صورةِ شهقةِ بكاءٍ كأنه يستدرُّ عطفَه ..

– ” حسنًا ، قد تخليْنا عن بقية عقابِك .. “

– ” وماذا عما بعده ؟ “

ما تفعله الحاجَةُ بأهلِها ! …لقد كان الأمير يستجدي ! .. بعينيه .. بشفتيه .. بكل جزءٍ من جسدِه .. وقد أثمرَ استجداؤه : 

– ” تعالَ هنا ! “

يحاولُ ( معتصم ) السيطرة على لعابه الذي سال من فمه ويحاول السيطرة على غير لعابِه الذي سال من غيرِ فمه .. بينما عيناه تتجولان في تلك العضلات الضخمة .. وما إن دنا من الحارسِ حتى غاب الحارسُ والقصرُ الملكيُّ كلُّه .. فصرخ محنَقًا .. لقد كان على بعد شعرةٍ من أنْ يظفر بمرادِه .. هذه دناءةً !

حاولَ أن يتجاهل غضبَه ، ويمعنَ النظرَ فيما أمامَه ولكنّه لم يرَ شيئًا .. ظلامٌ دامسٌ .. ثم شعرَ بيديه مرفوعتَين فوق رأسه ، وهناك عصابة على عينيه .. وقد اتَّكأ مرفقاه على جانبي زاويةِ حجرةٍ .. هذا يبدو مألوفًا بشكلٍ غريبٍ ..

ثم تحقق ظنُّه ، وجاءَتْه التأوّهاتُ الجنسيّةُ الفاضحةُ ؛ صوتٌ لا يصح أن يسمعه ابنٌ من أبيه ..

كانَ هذا المشهدُ مأخوذًا بحرفيَّتِه من مذكّراتِ عمَّتِه الفقيدة .. وبدا جليًّا أنَّ لا وعيَه قد اختار له أن يلعب دور عمّتِه لا دورَ أبيه ؛ لماذا ؟

التاوّهاتُ تزداد ارتفاعاً ، وصوت انزلاق جلد الأيرِ في حوافّ الاستِ القابضة عليه  ، وصوتُ ارتطام جلد الخصيتين بجلد الخصيتين  يزداد ارتفاعًا أيضًا .. كأنه موسيقى تصويرية تتصاعد نغمتُها مع تسارع الآهاتِ …. – كان هذا الوصفُ أيضًا وصفَ عمّتِه ، وقد ارتضَتْ أن تصف ما يحدث لابنِ عمِّها بهذا الوصف التفصيلي ، فاستطاع لا وعيُه أن يعيدَ رسمَ الصورةِ حيّةً نابضةً تحكي في شدة نبضِها شدةَ نبضِ ثلاثة أيورٍ هذه المرة ، وليس أيرَين فقط كما كان عليه الأمرُ في القصة الواقعيّة ..

ولقد حاول ( معتصم ) بكل ما أوتيَ من وعيٍ أن يمنع نفسَه من الاستمتاع بما يجري .. وحاولَ أن ” يغيّر الحلمَ ” ، ولكنَّ المحاولَتين فشلتا ! كان يسمع كل صوتٍ صادرٍ من أعضاء النطق ، وكلَّ صوتٍ صادرٍ من غير أعضاء النطق ! وكانَ _ في ظلام العصابة المحيطة بعينيه _ يصوِّرُ لكلِّ صوتٍ ما يناسبُه من الصورِ .. ثم بدأَتْ أصواتُ النهاياتِ تطرقُ سمْعَه .. وكان أوَّلَ ما خطر له على الرغم منه هو شعورُه بالحسد تجاه أبيه : ( اتركْ لي شيئًا ) – هكذا فكَّرَ .. ولكنْ لو صحَّتْ راويةُ عمّتِه .. فقد تركَ له / لها أبوه الكثيرَ ! .. وبالطبع فقد كان توثيقُ عمَّتِه حرفيًّا ..

وكأنَّ لا وعيَه قد ملَّ الحومَ حول الحمى ، واشتاق لأن يرتَعَ فيه .. فبدأ يسردُ عليه الصورَ متسارِعاتٍ .. صوتُ ( سيف ) وهو يأمرُه بأن ينزع العصابةَ ويستديرَ .. صورةُ أبيه وهو يلتقط أنفاسَه بصعوبةٍ كأنه خارجٌ من سباقِ ماراثونيّ .. من أدخله في السباق الماراثونيّ يقتربُ رويدًا رويدًا من زاوية الحجرة .. القبلة .. تماماً كما وصفَتْها عمَّتُه .. التدرّج في إدخال اللسان .. صوتَ الصدى الذي رنَّ للشفتَين وقد فارقتا الشفتَين .. الابتسامةُ المغرورةُ من ابن ( المكبّ ) وهو يرى أثرَ قبْلتِه في العينين الولهانَتين … تكرارُ ما سبق في صورة قبلةٍ ثانيةٍ وثالثةٍ … صوتُ أبيه وقد استعاد شيئًا من قوّتِه- يحتجّ على إخراجِه من الصورةِ .. ابن ( المكبّ ) يحيطُ بخصر الابن بيديه ، وهو يسحبُه متقهقرًا جهةَ الأبِ المكوّمِ على السريرِ ، ولا يزالُ لسانُه يستكشف كلَّ ما يطولُه من فمه … عينا الابن تقابلان عينَيْ الأبِ ، وقدْ طوَّح به ( سيف ) لينبطح على السرير الوثيرِ .. يد ( حسّان ) تتخلل خصلَ شعرِ ( معتصم ) بينما قبلاتُ ثالثِهما تنقرُ جانبَ عنقِه نقراتٍ متسارعاتٍ ، وما كان يتمنى ( معتصم ) أن يترك أبوه له بعضَه ، قد بدأ في الانسياب في أخاديدَ وفي التهيؤ لملءِ شقوقٍ .. واليدُ الحنونُ لا تزال تنسابُ في الشعرِ الأثيث .. ثم تقبضُ على خصلٍ منه لتحني الرأسَ جهة رأسِ صاحبِ اليد .. فيقابلَ فمُ الابنِ فمَ الأبِ .. وهما يتقاربان ويتفاوضان على صيغةٍ تفضي بهما إلى الاشتراك في اتحادٍ دوليٍّ … لقد فعلَتْها ( ليلى ) مع ابنِ عمِّها قبلَ أربعين سنةً .. فلماذا لا يفعلُها ( معتصم ) مع أبيه ؟  ولكنَّ الوعيَ _ أو ما بقيَ منه _ كان له رأيٌ آخرُ ؛ هذا فوقَ قدرتي على الاحتمالِ ! .. وما أسرعَ ما ضغطَ الوعيُ _ أو ما بقيَ منه _ على زرّ الريموت كنترول ، فتغيَّرَ الحلمُ ..

الرخامُ الأخضرُ المنقّطُ يغطي البهو الفسيحَ ..والستائر تتدلى من السماء تقريبًا لتكنس البلاطَ .. والذهبُ ينقش كلَّ شيءْ …  كان يعرفُ المكانَ جيِّدًا .. وإن لمْ يزرْه إلا مراتٍ قليلةً .. كان هذا هو القصرُ الملكيُّ الذي ترَبَّتْ فيه أمُّه .. صوتُ جدِّه يأتيه من عرشِه ..

– ” ( مؤتصم ) ! “

فيسرع ( معتصم ) الذي أتمّ الثامنةَ عشرةَ قبلَ أيَّامٍ جهة صاحبِ الصوتِ ، ثم يغوصُ ( معتصمُ )  في حضْنِ جدِّه الذي يضحكُ سرورًا برؤية حفيدِه – كانتْ هذه أيضًا قصةً حقيقيةً ، ولكنَّ ( معتصمًا ) يعلم جيَّدًا أنها لا تحوي “شيئًا” ، فما الذي يخبئه له لا وعيُه فيها ؟

صوتُ ابن خالتِه ( إمير ) يقطع هذا الاحتضانَ المبالغ فيه :

– ” واو ! ادَّخَرْ بعضَ هذا لبقية أقربائك ! “

وجْهُ ابن الخامسة عشرة يظهر أمام عيني ( معتصم ) ، وهو يبتسم في جذلٍ .. ويتمنى ( معتصم ) لو كان ابنُ خالتِه أكبرَ سنًّا بقليلٍ .. من يدري ما الذي كان ليكونَ حينَها ؟ .. وكأنما أجيبَ إلى طلبِه :

– ” ( مؤتصم ) ؟ “

ملامح ابنُ خالتِه تكبرُ فجأةً عدّةَ سنين ، وتتحوّلُ من الجذلِ إلى التساؤلِ :

– ” ( مؤتصم ) ؟ “

***

– ” ( مؤتصم ) ؟ ألا تزالُ نائمًا ؟ “

هذا ليس حلمًا ! في جزءٍ من الثانيةِ أدرك ( معتصم ) أنَّ لا وعيَه قد استعادَ تلك الذكرى – لا ليفاجئه في حلمِه بشيْءٍ جديدٍ ، بل ليمهد له الفرصةَ ليفاجئ نفسَه عندما يستيقظُ على صوتِ ابن خالتِه .. متى جاءَ إلى القصرِ ؟ من سمح له بالدخولِ عليه نائماً ؟

– ” لقد قالَتْ خالتي إن بإمكاني أن أوقظَك بنفسي لأفاجئك ! .. مهلاً .. ما هذا ؟ “

كان (هذا) الذي يسأل عليه ابنُ الثامنة عشرة باسمًا هو نتوءٌ في منتصف الملاءة يبدو كوتدٍ يرفع الخيمةَ عن الأرض .. ولو لمْ يكنِ ارتفاعُه غيرَ معتادٍ لظنّ ( إمير) أنه شيءٌ لا يليق .. ولكنّه بدا مصطنَعًا ، وقبلَ أن يقبض عليه ( إمير ) ليكشف ماهيَّتَه ، كان ابن الحادية والعشرين ، قد حرَّكه بيده لينقلَه من وضعه العمودي إلى وضعٍ أفقيّ :

– ” هذا لا شيءَ يا ( إمير ) .. إمم …  سأرتدي ملابسي ، وأقابلك في الخارج “

– ” أنت تنام عارياً ؟ بلا ملابس داخلية حتى ؟ “

– ” ( إمير ) ! راعِ ألفاظَكَ ، وانتظرْني في الخارج ! “

– ” لا زلْتُ في شكٍّ من الأمرِ ..هل كان هذا فعلًا جزءًا من جسدِك ؟  “

– ” ( إمييير ) ! “

– ” لا تخدعْ مخادِعًا .. لقدْ كنْتَ تسمع وقعَ خطواتي ، وعلمْتَ أنني سأوقظَك فوضعْتَ عصًا تحت الملاءة لتثيرَ إعجابي .. اليس كذلك ؟ “

– ” لماذا أرغبُ في إثارةِ إعجابك أصلاً ؟ .. ثمّ إنّ الذي تسأل عنه قد نتج عن شيءٍ رأيْتُه في حلمي ، هل أنتَ مسرورٌ بهذا الاعتراف ؟ “

– ” ما الذي رأيتَه في حلمك ؟ له علاقة بي ؟ “

– ” لا ، بل له علاقةٌ بأبي ! اخرج الآن ! “

– ” لو لمْ أكنْ أعلمُ أنك تمزح لظننْتُه جدًّا ؛ إنَّ أباك حقيقٌ بأن ينتج عن التفكيرِ فيه الكثيرُ من ” العصيّ” “

كانَ المراهقُ يعلمُ أنَّ هذه هي القشة التي ستقصم ظهر البعير أو ستوجع مؤخرة البعيرِ ! فهرولَ مسرعًا ليخرج من الغرفة ، وأتبعَتْه مخدّةٌ ألقاها عليه ابنُ خالتِه ، ولكنّها أصابَتِ البابَ المغلقَ للتوّ خلفَه ..

ما كان يزعج ( معتصمًا ) _ أو (مؤتصمًا) ، كما يناديه أخوالُه _ هو أنَّ ابن خالتِه _ على مجونِه _ ظنّ أنه يمزح !

كانَتْ ذكريّاتُ الحلم أو الأحلامِ التي رآها للتوّ لا تزال طازجةً تتداعى أوّلاً بأولٍ على ذاكرتِه بينما يستحضرُها … هناك أنصاف آلهة ، هناك مسئول التشريفات البغيض ، وهناك ..  أبوه ، وحبيبُ أبيه … كان الخجلُ يغزو خدَّيه ، وهو يتذكر التفاصيلَ .. ليسَ بحاجةٍ إلى أن يتذكرَها ؛ إنَّ مذكرَاتِ عمِّته في الدرج المجاورِ للسريرِ ، وبإمكانِه أن يستعيد ذكريات تلك الأمسية الخلابة .. كما فعل مئاتِ المراتِ من قبلِ .. ولكنْ هذه المرة يبدو أنَّ هناك شيئًا أشوقُ وأملحُ وأعلق بالقلبِ – ليس في الخيالِ .. ولا في ذكرياتِ أشخاصٍ آخرينَ .. بل في واقعِه هو ، وحياتِه هو ..

وعلى الرغمِ منه ، قرَّرَ أن يستغلَّ ذكاءَه في تحقيقِ شيءٍ يرغبُ فيه .. ورغبَ فيه من سنين طويلة … فرفع صوتَه :

– ” ( إمير ) أعرف أنك تتنصتُ خارج البابِ لتسمع ما تعتقد أنني أفعله .. ادخلِ الآنَ أيها الشقيّ ! “

فُتِح البابُ ، ودَخَل الأميرُ المليحُ ، وعلى وجهه علامات التساؤلِ ، فبادره ابنُ خالتِه :

– ” لقد كنْتُ في الثامنة عشرة من عمري يومًا ما ، أنا أعرف كيف يفكر هذا النوعُ من الحيواناتِ ! “

تجاهل الأميرُ المراهقُ التعريضَ بصغرِ سنِّه .. ومَنْ يكره أن يكون مراهقًا ؟ .. وقال في استهزاءٍ :

– ” أنت كنْتَ في الثامنة عشرة يوماً ما – يا جدّي .. من الجميل أنك لا تزال تذكر ذلك الماضي البعيدَ “

– ” ( إمير ) ! “

– ” هل ستطردني من غرفتِك مرةً أخرى ؟ “

نظرَ الأميرُ الذي تجاوز المراهقةَ بسنين إلى الأمير الذي لا يزال فيها .. وتذكر الأكبرُ ما كان يتمناه وهو في سنِّ الأصغر .. تلك الشهوانيّة الوحشية التي تموج بها العينان – صوتٌ في عقلِه يلحّ عليه : أنت تريد .. وهو يتلوى شهوةً .. لماذا تمانع ؟ 

– ” بل أنا لا أعتقد أنك ستخرج منها لفترةٍ طويلةٍ جدًّا ! هل هناك أحدٌ بانتظارِك ؟ “

– ” لن يفتقدني أحدٌ لو غبْتُ لبضعة ساعاتٍ ! “

– ” بضعة ساعاتٍ ؟ أنت مراهقٌ .. إنَّ التفاوتَ بينكم في “الاستمرارية” يقاسُ بالثواني ! “

– ” جرِّبْني ! “

كان بنطالُ الأميرِ المراهقِ يحكي هو الآخرُ نتوءًا مشابهًا لنتوء الملاءة .. هل كان تعليقه عن الملابس الداخلية إسقاطاً إذن ؟ .. 

أشارَ إليه ابنُ خالَتِه بإصبعِه ليقتربَ .. وأكملَ ( إمير ) الفكرةَ فنزع عنه ما يرتديه بينما هو يخطو الخطواتِ الفاصلة بينه وبين السرير..  لقد كان تعليقه عن الملابس الداخلية إسقاطاً بالفعل !.. وفي ثوانٍ كان الأميرُ العاري يميل على ابنِ خالتِه  ليلْثمَه …

كانَ ( معتصم ) قد تمنى هذه اللحظة لسنين طويلةٍ ، ولقلة الممارسة حكمُه .. فما إنْ مسَّتْ شفتاه شفتي ابن خالتِه حتى ارتعشَتْ شفتاه وجسدُه كلُّه .. وفي ثوانٍ كانتِ الملاءةُ قدِ ابتلَّتْ بللًا فاحشًا ، وحاول ( إمير ) جاهدًا أن يكتم ضحكاتِه ، ولكنها استحالَتْ _ على الرغمِ منه _ قهقهةً .. بينما ابنُ الحادية والعشرين يهزّ رأسَه في عدمِ تصديقٍ :

– ” أتعرف .. ؟ .. تلك الأحلام قد أسهمَتْ بصورة كبيرةٍ في … لو لمْ تكنْ أيقظْتني فربما كان الأمرُ ليصلَ إلى منتهاه في منامي .. “

من بين ضحكاتِه جاء ردُّ المراهق :

– ” هذا يحدث كثيراً ؟ .. “يصل إلى منتهاه في منامي” ؟ “

فطن ( معتصم ) للمغزى :

– ” إن هناك صفوفًا من الراغبين ، ولكني أنا مَنْ يرفض ! “

– ” صفوف طويلة على ما أعتقد ؟ “

– ” لو رأيتَها لذُعِرْتَ من طولِها “

– ” لقد رأيْتُ شيئًا سرّني طولُه قبلَ قليلٍ .. ولكنْ للأسف ما كلٌّ ما يلمعُ ذهبًا … والمظاهر خدّاعةٌ … وربَّ شيءٍ طويلٍ طويلٍ .. أردْتُ أن ألتقطه فانكمش ! “

عادَتْ ضحكاتُ المراهق قهقهةً ، وهو يصوِّرُ لنفسِه ما حدث قبلَ قليلٍ ، ثمّ قال بعد أنِ انتهَتْ نوبةُ ضحكِه :

– ” على أيةِ حالٍ سأتركك لتتعافى … “المراهقون يقاسون بالثواني ” .. إنك _يا ابنَ خالتي_ مسخرةٌ .. هههه “

وصلَ صوتُ البابِ وهو ينغلقُ خلفَ الأمير المقهقه إلى مسامعِ الأمير ” المسخرة ” ، فدفنَ وجهه في مخدَّتِه .. وهو يبثّها الوعودَ بما سيفعله بابنِ خالتِه “عندما تعودُ الأمورُ لطبيعتِها ” .. ؛ فلْينتظرْ ذلك المراهق الشقيُّ ما ينتظرُه .. إن لن يعرفَ ما حلَّ به .. سينزلُ به الأمرُ بسرعة البرقِ .. أعني بسرعة البرق في نقطة بدايتِه ثم سيستمر المنحنى بعد ذلك لفترةٍ طويلةٍ …ليسَتْ العمليّةُ كلها بسرعة البرقِ .. فقط البداية هي التي بسرعــ..  بدا للأمير أن مخدَّتَه هي الأخرى تقاطعه ضاحكةً عليه فلكمها بقبضتِه ، واستلقى على ظهرِه متنهدًا في استياءٍ :

– ” هذه الدنيا القاسية ! “

ثم وصلَ إلى عقلِه إحساسُه بالبلل اللزجِ يغطي الملاءةَ ، فتلتصقَ  بفخذيه .. لقد كان يفترض أن ينتهي الأمرُ نهايةً جافّةً هذه المرة .. أن يكون البللُ في مكانٍ آخرَ .. في جسمٍ آخرَ .. ولكنّه مستمرٌّ _ للأسف _ في تولي تسميد الملاءات بالمواد العضوية .. الكثير من الفركتوز الذي أنتجَتْه الأرضُ ينتهي به الحالُ في الغسّالاتِ .. ( فرويد ) كان لِيعدَّ هذا انحرافاً .. وإضاعةً للموارد !

– ” هذه الدنيا القاسية ! “

—– ( تــمَّــت ) —–

دراسةٌ حول ضرب المؤخرة / A spanking survey

دراسةٌ حول ضرب المؤخرة / A spanking survey

 حسنًا ، كما يقول العنوان فهذه دراسة / استطلاع ، عن بعض الأساسيات التي تتعلق بتلك الممارسة التي تووضع على ترجمتها بالعربية إلى صفع المؤخرة ، أو ضرب المؤخرة ..

وستكون الدراسة على هيئة مجموعة من الأسئلة ( بعضها منقول مترجماً والبعض الآخر لي )، وأعتقد أنها تشمل الأساسيات .. وبالطبع ففي حالة رغبة العضو في زيادة أسئلة من عنده ليجيب هو عليها أو لنتشارك جميعاً في الإجابة عليها فهذا إسهامٌ طيبٌ .. وأيضاً فمن شاء ألا يجيب على سؤالٍ أو أكثر فكما يشاء .. الأمر لا يحمل أيَّ صفةٍ إلزاميةٍ _ كما لا حاجة بي أن أقول _ ولذا فأي تنويعٍ يرتضيه المجيب على الأسئلة فهو موضع ترحيبِنا وتحضيضنا …

وسأضع الأسئلة مجملةً في البداية ؛ حتى يسهل نسخُها ولصقُها على الأقل!..  ثم ستكون إجاباتي عليها بعد ذلك..
 أ – البدايات ( هذه الأسئلة تُعْنى بالفترة الأولى _ غالبًا أواخر الطفولة وبدايات المراهقة _ التي بدأتَ تدركُ فيها رغبتكَ في هذه الممارسة ) 
1- هل تعرَّضْتَ كطفلٍ لعقابٍ جسديّ من شخصٍ بالغٍ ( ولي أمر أو معلم أو نحو ذلك ) ؟ وإن كانت الإجابة بنعم ، فهل تضمن هذا العقابُ ضرباً للمؤخرة ؟ وكم كان عمرك حينما بدأ تعرضك لهذه العقوبات الصرفة ( غير ذات الطبيعة الجنسية ), وكم كان عمرك حينما انتهَتْ ؟
 2- ما هي أولى ذكرياتك عن اهتمامك/ولعك بضرب المؤخرة ؟ وكم كان عمرك حينها ؟ وإن كانت إجابة السؤال رقم ( 1 )  بنعم ،  فهل ارتبط هذا الاهتمام/الولع بتلك العقوبات الصرفة ( غير ذات الطبيعة الجنسية )  ؟ 
 3- هل تتذكر شعورَكَ في تلك الفترة ؟ هل حاولْتَ أنْ تتقبل فكرة أنك مولع / مهتم بضرب المؤخرة أم حاولْتَ أن تتخلص منها ؟
 4- هل كانَتْ بداية اهتمامك / ولعك بضرب المؤخرة سابقةً على اهتمامك بأنماط أخرى من العقاب ( من مثل صفع اليد ، أو القدم : الفلكة )  أم تاليةً لها أم مصاحبةً لها ؟  أم أن ضربَ المؤخرة هو النمط الوحيد للعقاب الذي كان محل اهتمامك / ولعك ؟
 5- هل كان الاهتمام/الولع بضرب المؤخرة سابقاً لديك على الاهتمام بالسلوكات الجنسية التقليدية ( التقبيل , اللمس , الجنس المهبلي أو الفموي أو الشرجي) أم تالياً لها أم مصاحبًا لها ؟
 6- هل ارتبط اهتمامك / ولعك بضرب المؤخرة بأي سلوكٍ آخرَ جنسيّ ( تقليدي أو فيتشي )  , أم أنه كان أشبه بالسلوك المستقل عن سائر العمليات الجنسية ؟
  7- هل حاولْتَ إطلاعَ أحدٍ ( بالغًا أو في مثل سنك ) تصريحاً أو تلميحاً إلى رغباتك تلك ؟
 ب- التأسيس ( هذه الأسئلة تُعْنى بالفترة التي بدأتَ فيها بمحاولة تقبّل اهتمامك / ولعك بضرب المؤخرة ، وما يصاحب ذلك من بحثٍ واستقصاء )
 1- متى وكيف أدركْتَ وجود أشخاصٍ آخرين مهتمين / مولعين بضرب المؤخرة ؟ وهل هؤلاء الأشخاص كانوا واقعيين في حياتك أم افتراضيين (على شبكة الإنترنت أو ممثلين في مجلات جنسية أو فيديوهات جنسية ) ؟ أم أن بعضهم كان افتراضيًّا , وبعضهم كان واقعيًّا ؟
2- إذا كانوا افتراضيين ، فهل حاولْتَ التواصلَ مع هؤلاء الأشخاص أو التفاعل معهم ( مثلاً بالرد على أسئلتهم أو المشاركة في استفتاءاتهم ) أم أنك اقتصرْتَ على مراقبة نشاطهم والاطلاع على منتجاتهم ( إن كانوا ممثلين أو رسامين أو مؤلفين أو نحو ذلك ) ؟
 3- وإذا كانوا واقعيين فهل اعترفْتَ لهم ( أو اعترفوا لك – في حال ما إذا أدرَكْتَ ولعهم بضرب المؤخرة بدون علمهم ) برغباتكما المشتركة ، أو تناقشتما في ذلك ؟
 4- كيف كان شعورك حول وجود آخرين ( واقعيين أو افتراضيين )  يشاركونك نفس الرغبات ؟
5- هل فكَّرْتَ في الانخراط في ممارسة تتعلق بضرب المؤخرة مع هؤلاء الأشخاص ( سواءً أكانتْ ممارسة جسدية فعلية , أم تبادلاً للذكريات , أو حتى استمناءً مشتركاً , أو أيَّ ممارسة تتطلب تفاعل الطرفين ولها علاقة بضرب المؤخرة ) ؟
6- هل فكَّرْتَ في مستقبلٍ مستقر ( غالباً في صورة زواج بالنظر إلى طبيعة مجتمعاتنا العربية ) مع شخصٍ يرغب في تبادل الممارسات المتعلقة بضرب المؤخرة معك ؟ وهل بدَتْ لك تلك الفكرة واقعيّةً آنذاك ؟
7- هل بحثْتَ عن آراء شخص أو جهة _أو تواصلْتَ مع شخص أو جهة  _ يرون أن ذلك الولع بضرب المؤخرة “سلوكٌ مرضيٌّ” ، ويعرضون ” علاجاً ” له ؟ وهل جرَّبْتَ _ بناءً على كلامهم _ أن “تتخلص” من رغباتك تلك ؟
 ج- الاستقرار ( هذه الأسئلة تُعْنى بالفترة التي يفترض أنها ممتدة حتى الوقت الحالي بالنسبة لك ، والتي لم تشهد تغييرًا يُذْكرَ في موقفك من اهتمامك/ولعك بضرب المؤخرة )
1- هل سبق لك ممارسة الضرب على المؤخرة – ضاربًا أو مضروبًا .. على أساسٍ جنسيّ ؟
2- كيف هي رؤيتُك لملابس المضروب أو المعاقَب ارتداءً ونزعاً – وإن كان نزعٌ فبالكلية أم بالتدرج ؟
3- ما هو أكثر شيءٍ يلذّ لك في ممارسة ضرب المؤخرة ؟
4- أي الوضعيات أحبّ إليك ( من مثل الاستلقاء على فخذي المعاقِب ، أو التمدد على السرير ، .. إلخ ) ؟
5- هل سبق لك أن اطلع عليك أثناء إجرائك العقابَ أو جريانه عليك شخصٌ آخرَ غير طرفي العقاب ؟ وهل سبق أن اطلعْتَ أنت على عقابٍ لستَ طرفًا فيه ؟ وما هي رؤيتك لفكرة اطلاع الآخرين على العقاب سواءً حدث ذلك لك أو لم يحدث ؟
6- إن كنْتَ ممن يرغب في العقاب التأديبي ، فما هو أكثر سلوكٍ عاقبْتَ أو عوقبْتَ عليه ( مثل مخالفات السيارات ، أو الإسراف في التسوق ، .. إلخ ) ؟
7- إن كنْتَ ممن يرغب في العقاب التأديبي ، فما هي رؤيتك للتوبيخ من حيث الزمنُ ( قبل الضرب – أثناؤه – بعده – كل ما سبق – بعض ما سبق ) ومن حيث النوعُ ( طلب من المعاقب أن يذكر ما يعاقب لأجله – تحقير من قدر المعاقب – ثناءٌ عليه مع ربط الثناء بخيبة الأمل من صدور مثل هذا السلوك عنه – تهديدٌ بما يوشك أن يقع ( قبل الضرب ) / بما سيستمر في الوقوع ( أثناء الضرب ) / بما سيتكرر إن حدث الفعل مرة أخرى ( بعد الضرب)  – كل ما سبق – بعض ما سبق )
8- إن كنْتَ ممن يرغب في الضرب الجنسي أو المَرِح ، فهل تفضل أن تقوم أنت أو الطرف الآخر للعقاب أو كلاكما بدور مهنة أو شخصية ما ( معلم – طالب – أميرة – راعي غنم – جميس بوند – كليوباترا ! – إلخ  )
9- إن كنتَ ممن يرغبُ في الضرب الجنسي أو المرح ، فهل ينتهي الضربُ في المعتاد إلى ممارسة جنسية أكثر حميمية ؟ وإن كانت الإجابة بنعم فمن الذي يقرر الانتقال من الضرب إلى تلك الممارسة ( الضارب – المضروب – قرار مشترك – أيهما رغب في ذلك أولًا( تكفي إرادة أحدهما ) – أيهما رغب في ذلك أخيراً ( لا بد من إرادة الطرفين ) ) ؟
10 – كم شخصًا عاقبْتَ أو عوقبْتَ منه في الواقع ؟ وإن كانتِ الإجابة بصفر فكم شخصًا ترغب في أن تعاقبه أو أن يعاقبك في الواقع ( من حيث المبدأ ) ؟
11 – في المتوسط ، كم مرةً في الشهر تكون طرفًا في عملية عقابٍ ؟ إن كانتِ الإجابة بصفر ، فكم مرةً في الشهر ترغب في أن تكون طرفًا في عملية عقابٍ ؟
12 – في المعتاد , كم دقيقةً تدوم عملية العقاب شاملةً الوقوف في الزاوية ، والتوبيخ (إن حوى العقاب هذين أو أيًّا منهما  ) ؟ وإن عدمَتِ التجربةُ الواقعيةُ فينتقل السؤال إلى المتخيَّل والمأمول ؟
13 – هل سبق لك أن صفعْتَ مؤخرتَك بنفسك ( يسمى عقاباً ذاتيًا أحياناً ) ؟ وإن كنْتَ على الطرف الآخر من العملة ، فهل سبق لك أن طلبْتَ ممن لا تطوله يداك وترغب في أن تعاقبه أن يصفع مؤخرته بنفسه نيابةً عنك ؟ في كلتا الحالتين ما هي رؤيتك لتلك الفكرة ؟
14 – هل سبق لك أن شاركْتَ في حفلة عقابٍ ( مجموعة ممن يرغبون في تلك الممارسة يتجمعون في مكانٍ ما ليمارسوها ) ؟ ما هي رؤيتك من حيث المبدأ لتلك الفكرة ؟
15- هل ترغب في إضافة شيءٍ آخر ؟
شكراً على المساهمة في هذا الاستطلاع / الدراسة / المسح .

– ثم إجاباتي على الأسئلة :

 أ – البدايات ( هذه الأسئلة تُعْنى بالفترة الأولى _ غالبًا أواخر الطفولة وبدايات المراهقة _ التي بدأتَ تدركُ فيها رغبتكَ في هذه الممارسة ) 
 1- هل تعرَّضْتَ كطفلٍ لعقابٍ جسديّ من شخصٍ بالغٍ ( ولي أمر أو معلم أو نحو ذلك ) ؟ وإن كانت الإجابة بنعم ، فهل تضمن هذا العقابُ ضرباً للمؤخرة ؟ وكم كان عمرك حينما بدأ تعرضك لهذه العقوبات الصرفة ( غير ذات الطبيعة الجنسية ), وكم كان عمرك حينما انتهَتْ ؟
نعم ، تعرضْتُ لعقابٍ جسديّ في المدرسة ، ولا أذكر أنّني تعرضْتُ لذلك في البيت ..
لا ، لم يتضمنْ ضربًا للمؤخرة ، بل كان ذلك العقابُ الجسديّ حصريًّا في صورة ضرب راحة اليد بعصا .. ولكني أذكر عندما كنْتُ في السنة الأولى الابتدائية أنني تعرَّضْتُ لتهديدٍ من مدرس بالمد على رجليّ ، ولا أدري إن كانتِ الذكرى قد ضخِّمَتْ فيما بعد ، ولكني أذكر جيدًا أنه ظل يسأل زملائي عما إذا كان عليه أن ينفذ وعيدَه ويمدّني ، وأذكر أنني فررْتُ هاربًا من الفصل ، وكنت أبكي وأنني ارتميت في حضن مدرسة أخرى كانتْ في الرواق ( وأذكر أنها كانتْ ترتدي خماراً ) وأنها ظلَّتْ تهدئ من روعي .. ولعل كل هذه تفاصيل متخيلة أضيفَتْ فيما بعد ، ولكني هكذا أذكر الحادثة ..
أيضًا من الجدير بالذكر أنني أذكر أن أحد المدرسين قد طلب من زميل لي ( وكنا في الصف الثالث أو الرابع الابتدائي على ما أذكر ) أن يمد يده حتى يضرب راحتها بالعصا ، وكان هذا مترددًا خوف الألم ، فعرض عليه أن يستلقي على الطاولة حتى يضربَ مؤخرته بالعصا كبديلٍ لضربه على يده ، وأذكر أن الفصل كله ( على الأقل هذا ما أذكره ) قد رأى أنّ هذا العرضَ يحمل قدرًا من التبجح وسوء الأدب .. وقد رفض الطالبُ على أية حالٍ ، ومدّ يده على كرهٍ منه ليكمل المعلم الضربات المتبقية على راحة يده …
بالنسبة لبداية عمري عندما تعرضْتُ للضرب على راحة يدي في المدرسة ، فأعتقد أن هذا بدأ في الصف الأول أو الثاني الابتدائي فعمري حينها بين السادسة والسابعة .. ولا أذكر بالضبط متى كف المعلمون عن ضرب الطلاب , ولكني أذكر أنني كنْتُ طالباً مجتهداً فيما بعد ، فلم أكن أدخل في جملة المضروبين على أية حالٍ ..  حتى إن أحد المعلمين ( وكنتُ في الصف الثالث الإعدادي على ما أذكر ) قد كره كراهةً شديدةً أن يضربني عندما وصل الدورُ إليّ في المتخلفين عن تقديم واجب مدرسيّ ما ، وظل يعاتبني على أنني لمْ أخبرْه من البداية أنني لم أعدّ هذا الواجبَ حتى يلغي العقوبةَ بالكلية كرامةً لي .. ولكنّ العدلَ حتّم عليه _ما دام عاقب غيري بالفعل _ أن يضربني أيضًا .. ولعل هذه كانتْ آخر مرةٍ حدثت فيها هذه العقوبة الجسدية لي ( ضرب راحة اليد بعصا ) وكنتُ حينها في حوالي الخامسة عشرة إذًا .. إن كانت الذاكرة أسعفَتْني بشكل صحيح .
 2- ما هي أولى ذكرياتك عن اهتمامك/ولعك بضرب المؤخرة ؟ وكم كان عمرك حينها ؟ وإن كانت إجابة السؤال رقم ( 1 )  بنعم ،  فهل ارتبط هذا الاهتمام/الولع بتلك العقوبات الصرفة ( غير ذات الطبيعة الجنسية )  ؟ 
أذكر بوضوحٍ أنني كنْتُ أتوق توقًا غير طبيعي إلى أن أتعرض لضرب المؤخرة على يد أنثى بالغة ، وكانتْ هذه الخاطرة أو الهاجس يشغل عليّ الكثيرَ من وقتي .. وكانتْ هذه الأنثى البالغة غالباً أختًا كبرى ( وأنا ليس لديّ أختٌ كبرى في الواقع) ، وكانتْ مسئولةً عني أمام الناسِ ( فلعلي في هذه الخواطر كنْتُ يتيماً ، وأعيش وحدي مع أختي ، ولكني لا أذكر بالضبط ) … وهناك خاطرة كانتْ دائمة الورود عليّ ، وهي أن شخصًا بالغاً ما ( لعله معلم أو جار أو نحو ذلك ) قد شكاني إليها ، وأنها قد حرصَتْ ألا تقلل من شأني أمامه ؛ أي أنها لم تُرْضِهِ على حسابي .. ثم عندما تخلو بي تؤنبني ( في حزمٍ لا يخلو من عطفٍ ) على ما فعلْتُه ثم تبدأ في ضرب مؤخرتي مستلقيًا في حجرِها … كانَتْ هذه بصورة أو بأخرى هي اللبنات الرئيسية في كل الخواطر التي غزَتْني في تلك المرحلة المبكرة من عمري ..
ولا أدري إن كانتْ تلك الخواطر قد سبقَتْ أو لحقَتْ بقراءتي لبعض مجلات الأطفال التي ينتهي بعض شخصيّاتِها من الأطفال مصفوعي المؤخرة على يد آبائهم أو أمهاتهم ..  ولكنهما كانا في فترة متقاربة .. وأنا أذكر بوضوحٍ تلك الشخصيات .. وأنني كنْتُ أدمن قراءةَ تلك القصص التي تنتهي بصفعِ إحدى الشخصيات .. وأذكرُ بوضوحٍ شخصيةً طفل صغير ( لعله في العاشرة أو قريباً من ذلك أي أنّه قريبٌ من سني آنذاك ) ، ولم يكن يتكلم ( أي أنه لم يكن يتصاعد من فمه بالونات حوار ) وفي تلك القصة يُظْهِرُ الإطارُ الأول أنه أخذ قطعة حلوى دون إذن والدته ( التي أذكر أنها كانتْ جميلة للغاية ، ولعل هذه الفكرة قد أضفْتُها فيما بعد ، ولم أشعر بها آنذاك ) فوضعَتْه في حجرها ( تماماً كما كنتُ أتمنى أن تفعل بي أختي الكبرى الخيالية ) وضربَتْ مؤخرَته ، وانصرف باكيًا .. ثم بعد فترة ( ولعل هذه قصة أخرى ، وأدخلَتْهما ذاكرتي معاً ) صنع شيئًا آخرَ استحق عليه نفسَ العقابِ ، ولكن السروال القصير الذي يرتديه كان قد ثُقِبَ ( لا أذكر كيف ) فلما وضعَتْه أمه في حجرها لتضرب مؤخرتَه رأتِ الثقبَ فانشغلَتْ برتقه عن ضربه ،  فنجا … ( كانتْ هذه هي المزحة التي فكر فيها الرسام على ما يظهر …)  بالإضافة لعشرات القصص الأخرى في مجلات الأطفال … كما أذكر بجلاءٍ مسلسل كرتونٍ كان يحكي قصةَ طفلٍ في نفس تلك المرحلة العمرية أيضاً ( من السادسة إلى العاشرة ، أو قريباً من ذلك ) وكانتْ له أختٌ كبرى وأم ، وأذكر أيضًا أن الأخت الكبرى كان اسمُها في الدبلجة العربية ( نبيلة ) .. ولا أدري ما الذي صنعه ، ولكنها وضعَتْه في حجرِها وضربَتْ مؤخرَتَه ، وأذكر أنه كان يروي تلك القصة لأصدقائه فيما بعد .. أو شيئًا من هذا القبيل … وهناك ذكريات عديدة فلا أريد أن أطيل .. ولكني أشيرُ إلى واحدةٍ أخرى لأهميتها .. وهي تتعلق بالمحقق كونان – تلك الشخصية الكرتونية الشهيرة .. وكانَتْ حلقاتُها قد بدأت تُبَثّ على فضائية سبيس تون ، وفي تلك الأيام المجيدة لم يكن بثها متواصلاً بل كانَتْ الفضائية القطرية ( إن لم تخني الذاكرة ) تبث برامجها طيلة النهار ، ثم مع غروب الشمس يستبدل بها  برامج فضائية سبيس تون حتى منتصف الليل أو قريبًا من ذلك .. على أية حالٍ : من شاهد منكم مسلسل الكارتون ذلك يعلم أن كونان كان مراهقاً ثم تحول إلى طفلٍ ( لا أذكر التفاصيل بالضبط ) ولكن صديقته عندما كان مراهقًا ( أعتقد أن اسمها في الدبلجة العربية كان : ( ران ) ) ستصبح بمثابة الأخت الكبرى له عندما يصير طفلاً _ بعد أن يتبناه أبوها _ … هذه الشخصية أيضًا كانتْ مثار كثيرٍ من الخواطر الجنسية التي شعرْتُ بها في تلك الفترة المبكرة .. كنْتُ أتصور نفسي مكان ( كونان ) ، وأرتكب شيئًا ما ينتهي بي في حجر ( ران ) لتعاقبني .. لو قلْتَ أنني تخيلْتُ هذا السيناريو مئات المرات فلن تكون مبالغًا …
كم كان عمري حينها ؟ / أعتقد أنني كنْتُ في حدود الحادية عشرة ، قطْعاً قبل بلوغي الثانية عشرة كانَتْ هذه الهواجس أو الخواطر أو الأحلام الجنسية قد صارتْ جزءاً ثابتًا من حياتي …
إجابة السؤال الأول المتعلق بتعرضي للعقاب الجسدي ( حصريًا على راحة يدي ) هي بنعم ، ولكني أذكر بوضوحٍ أنه لا علاقة من أي نوع ( على الأقل على مستوى الوعي ) بين تلك العقوبات الجسدية ، وبين ما كنْتُ أتوق إليه من ضربٍ للمؤخرة .. ولعل علة ذلك تكمن في شيئين : الأول أنني كنْتُ مولعاً حصريا بصفع المؤخرة وليس أي نمط عقابي آخر ، ولم يكنْ صفع المؤخرة شائعاً في البيئة العربية ( وأعتقد أنه لا زال غير شائعٍ  ), وثانياً : أنني كنْتُ ( ولا أزال إلى حدٍّ ما ) أميل إلى أن تكون ممارسات صفع المؤخرة هذه بيني وبين فرد من الجنس الآخر ؛ امرأة .. وأنا كنْتُ في مدرسة خاصة بالبنين ، وكان المعلمون كلهم ذكوراً .. وكذلك على مستوى البيت ( وإن كنْتُ لم أعاقبْ على ما أذكر ) كانَتْ الشخصية الأنثوية ؛ أمي .. ليسَتْ بالطبع مجالَ ربطٍ بتلك الخواطر الجنسية ( على الأقل على مستوى وعيي ؛ كذلك يرى ( سيجموند فرويد ) ) .. ومِنْ ثمّ فتلك الخواطر كانتْ لا تجدُ لها مخرجًا في عقابٍ متوقّعٍ على أرض الواقع ( على الرغم من كوني آنذاك في سنٍّ غير مستبعدٍ فيها على الإطلاق التعرض لعقابٍ جسديّ ) ، وإنْ وَجَدَتْ لها مخارج كثيرة في عالم الخيال .. حتى إنني كنْتُ أتمنى أن أعاقَبَ على يد بعض أمهات أصدقائي ( وكنْتُ في سنٍّ لا تزال لهنّ فيه وصايةٌ عليّ بمعنى من المعاني ، ولكنْ من المستبعد جدًّا أن تكون وسيلة العقاب تزيد على عركة أذن مثلاً ، وليس صفع المؤخرة بكل ما يحمله من تابوهات في العالم العربي  ) .. إلى غير ذلك من أحلام اليقظة ..
 3- هل تتذكر شعورَكَ في تلك الفترة ؟ هل حاولْتَ أنْ تتقبل فكرة أنك مولع / مهتم بضرب المؤخرة أم حاولْتَ أن تتخلص منها ؟ 
 
أتذكر أنني كنْتُ أشعر بنوعٍ من تأنيب الضمير ، ولكني كنْتُ أصغر سنًّا من أن أستوعب تماماً معنى ذلك كله .. وخطر لي ( بناءً على القدر المحدود من الثقافة الدينية التي يتسع لها عقل طفل في الحادية عشرة ) خطر لي أنّ ما لا يليق في تلك الخواطر هو أنّ الشخصيات الأنثوية التي فيها لا ترتدي ملابس محتشمة ( حجاب أو نقاب ) ، وبالرغم من أن تلك الشخصيات هي أختي الكبرى ( وهذا ما يجعل الممارسة كلها أقربَ إلى زنا المحارم ، ولكني وجدْتُ مخرجاً لذلك بأنها ليسَتْ بالفعل أختي الكبرى ، وإنما هي شخصية خيالية ، وعليه فلا مشكلة في أن تعاقبني ، بل المشكلة في أن تستر جسدها ) ولا أنسى ، أنني تخيلْتُ في إحدى تلك الأحلام الجنسية عقاباً تجريه فتاة ( أتوهم أنها أختي الكبرى ) بينما هي متلفحة بالسواد من قمة رأسها إلى أخمص قدميها ، وأنا أنهى نفسي بكل ما أوتيته من عزمٍ على تخيُّلِ ملامحها أو صفات جسدها … وبدا لي أنني حققْتُ نوعاً من التوازن يسمح لي على الأقل بعدم الانغماس الكليّ بهذا الشعور بتأنيب الضمير …
هل تقبلْتُ هذه الفكرة أم رفضْتُها ؟ / في الواقع لقد كنْتُ لا أدري بعدُ أيَّ شيءٍ عن الجنس بل عن تشريح المرأة حتى … وأنا أذكر أنني في تلك الفترة كنْتُ لا أعلم بعد ما إذا كانتِ المرأةُ لها قضيبٌ أم لا ؟ وأذكر أنني استبعدْتُ أنْ يعشْنَ بدون واحدٍ , وإلا فكيف يتبولْنَ ؟ ففي تلك الفترة المبكرة لم أكنْ أستوعب أن ما أحلم به هو ممارسة جنسية ، بقدر ما كنْتُ أراه توقًا إلى فرض رقابة ممزوجة بالعطف والمحبة من شخصية أنثوية بالغة .. فلم يكنْ هذا جنسًا بالضبط ، ولذا فلمْ يكنْ هناك معنىً لرغبتي في التخلص منه .. وأنا لا أدري بديلاً له ، بل لا أدري إلى أيّ قسمٍ ينتمي حتى أبحث عن بدائل مقبولة أو مرفوضة لهذه الأحلام التي لمْ أكنْ أدري بعد أنها جنسية .
 4- هل كانَتْ بداية اهتمامك / ولعك بضرب المؤخرة سابقةً على اهتمامك بأنماط أخرى من العقاب ( من مثل صفع اليد ، أو القدم : الفلكة )  أم تاليةً لها أم مصاحبةً لها ؟  أم أن ضربَ المؤخرة هو النمط الوحيد للعقاب الذي كان محل اهتمامك / ولعك ؟
أعتقد أن النمطَ الوحيدَ للعقاب الذي كنْتُ مولعاً به هو الضرب على المؤخرة ، ولكني أذكر _بما أنّ صفع القدمين أو الفلكة هو الأكثر شهرةً في العالم العربيّ على حدِّ علمي _ أنني تخيَّلْتُ مرةً أنني تعرضْتُ له .. ولا أعتقد أنّه كعقابٍ كان مثيراً لي ، بقدر ما كان إجراءُ العقابِ في حدِّ ذاته هو المثير .. فبالطبع هناك تشابه بين أي طقس عقابي وأي طقس آخر في أشياءَ ما .. وهذه هي التي كانتْ مشوقةً بالنسبة لي ، وليس ” الفلكة ” ذاتَها .. أما بالنسبة للضرب على راحة اليد .. فلا أعتقد أنني فكرْتُ إطلاقًا في ذلك كعقابٍ له بعدٌ جنسيٌّ على الإطلاق ، لا أدري لماذا .. ومن ثم فالإجابة هي أن ضرب المؤخرة كان _ ولا يزال إلى حدٍّ بعيدٍ _ النمط الوحيد للعقاب محل اهتمامي ..
5- هل كان الاهتمام/الولع بضرب المؤخرة سابقاً لديك على الاهتمام بالسلوكات الجنسية التقليدية ( التقبيل , اللمس , الجنس المهبلي أو الفموي أو الشرجي) أم تالياً لها أم مصاحبًا لها ؟
سابقاً لها – كما أشرْتُ في إجابة سؤالٍ متقدم .. وأنا أذكر أنني لمْ أشعرْ بأية رغبة في لثم فتاةٍ أو تقبيلِها على الإطلاق في الوقت الذي كنْتُ أشتعل فيه رغبةً _ إن صح التعبير _ في أن تعاقبني إحداهنّ .. أيضاً كان الجنس المهبلي خارج المعادلة تماماً إذ كنْتُ لا أدري بعدُ كيف تتركب الأنثى ، وما هي الأسرار التي تخفيها تحت تنورتها ! ولم أعلم بإمكانية الجنس الفموي إلا بعد ذلك بكثيرٍ .. أما الجنس  الشرجي فأجدني حتى لحظة كتابة هذه الإجابة لا أميل إليه كثيراً ..
ولكنْ ما يجعلُ الأمرَ أكثرَ إثارةً للشفقة .. هو أنني لمْ أكنْ أدري آنذاك ما هو الاستمناء !!  لقد كنْتُ أتمدد مستلقيًا على بطني في حوض الاستحمام بينما الماء ينساب من الدش وأخوض في تلك الخواطر الجنسية وأنا أتخيل أنني ممدد على فخذي إحداهنّ لأتلقى عقابي ، وأظل أحرك فخذي ضمّا وانفراجاً حتى يمسّا فركاً أو دلْكاً _أو أيًّا تكن اللفظة _ قضيبي .. وبعد فترةٍ أشعر ببلوغ ذروة النشوة ، ثم بعد ذلك أنهي اغتسالي ، وأشعرُ لفترة تالية بخفوت حدة الرغبة في الانشغال بتلك الخواطر ، وأنصرف لحياتي .. وفي الواقع _ رغم أن ذلك يبدو غريباً للغاية _ فقد استغرقني الأمر فترةً طويلةً نسبيًّا حتى اكتشفْتُ أن بلوغ ذروة النشوة تلك يتصاحب مع دفْقِ المنيّ .. واستغرقني الأمرُ فترةً أطول بكثيرٍ حتى أعلم أن هذه الممارسة تسمى الاستمناء أو العادة السرية أو أيًّا يكن .. فالولع / الاهتمام بضرب المؤخرة سبق أيَّ شيءٍ آخرَ له علاقة بالجنس لديّ ..
6- هل ارتبط اهتمامك / ولعك بضرب المؤخرة بأي سلوكٍ آخرَ جنسيّ ( تقليدي أو فيتشي )  , أم أنه كان أشبه بالسلوك المستقل عن سائر العمليات الجنسية ؟
كما أشرْتُ في إجابة السؤال السابق .. لقد حتَّمَ عليّ جهلي بمسائل الجنس في البداية أن تكون الأفكار الجنسية محصورة على الولع بضرب بالمؤخرة .. وتدريجيًّا بدأتِ الصورُ الأخرى للممارسات الجنسية التقليدية وغير التقليدية تظهر في الصورة ، ولكنْ حتى مع ظهورِها في الصورة ظل ضربُ المؤخرة هو سيد الموقف لفترة طويلة لاحقة ، وأعتقد أنه لا يزال حتى الآن هو السلوك الجنسي الذي يمكنني أن أقتصر عليه إذا توجب عليّ الاقتصار على سلوك جنسي واحدٍ  ..
 ولكنْ على أية حالٍ ، في البداية كان ضربُ المؤخرة يشغل وحده كل اهتماماتي ذات الطابع الجنسي ..
7- هل حاولْتَ إطلاعَ أحدٍ ( بالغًا أو في مثل سنك ) تصريحاً أو تلميحاً إلى رغباتك تلك ؟
ببساطة لا ، لم أجرؤ .. ولا أعتقد أنه كانتْ هناك فرصةٌ لذلك ..
ب- التأسيس ( هذه الأسئلة تُعْنى بالفترة التي بدأتَ فيها بمحاولة تقبّل اهتمامك / ولعك بضرب المؤخرة ، وما يصاحب ذلك من بحثٍ واستقصاء )
1- متى وكيف أدركْتَ وجود أشخاصٍ آخرين مهتمين / مولعين بضرب المؤخرة ؟ وهل هؤلاء الأشخاص كانوا واقعيين في حياتك ؟ أم افتراضيين (على شبكة الإنترنت أو ممثلين في مجلات جنسية أو فيديوهات جنسية ، أو نحو ذلك ) ؟ أم أن بعضهم كان افتراضيًّا , وبعضهم كان واقعيًّا ؟
عن طريق الإنترنت .. لقد كان الإنترنتُ قد بدأ في الدخول إلى معظم البيوت ، عندما كنْتُ في بداية مرحلة المراهقة ، ولذلك فقد كان مفيداً للغاية في التعرف على المجتمع المولع بضرب المؤخرة آنذاك ..
وبناءً عليه ، فقد كانوا أشخاصاً افتراضيين حسب منطوق السؤال ، وفي الواقع فحتى الآن لا يوجد شخصٌ في أرض الواقع ( صديقًا أو غير ذلك ) أعلم أنه مولعٌ بتلك الممارسات .. إلا إذا استثنينا بعض السلوكيات التي كان يقوم بها بعض زملاء الدراسة الذين لعلهم كانوا مثليي الجنس أو مزدوجي الميول الجنسية عندما كان يصفع بعضهم مؤخرات بعض ، ولعلهم كانوا عابثين لا أكثر .. فإذا استثنينا هؤلاء فكل من أعرف أنهم يشاركونني هذا الولع / الاهتمام بضرب المؤخرة هم افتراضيّون ..
2- إذا كانوا افتراضيين ، فهل حاولْتَ التواصلَ مع هؤلاء الأشخاص أو التفاعل معهم ( مثلاً بالرد على أسئلتهم أو المشاركة في استفتاءاتهم ) أم أنك اقتصرْتَ على مراقبة نشاطهم والاطلاع على منتجاتهم ( إن كانوا ممثلين أو رسامين أو مؤلفين أو نحو ذلك ) ؟
التواصل – لا .. ولكني شاركْتُ في بعض الاستفتاءات في تلك الفترة ، خصوصاً على “الجروبات ” التي كان ولا يزال يستضيفها موقع ياهوو ، وأذكر منها خصوصًا ذلك الجروب الذي أسسه الرسام الشهير ( بانجو ) ، وهذا هو رابط ذلك الجروب :
كما أنّ هذا هو رابط منتداه ( الذي يعتبر حديثًا بالقياس إلى الجروب ) :
 وكان هذا الرسام _ ولا يزال _ من أحبِّ الرسامين إلى قلبي .. وكانتْ فرحتي عظيمة عندما اكتشفتُ جروبه ذلك على الياهوو ، ليس بسبب الرسوم فحسب ، ولكن بسبب القصص كذلك ، فهو قاصٌّ ماهرٌ ، ورسامٌ مبدعٌ ..
ولكني لا أذكر تواصلاً ولا تفاعلاً أكثر من ذلك .. في الأعم الأغلب فأنا واحدٌ من الملايين الذين يمرّون في جنبات مواقع الإنترنت ولا يعلم أحدٌ بمرورهم ، أعتقد أن التسمية الإنجليزية لهؤلاء هي لِرْكَرْ ، وهي كما يقول قاموس أكسفورد : ( عامية ) : بمعنى الشخص الذي يقرأ المشاركات على منتديات الإنترنت بدون أن يساهم بأي ردود .. أعتقد أن هذا ينطبق عليّ.. في معظم الأحيان على أية حال ..
3- وإذا كانوا واقعيين فهل اعترفْتَ لهم ( أو اعترفوا لك – في حال ما إذا أدرَكْتَ ولعهم بضرب المؤخرة بدون علمهم ) برغباتكما المشتركة ، أو تناقشتما في ذلك ؟
لا ، ولكنْ أحدَ هؤلاء الزملاء الذين تحدَّثْتُ عنهم مؤخراً كان على ما أعتقد مزدوج الميول الجنسية , وكان أيضاً على ما أعتقد مولعاً بالضرب على المؤخرة ، وأذكر أنه ( وكنا جميعاً صغارَ السنّ : ربما في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة ) لام صديقاً لنا على شيءٍ فعله _ والذكرى مشوشة في هذه الجزئية _ ولكنْ ما أذكره بوضوحٍ أن صديقي الملوم انتهى به الأمرُ ملتصقاً بالجدارِ ببطنه وقد انهمك زميلي ذاك بضرب مؤخرتِه بيده .. وأذكر أننا تحدثْنا حينَها عن “ممارسات غير لائقة” بين الذكور ، وعن ” الشذوذ ” وأشياء من هذا القبيل ، وأذكر أن زميلي ذاك كان مستاءً للغاية من هذه التعليقات … ومن المثير للسخرية فعلاً أنني بعد ذلك بفترة ( أعتقد أنني كنْتُ في السادسة عشرة أو قريباً من ذلك ) كنْتُ أتكلم مع هذا الزميل بعينه وحْدَنا .. وأعتقد أنه دفعني بيده أو شيءٌ من هذا القبيل ، فدفعْتُه أنا أيضاً ، ولا أدري كيف سارَتِ الأمورُ فجأةً إلى أنني التقطْتُ عصا من مكانٍ ما ، وقبضْتُ على يده اليسرى بيدي اليسرى ، فصارَتْ مؤخرتُه متاحةً لتسقط عليها عصاي .. وكان أقوى مني جسديًّا بكثيرٍ ، ويسهل عليه أن يتخلص من قبضتي وأن يهرب مني ، أو أن يهاجمني ، ولكنه ظل واقفًا مكانَه ( على الأقل هذا ما أذكره ) وكأنه ينتظر أن تهوي العصا على مؤخرته ، أما أنا ( ومع أنني لا أميل جنسيًّا للذكور ، ومع أن اهتمامي بالضرب على المؤخرة في تلك الفترة المبكرة كان شبه محصورٍ على التلقي وليس الفعل ) فقد بدَتْ لي تلك الفكرة جذابةً للغاية .. ولكنني لم أضربْ مؤخرَتَه بالعصا ولا بغيرِها .. وأذكر أنني شعرْتُ باستياءٍ بالغٍ في تلك الليلة فيما بعدُ لأنني فكرْتُ مجرد تفكيرٍ في أن أفعلَها ، ولمْتُ نفسي لوماً شديداً ، فقد كنْتُ لا أزال أرفض إلى حدٍّ ما أن أتقبّل بشكل كليٍّ نقل خواطريّ وأمانيّ إلى الواقع  ..
ولكنْ على أية حالٍ أعتقد أن هذه القصة هي أقرب حادثة ممكنة تشاركْتُ فيها مع شخصٍ آخر ربما كان يميل هو الآخر إلى ضرب المؤخرة .. تشاركْنا في الاقتراب من إطلاع بعضنا البعض على ذلك الميل ، وأيضاً في الاقتراب من ممارسة ما له علاقة بصورة أو بأخرى بضرب المؤخرة .. ولكنْ لم يحدث أكثرَ من ذلك !
4- كيف كان شعورك حول وجود آخرين ( واقعيين أو افتراضيين )  يشاركونك نفس الرغبات ؟
أعتقد أنني لم أشعرْ أنَّ ذلك مُطَمْئِنٌ بما فيه الكفاية .. لقد كنْتُ أميل إلى التديّنِ في تلك الفترة ، ومن ثمّ فانتشار فكرة أو سلوك بين الناس لم يكنْ كافياً لجعل ما انتشر بينهم مقبولاً عندي ..
 كما أن ميلي إلى تلقي الصفع على المؤخرة أكثر من ميلي إلى إحداثه ( على الأقل في تلك الفترة ) كان يزيد من شعوري بالاستياء إن صح التعبير ، بسبب وجود مخرجٍ ما للذكور الراغبين في عقاب الإناث ( في صورة ضرب الزوج لزوجته ؛ في العادات والتقاليد الشرقية أو الدينية أو العربية أو أيًّا يكن ) في حين أن العكس يكاد يتعارض مع كلّ شيءٍ راسخ ومؤسس في مجتمعاتنا ، ومن ثمّ فإن هؤلاء الذين يرغبون في التعرض للعقاب وهم ذكورٌ على يد إناثٍ كان من الأسهل عليهم أن يتخلوا بالكلية عن التمحل لعادات المجتمع وتقاليده .. وهو شيءٌ لم أكنْ مستعدًا لفعله في تلك الفترة .. ومن ثمّ فقد كانتْ هناك غيرة قد تصل إلى الحسد .. أشعر بها تجاه هؤلاء الذين لا يزال بوسعهم تكييف رغباتهم إلى حدٍّ ما مع طبيعة المجتمع ، وأن يقوموا بما يشتهونه بدون أن يضطرهم ذلك إلى اتخاذ موقف تقدميّ رافض لربط الجنس بالإنجاب .. 
5- هل فكَّرْتَ في الانخراط في ممارسة تتعلق بضرب المؤخرة مع هؤلاء الأشخاص ( سواءً أكانتْ ممارسة جسدية فعلية , أم تبادلاً للذكريات , أو حتى استمناءً مشتركاً , أو أيَّ ممارسة تتطلب تفاعل الطرفين ولها علاقة بضرب المؤخرة ) ؟
بالطبع الفكرة كانتْ دائماً حاضرة ، بالنسبة للأشخاص الواقعيين ، فقد أشرْتُ في إجابة السؤال قبل السابق إلى شيءٍ قريبٍ من ذلك ..
أما بالنسبة للأشخاص الافتراضيين ، فقد كان دائماً هناك ذلك الخوف/الرغبة من أن يستطيع أحدهم ( وفي هذا المثال إحداهنّ ) أن تخترق حاسبي أو حسابي الشخصي ، وتعلم بسرّي ، وتواجهني به .. ولكني لا أعتقد أنّه كان لديّ  ميلٌ جدّيٌّ غيرُ خياليّ لمقابلة شخصٍ ما ، وممارسة شيءٍ معه ، والتفسير البسيط لذلك يتعلق بالسن أولاً ، فمن الصعب عليك أن تتحرك بحرية في ذلك السن المبكر ، والسبب الثاني يرتبط بكوني ذكراً ومن أرغب في ممارسة ضرب المؤخرة معه هو أنثى ، واجتماع ذكر وأنثى في المجتمعات العربية كما هو معلومٌ يستدعي حضورَ الدولة في صورة مأذون أو في صورة ضابط شرطة .. فإذا أضفْتَ هذا إلى عامل السنّ المتقدم .. فالأمر شبه مستحيلٍ .. ولكنْ حتى لو افترضْنا أنه كان ممكناً فأعتقد أنني كنْتُ سأجْبُنُ عنه كذلك .. وكما قلْتُ قبل قليلٍ : لِرْكَرْ !
6- هل فكَّرْتَ في مستقبلٍ مستقر ( غالباً في صورة زواج بالنظر إلى طبيعة مجتمعاتنا العربية ) مع شخصٍ يرغب في تبادل الممارسات المتعلقة بضرب المؤخرة معك ؟ وهل بدَتْ لك تلك الفكرة واقعيّةً آنذاك ؟
أعترف أن فكرة الممارسات في إطار الزواج التقليدي تلك قد خطرَتْ لي _ على الرغم مما ذكرْتُه آنفاً _ ، وأعتقد أنني أسرفْتُ في الانتقال من النقيض إلى النقيض ، فإذا كانَتْ الأفكار الدينية التي تمنعني من ممارسات جنسية خارج نطاق الزواج هي السبب في لجوئي لمؤسسة الزواج كإطار لإشباع رغباتي تلك ، فلا أقل من أن أتخيل حصولي على كل ما يمكن الحصول عليه في ذلك الإطار ؛ هناك احتمالية لأربع زوجات ؟ فليكن . هناك احتمالية لعشرات بل مئات الإماء ؟ فليكن.
ولكنّ المشكلة كما ذكرْتُ آنفًا هو أنني كنْتُ حينَها أميلَ إلى التعرض للعقاب أكثرَ بكثيرٍ من ميلي إلى إيقاعه .. وهذا أمرٌ لن تروي غلتي منه أربع زوجاتٍ ولا ألف أمةٍ .. لأنهن على كل حالٍ يفترض بهن أنْ يطعْنني بمعنى من المعاني ، لا العكس .. وعلى الرغم من ذلك فأنا أذكر _ وإنْ مفعماً بالخجل _ خاطرةً مما فكرْتُ فيه في تلك الأيام عن زواجي بأربع زوجات يغطين خارطة الوطن العربي الكبير : زوجة من الخليج ولا أدري لماذا اخترْتُ الكويتَ بالذات ، ولعل لهذا علاقة بممثلة ما رأيْتها في إحدى المسلسلات الخليجية ، وزوجة من الشام ولتكنْ لبنانية , وهذا الاختيار أسهل في التبرير من الاختيار الأول ، وزوجة مصرية لئلا أتَّهَمَ بقلة الوطنية ، وزوجة من المغرب العربي ، والواقع أنني لا أذكر ما الجنسية التي اختارها عقلي المراهق آنذاك لها .. وأذكر أنه على الأقل في خاطرةٍ من تلك الخواطر ، تكالبَتْ عليّ الزوجاتُ الأربعُ ، وصفعْنَ مؤخرتي .. فأنا أعتقد أنّ ميولي تلك كانتْ دائماً حائلًا يحول بيني وبين الانغماس بالكلية في النمط التقليدي للزواج..

7- هل بحثْتَ عن آراء شخص أو جهة _أو تواصلْتَ مع شخص أو جهة  _ يرون أن ذلك الولع بضرب المؤخرة “سلوكٌ مرضيٌّ” ، ويعْرِضُون ” علاجاً ” له ؟ وهل جرَّبْتَ _ بناءً على كلامهم _ أن “تتخلص” من رغباتك تلك ؟
أعترف أنني بحثْتُ في الإنترنت عن شيءٍ بهذا المعنى ، ولسوء حظ الطبيب النفسي الذي أجاب على استفسار من شخص ” يعاني مرضًا ” شبيهاً بالذي لديّ .. لسوء حظه أنه اقترح على الشخص ألا يكف عن الاستمناء ( وكان ” المريض النفسي ” يشعر بالذنب بسبب تلك الأحلام الجنسية وكذلك بسبب اعتياده للاستمناء ، فنصحه الطبيب بالكف عن الأحلام والاستمرار في الاستمناء ) ، لأن في كفه عن الاستمناء ربطًا للجنس بتلك الأماني الشاذة ، ونصحه أن يقلع عن تلك الأفكار ” المنحرفة ” دون أن يربطها بممارسة الجنس عموماً – ومنه الاستمناء ..
وبالطبع فبالنسبة لي أنا كانتِ المشكلة الوحيدة في تلك الخواطر والأماني آنذاك هي الحرمة الدينية , وهذه الحرمة تنسحب أيضاً على الاستمناء ، فإذا كان الطبيب النفسي سيجيز واحدةً ويحرم واحدةً فكلامه كله مردودٌ عندي !
وهذا من الغريب فعلاً ؛ أن تكون الأفكار الأكثر يمينية سبيلاً إلى التخلي عن أطروحات يمين الوسط ، والذهاب في نهاية المطاف إلى اليسار .. ولعل ذلك الطبيب النفسي لو كان أكثر تشدداً ونصح المستشير بأن يكف بالكلية عن الاستمناء وعن تلك الأماني الجنسية معاً , وأن يبحث له عن زوجة حتى قبل أن يبلغ الثامنة عشرة … لعل ذلك الطبيب لو قال هذا لاستمعْتُ له .. ولعلي كنتُ ” أشفى من  مرضي” ( بمعنى كبت رغباتي ، والتظاهر بأن الأمور على ما يرام ) ، فيَصِلُ هو إلى النتيجة التي يريدها .. ولكنْ ربَّ ضارةٍ نافعة كما يقولون !
ج- الاستقرار ( هذه الأسئلة تُعْنى بالفترة التي يفترض أنها ممتدة حتى الوقت الحالي بالنسبة لك ، والتي لم تشهد تغييرًا يُذْكرَ في موقفك من اهتمامك/ولعك بضرب المؤخرة )
1- هل سبق لك ممارسة الضرب على المؤخرة – ضاربًا أو مضروبًا .. على أساسٍ جنسيّ ؟
لا ! هكذا قصيرةً صريحةً بلا مواربةً ..
2- كيف هي رؤيتُك لملابس المضروب أو المعاقَب ارتداءً ونزعاً – وإن كان نزعٌ فبالكلية أم بالتدرج ؟
أنا شخصيًّا أميلُ إلى أن يدخل المعاقَبُ إلى العقابِ كما دخل إلى الحياة عاريًا من كلِّ شيءٍ .. ولكني أعترف أن هناك لحظاتٍ يلذ فيها منظرُ المعاقَبِ وقد توقفَ العقابُ لثوانٍ حتى يعرَّى تمهيداً لتمام عقابِه .. كذلك فمنظر الملابس الداخلية المتقلقة بين ركبتي المعاقب أو قدميه مشوق للغاية… لنقلْ إنني أميل إلى كلِّ شيءٍ بنسبة معينة … ولكنّ ميلي الأساسي إلى العري الكامل منذ البداية !
3- ما هو أكثر شيءٍ يلذّ لك في ممارسة ضرب المؤخرة ؟
الجانب النفسيّ على ما أعتقد له الصدارة ..
أيضًا في بعض الوضعيات مثل الاستلقاء على الفخذين أو أن يجلسَ المضروب على أحد الفخذين كأنه سَرْجٌ ثم يستلقي ببطنه على جانب السرير أو جانب الكرسي الذي يجلس عليه الضارب .. مثل هذه الوضعيات تكون الحميمية والاتصال الجسدي فيها مثيرةً للغاية ..
 ثم حقيقةُ أنَّ المؤخرة هي _شئنا أم أبينا_ شديدة الاتصال بالعوامل الجنسية ( بل إن العاميات العربية لا تحوي لفظة ” مهذبة ” تشير إلى هذا المكان من الجسد ، لارتباطه بالأبعاد الجنسية ، على سبيل المثال هناك عبارات عامية مصرية بذيئة كثيرة تشير إلى المؤخرة بضمير الغائبة – إلى الحد الذي يمكن اعتبار أي فعل منسوب لضمير الغائبة في العامية المصرية بدون أن يكون هناك ما يرجع إليه راجع إلى المؤخرة ) .. هناك شيءٌ ما شديد الخضوع وشديد الحساسية في المؤخرة ؛ تصوَّرْ منظر ملكٍ جبار أو فارس شجاع أو حكيم داهية أو قاضٍ مهيبٍ  تغضي من هيبته العيون ، ثمّ حاولْ أن تصوّرَ لنفسك منظره طفلًا وأمَّه تربِّتُ على مؤخرته .. أعتقد أن اللحظة التي يكف فيها البالغون عن التعامل مع مؤخرة الطفل على أنها حمًى مستباحٌ ومحلٌّ للتربيت والحمل – بل والغسل أيضًا .. في هذه اللحظة يبدأ الطفل يخطو خطواتِه الأولى نحو الاستقلال وامتلاك شخصية منفصلة خاصة به .. وبعد أن يصبح هذا الطفل بالغًا ويترسخ عنده استقلال شخصيته وتساويه في الحقوق والواجبات مع بقية أفراد المجتمع ، لا شيءَ يردّه بسرعة الضوء إلى مشاعره الأولى بالضعف والخضوع والارتباط بالآخرين مثل التعدي على مؤخرتِه تعريةً ومسحًا وصفعاً ؛ لا يبقى بعد تعرية المؤخرة وصفعها  شيءٌ من التظاهر بالقوة ومن محاولة إبقاء السدود قائمةً بين صاحب المؤخرة العريانة وبين من يعاقبها .. في تلك اللحظة تهوي السدود والحواجز والتظاهرات , ويعود البالغ طفلاً كامل الطفولية .. بمعنى من المعاني فإن صفع المؤخرة هو نوعٌ من آلة الزمن ! 
4- أي الوضعيات أحبّ إليك ( من مثل الاستلقاء على فخذي المعاقِب ، أو التمدد على السرير ، .. إلخ ) ؟
كل الأوضاع التي تشمل اتصالاً بين جسدي المضروب والضارب ، وعلى رأسها بالطبع الاستلقاء على الفخذين بكافة تنويعاته …
أيضاً مما يلذّ لي جدَّا ، وإن كان هذا يستدعي أكثر من شخصٍ ( على الأقل ثلاثة أشخاص ، ولكن ما هو أفضل بالنسبة لي أن يكونوا عددًا كبيراً من الأشخاص ) – أن يقوم أحد الأشخاص ويستحبّ أن يكون أقرب الناس إلى المضروب بمعانقته واقفَين , ويطلب منه أن يحيط عنقه بذراعيه ، ثم يقوم الآخرون بصفع مؤخرته .. وكلما زادَتِ الصفعاتُ الواقعة على مؤخرته من ألمه  زاد عناقه لمن يمسك به ، ولعلّ هذا المضروب يتظاهر بأنّ الألم الواقع عليه أكبر مما هو فعلًا فهو يبالغ في صرخاته ، فيهمس في أذنه الممسكُ به ( وهو أقرب الناس إليه ، ويعلم أنه يتظاهر ) بأنه إن لم يكفّ عن التظاهر ، فسيتولى ضربَه بنفسه ، فينتهي ~ هذا مشروع قصة !
5- هل سبق لك أن اطلع عليك أثناء إجرائك العقابَ أو جريانه عليك شخصٌ آخرَ غير طرفي العقاب ؟ وهل سبق أن اطلعْتَ أنت على عقابٍ لستَ طرفًا فيه ؟ وما هي رؤيتك لفكرة اطلاع الآخرين على العقاب سواءً حدث ذلك لك أو لم يحدث ؟
لم يسبقْ لي هذا ولا ذاك ، إلا إذا استعدْنا ما ذكرْتُه سابقًا عن صفع زملائي بعضهم لمؤخرات بعض ، ولكن هذا ليس عقاباً بالضبط !
ورؤيتي لتلك الفكرة أنني أدعمها بشدة .. إن لم يكنْ لشيءٍ إلا لزيادة خجل المعاقَبِ الذي لا يرغب في أن يراه بهذا الضعف أحدٌ ويكفيه خجلاً أن معاقِبه سيطلع على تأوهاته وتوسلاته ، ثم يزداد الجمهور عددًا ولعل منهم من لا يعرفه إلا معرفةً سطحية أو لا يعرفه ألبتة فيزداد خجله أضعافًا مضاعفةً … ماما ميا !
6- إن كنْتَ ممن يرغب في العقاب التأديبي ، فما هو أكثر سلوكٍ عاقبْتَ أو عوقبْتَ عليه ( مثل مخالفات السيارات ، أو الإسراف في التسوق ، .. إلخ ) ؟
في الواقع أنا لا أميل كثيراً للعقاب التأديبي ، ربما لارتباطه في ذهني بالهيراركية ، وتسلط بعض البشر على بعضٍ ؛ ربما لو كانتْ هناك روبوتات عاقلة وهي من يتولى العقابَ فإنني لن أباليَ حينَها بأن تقوم بالعقاب ، لأنها طرفٌ محايدٌ بمعنى من المعاني ..
أيضًا هذا لا ينفي أنني أميل إلى فكرة التظاهر بأن عقاباً ما هو عقابٌ تأديبيّ بينما هناك بعدٌ جنسيٌّ هو المقصود بشكل أساسيّ من العملية كلها ..
7- إن كنْتَ ممن يرغب في العقاب التأديبي ، فما هي رؤيتك للتوبيخ من حيث الزمنُ ( قبل الضرب – أثناؤه – بعده – كل ما سبق – بعض ما سبق ) ومن حيث النوعُ ( طلب من المعاقب أن يذكر ما يعاقب لأجله – تحقير من قدر المعاقب – ثناءٌ عليه مع ربط الثناء بخيبة الأمل من صدور مثل هذا السلوك عنه – تهديدٌ بما يوشك أن يقع ( قبل الضرب ) / بما سيستمر في الوقوع ( أثناء الضرب ) / بما سيتكرر إن حدث الفعل مرة أخرى ( بعد الضرب)  – كل ما سبق – بعض ما سبق )
أيضاً لو أخرجْنا هذا السؤالَ مخرج العقاب الذي يتظاهر طرفاه بأنه تأديبيّ بينما هو ليس كذلك ، فإنني أفضِّل أن يقوم المعاقِبُ بالتوبيخ أثناء العقاب ، وأن يكون من نوع سأفعل بك كذا وكذا أيها الشقيّ .. وربما يختلط به أيضاً بعض التعليقات والتلميحات إلى أن المعاقَبَ مثارٌ جنسيًّا بما يحدث .. وتلعب هذه التعليقات دور المدخل لفتح الباب أمام مزيدٍ من الممارسات الجنسية حتى يصل الأمر إلى نهايته ، ولا يبقى من العقاب إلا اسمه ..
8- إن كنْتَ ممن يرغب في الضرب الجنسي أو المَرِح ، فهل تفضل أن تقوم أنت أو الطرف الآخر للعقاب أو كلاكما بدور مهنة أو شخصية ما ( معلم – طالب – أميرة – راعي غنم – جميس بوند – كليوباترا ! – إلخ  )
هذا هو ما أميلُ إليه بالأساس الضرب الجنسي أو المرح ( وهما نوعان ، وليسا تسميتين لنوعٍ واحد ) ، ونعمْ أنا أميل إلى بقاء أطراف العملية العقابية في صورتهما الطبيعية , ولكنْ بين الفينة والأخرى قد يكون من الممتع أن يستغل الطرفان الإمكانات التي يمنحها لعبُ الأدوار المختلفة من أجل مزيد من التنويع والمرح .
9- إن كنتَ ممن يرغبُ في الضرب الجنسي أو المرح ، فهل ينتهي الضربُ في المعتاد إلى ممارسة جنسية أكثر حميمية ؟ وإن كانت الإجابة بنعم فمن الذي يقرر الانتقال من الضرب إلى تلك الممارسة ( الضارب – المضروب – قرار مشترك – أيهما رغب في ذلك أولًا( تكفي إرادة أحدهما ) – أيهما رغب في ذلك أخيراً ( لا بد من إرادة الطرفين ) ) ؟
في تصوّري : نعم ، يفترض به أن ينتهي إلى ممارسة جنسية أكثر حميمية ، ولكنْ ربّما كانتْ الممارسة نفسها شديدة الاتصال بعملية ضرب المؤخرة ، حتى إنه يصعب أن تعدّ شيئًا منفصلاً عنها – فعلى الرغم من ندرة وصول المضروب أو المعاقَب إلى الشبق الجنسي عن طريق ضرب المؤخرة وحده ، إلا أن بعض الإضافات والتوابل هنا وهناك بإمكانِها أن تزيد من احتمالية حدوث ذلك .. وفي مثل هذا السيناريو لا نحتاج إلى نقلة واضحة بين الضرب وبين ما بعد الضرب .. مما يبعدنا عن إجابة الشق الثاني من السؤال !
10 – كم شخصًا عاقبْتَ أو عوقبْتَ منه في الواقع ؟ وإن كانتِ الإجابة بصفر فكم شخصًا ترغب في أن تعاقبه أو أن يعاقبك في الواقع ( من حيث المبدأ ) ؟
الإجابة بصفر ..
ومن حيث المبدأ فالزيادة خيرٌ .. بإزاء من يرغبون في شخصٍ واحدٍ يعاقبونه أو يعاقَبون على يده ( مع كامل الاحترام لهم ) ، فأنا أميل إلى الإسراف في المنح لمن يريد أن يُمْنَحَ ، والإسراف في التلقي ممن يريد أنْ يَمْنَحَ ( وهذه من محاسن ازدواجية السيطرة والخضوع ، لا أعتقد أن هذه ترجمة دقيقة لكلمة سوِتشْ تلك ، ولكن : “ازدواجية السيطرة والخضوع”  قريبة إلى حدٍّ ما ) 
11 – في المتوسط ، كم مرةً في الشهر تكون طرفًا في عملية عقابٍ ؟ إن كانتِ الإجابة بصفر ، فكم مرةً في الشهر ترغب في أن تكون طرفًا في عملية عقابٍ ؟
مرةً أخرى الإجابة بصفر …
وبالنظر إلى أنني لا أميل إلى العقاب التأديبي أو الضرب المفرط ، كما أنني لا أقتصر على شخصٍ واحدٍ في الرغبة في التعرض لعقابه وتعريضه لعقابي ، فالخيارات مفتوحة ، ولا يترتب على هذه الخيارات حاجةٌ إلى فترةٍ طويلةٍ من النقاهة والتعافي  ، ومن ثم فإنه لا يوجد ما يمنع من زيادة عدد مرات كوني طرفًا في عملية عقابٍ في الشهر الواحد إلى أكبر عددٍ ممكنٍ … ولكنّ ما جعل الإجابة صفريةٌ هي أنه مكره أخاك لا بطل !
12 – في المعتاد , كم دقيقةً تدوم عملية العقاب شاملةً الوقوف في الزاوية ، والتوبيخ ( إن حوى العقاب هذين أو أيًّا منهما  ) ؟ وإن عدمَتِ التجربةُ الواقعيةُ فينتقل السؤال إلى المتخيَّل والمأمول ؟
فلينتقلْ إلى المتخيَّل والمأمول : في الواقع لا يوجد لديّ إجابة دقيقة ؛ لأنه لا يوجد لديّ تجربة عملية أبني عليها .. ولكنْ لنتحدثَ عن الوقوف في الزاوية – إن هذا المنظر جذابٌ للغاية .. ولكنّ الملل الذي لا شك أنه يعرو الشخصَ عند وقوفه خصوصاً لفتراتٍ طويلة بدون القيام بشيءٍ ما ( نافعٍ أو ضارٍّ ) هذا يبدو قاسيًا للغاية .. وأجدني _ على الرغم من غرابة الفكرة _ أميل إلى أن يكون الوقوف في الزاوية مستمرًا لدقيقة أو اثنتين فقط – من أجل جمال المنظر فحسبُ .. وهذا مما سيقلل أيضًا من الزمن الكلي للعملية كلها ، وهو ما يزيد من المساحة المتاحة لمزيد من جلسات العقاب بمعنًى من المعاني !
13 – هل سبق لك أن صفعْتَ مؤخرتَك بنفسك ( يسمى عقاباً ذاتيًا أحياناً ) ؟ وإن كنْتَ على الطرف الآخر من العملة ، فهل سبق لك أن طلبْتَ ممن لا تطوله يداك وترغب في أن تعاقبه أن يصفع مؤخرته بنفسه نيابةً عنك ؟ في كلتا الحالتين ما هي رؤيتك لتلك الفكرة ؟
أعتقد أنه في بدايات البدايات قمْتُ بشيءٍ من هذا القبيل .. ولمْ أكرِّرْه منذ تلك الفترة .
وعلى الجانب الآخر ، فأنا أعتقد أنه سيكون من اللطيف أن تشاهد إيجاع شخصٍ ما لنفسه بأمرك .. وكأنه لا يجد مكاناً يهرب فيه منك ، لأنه عونٌ لك على نفسِه ، فلن يهرب منك حتى يهرب من نفسه ؛ هذا الولاء مثيرٌ للإعجاب ، وفيه جاذبية لا تُنْكَرُ !
14 – هل سبق لك أن شاركْتَ في حفلة عقابٍ ( مجموعة ممن يرغبون في تلك الممارسة يتجمعون في مكانٍ ما ليمارسوها ! ) ؟ ما هي رؤيتك من حيث المبدأ لتلك الفكرة ؟
 لا لم يسبق لي فعلُ ذلك . ومن حيث المبدأ فهي تبدو فكرةً لطيفةً ، بشرط أن يعرف المدعوّون بعضهم البعض ( ولو معرفة سطحية ) ، فبالنظر إلى ما يميل بعض الناس إلى فعلِه ، قد يكون من الخطر السماح لهؤلاء بالتواجد في مكانٍ تكثر فيه ممارسات قد يرونها دعوة مفتوحة للتجاوز وانتهاك حقوق الآخرين .. فالسلامة أولاً بالطبع .
15- هل ترغب في إضافة شيءٍ آخر ؟
أعتقد أنني نلْتُ كفايتي الآن ، قد أعود لاحقًا لأضيف !